issue17243

Issue 17243 - العدد Thursday - 2026/2/12 اخلميس كتب BOOKS 18 باحث نرويجي يرصد حضوره عبر حقب زمنية مختلفة النيل في الفكر األوروبي عبر الزمن عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر الـتـاريـخ» ألسـتـاذ الجغرافيا والــبــاحــث الـنـرويـجـي تـاريـيـه تـافـيـت الــذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر األوروبي عبر حقب زمنية مختلفة وبأسلوب يجمع بــن التحليل الـدقـيـق أكـاديـمـيـا واألســلــوب صـفـحـة من 544 األدبــــــي. يــقــع الــكــتــاب فـــي الـقـطـع الكبير وقــامــت بترجمته املترجمة منة الخازندار. فــــي الــــبــــدايــــة، يـــشـــيـــر املــــؤلــــف إلـــــى أن دار الـنـشـر املــســؤولــة عــن إصــــدار النسخة الـعـربـيـة مـــن الـــكـــتـــاب سـألـتـه كـيـف يـمـكـن ملؤرخ نرويجي ال تربطه أي صالت سابقة بـالـقـارة األفـريـقـيـة أن يقضي جــل سـنـوات حياته في البحث والكتابة عن نهر النيل، فأجاب بأن السبب األساسي وراء ذلك هو مـــا أصـــابـــه مـــن «الـــولـــع املـــائـــي» فـــي مـديـنـة بـــيـــرجـــن الـــنـــرويـــجـــيـــة، عـــاصـــمـــة الـــســـاحـــل اإلسكندنافي املطير. وذكـــــــر كـــيـــف أنــــــه مـــنـــذ عــــقــــود انــتــقــل مـــن الـــجـــانـــب الـــشـــرقـــي مـــن الـــنـــرويـــج حيث تهطل األمطار بمعدل طبيعي إلى املدينة الـــتـــي يـــزيـــد فـيـهـا مـــعـــدل الــهــطــول لـــدراســـة تـــاريـــخ الــعــالــم. ونـــظـــرًا لـكـونـه يـنـتـمـي إلـى طبقة الطالب املعدمي، فقد كانت أرضية الــســيــارة الـقـديـمـة الـتـي يستقلها مهترئة بفعل الصدأ. كان يتعي عليه انتعال حذاء مــطــر مــطــاطــي فـــي األيـــــام املــطــيــرة حــتــى ال يبتل بنطاله. وفــي صباح يــوم ملبد بالغيوم حيث كــــــان املــــطــــر يـــنـــهـــمـــر بـ هـــــــــــــوادة، قــــــــاد ســـيـــارتـــه بــــــــــحــــــــــذر مــــــــــــن مــــســــكــــن الـــــطـــــ ب إلــــــى الـــجـــامـــعـــة ووجـــد نفسه دون قصد يــنــظــر إلـــــى أســـفـــل حـيـث قـــدمـــه، وفـــجـــأة خــطــر له أنــــه يـنـتـعـل حـــــذاء املـطـر املــطــاطــي، أخــضــر الـلـون ذا الـرقـبـة الـطـويـلـة ذاتــه يـــــومـــــيـــــا مـــــنـــــذ وصـــــولـــــه إلـــــــى هــــنــــا طـــــــــوال فــصــل الـــخـــريـــف، مــتــســائــ ً: ما الذي كان يحدث حولي؟ أدرك حـيـنـهـا أن األمــــطــــار الـخـريـفـيـة تـتـحـكـم فـــي حــيــاتــه بــشــكــل كـــامـــل، وحـيـث إن جـمـيـع املــجــتــمــعــات تــحــتــاج إلــــى املــيــاه للنمو، وحيث إن مصادر املياه وخريطتها في الوقت ذاتـه تختلف من مكان إلـى آخر وتـــكـــون دائـــمـــا فـــي حـــالـــة تــغــيــر مـسـتـمـرة، فـقـد رأى أن مـثـل هـــذا الـتـركـيـز عـلـى عالقة املجتمع باملياه يمكن أن يكون مفيدًا لفهم األنـــمـــاط املـخـتـلـفـة للتنمية عـلـى مستوى الـعـالـم وقـــام بـتـحـويـل أبـحـاثـه الـتـي كانت تستهدف تاريخ العالم إلى برنامج بحثي شــخــصــي يــســتــمــر عـــلـــى مــــــدار عـــــدة أعـــــوام ويـــســـتـــهـــدف املــــيــــاه واملـــجـــتـــمـــع فــــي جـمـيـع أنحاء العالم. 20 مـــنـــذ ذلـــــك الــــحــــن أنــــتــــج أكــــثــــر مــــن كـــتـــابـــا عــــن الـــــــدور الــــــذي لــعــبــتــه املــــيــــاه فـي الــتــاريــخ وسـافـر متتبعا مـــســـارات الـعـديـد من أكبر وأهم األنهار في العالم، من الصي والهند واليابان شرقا، إلى فرنسا وأملانيا وإســـبـــانـــيـــا غـــربـــا، ومــــن فــنــلــنــدا والــســويــد شـــمـــاالً، إلــــى جـــنـــوب أفــريــقــيــا واألرجــنــتــن جنوبا، لكن كان أكثر ما أثار خياله وشغفه حبّا، نهر النيل. تــرأس مؤتمر الرابطة 2023 وفـي عـام نـــصـــف الـــســـنـــوي الــــــذي يــنــعــقــد فــــي مـكـتـبـة اإلســـكـــنـــدريـــة فـــي مـــصـــر، كــمــا تــمــكــن بـدعـم مــن وزيــــر املـــــوارد املـائـيـة املــصــري الـدكـتـور مــحــمــود أبــــو زيـــــد، والــســفــيــر املـــصـــري في النرويج الدكتور مجدي حفني، من إطالق بـرنـامـج أبــحــاث حـــوض الـنـيـل مــع باحثي مـشـاركـن مـن عشر دول مـن حــوض النيل، كما أنهى فيلمه الوثائقي الثالث واألخير عــن املــيـــاه بــعــنــوان «تـحـقـيـق بــشــأن الـنـيـل» الـــــذي أعــــــاده مــــرة أخـــــرى إلــــى الـــتـــجـــول في منطقة حوض النيل. فسيفساء النيل يـــشـــيـــر تــــاريــــيــــه تـــافـــيـــت إلــــــى أنــــــه فـي الطابق الرابع بمتحف أثري متواضع يبعد كيلومترًا عـن رومــا ستجد العمل 35 نحو الفني البارز الـذي ال يعلم به كثيرون وهو «فسيفساء النيل» والذي يعود تاريخه إلى عام. يبلغ عرضه ستة أمتار ويتخطى 2000 ارتــــفــــاعــــه األربـــــعـــــة أمــــتــــار ويــــصــــور الــنــيــل ومظاهر الحياة على ضفتيه بشكل إبداعي ويتناوله من مناظير مختلفة ومتعددة. يــصــور الـــجـــزء الــعــلــوي مــنــه عـنـاصـر أفــريــقــيــة ويــحــاكــي الـــجـــزء الـسـفـلـي مـنـاظـر خــــاصــــة بــــالــــحــــيــــاة عــــلــــى شـــــواطـــــئ الـــبـــحـــر املـتـوسـط. ورغــم ضـــرورة مشاهدة األعمال الفنية املصنوعة من الفسيفساء من مسافة لــتــبــن تــفــاصــيــلــهــا، مــــع ضـــــــرورة االلــــتــــزام بالوقوف خلف الحواجز املوضوعة لحماية األعـمـال الفنية مـن اقـتـراب املتفرجي الـذي قـد يلحق بها ضـــررًا، لكن الـرسـوم الكاملة والــزاهــيــة بـشـكـل اسـتـثـنـائـي الــتــي تكونها األحـجـار امللونة امللتصق بعضها ببعض بـــواســـطـــة املــــــ ط تــظــهــر جــلــيــة مــــن جـمـيـع املسافات. ولــــــكــــــن األمــــــــــــر اإلبـــــــــداعـــــــــي حـــــقـــــا فـــي «فـــســـيـــفـــســـاء الـــنـــيـــل» املـــــوجـــــودة فــــي بــلــدة «بالسترينا» هو تصوير النيل وتصوير الـــشـــعـــوب وهــــي تـــمـــارس حــيــاتــهــا بـنـظـرة حــديــثــة تــمــامــا كــمــا لـــو كــــان الـــفـــنـــان الـــذي أبـدعـهـا قـد نـظـر إلــى الـنـيـل وهــو عـلـى منت طــــائــــرة. ويـــعـــد أيـــضـــا هـــــذا الـــعـــمـــل الــفــنــي مصدرًا تاريخيا تعبيريا مثيرًا لإلعجاب، فـــهـــو يــــؤكــــد بــــقــــاء الـــنـــيـــل كــــشــــريــــان حـــيـــاة املجتمع ومـحـور اهـتـمـامـه إلــى األبـــد، كما رســـم الـبـحـر املــتــوســط كـمـحـتـضـن لـتـاريـخ الــــــقــــــارة الــــــــذي ســـطـــرتـــه املياه. وتصور «فسيفساء الـنـيـل» املـكـانـة املحورية الـــــتـــــي يـــشـــغـــلـــهـــا الـــنـــيـــل فـــي حـــيـــاة أولـــئـــك الــذيــن يــعــيــشــون عـــلـــى ضـفـافـه كـــــمـــــا تــــنــــقــــل لـــــنـــــا كــــذلــــك كــــيــــفــــيــــة تــــشــــكــــل الـــنـــيـــل كجزء من تاريخ أوروبــا الثقافي عبر الحضارات املـــــخـــــتـــــلـــــفـــــة، ال ســـيـــمـــا الـيـونـانـيـة والــرومــانــيــة. وتــــــــــذكــــــــــرنــــــــــا الــــــلــــــوحــــــة بـمـاض كـــان يُــعـبـد فـيـه الـنـيـل كنهر مقدس ولــم تقتصر عـبـادتـه على الكهنة باملعابد الضخمة املنتشرة على ضفافه في مصر بل امتدت أيضا إلى أوروبا. ويــضــم املـتـحـف الـبـريـطـانـي فــي لندن واحــــــــدًا مــــن عـــــدة تـــمـــاثـــيـــل لـــ لـــهـــة إيـــزيـــس «حامية الطبيعة وإلهة الخصوبة»، حيث يـــصـــورهـــا هـــــذا الـــتـــمـــثـــال وهـــــي تــحــمــل فـي يدها اليسرى جرة بها مياه النيل املقدسة كوسيلة للخالص. روائع إبداعية ويـــــ حـــــظ املـــــؤلـــــف أن الـــنـــحـــاتـــن فـي الـــعـــصـــور الـــرومـــانـــيـــة والـــنـــهـــضـــة اعــــتــــادوا تصوير النيل ككيان مهيب مقدس، كما في تمثال «إله النيل» في الفاتيكان وهو واحد مـــن أشــهــر الـتـمـاثـيـل الــرومــانــيــة فـــي الـقـرن األول املـــيـــ دي الــــذي يــصــور الــنــيــل كـرجـل طفال يرمزون 16 عجوز مستلق يحيط به ذراعـــا لضمان 16 الرتـفـاع منسوب النيل بـــ الخصوبة. وهـــــنـــــاك أيـــــضـــــا تــــمــــثــــال رخـــــامـــــي فــي «سـاحـة النيل» بمدينة نابولي اإليطالية، يـعـود للقرن الـثـانـي املــيــ دي، ويظهر فيه «اإللــه النيل» متكئا على أبـو الهول، بينما تـنـافـس الــرســامــون األوروبــــيــــون فــي الـقـرن الـــتـــاســـع عـــشـــر عـــلـــى تـــوثـــيـــق حـــيـــاة الــنــيــل الـيـومـيـة، كـمـا فــي تـجـربـة ديـفـيـد روبـرتـس الـــــذي اشــتــهــر بــلــوحــاتــه الــدقــيــقــة لـلـمـعـابـد والـــقـــرى عـلـى ضــفــاف الــنــيــل، مـثـل لـوحـاتـه لـــجـــزيـــرة فــيــلــة ومـــديـــنـــة الـــجـــيـــزة. ويـشـيـر كذلك إلـى ليون بيليه فـي لوحته الشهيرة «فالحات على ضفاف النيل» املوجودة في متحف أورسـيـه، التي تصور النساء وهن يـمـأن الــجــرار بـوقـار ودقـــة واقـعـيـة، فضال عــــن لـــوحـــة «عـــلـــى ضـــفـــاف الـــنـــيـــل» لـلـفـنـان شارل ثيودر فرير التي تصور هدوء النهر بلمسات رومانسية. القاهرة: رشا أحمد عرفات من وجهة نظر إسرائيلية «يـــــــاســـــــر عــــــــرفــــــــات/ وجـــــــهـــــــات نـــظـــر إســرائــيــلــيــة» كــتــاب جــديــد ملــاجــد كـيـالـي، .)2026( مـن إصـــدار «دار كـنـعـان»، دمشق يــــتــــحــــدث الـــــكـــــتـــــاب عــــــن مــــكــــانــــة الــــزعــــيــــم الفلسطيني الراحل، ودوره في استنهاض الشعب الفلسطيني، على صعيد الهوية والــكــيــانــيــة والـــكـــفـــاح الـــوطـــنـــي. كــمــا يـقـدم عرضا للمواقف اإلسرائيلية املختلفة من ياسر عرفات. ويركز الكتاب بشكل خاص »2 على مرحلة مفاوضات «كـامـب ديفيد )، كلحظة فصلية مـكـثـفـة، تتعلق 2000( بــمــكــانــة هــــذا الــــرجــــل، ودوره فـــي الـكـفـاح السياسي، بوجهيه التفاوضي، واملسلح، ونــــظــــرتــــه إلــــــى ذاتــــــــه كـــاملـــمـــثـــل لــلــوطــنــيــة الفلسطينية، بتناقضاتها، فـي الـصـراع، بـــن الـحـلـم والــــواقــــع، والــطــمــوح واملـمـكـن، والــقــوة والــحــق، ويتضمن الـكـتـاب فصال مـوسـعـا كـشـهـادات ومــقــاالت لشخصيات سياسية وصحافية إسرائيلية. صــفــحــات، من 206 يــقــع الــكــتــاب فـــي القطع املتوسط. مــــــــن الـــــــكـــــــتـــــــاب: «عـــــــــرفـــــــــات انــــتــــصــــر بــــــشــــــكــــــل قـــــــــــــاطـــــــــــــع... فــــــــعــــــــرفــــــــات وضـــــــع املـــشـــكـــلـــة الــفــلــســطــيــنــيــة عـــلـــى الـــخـــريـــطـــة بـــشـــكـــل يــســتــحــيــل تــــجــــاهــــلــــه... لـــقـــد حـــدد للفلسطينيي هويتهم وعناصر تميزهم في العالم العربي وأشكال نضالهم، وقد وحـــدهـــم مـــن الــنــاحــيــة الـتـنـظـيـمـيـة، وبــث فيهم الــحــوافــز، وهــنــاك أجــيــال كـامـلـة من الفلسطينيي ترعرعت في ظالل أسطورة ورمزية عرفات...؟»، كما يقول البروفسور شاؤول مشعال، باحث في شؤون الحركة الوطنية الفلسطينية في جامعة تل أبيب، .)2004-10-29( ،» «يديعوت أحرونوت لـــم يـــعـــرف الــشــعــب الـفـلـسـطـيـنـي في تــــاريــــخــــه زعــــيــــمــــا، قـــــــاده أو شـــغـــلـــه ومـــأ تـاريـخـه، كما عــرف يـاسـر عــرفـات، إذ كان هـــذا الــرجــل بـحـق ظــاهــرة اسـتـثـنـائـيـة في تــاريــخ شـعـبـه، وربــمــا فــي تــاريــخ حـركـات التحرر الوطني، على الصعيدين العربي والـــــدولـــــي، بــغــض الــنــظــر عـــن الـــخـــ ف أو الــتــوافــق مــعــه، أو اإلعـــجـــاب بـــه مـــن عكس ذلك، إذ نهض بشعبه وبقضيته من نقطة الصفر، في ظـروف دولية وعربية صعبة بـل ومستحيلة، وفــي ظـل اخـتـ ل بــن في موازين القوى لصالح إسرائيل». دمشق: «الشرق األوسط» روي بالنت جونيور يرى أن الرياضة دخلت «دوار الموت» كرة القدم األميركية محكوم عليها بالفناء لـــعـــل إحـــــــدى أقـــــــوى الـــحـــجـــج املـــدافـــعـــة عـــن كــــرة الـــقـــدم هـــي تــلــك الــتــي ســاقــهــا روي بــ نــت جــونــيــور فــي كـتـابـه «نــقــص بـمـقـدار About Three Bricks Shy - ثــــ ث لــبــنــات »، الــــذي أرّخ فــيــه ملــســيــرة فـريـق of a Load . كتب بالنت 1973 «بيتسبرغ ستيلرز» عام حينها واصـفـا الصخب الــعــارم: «يــا لـه من أمر عظيم ذلك الذي تمنحنا إياه كرة القدم؛ إنها تتيح لنا في لحظات نــادرة أن نتحرر مــن كــل قـيـد وننغمس فــي فـوضـى صاخبة ومبهجة». غـــيـــر أن تـــشـــاك كـــلـــوســـتـــرمـــان يـــجـــادل فـي كتابه الجديد الــذي يحمل عـنـوان «كـرة القدم»، بأن هذا الصخب والهرج سيبلغان املنتهى في وقت أقرب مما نتصور، ربما في غضون أربعة أو خمسة عقود؛ فكرة القدم، في نظره، محكوم عليها بالفناء. يـــرى املـــؤلـــف أن هـــذه الــريــاضــة دخـلـت بـالـفـعـل فــي «دوار املــــوت» (وهـــو تعبير قد يــشــبــه فــــي قـــوتـــه تـــمـــريـــرة لـــــ«جــــوش ألــــن» مــــيــــ فـــــي الـــــســـــاعـــــة). ويــشــبــه 62 بـــســـرعـــة كلوسترمان كــرة الـقـدم بسباقات الخيول؛ تلك الرياضة التي هيمنت يوما على الخيال الـجـمـعـي لـأمـة قـبـل أن تـتـحـول إلـــى نشاط هامشي غريب ومهجور. إنني أستمتع بالقراءة لكلوسترمان؛ فــهــو يـمـتـلـك روح الــفــيــلــســوف الـــــذي يحلل األمــــور بـعـمـق، وهـــو فــي الـقـضـايـا الشعبية «املـفـكـر الـــذي يــبــارز كـبـار املـفـكـريـن» تـأمـ ً. وثمة ملحوظتان سريعتان ال بد من ذكرهما بشأن كتابه «كرة القدم»؛ وهو الكتاب الذي استمتعت بــه رغـــم إسـهـابـه فــي التفاصيل الـدقـيـقـة، عـلـى األقـــل بالنسبة ملشجع عابر ومشتت الذهن مثلي. امللحوظة األولى هي أن إطالق تنبؤات جنونية بعيدة املــدى ليس باألمر الشجاع تـمـامـا، فكما قـــال جـــون مـايـنـارد كينز ذات مـــرة: «عـلـى املـــدى الـطـويـل، سنكون جميعا فـي عــداد املـوتـى». وكلوسترمان يــدرك ذلك جيدًا، إذ يكتب: «األحـيـاء ليسوا جمهوري املستهدف»، وكـأنـه يتقمص روح الروائية آن رايس (بنزعتها الجنائزية) بدال من روح غرانتالند رايس (املحلل الرياضي الشهير). أمــا امللحوظة الثانية، فهي أن حجته هـــــذه ال تـــشـــغـــل ســـــوى حـــيـــز مـــتـــواضـــع مـن الكتاب، وتحديدًا في بدايته ونهايته؛ فمادة «فــنــاء كـــرة الـــقـــدم» تـشـبـه طـبـق «الـبـانـكـيـك» الـذي يُقدم كطبق جانبي لطبق «بط بكي» الــرئــيــســي؛ إذ إن املـــحـــتـــوى األكـــثـــر دســامــة يكمن في التفاصيل املطوية بالداخل. يــــجــــادل كـــلـــوســـتـــرمـــان مــــثــــ بـكـلـمـات قــــد تـــمـــزق قـــلـــوب الـــبـــعـــض بـــــأن كـــــرة الـــقـــدم هـــي «الـــنـــمـــوذج األكـــثـــر نــجــاحــا ووضـــوحـــا لـــ شـــتـــراكـــيـــة األمــــيــــركــــيــــة»، وذلـــــــك بـسـبـب الـــطـــريـــقـــة الـــتـــي تُــــــــوزع بـــهـــا عـــــائـــــدات الــبــث الـتـلـفـزيـونـي بـالـتـسـاوي بــن الــفــرق االثـنـن والثالثي (بينما قد يصفها آخــرون بأنها مجرد تكتل احتكاري تجاري آخر). كما يستفيض كلوسترمان فـي شرح األسباب التي تجعل جيم ثورب يتربع على عرش أعظم العبي هذه الرياضة، وملاذا تبدو كرة القدم الكندية مثيرة للسخرية، وملاذا لم يقتنع الكثيرون بصورة حاكم والية داكوتا الشمالية، تيم والز، كمدرب لكرة القدم، رغم أنــه كــان كذلك بالفعل، ورغــم إصـــرار كاماال هاريس على مناداته بلقب «املدرب». ويكتب كلوسترمان، الــذي نشأ في واليــة «حمراء» (محافظة) هي داكوتا الشمالية: «لـم يبد والــز مـدربـا لكرة الـقـدم إال في عـــيـــون الـــنـــاخـــبـــن الــــذيــــن ال تــربــطــهــم صـلـة مسبقة بهذه الرياضة؛ فقد جسدت صورته املفهوم الليبرالي لـ(الرجولة غير السامة)، فـكـان بمثابة نسخة عكسية مـن مارغريت ثاتشر». يــــتــــنــــاول كـــلـــوســـتـــرمـــان وضــــــع فـــريـــق «داالس كـاوبـويـز» بوصفه «فـريـق أميركا» قـــائـــ ً: «الـــكـــل يـقـبـل هــــذه الـتـسـمـيـة، لــكــن ال أحــــد يـــؤمـــن بــهــا حـــقـــا»، ويــحــلــل ســـر بــراعــة نيك نولتي في فيلم «نورث داالس فورتي»، مـشـيـرًا إلـــى أن «كـــل مــا كـــان عـلـيـه فـعـلـه هو تجسيد دور الشخص الضجر الذي يعاني مـــن آثــــار الــثــمــالــة، وهــمــا أقــــوى نــقــاط قـوتـه كأداء تمثيلي». ثـــم يـــغـــوص بـعـمـق فـــي عـــوالـــم «دوري الفانتازيا»، وألعاب الفيديو مثل «مادن إن إف إل»، ال سيما املراهنات، مسلطا الضوء على ذلك «الشر االنتشائي» الكامن في تمني الفوز ببعض الرهانات ضد «فارق النقاط». ويكتب أن مباريات كرة القدم الحقيقية قد تــكــون مـمـلـة، لـكـن الـنـسـخـة الــتــي تــــدور في رؤوس املراهني نادرًا ما تكون كذلك: «ركلة ميدانية محجوبة واحدة كفيلة بنقل ماليي الـــــدوالرات غير املـرئـيـة، وربـمـا تـكـون سببا في انهيار زواج أحدهم». ويرى أن واضعي خـطـوط املـراهـنـات فـي الس فيغاس هـم من بي أكثر األشخاص كفاءة في العالم. ويــــســــاور كـــلـــوســـتـــرمـــان الـــشـــك فــــي أن فضيحة مـراهـنـات كـبـرى، قـد تصل لدرجة التسبب في «زوال» هـذه الرياضة، ستلوح فـي األفــق يوما مــا، لكنه يعتقد أن املراهنة تُــــثــــري الـــلـــعـــبـــة، «عـــلـــى األقــــــل مــــن الــنــاحــيــة الــحــواريــة»؛ إذ يكتب: «االسـتـمـاع لشخص يـتـحـدث عــن فـريـقـه فــي (الــفــانــتــازيــا) يشبه االســــتــــمــــاع لـــشـــخـــص يـــتـــحـــدث عــــن حــديــقــة منزله، أمـا االستماع للشخص نفسه وهو يروي إخفاقاته في املراهنات، فهو أمر مثير لالهتمام إلى أبعد الحدود». كـمـا يـخـوض فــي نـقـاش حـــول العالقة بـــن كـــرة الـــقـــدم والــــعِــــرق، وهـــو نــقــاش الفـت لـلـنـظـر، جـزئـيـا، ألنـــه يـتـنـاول املـــوضـــوع من زوايـــــا غـيـر مــعــتــادة، واضـــعـــا تـــســـاؤالت من شاكلة: ماذا يعني غياب الالعبي السود تقريبا عــــن مـــركـــز «الــــــهــــــداف»؟ هــــل هـــــذا دلـــيـــل على التحيز، أم هــو تقليل مــن شـــأن هـــذا املـركـز؟ وهل حقيقة ندرة الالعبي البيض في مركز «الـظـهـيـر الـركـنـي» تشير إلـــى أن هـــذا املـركـز هـــو األكـــثـــر تطلبا مـــن الـنـاحـيـة الـبـدنـيـة في خط الدفاع الخلفي، بما أن الالعبي البيض غالبا ما يتألقون في مركزي «الظهير القوي» و«الظهير الحر»؟ وإذا كان األمر كذلك، فلماذا يـــتـــجـــاوز مـــتـــوســـط راتــــــب العـــــب «الــظــهــيــر» متوسط راتب «الظهير الركني»؟ يـنـثـر كـلـوسـتـرمـان فـــي طـريـقـه الـحِــكَــم والـــــعـــــبـــــارات املــــــوجــــــزة وكــــأنــــهــــا زجــــاجــــات مـــشـــروبـــات فــــارغــــة يــلــقــيــهــا وهـــــو يـــركـــض؛ فــيــقــول: «ال شـــيء أكــثــر زيــفــا مـــن الـتـواضـع الــــزائــــف»، و«عـــالـــم الــريــاضــة عـلـمـانـي بـقـدر علمانية إيــــران»، و«ال يمكنك هزيمة جـدار مـــن الـــطـــوب فـــي الــتــنــس»، وأخـــيـــرًا «الـحـيـاة غير عادلة، لكنها أحيانا تكون غير منصفة لصالحك». يذكرني كلوسترمان بنسخة عصرية من أولئك الشباب الثرثارين في فيلم باري ليفينسون الرائع «داينر»، وهم يتساجلون حـــــــول األســــــطــــــوانــــــات املـــوســـيـــقـــيـــة وفــــريــــق «بالتيمور كولتس» بحماس محموم وكأن سمعة أمهاتهم تتوقف على نتيجة الجدال. كما يـذكـرنـي بالصحافي واملـعـلـق الساخر «درو مـــاغـــاري»، مــع فــــارق أن كلوسترمان يـــتـــســـم بــــالــــبــــرود بـــيـــنـــمـــا يـــتـــوقـــد مــــاغــــاري حـــمـــاســـا؛ وكـــــم وددت رؤيـــتـــهـــمـــا - كـجـهـاز ترطيب وجهاز تجفيف - وهما يتصارعان في قبو رطب واحد. يـــجـــادل كــلــوســتــرمــان بــــأن كــــرة الــقــدم هــي «عــضــو» ال يـتـجـزأ مــن جـسـد املجتمع، سيُبتر في نهاية املـطـاف. ويكتب: «اللعبة لن تختفي تماما، تماما كما ال يزال بإمكانك سـمـاع موسيقى الــجــاز عـلـى إذاعــــة (إن بي آر)، أو تـــدخـــن ســـجـــائـــر (الكــــــي ســـتـــرايـــك) الـقـديـمـة داخـــل الــكــازيــنــوهــات»؛ لـكـن املـقـدر لها هو الخروج من تلك املكانة املركزية التي تحتلها في الحياة األميركية. األسباب وراء ذلك عديدة، لكنني سوف أوجزها في سببي؛ األول مباشر وبسيط: يرى كلوسترمان أن املعلني سيعودون إلى رشـــدهـــم ويـــدركـــون أن إنـــفـــاق مـبـالـغ طائلة ثــانــيــة مـــن الـــعـــرض (الـــــذي يتم 30 «مــقــابــل تجاهله غالبا) هو استثمار سيئ». أمــا السبب الثاني فيتطلب توضيحا أعـمـق، وخالصته هـي أن سباقات الخيول انحسرت مـن املخيلة األميركية ألن الناس فـقـدوا صلتهم اليومية الوثيقة بالخيول. وشـــيء مماثل سيحدث لـكـرة الــقــدم؛ فنحن نفقد بالفعل صلتنا الفطرية بها. يــــعــــود هـــــذا الــــتــــراجــــع جـــزئـــيـــا إلـــــى أن أعــدادًا أقـل من األمهات - حتى في الواليات املـــهـــووســـة بـــهـــذه الـــريـــاضـــة - ســيــرغــن في ممارسة أبنائهن للعبة، وذلك بدافع الخوف من إصـابـات الــرأس (االرتـجـاجـات). وعليه، فإن معظم الشباب لن يعرفوا هذه الرياضة إال مـــــن خــــــ ل شـــــاشـــــات الـــتـــلـــفـــاز وألــــعــــاب الفيديو، لتصبح بذلك منفصلة تماما عن التجربة الحياتية املُعاشة. كما يلقي املؤلف باللوم على «الرابطة )NCAA( » الــوطــنــيــة لــلــريــاضــة الــجــامــعــيــة بسبب سلسلة مــن الـــقـــرارات الـخـاطـئـة؛ من بينها إنهاء االتـحـادات التقليدية، وإتاحة «بـــوابـــة االنـــتـــقـــاالت» الــتــي تـسـمـح لـ عـبـن بـــجـــنـــي أمــــــــوال طـــائـــلـــة، مـــمـــا جـــعـــل الــلــعــبــة الـجـامـعـيـة تـشـبـه إلــــى حـــد بـعـيـد نظيرتها االحترافية. إن كرة القدم الجامعية - كحال الكثير من تفاصيل الحياة األميركية - تفقد ذلــك الـطـابـع املـحـلّــي الشعبي الـغـريـب الـذي كـــان يـمـنـحـهـا نـكـهـتـهـا الــخــاصــة؛ ومـــن ثـــمّ، فــإن االرتــبــاط الـوجـدانـي بها محكوم عليه باالنحسار ال محالة. للمفكر إتـــش إل مينكي فـكـرة طريفة إلنقاذ املوقف: إذ يرى أن املباريات الجامعية سـتـكـون أكـثـر إثــــارة إذا لـعـب أعــضــاء هيئة التدريس بـدال من الطالب، وستكون أفضل بــكــثــيــر لــــو لـــعـــب أعــــضــــاء مـــجـــلـــس األمــــنــــاء بأنفسهم! يمتاز كلوسترمان بـقـدرة فائقة على صياغة أفـكـاره بنبرة تنبؤية واثـقـة، إال أن أجــمــل مــا فــي كـتـابـاتـه هــو مـراقـبـتـه لنفسه وهـــو يـضـع أفـــكـــاره تـلـك فــي قـفـص االتــهــام؛ فهو القاضي وهيئة املحلفي، وهو الشهود والـــحـــاجـــب، وهــــو املـــدعـــي الـــعـــام ومــحــامــي الدفاع، كل في آن واحد. وكما كتب في مؤلف آخر له: «إن أفضل فرضية هـي تلك الـتـي تقبل بشكل تلقائي احتمالية كونها خاطئة منذ البداية». *خدمة: «نيويورك تايمز» *دوايت غارنر روي بالنت جونيور سباقات الخيول انحسرت ألن الناس فقدوا صلتهم اليومية الوثيقة باألحصنة وشيء مماثل سيحدث لكرة القدم

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==