issue17245

الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel الـطـاهـر الــحــداد المـفـكـر الـتـونـسـي، وُلـــد فــي زمــن تونسي متحرك. الاستعمار الفرنسي حرَّك مقصلتَه فـوق الأرض، قَطع رؤوس العشرات، وفتح السجون ومـارس سياسة التجويع. عم الفقر والجوع والقمع والـــخـــوف. المــقــاومــة المـسـلـحـة لـاسـتـعـمـار الـفـرنـسـي كانت مغامرة لم يندفع لها إلا القليل من رجال القبائل (العروش)، خصوصا في جنوب البلاد، حيث نشطت مجموعات «الفلَّقة». وهي مجموعات مسلحة مقاتلة يمكن تسميتُها بالفدائيين. فــي مـطـلـع الـقــرن الـعـشـريـن، وفــي خـضـم الـحـرب الـــعـــالمـــيـــة الأولـــــــــى، شـــهـــدت تـــونـــس حــــراكــــا سـيـاسـيـا قادته نخبة من الجيل الجديد. أسسوا الحزب الحر الدستوري التونسي، بقيادة عبد العزيز الثعالبي، كــــان مــن بينهم الـــشَّـــاب الــطــاهــر الـــحـــداد. بـعـد إعــان الرئيس الأميركي وودرو ويلسون، في مؤتمر فرساي للسَّلام بباريس، حـق الشّعوب في تقرير مصيرها، تـوجَّــه زعـيـم الـحـزب الـحـر الـدسـتـوري التونسي عبد الــعــزيــز الـثـعـالـبـي إلـــى بـــاريـــس، رفـــقـــة وفــــد كـبـيـر من الـحـزب، للمطالبة باستقلال بـــاده. بعد عـودتِــه إلى تونس جرى سجنُه وتعذيبُه، وفي النّهاية تقرَّر نفيُه خارج البلاد. ارتبط الطاهر الحداد مبكرا بالثعالبي الـــــــذي كـــــــان يــــقــــود الــــحــــركــــة الـــســـيـــاســـيـــة الــتــونــســيــة. الـثـعـالـبـي، خـــريـــج جــامــع الــزيــتــونــة، دعـــا مـبـكـرا إلـى مــراجــعــة الـنـصـوص الـديـنـيـة وإعـــــادة تـفـسـيـرهـا، من منظور عقلاني حـديـث، فقد كــان يعتقد أن الإصــاح الاجـتـمـاعـي والــوعــي الـفـكـري هما عـامـان أساسيان فـــي مـــقـــاومـــة الاســـتـــعـــمـــار الـــفـــرنـــســـي. انـــضـــم الـــحـــداد إلـــى مـــشـــروع الـثـعـالـبـي الـسـيـاسـي والـــفـــكـــري. حُــوكـم الثعالبي بتهمة الإلـحـاد، إذ شـن عليه شيوخ جامع الزيتونة حملة واسعةً، لقيت مباركة من طرف الحاكم الـفـرنـسـي، وجـــرى نفيُه خـــارج تـونـس، وكـــان الـحـداد الوحيد في توديعه بالميناء قبل صعودِه الباخرة. من عبد العزيز الثعالبي إلى محمد علي الحامي: عـــاد مـحـمـد عـلـي الــحــامــي إلـــى تـــونـــس، بـعـد سـنـوات قـضـاهـا بـألمـانـيـا فــي الـــدراســـة. حـمـل مـعـه مــا تعلمه واطــلــع عـلـيـه فــي ألمـانـيـا وأوروبــــــا، وتــأثــر بالصعود الـقـومـي للحركات الاجتماعية والـنـقـابـيـة. التقى به الطاهر الحداد، وانشد بقوة إلى أفكاره. المجاعة كانت تطحن غالبية الشعب التونسي. قـام الـحـداد بحملة تــوعــيــة كـــبـــيـــرة، يــخــطــب فـــي الــجــمــاهــيــر ويــكــتــب في الصحف، وشن حملة عنيفة على الحاكم الفرنسي. نشر الطاهر الحداد كتاب «العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية»، تمت مصادرة الكتاب بعد ، لكن الحداد لم يتوقف عن الكتابة 1927 نشره سنة في الصحف، طارحا أفكاره حول الوضع الاجتماعي والاقـتـصـادي والتعليم، والـوضـع المـتـردي للمرأة في تونس. ركَّز بعد ذلك اهتمامه على المرأة وكتب: «المرأة هـي أم الإنــســان، تحمله فـي بطنها وبــن أحضانها، وتـغـذيـه مـن دمـهـا وقلبها، وتـغـمـره بعواطفها، فـإذا كــنَّــا نـحـتـقـر المـــــرأة ولا نـعـبـأ بــمــا هـــي فــيــه مـــن هـــوان وسقوط، فتلك صورة من احتقارنا لأنفسنا، وذلك هو السبب لما نحن فيه من سقوط». كتب الحداد عشرات المقالات عن الثقافة الخرافية التي تزدري المرأة. تحدث عـــن الــــــزواج والـــطـــاق والأبــــنــــاء، وعـــالـــج فـــي مـقـالاتـه الصحافية الطويلة، كـل مـا تعانيه المـــرأة التونسية آنــــــذاك. كــــان يـعـمـل فـــي المـحـكـمـة الــشــرعــيــة، ويـعـيـش القضايا التي تتعلق بالقضايا الاجتماعية، وخاصة الـعـائـلـيـة. دخـــل الـــحـــداد فـــي جـــدل طــويــل مـــع شـيـوخ جــامــع الـزيـتـونـة حـــول الـجـانـب الـشـرعـي فــي قضايا المــرأة، وطـرح عليهم عشرات الأسئلة، لكنَّه لم يقتنع بما قدَّموه له من ردود. استفتى شيخ الأزهر آنذاك في عدد من القضايا المتعلقة بالمرأة المسلمة، لكن الشيخ بخيت لم يرد عليه. تـــأبَّـــط المــثــقــف الـــطـــاهـــر الــــحــــداد مــــوضــــوع المــــرأة التونسية، وهو يخوض معركة الإصلاح الاجتماعي، الـذي اعتبره خط المواجهة الأول مع الاستعمار، وأن المــرأة الحرة القوية، هي الجسر الصلب الــذي يعبره الوطن على طريق الحرية والاستقلال. صارت تلك هي معركة الطاهر الحداد التي وهب اهتمامَه لها. تـــوســـع الـــحـــضـــور الاســـتـــعـــمـــاري الـــفـــرنـــســـي فـي تـــونـــس، اقــتــصــاديــا وثــقــافــيــا، وظـــهـــرت مـــامـــح الــــزّي والسلوك الفرنسي في البلاد بين النساء. الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية، صارت هي القضية الأولى التي تعبأ الجهود للدفاع عنها. الشاعر أبو القاسم الـشـابـي والــكــاتــب عـلـي الــدوعــاجــي والمـثـقـف الـطـاهـر الـحـداد شكلوا المثلث الفكري والثقافي المـنـافـح، عن الهوية التونسية العربية الإسلامية. الشابي بالشعر والدوعاجي بالقصة والحداد بالفكر. ، جمع الـحـداد مـا كتبه حـول المـرأة 1927 سنة ونــشــره فــي كــتــاب بـعـنـوان «امــرأتــنــا فــي الشريعة والمجتمع»، تناول فيه المساجلات التي جرت بينه وبــن شـيـوخ جـامـع الـزيـتـونـة حــول المــــرأة. حجاب المـــــرأة ومـنـعـهـا مـــن الـــخـــروج مـــن الــبــيــت، والــطــاق وتــعــدد الـــزوجـــات والمـــيـــراث. ذهـــب الـطـاهـر الـحـداد إلى أن كل تلك القضايا يجب أن يكون للمرأة فيها الـخـيـار، وأن يُــعـاد النظر فـي إعـــادة تقنينها، وأن يَحكم فيها القضاء. كتب الـحـداد، علينا أن نفهم مــا جـــاء بــه الـــقـــرآن، ومـقـاصـد الــديــن وهـــي الحرية والــعــدل. شـيـوخ الزيتونة أدانـــوا الـكـتـاب والكاتب بـــــالمـــــروق عـــلـــى الـــــديـــــن. قـــاطـــعـــه الـــجـــمـــيـــع الـــرجـــال والنساء، ومُــنـع توزيعُه. لاحـق الـعـوام الـحـداد في الشارع. شتموه وضربوه ورموه بالحجارة، وهم يهتفون... الموت للكافر الملحد. مات فقيرا مريضا جريحاً. ســـار فـي جنازته ثمانية أشـخـاص فقط. بعد رحيلِه بعشرين سنة وترأس الحبيب بورقيبة رئاسة تونس، أصـدر كل أفكار الطاهر الحداد في قوانين نافذة في البلاد. الطاهر الحداد... بين الثورة والمحنة عــنــدمــا دُعـــيـــت لـلـحـديـث فـــي مــنــتــدى الإعــــام ) فبراير (شــبــاط)، سـألـت نفسي 4 - 2( الـسـعـودي الأمَّــارة بالأسئلة: كيف يمكن الحديث عن الإعلام أمـام جمهور مهني، دون الوقوع في التبسيط أو الادعــاء أو الخطاب الوعظي؟ هـذا السؤال لم يكن عائقاً، بل كان نقطة البداية؛ لأن الإعلام لا يُناقَش مـــن مـــوقـــع الــيــقــن، بـــل مـــن مـــوقـــع الـــشـــك المـنـهـجـي الواعي. وقـررت أن أتحدث في الموضوع الشائع «بين الانــتــشــار والــتــأثــيــر»، حـيـث يـحـتـدم الــنــقــاش بين الكيف والكم الإعـامـي، ولأن المتاح من الوقت في المنتدى قصير، قـررت أن أشـارك القراء بعض تلك الأفكار. نحن نعيش وهْــم التعريف البسيط للإعلام، ونختزله في شاشة، أو منصة أو مقال، الإعلام ليس مهنة واحدة، ولا أداة واحدة، ولا منصة واحدة، بل هو بنية مركبة، تشبه منزلا متعدد الحجرات، كل حجرة تختلف عن الأخـرى في الأدوات والأسلوب والجمهور، لكنها تشترك جميعا في سقف واحد على عـمـوديـن، لا يمكن الاستغناء عنهما، وهما الحرية المسؤولة، والكلمة. الكلمة تقودنا مباشرة إلـــى الـلـغـة، وهـنـا تـبـدأ المعضلة الحقيقية. اللغة العربية لغة ثرية، جزلة، واسعة المـفـردات، قـادرة على التعبير والانفعال والتصوير، لكنها تعاني فــقــرا نـسـبـيـا فـــي المـصـطـلـحـات الـحـديـثـة الـدقـيـقـة، خـصـوصـا فــي مــجــالات الإعــــام والـسـيـاسـة وعلم الاجتماع. هذا الـرأي ليس انتقاصا من اللغة، ولا جلدا للذات، بل حقيقة علمية أشار إليها لغويون كــبــار، مــن بينهم حـسـن سعيد الـكـرمـي، (صـاحـب قـــول عـلـى قـــول) الـــذي كـــان محبا للعربية وأمينا معها في الوقت ذاته. كـمـا أن المـصـطـلـح لـيـس تـرفـا لـغـويـا، بــل أداة تفكير. حين يكون المصطلح دقيقا يكون التفكير أكثر انضباطاً، وحين يضعف المصطلح يضطرب الفهم، وتختلط الحدود بين الوصف والحكم، وبين التحليل والانطباع؛ لذلك نضطر أحيانا إلى توليد مصطلحات جديدة أو هجينة، لا حبا في الابتكار اللفظي، بل محاولة للإمساك بواقع لا تنطبق عليه القوالب الجاهزة. مــــثــــال: كــلــمــة الاخــــتــــاف مــصــطــلــح (مـــقـــبـــول) أي اخــتــاف وجــهــات الـنـظـر فــي نـفـس الإطــــار، أمـا (الـــخـــاف) فـهـو مـــذمـــوم؛ لأنـــه يــقــود إلـــى الــصــراع، ويُــسـتـخـدم المـفـهـومـان فــي نـفـس الـسـيـاق وبنفس المعنى في كثير من إعلامنا! المــــؤســــف أن كـــثـــيـــرا مــــن مـــؤســـســـاتـــنـــا تـفـتـقـد (الــــحــــجــــرة المــــحــــايــــدة لـــضـــبـــط أخـــــطـــــاء الـــعـــامـــلـــن وتصحيحها)، وهي عملية مهنية واجبة. من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بوجود إعلام محايد بالكامل. كتاب «المتلاعبون بالعقول» (عالم ) يكشف أن الإعـــام 1999 المـعـرفـة – مـــارس / آذار الأميركي نفسه غير محايد، لكنه يمارس انحيازه بــــذكــــاء وبــــــــــأدوات نـــاعـــمـــة. بــيــنــمــا يـــوضـــح كــتــاب «التفكير الصحيح والتفكير الأعوج» (عالم المعرفة ) أن غسيل العقول لا 1978 - يناير/ كانون الثاني يحتاج إلـى كـذب صريح، بل إلـى اختيار ما يُقال ومـــا لا يُـــقـــال، وتــوقــيــت الـــقـــول، وطــريــقــة الــعــرض. وهنا تصبح المهنية ليست في نقل الخبر، بل في طريقة توظيفه بذكاء. المـــحـــاور الــعــربــي فـــي الــغــالــب يــقــع فـــي إغــــراء «الاستعراض» فيطيل ويتدخل في سياق النقاش، متجاهلا أن الجمهور الذي يخاطبه الإعـام ليس كتلة واحدة صمّاء، بل يتوزع في الغالب إلى ثلاثة أنماط: مناصر، ومخالف، ومحايد. المناصر يأتي وهــــو مـقـتـنـع، والمـــخـــالـــف يـــأتـــي وهــــو رافـــــض، أمــا المحايد فهو ساحة الـصـراع. فـن الإعـــام لا يقاس بــعــدد المـصـفـقـن، بـــل بــالــقــدرة عـلـى الــحــفــاظ على المــنــاصــر، وتـقـلـيـل خـسـائـر الـــصـــدام مـــع المـخـالـف، وكسب المحايد دون خداع أو تضليل. كــل فـــرد فــي الـجـمـهـور يحمل (فـلـتـراً) داخليا يمرر عبره ما يسمع. هذا الفلتر يتكون من تجارب ســـابـــقـــة، وقـــنـــاعـــات راســــخــــة، وقـــــــــراءات أو غــيــاب قـــــراءات؛ لــذلــك لا تـصـل الــرســالــة كـمـا أُرســـلـــت، بل كما استُقبلت. من هنا يظهر ضـرر نقص المناعة المعرفية؛ حيث يميل الناس إلى قبول ما ينسجم مـع هـواهـم، ورفــض مـا يهدد تـوازنـهـم. ذاك يُفشل كثيرا من الخطاب الإعلامي؛ لأنه يفترض جمهورا مجردا لا وجود له. المـشـاركـات أو الإعـجـابـات لا تعني التأثير؛ فـالـتـأثـيـر يـعـنـي تـغـيـيـرا فـــي الـفـهـم أو المـــوقـــف أو السلوك لدى المتلقي. قد ينتشر المحتوى انتشارا واســعــا، دون أن يـتـرك أي أثــر حقيقي، وقــد يكون التأثير عميقا رغـم محدودية الانتشار. الانتشار ضوء، والتأثير حرارة، وليس كل ضوء دافئاً. التخوف من الانتشار المضر قد تنبه له عالم وهو آندي 1968 اجتماع قديم (كتابه صدر في عام وارهول - في الإعلام والثقافة الجماهيرية)، حيث قال الجملة الشهيرة: «في المستقبل الجميع سوف يـكـون مـشـهـورا عـالمـيـا لمـــدة خـمـس عـشـرة دقـيـقـة»، وقد طورت عنوان مقالي من تلك الفكرة. بـــن الانــتــشــار والــتــأثــيــر خـيـط رفـــيـــع، ونـحـن نستخدم مصطلح «المؤثرين» (خطأ اصطلاحي)؛ لأنه يكشف هيمنة معيار اللحظة والمال والشهرة عـــلـــى حـــســـاب المـــعـــنـــى والأثـــــــر الـــبـــعـــيـــد، عــلــيــنــا أن نسميهم «المـنـتـشـريـن»، أمــا «المـــؤثـــرون» فـذلـك أمر آخر! أخـطـر مـا يـواجـه الإعـــام الـيـوم ليس الرقابة ولا المنع، بل فقدان المعايير. حين تختلط المهنية بالشعبوية، ويتحول الرأي إلى خبر، والخبر إلى سلاح، وغياب الموضوعية يجعل الإعلام طرفا في النزاعات بدلا من منصة حوار لإنارة الرأي العام. آخر الكلام: إقامة مؤسسة إعلامية ذكية، خير من شراء دبابة. تحت الشمس لمدة خمس عشرة دقيقة! OPINION الرأي 15 Issue 17245 - العدد Saturday - 2026/2/14 السبت عبد الرحمن شلقم محمد الرميحي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky