الثقافة CULTURE 18 Issue 17242 - العدد Wednesday - 2026/2/11 الأربعاء تشهد لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن بني أمية لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة يقع قصير عـمـرة فـي بـاديـة الأردن، جنوب غــرب محمية وادي الأزرق، ويُــعــرف بجدارياته الــتــي تـشـكّــل مـتـحـفـا لـلـفـن الــتــصــويــري الأمــــوي. تـحـوي هـــذه الــجــداريــات مـجـمـوعـة مــن الـلـوحـات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحة تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم. يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك الـعـالـم» فــي الإيــــوان الـغـربـي، عـلـى طــرف الـجـدار الـغـربـي، ضمن تأليف يجمع بـن ثــاث لوحات مـتـاصـقـة. تـــنـــاوب عـــدد مـــن كــبــار الـعـلـمـاء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على 1907 رســم توثيقي نـشـره ألـويـيـس مـوزيـل عــام ضمن دراسة خص به هذا الموقع الأموي. لم تصل هــذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضا من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبي أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين. تـــم تنظيف هـــذه الـلـوحـة فــي الـنـصـف الأوّل مــن سـبـعـيـنـات الــقــرن المـــاضـــي، يـــوم قــامــت بعثة إســبــانــيــة بـتـدعـيـم بــنــاء قـصـيـر عـــمـــرة. ورُمّـــمـــت مـنـذ بـضـع ســـنـــوات، حـيـث بــاشــر فــريــق إيـطـالـي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العمل في . شمل هـذا العمل المتأنّي لوحة 2010 الموقع في «مـلـوك الـعـالـم»، وأدّى إلــى الكشف عـن تفاصيل بقيت مخفية مــن قـبـل. ظـهـر وجــهــان مــن وجــوه هــــؤلاء المــلــوك بـشـكـل جــلّــي، وشـهـد هـــذا الـظـهـور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين. تُمثّل هـذه اللوحة ثـاث قـامـات تحضر في المقدمة فـي وضعية المـواجـهـة، رافـعـة أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هـذه القامات ثلاثة وجــوه تنتصب فـي وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتــبــدو أحـجـامـهـا مـتـسـاويـة، مـمّــا يـوحـي بأنها تنتمي إلــى مـصـاف واحـــد. تظهر الـقـامـات التي تـحـتـل المــقــدّمــة بـشـكـل كـــامـــل، وتـتـمـيّــز بلباسها المـتـرف. فـي المقابل، تطل القامات التي تقف من الخلف بشكل جـزئـي، ولا يظهر مـن لباسها إلا بعض تفاصيل. في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم الـتـوثـيـقـي حـفـظ صــــورة قـمـة تـــاجـــه، كـمـا حـافـظ على الكتابة المـزدوجـة التي تسمّيه. يحل الاسم باليونانية فــي عــبــارة بـقـي منها ثـاثـة أحـــرف، ويــحــل بـالـعـربـيـة فــي عــبــارة بـقـي مـنـهـا حــرفــان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأســـه، ويكشف الـرسـم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عـن كتابة مـزدوجـة تبدو مبهمة، وهــذه الكتابة محفوظة فــي العينة الـتـي دخـلـت «مـتـحـف الفن الإســامــي» ببرلين، وتـحـوي حرفا واحـــدا يظهر بشكل جـلـي، وهــو حــرف «ق». تُظهر الــدراســات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم ، وقد اختلف 712 وعام 710 هسبانيا ما بين عام الـــــرواة الــعــرب فــي اســمــه، «فـقـيـل رذريـــــق، بــالــراء أولــــه، وقـيـل بــالــام، لــذريــق، وهـــو الأشــهــر» على مـا كتب المـقـري التلمساني فـي «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف مـلـك يعتمر تـاجـا يتميّز بـــرأس مـسـنـون يعلوه هـال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلــى «كــســرا»، وهــو اللقب الـــذي عُـــرف به ملوك الساسانيين الـفـرس. مـن خلفه، يقف ملك تهشّم وجـهـه، تعلو رأســه كتابة مـزدوجـة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى الـنـجـاشـي، ملك الحبشة. إلــى جـانـب النجاشي يــحــضــر أخــــيــــرا مـــلـــكـــان ظـــهـــر وجـــهـــاهـــمـــا بـشـكـل واضــــح، غـيـر أن هويّتيهما ظـلّــتـا مـوضـع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما. يـــرتـــدي قـيـصـر جـلـبـابـا أصــفــر يــعــلــوه قـبـاء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى بــرداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قـبـاء أحـمـر ينسدل طـرفـه الأيـمـن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبـيـض، تزيّنه بطانة طويلة حـمـراء، تمتد على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هـذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتل جدار الإيــــوان الأوســــط، تُــمـثّــل الأمــيــر الـولـيـد بــن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة. 1954 قــــــدّم الـــعـــالـــم أولــــيــــغ غــــرابــــار فــــي عـــــام قـــراءة معمّقة تــرى هــذه اللوحة تعبيرا مجازيا عـن روحـيـة الحكم الأمـــوي، واسـتـعـاد فيها قـولا مأثورا عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجـدي خـاقـان»، ورأى في هـذا القول تعبيرا عن «أمـــمـــيّـــة» أمـــويـــة تــعــبّــر عـنـهـا تـشـكـيـلـيـا جــداريــة قصير عـمـرة. مـن جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «المـلـوك الستة» يحاكي تقليدا فارسياً، واسـتـشـهـد بـحـديـث فــي «مـعـجـم الــبــلــدان»، يذكر فـــيـــه يــــاقــــوت الـــحـــمـــوي ركـــنـــا فــــي قـــرمـــيـــســـن، أي کــرمــانــشــاه، يــحــوي صــــورة فـنـيـة تـجـمـع «مـلـوك الأرض، منهم فغفور ملك الـصـن، وخـاقـان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز. اتـــبـــع مـــصـــوّر جــــداريــــة المـــلـــوك الـــســـتـــة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أن لوحته حملت طابعا محليا تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولـم يُستبدل بـه اسـم «باسيليوس» الــذي تبناه الــبــيــزنــطــيــون، بـــل حــضــر بـــاســـم «قــيــصــر» الـــذي عُــــرف بــه فــي المـــيـــراث الإســـامـــي. تـحـضـر أسـمـاء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصـحـابـهـا، ويـحـضـر اســـم لــذريــق بشكل فـــردي، مختزلا سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلـى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند. هــــزم الــحــكــم الإســــامــــي الأول مـــلـــوك الــــروم والـفـرس والـقـوط، إلا أنـه لم يمح أثـرهـم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولـي العهد الأمـــوي هــذا الـتـحـوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الـفـنـيـة الـــرومـــانـــيـــة والــســاســانــيــة والـبـيـزنـطـيـة. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمــن خلافة بني أمـيـة، ويتجلى هــذا الطابع في لوحات أخـرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجا خلّقا من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها. ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي لها محمود الزيباوي دعمت خلاصاتها حول سوسيولوجيا العلاقات السلبية بالكثير من الشواهد «قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب» إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل صـــــدر حـــديـــثـــا عــــن مـــؤســـســـة «مـــيـــســـلـــون لـلـثـقـافـة والـــتـــرجـــمـــة والـــنـــشـــر» كـــتـــاب «قـــــــــراءات نـــقـــديـــة» لمـؤلـفـه مــحــمــود أبــــو حـــامـــد. والـــكـــتـــاب، كــمــا يـــقـــول أبــــو حــامــد، هـــو «مــحــاولــة لـتـوشـيـج الــعــاقــة بـــن الـــقـــارئ والــكــاتــب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومـسـاراتـهـا الـسـرديـة وصـيـاغـة شخصياتها، ومـرجـعـيـاتـهـا ودوافــعــهــا وتــداعــيــاتــهــا... وهـــو محاولة أيــضــا لـكـسـر الــحــواجــز بــن الأجـــنـــاس، وإضـــافـــة قـواسـم مشتركة بينها، وتسليط الـضـوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها». فــي فـصـل «المـــــادة المــعــرفــيــة»، أي اعــتــمــاد أو اتـكـاء العمل الإبــداعــي على مـــادة أو مـــواد معرفية مــا، تناول المــؤلــف روايــــة الـكـاتـب والــنــاقــد الـــســـوري نبيل سليمان «تـــحـــولات الإنـــســـان الــذهــبــي»، وروايـــــة الـكـاتـب الـعـراقـي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابر الدهشة» للشاعرة اللبنانية نــدى الـحـاج، وديـــوان «وجـهـك صار وشـــمـــا غـــجـــريـــا» لـــلـــشـــاعـــرة الـــســـوريـــة مــــاجــــدة حـــسّـــان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل. وتــحــت عـــنـــوان «فــنــتــازيــا الــبــنــاء والــــســــرد»، نطلع عـلـى قــــراءات فــي روايــــة «قـمـل الـعـانـة» للكاتب الـسـوري الراحل غسان الجباعي، وروايـة «لست حيواناً» للكاتب الـفـلـسـطـيـنـي ولـــيـــد عــبــد الـــرحـــيـــم، ومــجــمــوعــة الـــقـــاص الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين عــلــى الـــنـــبـــاح» لــلــشــاعــرة الـفـلـسـطـيـنـيـة مــنــى الــعــاصــي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة. وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبـو حامد عــن تــجــارب عـــدد مــن الــشــعــراء: الـــســـوري أســامــة إسـبـر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بـعـنـوان «الــحــرب فـي سـوريـا وحـيـاديـة المـواقـف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولا لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتـاسـي، وربــاب هـال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين الــســوريــن: مــــازن عــرفــة فــي روايـــتـــه «الــغــابــة الـــســـوداء»، ونــهــاد سـيـريـس فــي روايـــتـــه «أوراق بـــرلـــن»، وإبـراهـيـم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب». وبــن «الثقافة العربية والإنـجـلـيـزيـة»، تـنـاول أبو حـامـد مـن لـنـدن تجربة الـقـاص الـعـراقـي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الــوهــم»، الـتـي تـبـرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيـحـاءات من الـشـوارع والمـــارة، من المتاحف والأســــواق، مـن بـــرودة الطقس ودفء الأمـــان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقا إضـافـيـا». ومــن فرنسا، اخـــتـــار المـــؤلـــف الـــشـــاعـــرة الـــســـوريـــة ســــام أبــــو شــالــة في كتابها «بالخط الأحمر» الـذي تسرد فيه «زمـن الخروج إلــــى الـــنـــجـــاة»، وتـــصـــف رحـــاتـــهـــا، والمــــــدن الـــتـــي أقــامــت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائما ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها». لــــم يـــكـــف المــــفــــكــــرون وعـــلـــمـــاء الـــنـــفـــس والاجـــتـــمـــاع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب الــعــمــيــقــة الـــتـــي أدت إلـــــى تــــدهــــور الـــعـــاقـــات الـعـاطـفـيـة بــن الـبــشـر، فــي ظــل الاســتــشــراء المـتـعـاظـم لـنـظـام القيم الرأسمالي، الــذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت بـاومـان قـد تـحـدث فـي كتابه «الـحـب الـسـائـل»، الـــذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فــإن الباحثة الفرنسية إيـفـا إيـلـوز ذهـبـت في كتابها «نهاية الـحـب» إلــى أبعد مـن ذلــك، فتحدثت عن ضـمـور الـحـب وسـقـوطـه المـريـع تحت الـضـربـات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية. لـعـل أكــثــر مــا تــؤكــد عـلـيـه إيــلــوز فــي كـتـابـهـا الـقـيّــم والمـسـتـفـيـض هــو أن الـتـحـول الــــذي حـــدث فــي الـعـاقـات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لـدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هـــذا الـــشـــأن، حـيـث إن «الــايــقــن الـعـاطـفـي الــــذي يـسـود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمـج بها سوق الاسـتـهـاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنـتـرنـت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية». وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجها للآلهة ومسنودا بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالا جسديا مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لـم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاخـتـيـار العاطفي، أو عبر إعــاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية. وقـد كـان عالم الاجتماع المـعـروف إميل دوركهايم مـن أوائـــل الـذيـن أدركـــوا مـغـزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الـشـره يتعلق بكل مـن يـنـال إعـجـابـه، ولا شــيء يرضيه عـلـى الإطـــــاق، فـسـوف تــدركــه لعنة الـانـهـائـي، الـتـي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولا إلى الانتحار. وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسرا من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالا سلبية تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن. والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضــح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يـحـرص كـل منهما على تحصيل أقـصـى مـا يستطيعه مــن الأربـــــاح. لـكـن الأمــــور لــم تـتـوقـف عـنـد هـــذا الــحــد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحــق إلــى خلخلة الـعـاقـات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومــتــنــوعــة، مـــن بـيـنـهـا المــــواعــــدات الــعــرضــيــة، والاكــتــفــاء بالعشيق المــؤقــت أو رفـيـق المـتـعـة، والــنــأي عــن أي وعـد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية. وتستعيد المـؤلـفـة فـي هــذا الـسـيـاق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلا بأوغسطين وتوما الأكويني، الــذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعا للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره». وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الـــرأســـمـــالـــي، بــخــاصــة فـــي ظـــل الـــتـــطـــورات المـتـسـارعـة لــوســائــل الاتــــصــــال، لا يـــقـــرأ إلا فـــي كـــتـــاب الاسـتـثـمـار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قـائـم بنفسه وذاتــــي الإحـــالـــة، ومـفـصـول عــن الأجـسـاد الأخـــــرى وبـــاقـــي الأشــــخــــاص. وإذا كــانــت الـجـنـسـانـيـة غــريــزة طـبـيـعـيـة، فيمكن للجسد الـجـنـسـي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية. وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الــدوام في سياق التمهيد الــصــادق لـارتـبـاط النهائي بــالآخــر، بـل كــان بعضها يــقــع فـــي خــانــة الإغــــــواء الــشــهــوانــي لــلــطــرف المـعـشـوق واســتــدراجــه إلــى عـاقـة جسدية عــابــرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات. ولــعــل أهـــم مـــا تـمـنـحـه أشـــكـــال المــغــازلــة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين الـتـي تحكم فـي الــعــادة شخصية البشر المـتـوحـديـن، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سـرديـة وسـوسـيـولـوجـيـة، مـحـددة المـقـدمـات والنتائج. فــــالمــــغــــازلات الـــغـــرامـــيـــة مــــا قـــبـــل الـــحـــديـــثـــة كــــانــــت، وفـــق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقـــــادرة عـبـر ديـنـامـيـتـهـا الـفـاعـلـة وظـهـيـرهـا الـعـاطـفـي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والــــجــــدوى، ومــــا يـخـفـف بــالــتــالــي مـــن وطـــــأة الـغـمـوض واللايقين. لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المـحـصـلـة الطبيعية لـلـحـريـة الـجـنـسـيـة، الــتــي لــم يلبث أن أمــســك بـزمـامـهـا جــهــاز مــؤسَّــســي لا يـقـيـم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يـذكـر. فــإذا كانت الحرية قد شـكـلـت الــشــعــار الآيـــديـــولـــوجـــي لــلــحــركــات الاجـتـمـاعـيـة والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حـيـاتـهـم مــن أي مـعـنـى يـتـجـاوز هـــذه المــتــع. وقـــد عــززت الرأسمالية «المرئية» هـذا الشكل من الاستغلال المكثف والـــواســـع للجسد الـجـنـسـي، مــن خـــال صـنـاعـة الـصـور والــســرديــات الـتـي لــم تـكـف الـتـكـنـولـوجـيـا المــتــطــورة عن توفيرها لـهـواة الـنـوع. وهـو مـا جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر. لـكـن المــفــارقــة الـافـتـة فــي هـــذا الــنــوع مــن الـعـاقـات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حـول الــذات الظامئة أبـدا إلـى التحقق، يقابله تـهـديـد عـمـيـق لـلـهـويـة الــفــرديــة والاجـتـمـاعـيـة عـلـى حد ســـواء، بحيث إنـنـي «لا أستطيع أن أقـــول مـن أنــا ومــاذا أريــد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والـــجـــنـــســـي، وتـــجـــد تــعــبــيــراتــهــا فــــي المــــرونــــة الــــزائــــدة، والانـــتـــقـــال مـــن شــريــك إلـــى آخــــر، وعــــدم الـــــولاء. وهـــو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنبا إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة. لندن: «الشرق الأوسط» شوقي بزيع إيفا إيلوز إميل دوركهايم النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky