issue17246

10 أخبار NEWS Issue 17246 - العدد Sunday - 2026/2/15 الأحد ASHARQ AL-AWSAT ووانغ يي دافع عن التعددية ودعا إلى الالتزام بالقانون الدولي روبيو يتبنّى نبرة تصالحية دون التراجع عن انتقاد أوروبا لـم يبتعد وزيـــر الخارجية الأميركي مـاركـو روبـيـو كثيرا عـن مضمون خطاب نــائــب الــرئــيــس الأمــيــركــي جـــي دي فـانـس الـعـام المـاضـي فـي مؤتمر ميونيخ للأمن، مـع فـــارق أن روبـيـو قـــدّم خطابه بأسلوب يـــمـــزج بــــن الـــضـــغـــط الـــــــودي والـــصـــرامـــة، انطلاقا من حرصه على مستقبل أوروبـا. وجــعــل روبـــيـــو، مـثـل فــانــس قـبـلـه، مـحـور خــطــابــه أمــــام المــؤتــمــر مـــوضـــوع الــهــجــرة، واصـــــفـــــا إيـــــاهـــــا بـــأنـــهـــا تُـــشـــكـــل «تـــهـــديـــدا للحضارة الأوروبية». لـكـنـه افــتــتــح خــطــابــه بـالـتـركـيـز على الـتـاريــخ المـشـتـرك مــع أوروبـــــا، مضيفا أن كــــام المـــســـؤولـــن الأمـــيـــركـــيـــن «قــــد يُــنـظـر إليه على أنـه قـــاسٍ، لكنه فـي الـواقـع نابع مـــن الـــحـــرص عـلـى مستقبل أوروبـــــا ومـن الــرغــبــة فـــي الــحــفــاظ عـلـى شـــراكـــة قــويــة». وربـــــط كـبـيـر الــدبــلــومــاســيــن الأمـيـركـيـن مستقبل أوروبا بمستقبل بلاده، مخاطبا الأوروبــيــن بـالـقـول: «قــد نـكـون مباشرين فـــي كــامــنــا، لـكـنـنـا نـــقـــول مـــا نـــقـــول لأنـنـا نهتم جدا بمستقبلكم ومستقبلنا، ونحن قـلـقـون عـلـى مستقبل أوروبـــــــا». وأضـــاف أن «مـــصـــيـــرنـــا ســـيـــكـــون دائـــــمـــــا مــرتــبــطــا بمصيركم». «تهديد» الهجرة وعقدة الذنب وتحدّث روبيو عن أن مصير أوروبا «مُــهــدّد» بسبب الـهـجـرة، وربطها بالأمن القومي والدفاع، متسائلاً: «ما الذي ندافع عــنــه؟ الــجــيــوش تـــدافـــع عـــن أمــــم وشــعــوب وأســــــلــــــوب حــــــيــــــاة». وذكّــــــــــر الأوروبــــــيــــــن بــحــضــارتــهــم «الـــعـــظـــيـــمـــة»، ودعــــاهــــم لأن يـــكـــونـــوا فـــخـــوريـــن بــهــا وبــمــاضــيــهــم لكي «يتمكنوا من الدفاع عن المستقبل والأمن». وقـــال إن «الــهــجــرة الـجـمـاعـيـة ليست بــا عــواقــب، وكـانــت وستبقى أزمـــة تـُـهـدد المـجـتـمـعـات الـغـربـيـة». وتــابــع مـزيـجـا من المــــديــــح والانــــتــــقــــاد لــــأوروبــــيــــن، قـــائـــاً: «لا نـــريـــد لـحـلـفـائـنـا أن يـــكـــونـــوا ضـعـفـاء أو يـعـيـشـوا بـخـجـل مــن تـاريـخـهـم، بــل أن يصيروا فخورين بماضيهم ومستعدين لـــلـــدفـــاع عـــنـــه. ولا نـــريـــد تــحــالــفــا يـخـجـل أعـضـاؤه مـن ماضيهم أو حلفاء يطلبون الإذن قـبـل أن يـتـصـرفـوا». ويـشـيـر روبـيـو هنا ضمنيا إلى ألمانيا، لافتا إلى أن الألمان يـعـيـشـون فـــي «عـــقـــدة ذنــــب» مـــن المــاضــي، تؤثر على عدد من سياساتهم الحالية، لا سيما الدفاعية. وبــــعــــد الـــــحـــــرب الــــعــــالمــــيــــة الـــثـــانـــيـــة، أضـعـفـت ألمـانـيـا جيشها عـمـدا وخفّضت الإنــفــاق الـعـسـكـري بشكل كـبـيـر. وعندما انــــدلــــعــــت الـــــحـــــرب فـــــي أوكـــــرانـــــيـــــا، رفـــض المـسـتـشـار الألمـــانـــي، آنــــذاك، أولاف شولتز اتخاذ أي قـرار بشأن تسليح أوكرانيا من دون الـحـصـول عـلـى الــضــوء الأخــضــر من الـــولايـــات المـتـحـدة. ومـــع ذلـــك، فـــإن حديث روبـــيـــو عـــن ضــــــرورة أن يـشـعـر «الـحـلـفـاء بفخر بماضيهم» قد يجد صدى إيجابيا فقط لدى حزب «البديل لألمانيا» اليميني المـتـطـرف، الـــذي يـدعـو أيـضـا إلــى «تحرير الألمان» من تاريخهم وتجاوز عقدة الذنب. والـــــعـــــام المـــــاضـــــي، اخــــتــــار فــــانــــس أن يلتقي رئيسة الـحـزب، أليس فـايـدل، على هامش المـؤتـمـر، رغــم أنها لـم تكن مدعوة للمشاركة فـيـه، ورفـــض حينها أن يلتقي المستشار الألماني. «أطفال أوروبا» ورغــم أن فحوى رسـالـة روبـيـو، التي لـــم تـخـتـلـف عـــن خـــطـــاب فـــانـــس، فــقــد ظل ملتزما بمعايير الـدبـلـومـاسـيـة الـدولـيـة؛ حيث التقى المستشار فريدريش ميرتس في اليوم الأول من المؤتمر. وختم خطابه بنبرة إيجابية بعد اللكمات التي وجّهها للأوروبيين، متحدثا عن جذور الأميركيين التي يعود كثير منها إلى أوروبــا، مؤكّدا أنه واحد من هؤلاء، خاتماً: «سنبقى دائما أطفال أوروبا». وهــــــذه الـــنـــبـــرة الإيـــجـــابـــيـــة هــــي الــتــي اخـــــتـــــار الــــزعــــمــــاء الأوروبـــــــيـــــــون الــتــركــيـــز عليها فـي تقييمهم لخطاب روبـيـو، رغم اســتــنــتــاجــهــم بـــــأن الـــعـــالـــم يــتــغــيــر، وبــــأن الشراكة مـع الـولايـات المتحدة لا يمكن أن تبقى نفسها. وقـالـت رئيسة المفوضية الأوروبــيــة، أورســـــــولا فــــون ديــــر لايـــــن، عــنــدمــا سُــئـلـت فـي جلسة تلت كلمة روبـيـو عـن تقييمها لمــا قــالــه، إنـهـا «تـشـعـر بـالاطـمـئـنـان، وإنــه كـــان واضــحــا بـقـولـه إنـــه يـريـد مــن أوروبـــا أن تكون قوية فـي التحالف»، مضيفة أن «هذا ما نعمل عليه»، وأنها توافق روبيو في أن على أوروبـا أن تصبح أقـوى وأكثر اسـتـقـالـيـة عـــن الــــولايــــات المـــتـــحـــدة، وأقـــل اعتمادا عليها في مجال الدفاع. ووافـــقـــهـــا فـــي ذلــــك رئـــيـــس الـحـكـومـة الــبــريــطــانــي، كــيــر ســـتـــارمـــر، الــــذي وصــف خــــطــــاب روبـــــيـــــو بــــأنــــه كـــــــان «واضــــــحــــــا». وأضاف: «لا يمكننا أن نشعر بالاسترخاء ونبقي اعتمادنا على الولايات المتحدة في الأمن كما هو، وهو محق بذلك». وكــــــــــرر ســـــتـــــارمـــــر دعــــــوتــــــه لـــــ«نــــاتــــو أوروبــيــة»، ولكنه أصـر على أن هـذا يجب ألا يـــحـــل مـــحـــل حـــلـــف شــــمــــال الأطـــلـــســـي. سـنـوات على «بـريـكـسـت»، شدد 10 وبـعـد على أن التحالف مع أوروبـا أساسي لأمن بريطانيا، والعكس صحيح. كما تحدث عن التعاون الـنـووي مع فرنسا، قائلا إن عـلـى «خـصـومـنـا أن يـعـلـمـوا أنـــه فــي حـال أي أزمة، سيتعي مواجهة قوتنا النووية المشتركة». دفاع صيني عن التعددية وبـدا وزيـر الخارجية الصيني، وانغ يي، الذي صعد منبر المؤتمر بعد روبيو، وكـــــأن كـلـمـتـه صُــمــمــت لانـــتـــقـــاد الـــولايـــات المــتــحــدة والـــــرد عـلـى خــطــاب روبـــيـــو. فقد انتقد وزير الخارجية الأميركي أيضا الأمم المتحدة، واصفا إياها بأنها غير مجدية ولا تــــــؤدي دورهـــــــا فــــي حــــل الـــصـــراعـــات، مستعرضا الــنــزاعــات فــي أوكــرانــيــا وغــزة والــبــرنــامــج الـــنـــووي الإيـــرانـــي وفـنـزويـا، ومشيرا إلـى أن إدارة دونالد ترمب كانت قد تعاملت معها أو عملت على حلها. لــكــن وانـــــغ يـــي رســــم صـــــورة مـغـايـرة لمـــقـــاربـــة الـــــولايـــــات المــــتــــحــــدة، داعــــيــــا إلـــى الالــــتــــزام بــالــقــانــون الـــدولـــي ونـــظـــام الأمـــم المتحدة، مضيفا أنـه مـن دون هـذا النظام «نتحول إلى قانون الغاب». وعــــــن الــــــولايــــــات المــــتــــحــــدة، قــــــال مـن دون تسميتها مــبــاشــرة، إن «ســبــب عـدم سير النظام العالمي بشكل جيد لا يعود لـأمـم المـتـحـدة نفسها، بــل لبعض الـــدول الـتـي تُــحــاول إعــــادة إحــيــاء عقلية الـحـرب الباردة». وأضاف أن «الدول الكبرى يجب أن تقود بـالالـتـزام بالقانون، بـدل اختيار الـــقـــوة، وأن تــعـــود إلــــى الـــشـــراكـــة الــدولــيــة وتبتعد عن الاستقطاب الأحادي». وفــــي إشــــــارة إلــــى كــــام تـــرمـــب، الـــذي دائـمـا مـا يتحدث عـن حــل نــزاعــات العالم ويـعـددهـا، قــال وزيـــر الـخـارجـيـة الصيني نزاعا في العام ونحن 60 إنه «ما زال هناك نتكلم الآن»، مضيفا أن «الـصــن ملتزمة بـــالـــســام». وفـــي خـاتـمـة حــديــثــه، مـــد يـده لأوروبا قائلا إن «الصين وأوروبا شركاء، وليسوا متنافسين». انتخابات أوكرانيا وبــقــيــت أوكـــرانـــيـــا مــحــور الـنـقـاشـات حـــــــــول أمـــــــــن أوروبــــــــــــــــــا، وكـــــــــــان رئـــيـــســـهـــا فولوديمير زيلينسكي حــاضــراً، وتوجه للمشاركين فــي المـؤتـمـر داعــيــا إيــاهــم إلـى وقف داعمي روسيا، من بينهم إيران، الذي قــال إنـهـا تـــزود روسـيـا بمعظم الـطـائـرات المـسـيّــرة الـتـي «تقتل الأوكــرانــيــن». ودعـا زيلينكسي إلــى «وقـــف النظام الإيــرانــي»، الـــذي «عـنـدمـا يجد الـوقـت لا يفعل سوى القتل». وأكــــــد زيــلــيــنــســكــي اســــتــــعــــداد بــــاده لسلام «حقيقي ينهي الحرب في أوكرانيا (بكرامة)». وبـدا حريصا على عدم انتقاد الـجـهـود الأمـيـركـيـة لـوقـف الــحــرب، ولكنه شكك في نية روسيا وسأل: «ما التنازلات الـتـي تـريـد روســيــا أن تـقـدمـهـا؟ لا نسمع شيئا عن ذلك». وأقــــــر الـــرئـــيـــس الأوكــــرانــــي بـتـصـاعـد الــضــغــوط الأمــيــركــيــة لتنظيم انـتـخـابـات فـــي الـــبـــاد الــغــارقــة فـــي حـــرب مـــع روسـيـا . وقال في ندوة 2022 ) منذ فبراير (شباط لــأمــن، ‌ مــيــونــيــخ ​ مــؤتــمــر ‌ خــــال ‌ نــقــاشــيــة الـولايـات المتحدة لإجـراء ‌ ردا على دعــوات انتخابات بسرعة: «امنحونا وقفا لإطلاق لمدة شهرين وسنجري الانتخابات». ‌ النار وتــــابــــع: «الـــرئـــيـــس تـــرمـــب قـــــادر على ذلــــــك: الـــضـــغـــط عـــلـــى (الــــرئــــيــــس الـــروســـي فــاديــمــيــر) بـــوتـــن وفـــــرض وقــــف لإطـــاق الـــنـــار. عـنـدهـا سـيـعـدل بـرلمـانـنـا الـقـانـون وسنجري الانتخابات». ميونيخ: راغدة بهنام فبراير (د.ب.أ) 14 اتّسم خطاب روبيو أمام مؤتمر ميونيخ للأمن بلهجة تصالحية يوم مزج خطاب روبيو بين الضغط الودي والصرامة المدفوعة بالحرص على الشراكة مع أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس مصافحا وزير الخارجية الصيني وانغ يي على هامش فبراير (رويترز) 14 مؤتمر ميونيخ للأمن يوم تحذيرات من الاعتماد الكامل على منظومة واشنطن التقنية والمالية ترمب يُثير هواجس أوروبية أعمق من الدفاع لـــــم تــــعــــد مـــــخـــــاوف الأوروبـــــــيـــــــن مــن ســــيــــاســــات الــــرئــــيــــس الأمــــيــــركــــي دونــــالــــد ترمب محصورة في حدود الأمن والدفاع أو «مـــــزاج» الـبـيـت الأبــيــض تــجــاه الحلف الأطـــلـــســـي. الـــجـــديـــد أن الــقــلــق انــتــقــل إلــى الـقـلـب الـنـابـض لـلـسـيـادة الـحـديـثـة: المـــال، والـــبـــيـــانـــات، والـــبـــنـــى الــتــحــتــيــة الــرقــمــيــة التي تمر عبرها المدفوعات، وتـدار فوقها الخدمات الحكومية، وتُخزَّن فيها الأسرار الصناعية، وتُــبـنـى عليها نـمـاذج الـذكـاء الاصطناعي. وفــــي لـحـظـة تــتــســارع فـيـهـا «الـــثـــورة الــجــديــدة»، مــن الـحـوسـبـة السحابية إلـى الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي والــعــمــات الـرقـمـيـة، يكتشف الأوروبــــيــــون أن اعـتـمـادهـم على شــــبــــكــــات وشــــــركــــــات أمــــيــــركــــيــــة لا يــشــبــه اعـتـمـادهـم عـلـى ســـاح أو صفقة تجارية يمكن استبدالها، بـل هـو اعـتـمـاد بنيوي يطال كل معاملة تقريباً، وكل بريد رسمي، وكل طبقة من طبقات الاقتصاد. التمويل والتكنولوجيا أداة ضغط تُــقـرأ هــذه الـهـواجـس الأوروبــيــة على خلفية إشارات سياسية صادمة بالنسبة لكثير مــن الـعـواصـم الأوروبـــيـــة: الحديث المـــتـــكـــرر عــــن الاســــتــــحــــواذ عـــلـــى أراض أو مـــــــوارد، والـــتـــهـــديـــد بـــاســـتـــخـــدام الـــقـــوة أو الـرسـوم لإجـبـار الشركاء على خـيـارات لم تكن تُطرَح بهذا الشكل سابقاً. بحسب صحيفة «نـيـويـورك تايمز»، فـــإن الـخـطـر الـــذي يــعــدّه قـــادة وخــبــراء في أوروبـــا بأنه «أقــل وضـوحـا للعين» وأكثر قـابـلـيـة لـلـتـسـيـيـس، هـــو قـــــدرة واشــنــطــن، عبر تفوقها في التكنولوجيا والتمويل، عــلــى تــحــويــل الاعـــتـــمـــاد إلــــى أداة ضـغـط: مـــن شــبــكــات الـــدفـــع وبـــطـــاقـــات الائـــتـــمـــان، إلى منصات البريد والتخزين السحابي، وصـــــولا إلــــى الــعــمــات المــســتــقـرة المــشــفَّــرة التي يمكن أن تُزاحم العملات الوطنية من دون أن ترفع علما فوق دبابة. هنا تتقدَّم فـكـرة «الـسـيـادة النقدية» و«الـــســـيـــادة الــرقــمــيــة» مـــن كــونــهــا شــعــارا فرنسيا أو نزعة بيروقراطية في بروكسل، إلــــــى مـــــشـــــروع أمــــــن قـــــومـــــي. فـــحـــن يـــقـــول الـــرئـــيـــس الــفــرنــســي إيـــمـــانـــويـــل مـــاكـــرون، فــي اجــتــمــاع عُــقــد هـــذا الأســـبـــوع، إن على أوروبـــــــــا أن تــلــتــقــط «لـــحـــظـــة غـــريـــنـــانـــد» لـتـقـويـة اســتــقــالــهــا، فــهــو لا يــتــحــدث عن ســــيــــادة ســـيـــاســـيـــة فـــقـــط، بــــل عــــن قـابـلـيـة «الضغط الاقتصادي» في عصر تُــدار فيه الاقـــتـــصـــادات عـبـر ســاســل تــوريــد رقمية وشــبــكــات دفــــع مـمـلـوكـة أو مُــــــدارة خـــارج القارة. ويكفي رقــم واحـــد لفهم عمق المـــأزق: أكـــثـــر مـــن ثـلـثــي مـــعـــامـــات الـــبـــطـــاقـــات في مـنـطـقـة الـــيـــورو تــتــم عـبـر مـخـطـطـات دفـع دولـــيـــة، بينما تعتمد دول عـــدة بالكامل عـلـى حــلــول غـيـر أوروبـــيـــة فــي المـدفـوعـات الـــرقـــمـــيـــة، وفـــــق بـــيـــانـــات الـــبـــنـــك المـــركـــزي الأوروبي. هـــــذا هــــو المـــعـــنـــى الــعــمــلــي لــعــبــارة «الــــــــســــــــيــــــــادة» فـــــــي زمــــــــــن الـــــشـــــبـــــكـــــات: لــيــســت الــــحــــدود وحــــدهــــا مــــا يُـــخـــتـــرق، بــــل «المـــفـــاتـــيـــح» الـــتـــي تــفــتــح أو تـغـلـق الخدمات. المثال الذي تداوله أوروبيون بـكـثـافـة فـــي الأشـــهـــر الأخـــيـــرة، بوصفه مـــؤشـــرا عـلـى كـيـف يـمـكـن أن يـمـتـد أثـر القرارات الأميركية إلى خارج خصومها الــتــقــلــيــديــن، هـــو اســـتـــهـــداف أفــــــراد أو هيئات بعقوبات تقطع عنهم خدمات رقمية ومالية، ما يترك لدى مؤسسات أوروبية سـؤالا مُقلقاً: مـاذا لو وُضعت أوروبـا، يوما ما، على طرف هذا النوع مـــن الــــقــــرارات، ولــــو بـشـكـل انـتـقـائـي أو رمزي أو «تأديبي»؟ السيادة الرقمية الأوروبية فـــــــي الآونـــــــــــــة الأخـــــــــيـــــــــرة، تــــصــــاعــــدت الـــــدعـــــوة لـــســـيـــاســـات «تـــقـــلـــيـــل الاعـــتـــمـــاد» فــي مــجــالات تــبــدو لـلـوهـلـة الأولــــى تقنية محضة: السحابة والــذكــاء الاصطناعي، والاتـــصـــالات المـشـفـرة، ومــراكــز الـبـيـانـات. فــــالاتــــحــــاد الأوروبـــــــــــي يــــدفــــع نـــحـــو بـنـيـة ســـحـــابـــيـــة وحــــوســــبــــة فــــائــــقــــة، وقـــــــــدرات سـيـبـرانـيـة أوروبــــيــــة، لـكـن الــطــريــق مـلـيء بالتحديات: السوق تهيمن عليها شركات أميركية كبرى، والتكلفة ضخمة، والبدائل تتطلب وقتا ومهارات وبيئة استثمارية لا تُبنى بقرار سياسي. وحتى حين تشتري دولة أوروبية «شركة سحابة وطنية»، قد تستيقظ لاحـقـا عـلـى خـبـر انـتـقـال الملكية إلـــــى شـــركـــة مـــتـــعـــددة الــجــنــســيــات خــــارج القارة، فتعود المشكلة من نافذة أخرى. في المقابل، لا تبدو واشنطن في وارد تسهيل هـذا المسار الأوروبـــي. ففي خضم الدفع الأوروبــي نحو «السيادة الرقمية»، حذَّرت شركة «غوغل» من أن بناء «جدران» قد يرتد على تنافسية أوروبـا، داعية إلى صيغة «سيادة رقمية منفتحة» تقوم على الشراكات بدلا من الإقصاء. وبغض النظر عن الدافع التجاري للشركات، فإن الرسالة الأســاســيــة واحـــــدة: أوروبـــــا تــريــد «تقليل الاعتماد»، وأميركا، سياسيا أو تجارياً، لا تريد أن يتحوَّل ذلـك إلـى سابقة عالمية تقلص نفوذها في أكثر أدوات القوة هدوءا وفاعلية. هل تغيّرت أميركا؟ يــأتــي بـعـد ذلـــك الــعــامــل الـسـيـاسـي - الاجـــتـــمـــاعـــي الـــــذي يــجــعــل ســـــؤال «إعـــــادة عقارب الساعة» شديد الصعوبة. فالتوتر عـبـر «الأطـــلـــســـي» لـــم يـعـد مــجــرد اخـتـاف إدارة مــع أخــــرى؛ بــل أصـبـحـت لـــدى كثير مـــن الأوروبــــيــــن قـــــراءة مــفــادهــا أن المــــزاج الأميركي نفسه تغيّر، وأن فكرة «أميركا الـقـديـمـة» الـتـي تُــقــدّم المظلة مقابل الــولاء الاســتــراتــيــجــي لـــم تــعــد ضــمــانــة، بحسب رئيس كتلة «حـزب الشعب الأوروبـــي» في البرلمان الأوروبي، مانفريد فيبر. في هذا المناخ، حاول وزير الخارجية الأمـيـركـي، مـاركـو روبـيـو، تهدئة الأجـــواء في خطابه أمام «مؤتمر ميونيخ للأمن». لـــكـــن الأهـــــــم أن الــــســــجــــال بــــــات يـــــــدور فـي أوروبــــــــا حـــــول «إدارة المـــخـــاطـــر» لا حـــول «حُــــســــن الــــنــــيــــات»: كـــيـــف تُـــحـــصِّـــن الـــقـــارة نفسها إذا كانت أدوات الضغط المحتملة ليست الدبابات، بل التعريفة الجمركية، والمــعــايــيــر الـتـقـنـيـة، وحـــــق الـــوصـــول إلــى السحابة وشبكات الدفع؟ وفـــي مـيـونـيـخ، حـيـث تـتـقـاطـع ملفات الـــــدفـــــاع مـــــع الاقــــتــــصــــاد والـــتـــكـــنـــولـــوجـــيـــا، بـــدا واضـــحـــا أن أوروبـــــا تـنـظـر إلـــى المـرحـلـة بوصفها «لحظة مفصلية» لإعــادة تعريف الــعــاقــة مـــع واشـــنـــطـــن: أقــــل عــاطــفــيــة، أكـثـر تعاقداً، وأكثر تشكيكا بركائز ما بعد الحرب الباردة، وفق تغطيات المؤتمر التي تحدَّثت أيـضـا عــن تــراجــع صـــورة الـــولايـــات المتحدة لدى قطاعات من الرأي العام الأوروبي. لــذلــك، يـــرى الـبـعـض أن مــا تستطيع أوروبـــا فعله واقعيا ليس قطع الارتـبـاط، بــل إعــــادة الـــتـــوازن: بـنـاء بــدائــل تدريجية فـــي الـــدفـــع والـــهـــويـــة الــرقــمــيــة والــسـحـابــة الــحــكــومــيــة، وتــوحــيــد مــشــتــريــات الـــدفـــاع والتقنية لتقليل الهدر، وتوسيع شراكاتها التجارية مع كتل ودول تبحث عن «نظام قـائـم على الـقـواعـد» لا على منطق الـقـوة، كما حصل فـي الاتـفـاقـات الـتـي عُــقـدت مع الهند ودول «ميركوسور». واشنطن: إيلي يوسف (رويترز) 2025 أغسطس 18 ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky