issue17243

كان اإلمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) هو الذي أطلق عبارته الشهيرة التي تقول إن «مَن ذاق عرف». كان قد أطلقها تعبيرًا عن عالقة من نوع خاص بني اإلنسان وبني الرب، إال أنها يمكن أن تؤخذ على محامل أخرى سوى هذا املحمل. من معاني العبارة أنه ال يعرف البحر –مثالً- إال الذي نـزل فيه، أو الــذي غـاص فـي املــاء بـ الشاطئني، فعرف ما ال يعرفه الذين هُم على الشاطئ. وهذا مثال يمكن القياس عليه فيما سواه. وليس من الضروري أن يكون الذي ذاق ليعرف قد ذاق شيئًا حلوًا، وإنما يستوي أن يذوق الحلو أو أن يذوق املُر، ففي الحالتني سوف يعرف في النهاية ما لم يعرفه الذين لم يذوقوا ولم يعرفوا بالتالي. أما الذي ذاقته جماعة «نيهون هيدانكيو» في اليابان، فلم يحدث أن ذاقته جماعة غيرها في أركان األرض األربعة، وإال، فهل هـنـاك جماعة سـواهـا فـي أي أرض ذاقـــت ويـ ت الــســ ح الـــنـــووي، فـعـرفـت مــا لــم تـعـرفـه جـمـاعـة أخـــرى بني الجماعات؟ الـجـمـاعـة الـيـابـانـيـة تـضـم الـنـاجـ مــن املـحـرقـة التي أطلقتها قنبلتان ذريــتــان ألقتهما الــواليــات املـتـحـدة على مدينتي هيروشيما ثم ناغازاكي اليابانيتني بالتوالي. كان مع املدينة األولى، 1945 ) ذلك في السادس من أغسطس (آب ومــن بعدها بثالثة أيـــام كـانـت املـديـنـة الثانية على موعد مـع قنبلتها، وكـانـت الحصيلة نحو مائتي ألــف قتيل في ألفًا آخرين، ليصبح 50 املدينتني، وهناك إحصاءات تضيف اإلجمالي في حدود ربع مليون قتيل في ضربتني! وبخالف ربـع املليون قتيل، هناك يابانيون أصيبوا بــإشــعــاعــات الـقـنـبـلـتـ فــعــاشــوا مــشــوهــ إلــــى أن مــاتــوا، وهـنـاك آخـــرون عـاشـوا بعاهات نفسية وجسدية الزمتهم مــدى الـحـيـاة، وفـريـق ثـالـث مــات مـن الـرعـب وهــو على قيد الحياة، وفريق رابع نجا ألنه كان خارج املدينتني وقت أن غطتهما سحابة القنبلتني، فخنقت فيهما كـل كائن حي، أو نجا وقد أصابه ضرر لم يقتله ولكن بقي الضرر بأثره يرافقه! هـــذا الـفـريـق األخــيــر هــو الـــذي أطـلـق ذات يـــوم جماعة «نــيــهــون هـيـدانـكـيـو» فـاسـتـحـقـت «جـــائـــزة نــوبــل لـلـسـ م» فـي السنة قبل املـاضـيـة، ولــم يكن أمــام لجنة هــذه الجائزة الرفيعة إال أن تذهب بها إلــى أعـضـاء الجماعة اليابانية. فليس بني أعضائها واحـد إال وأثَّــر إشعاع القنبلتني على جسده، أو في نفسه، أو في خياله ال يفارقه. صحيح أنهم جميعًا تـــجـــاوزوا الـثـمـانـ ، ومـنـهـم مَــــن تــعــدَّى التسعني، ولكن يجمع بينهم أنهم عاشوا ما لم تقع عليه عني خارج اليابان. وألنهم كذلك، فإنهم الجهة الوحيدة التي انزعجت من اإلعالن عن انتهاء اتفاقية «نيو ستارت» النووية املوقَّعة بني الواليات املتحدة وروسيا. 2010 في كان أعضاء هذه الجماعة هُم الذين لم يناموا الليل حني قــرأوا الخبر، ولـم يكن ذلـك إال ألن انتهاء العمل باالتفاقية يعني أال قيود اآلن على استخدام السالح النووي من جانب الــدولــتــ عـلـى األقــــل، وأن فــي مــقــدور روســيــا أو الــواليــات املتحدة أو حتى أي دولــة نووية سواهما، أن تستخدم ما عندها من هذا السالح كما تحب؛ ألن االتفاقية التي كانت تضع قيودًا على ذلك قد انتهى العمل بها! انتهى العمل باتفاقية «نيو ستارت» في الخامس من الشهر الحالي، وجـرى اإلعــ ن عن ذلـك، وقـال الــروس إنهم ســــوف يــســتــرشــدون بـمـصـالـحـهـم فـــي اســـتـــخـــدام سـ حـهـم الـــنـــووي، ودعــــا الـرئـيـس تــرمــب إلـــى اتـفـاقـيـة جــديــدة تضم الــواليــات املـتـحـدة وروســيــا والـصـ مـعـ . ولـكـن هــذه كلها تفاصيل فـي الشكل لـم تتكشف عـن شــيء. أمـا املـوضـوع ال الشكل فهو أن أعضاء الجماعة اليابانية قد باتوا يومها يقتلهم الخوف. باتوا في خوف بالنيابة عن العالم، وقضوا لياليهم مـنـذ انـتـهـاء الـعـمـل بـاالتـفـاقـيـة وهُـــم فــي حـالـة من الذعر، وخرج بعضهم يعقد مؤتمرًا صحافيًا يحذر فيه من أن العالم يمكن أن يذهب إلى مصير املدينتني إذا أفلت فيه زر نووي طائش! تظل جماعة «نيهون هيدانكيو» جماعة فريدة حقًا، فليس من بني أعضائها أحـد دون الحادية والثمانني؛ ألن األعــضــاء جميعهم عـاشـوا مـأسـاة املـديـنـتـ ، ولــو أن أحـدًا منهم كان في عُمر سنة يوم ضُربت هيروشيما وناغازاكي، فهو اليوم فوق الثمانني بسنة. من بينهم –مثالً- تيرومي تاناكا الـذي تجاوز التسعني بثالث سنوات، وعندما تكلم فــي مـؤتـمـر صـحـافـي دعـــت لــه الـجـمـاعـة فــي طـوكـيـو، أبــدى مـخـاوفـه مــن انــــزالق الـعـالـم نـحـو حـــرب نــوويــة. ومـمـا قاله تـانـاكـا عــن إحـسـاسـه إن انــزالقــ كـهـذا يمكن أن يـحـدث في املستقبل القريب، وقال إن مواطني الدول النووية ال يهتمون بما يمكن أن يحدث ملجرد شعورهم بأنهم ينتمون إلى دول قــويــة، وهــــذا -فـــي ظــنــه- مـحـض خــــداع لـلـنـفـس؛ ألن انـــزالق العالم إلى أي مواجهة نووية يمكن أن يذهب بالجميع إلى دمار مؤكد. العضوية فـي الجماعة اليابانية مغلقة بطبيعتها؛ ألن الذين نجوا من محرقة املدينتني اليابانيتني معدودون مـهـمـا كــــان عـــددهـــم، وألنـــهـــم جـمـيـعـ أعـــضـــاء فــيــهــا، ولـكـن املشكلة أن ذهـاب العالم إلـى أي استخدام للسالح النووي بعد انقضاء أمــد «نيو سـتـارت» يمكن أن يفتح العضوية في الجماعة بغير سقف، فالناجون وقتها سيكونون على امتداد العالم ال في اليابان وحدها! الناجي الياباني تيرومي تاناكا ال ينسى ما رآه عندما كان في الثانية عشرة من عُمره، وهو مع رفاقه في جماعتهم ذاقــوا ما لم يمر به سـواهـم، ولذلك عـرفـوا، ومنتهى أملهم أن يبقوا هُم الناجني الوحيدين، وأال يُضاف إليهم ناجون آخرون في أي استخدام نووي جديد في أي مواجهة. ذاقـــــت جــمــاعــة «نــيــهــون هــيــدانــكــيــو» فــعــرفــت، ولـيـس مطلوبًا من العالم أن يذوق من جديد ليعرف، فما ذاقته هذه الجماعة يكفي عاملنا ويفيض. ثــــ ثــــة مـــــؤشـــــرات مـــهـــمـــة يـــمـــكـــن اســـتـــخـــ صـــهـــا مــــن الــتــقــريــر االستقصائي الذي نشرته وكالة «رويترز» وحوى تفاصيل دقيقة مــــزودة بــصــور األقـــمـــار االصـطـنـاعـيـة عــن قــاعــدة إســنــاد عسكري متكاملة بما فيها مطار، ومركز تحكم للطائرات املسيّرة، ومركز تدريب آلالف املقاتلني من «قوات الدعم السريع» واملرتزقة، مع طرق إمداد من أرض الصومال. املـــؤشـــر األول هـــو مــحــاولــة إشـــعـــال جـبـهـة جـــديـــدة فـــي حــرب السودان بعد التقدم الكبير الذي حققه الجيش والقوات املساندة فــي املـــحــور الــغــربــي، وتــحــديــدًا فـــي كـــردفـــان. أمّــــا الــثــانــي فيتعلق بـطـمـوحـات إثـيـوبـيـا املــدعــومــة مــن أطــــراف خـارجـيـة إلعــــادة رسـم مـــوازيـــن الــقــوة فــي اإلقــلــيــم، ارتــبــاطــ بـمـلـف املــيــاه وســـد النهضة، واملطامع في أراضــي منطقة الفشقة الزراعية السودانية، وسعي حكومة آبي أحمد للوصول إلى منفذ بحري سواء عبر ميناء بربرة في أرض الصومال أو ميناء عصب اإلريـتـري. أمـا املؤشر الثالث فيكمن فــي مـحـاولـة الـحـكـومـة اإلثـيـوبـيـة الـــهـــروب إلـــى األمــــام من مشكالتها الداخلية في ظل التوترات مع إقليم تيغراي واستمرار الـــصـــراع فـــي إقــلــيــم أمـــهـــرة مـــع جـبـهـة «فــــانــــو»، وكـــذلـــك فـــي إقـلـيـم األورومو، حيث تتواصل املواجهات. مصدرًا، 15 تقرير «رويـتـرز» قـدّم بـاألدلـة والـصـور وشـهـادات تفصيالت دقـيـقـة عــن تشييد الـقـاعـدة والـجـهـة املـمـولـة وعمليات التدريب التي تتم فيها. كل ما ورد في التقرير يؤكد ما رصدته االسـتـخـبـارات الـسـودانـيـة منذ الـعـام املـاضـي وتـسـرب بعضه في تقارير أو من خـ ل التحذيرات التي وجهها الفريق البرهان من مغبة محاوالت دول مجاورة تأجيج الحرب. وبعدها حرك الجيش السوداني قوات كبيرة إلى محور النيل األزرق مستبقًا التصعيد املتوقع وهـو ما مكّنه من دحـر الهجمات التي شنتها منذ مطلع العام الحالي «قوات الدعم السريع» بالتحالف مع الحركة الشعبية (جناح عبد العزيز الحلو) في تلك املنطقة. وعــلــى الــرغــم مــن أن الـتـقـريـر يــؤكــد أبــعــاد الـــتـــورط الـخـارجـي في حرب الـسـودان، ومخطط بعض الجهات إلطالة أمدها، ونشر الفوضى بكل ما يعنيه ذلك من تداعيات لدول املنطقة وأمن البحر األحمر، فالحقيقة أن التورط اإلثيوبي ليس جديدًا، وإن أخذ اآلن أبعادًا أكبر وأخطر. منذ بـدايـة الـحـرب كانت لرئيس الـــوزراء اإلثيوبي آبـي أحمد مواقف تعكس ارتباطه باملخطط الخارجي الداعم للحرب ولـ«قوات الدعم السريع». فخالل قمة دول الهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد» ، أي بعد ثالثة أشهر على الـحـرب، أدلـى 2023 ) فـي يوليو (تـمـوز بتصريحات قال فيها إن السودان يعاني «من فـراغ في القيادة»، داعيًا إلى فرض حظر طيران وتدخل قوات دولية. لـم يكن ذلــك املـوقـف الوحيد مـن رئـيـس الــــوزراء اإلثـيـوبـي، إذ ، قائد «قــوات الدعم 2023 ) إنـه استقبل في ديسمبر (كـانـون األول الـسـريـع» محمد حـمـدان دقـلـو (حميدتي) الـــذي كــان يـقـوم بجولة صممت ملحاولة منحه شرعية كزعيم محتمل في الوقت الذي كانت فيه قواته تتمدد. فقد استُقبل حميدتي بمراسم رسمية وحرس الشرف في أديس أبابا، وحرص آبي أحمد بشكل مدروس على نشر صور للقائه مع حميدتي والوفد املرافق له حول مائدة طعام. تلك املواقف القديمة كشفت مبكرًا املسار الذي تتبناه حكومة أصبح 2023 آبـي أحمد إزاء حـرب الــســودان. فما كـان تلميحًا فـي ؛ حيث تبرز املـؤشـرات على أن إثيوبيا 2026 تصعيدًا خطيرًا في ستصبح املـركـز اللوجيستي األهـــم لـدعـم «قـــوات الـدعـم السريع» وحلفائها السياسيني، وذلـــك بعد الـتـطـورات الـتـي حــدت بدرجة كبيرة من تدفق إمدادات السالح عبر تشاد وليبيا. ما أبعاد هذه التطورات؟ ال يمكن فصل عمليات إمـداد «قـوات الدعم السريع» بالسالح واملرتزقة وتشييد قاعدة إسناد في إثيوبيا من املخططات األخرى للتطويق وإثارة الفوضى واالضطرابات في املنطقة من باب املندب إلـــى الـبـحـر األحــمــر. فإثيوبيا تعمل عـلـى ثـــ ث جـبـهـات مـتـوازيـة وتجد الدعم من أطراف خارجية ال تريد تعزيز نفوذ أديس أبابا في القرن األفريقي فحسب، بل تنظر أبعد من ذلك إذا وضعنا األمر في سياقه اإلقليمي األوسع وتداعياته على األمن القومي في املنطقة. إضــافــة إلـــى جـبـهـة الـــســـودان، هـنـاك تـحـركـات إثـيـوبـيـة تجاه كيان «جمهورية أرض الصومال»؛ حيث وقعت اتفاقًا مع رئيسه للحصول على منفذ بحري وبناء قاعدة عسكرية مقابل االعتراف الدبلوماسي، وهو ما أثار توترًا شديدًا مع الحكومة الصومالية. وارتفعت حـدة التوتر بعد دخـول إسرائيل على الخط واعترافها بأرض الصومال، مع كل ما يعنيه ذلك لألمن اإلقليمي. سـعـي إثـيـوبـيـا إلـــى مـنـفـذ بــحــري يـقـف أيــضــ وراء الـتـوتـرات املتزايدة مع إريتريا، واتهامها مرة بأنها تحتل أراضي إثيوبية، ومرة بأنها تدعم الحركات املناوئة للنظام، في حني أن أديس أبابا كانت تحاول في الوقت ذاته املقايضة للحصول على منفذ بحري، وعينها على ميناء عصب اإلريتري. يـضـع تـقـريـر «رويـــتـــرز» حـــرب الـــســـودان فــي قـلـب هـــذا املشهد املعقد واملـتـشـابـك، الـــذي تعبث فيه أطـــراف تـريـد زعـزعـة استقرار املنطقة وإعادة خلط التوازنات فيها من القرن األفريقي إلى البحر األحمر. ومـــا دام هـــذا املـخـطـط أصــبــح واضــحــ ومــوثــقــ ، فـــإن املـرحـلـة املقبلة مرشحة لتحركات متسارعة الحتوائه وتفكيكه، ليس دعمًا للسودان وحده، بل حماية ألمن اإلقليم بأسره مما يحاك ضده. إذا أرادت أمــــيــــركــــا مـــنـــافـــســـة الــــصــــ فـــإنـــه يتحتم عليها إصــــ ح اقــتــصــادهــا. فـقـبـل أسـابـيـع فــي نــيــويــورك، كـنـت ضيفًا فــي مــأدبــة عـشـاء جـرى إعـدادهـا ملناقشة التجارة األميركية، حني تحولت دفـــــة الـــحـــديـــث فــــجــــأة إلـــــى الــــصــــ . وتـــبـــايـــنـــت آراء الــخــبــراء املــرمــوقــ مـــن الــحــضــور: فـمـنـهـم مـــن أيّـــد مواقف الرئيس دونالد ترمب الحازمة، ومنهم من دعا إلى نهج أقل صدامية وأكثر تقليدية. من ناحيتي، لست خبيرًا في الشأن التجاري، لكنني اسـتـثـمـرت فــي الـصــ لــســنــوات، وكــنــت قد عــــدت لــتــوّي مــن زيـــــارة اسـتـغـرقـت أســبــوعــ . وبعد أن استجمعت شجاعتي، عـبَّــرت عـن اعتقادي بأن النهجني كليهما لن يُجديا نفعًا؛ فالصني منافس قــوي للغاية، وقـــوة صناعية عظمى، يصعب كبح جماحها بالسبل الدبلوماسية. أما الحل الحقيقي الـوحـيـد، فيكمن فــي إصـــ ح االقـتـصـاد األمـيـركـي، والتفوّق على الصني في عقر دارها. يـومـ بـعـد آخـــر، تــــزداد الـحـاجـة إلـــى ذلـــك، ألن االضــطــرابــات الـتـي شـهـدهـا الــعــام األول مــن واليــة تـــرمـــب أثّـــــــرت بــالــســلــب عـــلـــى أمـــيـــركـــا. إلـــــى جــانــب الـتـصـنـيـع، تُـــهـــدد بـكـ الـهـيـمـنـة األمــيــركــيــة داخـــل مجموعة مــن الـقـطـاعـات الـسـريـعـة الـنـمـو، بـمـا في ذلــــك الـــذكـــاء االصــطــنــاعــي وتــطــويــر األدويـــــــة. وفــي الـوقـت الــذي حـاولـت واشنطن خفض اإلنـفـاق على وظـائـف حكومية مهمة، مثل الـوظـائـف فـي مجال البحوث األسـاسـيـة، جعلت الـصـ هــذه الوظائف من أولوياتها الوطنية. في الواقع، أحرزت بكني تقدمًا مذهال في مجال الـذكـاء االصـطـنـاعـي. ورغـــم أنـهـا ال تـــزال فـي مكانة مـتـقـهـقـرة عــن الـــواليـــات املــتــحــدة فــي مــجــال رقـائـق أشباه املوصالت املتطورة، تمتلك الصني وفرة من عنصر أســاســي آخـــر لـنـجـاح الــذكــاء االصـطـنـاعـي: الــطــاقــة. فــي الـــواقـــع، تمتلك بـكـ أكــثــر مــن ضعف قــدرتــنــا عـلـى تـولـيـد الــطــاقــة، وتــدفــع بـعـض مـراكـز بياناتها نصف ما ندفعه نحن مقابل الطاقة. وقد ساعدها ذلك على تطوير منتجات مثل «مانوس»، بـــســـرعـــة اســـتـــثـــنـــائـــيـــة. بـــرنـــامـــج ذكــــــاء اصــطــنــاعــي يُضاهي أداء «تشات جي بي تي»، وقد بيع لشركة «ميتا» بأكثر من ملياري دوالر بعد زيارتي للصني بفترة وجيزة. أضــف إلــى مـا سبق رأس املـــال الـبـشـري، الـذي يعد عنصرًا أساسيًا في نجاح بكني. هناك، التقيت الـكـثـيـر مــن رواد األعـــمـــال الـشـبـاب الــذيــن تضاهي طاقتهم وذكاؤهم نظراءهم في «وادي السيليكون»، بمن فيهم ملياردير ال يزال ينام في مكتبه. ورغـم كل ما يُطلقه السيد ترمب من تهديدات بـفـرض تعريفات جمركية، فــإن أمـيـركـا ال تنتصر فــي هـــذه الــحــرب الـتـجـاريـة؛ فــ يـــزال هـــذا العمالق اآلسـيـوي يتربع على عـرش أكبر مُــصـدّري العالم، 1.2 وبـــلـــغ فــائــضــه الـــتـــجـــاري رقـــمـــ قــيــاســيــ قـــــدره تريليون دوالر، العام املاضي. وتشير هذه الزيادة اإلجـمـالـيـة إلـــى أن الـكـثـيـر مــن الـبـضـائـع الصينية تمر ببساطة عبر دول وسيطة قبل وصولها إلى الواليات املتحدة. وسواء فُرضت تعريفات جمركية أم ال، يبقى الجميع بحاجة إلى البضائع الصينية. لــنــنــظــر إلـــــى الــــســــيــــارات، عـــلـــى ســبــيــل املـــثـــال. خــ ل رحـلـتـي، قمت بجولة فـي شـركـة «شــاومــي»، شركة مُصنّعة ملعدات االتـصـاالت، أعلنت دخولها صناعة الـسـيـارات الكهربائية قبل خمس سنوات فقط. وداخــل منشأة مترامية األطـــراف تكاد تخلو من البشر، كانت آالت ضخمة تُشبه الديناصورات اآللية تُحرك ألواح األملنيوم بسهولة، بينما تتحرك الـــســـيـــارات عــلــى خـــط اإلنــــتــــاج. فـــي الــــردهــــة، وقـفـت سيارة رياضية صفراء اللون بدا من السهل الخلط بينها وبني سيارة «بورش». كما زرت شـركـة لـلـروبـوتـات، حيث عاينت ما يـشـبـه ألــعــاب األطـــفـــال الـبـ سـتـيـكـيـة تــتــجــول، مما كشف عـن مــدى الـتـقـدّم الـــذي أحـرزتـه الشركة نحو بــنــاء روبـــوتـــات شـبـيـهـة بـالـبـشـر، وقـــــادرة عـلـى أن ،2024 تــحــل مــحــل الــبــشــر فـــي بــعــض املـــهـــام. (عــــام ركّبت الصني نحو تسعة أضعاف عدد الروبوتات الصناعية التي ركّبتها الواليات املتحدة). وبعد زيارة من جهته، أعلن الرئيس التنفيذي لشركة «فــــورد»، جيم فــارلــي، الصيف املــاضــي، أن تكنولوجيا الـسـيـارات الصينية «متفوقة بكثير» على نظيراتها األميركية، ووصف التقدّم الصيني بأنه «أكثر شيء يجبر املرء على الشعور بالتواضع رأيــتــه فــي حــيــاتــي». ومـــن قـبـيـل الـصـدفـة -أو ربما ليس كذلك- أوقفت «فــورد» قريبًا إنتاج شاحنتها »، وتـكـبّــدت خسائر فادحة 150 - الكهربائية «إف مليار دوالر أميركي فـي جهودها في 19.5 بلغت مجال السيارات الكهربائية. وفي مجال تطوير األدوية، نجد أنه قبل بضع سنوات فقط، كانت الصني ال تــزال ترخص الكثير مـــن أدويـــتـــهـــا مـــن شـــركـــات أجــنــبــيــة. أمــــا اآلن، فقد انقلب الحال وأصبحت بكني ترخص أدويـــة لـدول أخرى أكثر مما ترخصه منها، ناهيك بتفوقها على الواليات املتحدة في عدد التجارب السريرية. إال أن هــــذا ال يــنــفــي أن بــكــ ال تـــــزال تــواجــه تــــحــــديــــات. وال تــــــزال تــــداعــــيــــات فـــقـــاعـــة الـــعـــقـــارات املـتـراجـعـة تـُـلـقـي بـظـ لـهـا. ومــن بــ الـنـتـائـج التي ترتبت على ذلـــك، إحـجـام املستهلكني عـن الـشـراء. ومــع تباطؤ الـنـمـو، ارتـفـعـت نسبة بطالة الشباب في املائة (ولم تنخفض إال قليالً). وإلى 20 إلى نحو جانب ذلك، تراجع االستثمار. ويُــشـيـر هــذا إلــى وجـــود اقـتـصـاديـن صينيني: اقـــتـــصـــاد مـحـلـي راكــــــد، واقـــتـــصـــاد عـــمـــ ق يُــهـيـمـن عــلــى الـتـصـنـيـع الـــعـــاملـــي، فـــي الـــوقـــت الـــــذي يُــحــرز تــقــدمــ هـــائـــ فـــي مـــجـــاالت ســريــعــة الــنــمــو تعتمد على التكنولوجيا، والـتـي لطاملا كانت حكرًا على الواليات املتحدة. في الواقع، أحـرزت الصني هذا النجاح جزئيًا من خالل نموذجها للرأسمالية املوجهة من الدولة؛ فعندما أدركـت الحكومة أنها تخسر سباق الذكاء االصطناعي، أوضـحـت أن اللحاق بالركب أولوية وطــنــيــة، ودعـــمـــت ذلـــك بـــاملـــوارد املــالــيــة، وتخفيف القيود التنظيمية، وتطوير قـــدرات هائلة لتوليد الـكـهـربـاء. وبـإمـكـان األمـيـركـيـ الـيـوم أن يعاينوا النتائج. املؤكد أن املنافسة مع الصني ستكون صعبة، حــتــى فـــي أفـــضـــل الــــظــــروف. والــــواضــــح أن أمـيـركـا بحاجة إلـى إعــادة النظر في سياستها الصناعية -أي كــيــفــيــة تـــوظـــيـــف مـــــواردهـــــا الــحــكــومــيــة لــدعــم الصناعات ذات األهمية االستراتيجية، مما يُمثل نـسـخـتـهـا الــخــاصــة مـــن الــرأســمــالــيــة املــوجــهــة من الدولة. بيد أنه لسوء الحظ، تُؤدي سياسات إدارة تـــرمـــب غــيــر املــتــمــاســكــة إلــــى خــلــق ظـــــروف شــديــدة السوء. بــــدايــــةً، عــلــى اإلدارة األمــيــركــيــة الـــتـــراجـــع عن التخفيضات التي أقرّها ترمب في االستثمارات في العلوم وغيرها من املجاالت. وفـــي الــوقــت الـــذي يـسـاورنـي شــك قـــوي بـقـدرة حكومة ديمقراطية على اختيار النهج الصحيح، لـم يعد لــدى األميركيني تــرف إبـقـاء واشنطن على الــهــامــش. عـلـى وجـــه الــخــصــوص، ينبغي ألميركا الــتــركــيــز عــلــى صـــنـــاعـــات املــســتــقــبــل، الـــتـــي يـرتـبـط الكثير منها بالتكنولوجيا، والتخفيف من تركيز ترمب على صناعات تشكيل املعادن التقليدية. على سبيل املثال، بفضل قانون الرقائق والعلوم، الذي أُقر في عهد الرئيس جو بايدن، يجري بناء مصانع ضخمة ألشباه املوصالت في أريزونا وغيرها. إن الـــحـــاجـــة إلـــــى إعـــــــادة تـــوجـــيـــه الــســيــاســات الحكومية ال تقتصر عـلـى اإلنــفــاق فـقـط؛ فأميركا تـفـتـقـر إلــــى املــــعــــادن الــحــيــويــة لــيــس لــنــدرتــهــا، بل لصعوبة الحصول على تراخيص ملناجم جديدة ومرافق معالجة. وبإمكانها بالتأكيد إيجاد طريقة لــتــطــويــر قـــدراتـــهـــا الــتــعــديــنــيــة، مـــن دون املــســاس باملعايير البيئية املعقولة. ومـا ينبغي أن يتعلمه ترمب -كما ينبغي أن يتعلمه الجميع- أن أميركا لـن تـهـزم بكني بفرض تـعـريـفـات جـمـركـيـة، أو بـمـحـاولـة الــتــفــاوض على اتفاقيات تجارية مـن املـرجـح أن تنتهكها الصني. (ومــــن املــهــم اإلشـــــارة إلـــى أن الـسـيـاسـة الصناعية الــصــائــبــة ال تـعـنـي االســـتـــحـــواذ عــلــى حــصــص في الشركات أو املطالبة برسوم امتياز، كما تفعل إدارة ترمب). إن التفوق على الصني يبدأ من الداخل، من خـ ل إصـ ح االقتصاد. إنـه تحد ينبغي أن يحفز تـرمـب على إعـــادة النظر فـي مجموعة واسـعـة من سياساته. * خدمة «نيويورك تايمز» أميركا والصين... منافسة صعبة Issue 17243 - العدد Thursday - 2026/2/12 اخلميس سليمان جودة عثمان ميرغني *ستيفين راتنر OPINION الرأي 14 الذين ذاقوا في اليابان... فَعرَفوا إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب واألمن اإلقليمي

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==