عــقــب انـــتـــهـــاء الـــجـــولـــة الأولــــــى مـــن المـــفـــاوضـــات غير المـــبـــاشـــرة فـــي مـسـقـط بــعُــمــان بـــن واشــنــطــن وطـــهـــران في الأســبــوع المــاضــي، ومـــا تـاهـا مــن تـصـريـحـات عـلـى لسان كبار المسؤولين في البلدين بالتأكيد على إيجابيتها، وقبل تحديد موعد الجولة الثانية من المفاوضات، لجأت إيران من خلال وزير خارجيتها إلى الإعلان عما سمته خطوطا حُـــمـــراً، والـتـهـديـد بــالــذهــاب إلـــى الــحــرب فــي حــالــة إصـــرار الجانب الأميركي على تجاهلها. الــرد الأميركي جــاء هو الآخـرعـبـر وسـائـل الإعـــام ببث خبر مصور عـن قيام وفد التفاوض الأميركي، بزيارة إلى حاملة الطائرات الأميركية آيزنهاور. لـــعـــبـــة الــــخــــطــــوط الــــحُــــمــــر قــــديــــمــــة. لا تـــقـــتـــصـــر عـلـى الـتـفـاوض بـن دول مـتـنـازعـة، بـل تشمل تقريبا كـل أوجـه الحياة، حتى فـي علاقة عائلية بـن زوجــن. وتُــاحـظ في عمليات التفاوض التجاري، وفـي عمليات التفاوض بين النقابات العمالية وأصحاب العمل، وغيرها. وإعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن خطوط بلاده الحمر مؤخرا في مقابلة تلفزيونية يدخل ضمن هذا الإطار. الخطوط الحُمر، في العادة، لا تحتفظ دائما بلونها، لكونها أحيانا تصاب بالتآكل. أي أنّها تتغير بتغيّر موازين القوى والمصالح. وهي في عمليات التفاوض السياسي نوعان: حقيقي وتكتيكي. والـثـانـيـة تُستخدم أحـيـانـا كـنـوع مـن «المـــنـــاورة» للضغط عــلــى الـــطـــرف الآخــــر لـلـحـصـول عــلــى تـــنـــازلات فـــي مـنـاطـق أخرى. وأعتقد أن القراءة المتأنية لتصريح وزير الخارجية الإيراني تفضي إلى أن خطوط إيران الحمراء تدخل ضمن السياق التكتيكي، لأن الـوزيـر لجأ إلــى الإعـــان عنها في وسائل الإعلام وليس في غرف التفاوض المغلقة، والأرجح أن هدفها الاستهلاك المحلي، أو رفع سقف المقايضة. من الممكن الاستشهاد في هذا السياق بما حدث بعد . إذ الـتـقـى الــقــادة الــعــرب فــي قمة 1967 هـزيـمـة حـــرب عـــام بالخرطوم، وأعلنوا في نهايتها عن ثلاثة خطوط حمر، سموها الـــاءات الـثـاث: لا صلح ولا اعـتـراف ولا تفاوض مـع إسـرائـيـل. الـــاءات كـانـت ضـروريـة لامتصاص صدمة الهزيمة واحتلال إسرائيل لأراضـي ثلاث دول عربية. قبل ، بدأ التآكل يصيب تلك الـاءات. كان باب 1970 نهاية عام التفاوض الموصد والمـرفـوض قد فُتح على استحياء، من خلال قبول القيادة المصرية آنذاك بمبادرة وزير الخارجية الأميركي روجرز. وكان تفاوضا مع إسرائيل غير مباشر، وصـف بـالـضـروري. كـان ذلـك أول صـدع فـي جــدار الرفض العربي، سـرعـان مـا تلته تصدّعات أخـــرى، أفضت بمرور الوقت إلى انهيار الجدارين الآخرين: الصلح والاعتراف. فـــي الــــــدول الـــتـــي تـــتـــعـــرَّض لـــزعـــزعـــة فـــي اســتــقــرارهــا الـداخـلـي نتيجة ثـــورات أو انـتـفـاضـات تفضي إلــى فقدان السلم والاستقرار كما حدث في أعوام مضت في الصومال أو في العراق، تبرز على السطح أطراف جديدة لملء الفراغ السياسي فـي صــراع على السلطة، وفـي الغالب يلجأ كل طرف إلى وضع خطوط حمر بما يتلاءم ومصلحته. تعدد الأطراف وتداخل التحالفات وتغير الاصطفافات، تقود إلى تداخل تلك الخطوط الحمر، حتى يصعب التمييز بينها، وتتحول الـبـاد إلــى إقطاعيات بـألـوان مختلفة، وإلــى ما يشبه حقول ألغام. ومن الممكن القول إن ليبيا في وضعها الحالي تعد نموذجا مثاليا لتلك الوضعية. خطوط الأمس الحمراء والمعلنة من فريق أو طرف ضد آخـر هـي غير خطوط الـيـوم، بسبب مـا حـدث مـن تحوّلات فـــي الــوضــعــيــات اســتــلــزمــت عــقــد تــحــالــفــات واصــطــفــافــات جـــــديـــــدة، قــــــادت إلـــــى تــغــيــيــر الـــخـــطـــوط الـــحـــمـــر الــســابــقــة والإعــان عن أخـرى جديدة. اللافت في هذه الوضعية هو اختفاء الخطوط الحمراء الوطنية ذات الصلة باستقلالية الـقـرار الليبي والـسـيـادة الليبية على ثـرواتـهـا وحـدودهـا وأراضيها من أجندة كل الأطراف المتصارعة. بعد فضيحة جيفري أبستين المطنطنة، ثمّة إحساس يعبّر عنه نقّاد غربيّون مفاده بـــأن الأمــــور سـيّــئـة جــــدّاً، وأن الـرأسـمـالـيّــة في شكلها الراهن تتحمّل مسؤوليّة معتبرة عن تدهور السياسة والقيم والأخلاق. هكذا وجّه بعض الإعلام وبعض المواقع إصـبـع الاتّـــهـــام إلـــى «كــبــار رجـــال الـرأسـمـالـيّــة المـــــعـــــولمـــــة»، وتـــــحـــــدّثـــــوا عـــــن «انــــهــــيــــار الــثــقــة بالبيزنس الكبير». كذلك كتب رئيس الحكومة الـــبـــريـــطـــانـــيّـــة الـــســـابـــق غــــــــوردون بــــــــراون، فـي «الغارديان»، مطالبا بإعادة الثقة بالسياسة، وإن استدرك بالقول إن مهمّة ترميمها ستكون صعبة متّى اهتزّت السياسة. وتــــتــــوسّــــع الــــيــــوم رقــــعــــة الــــــدعــــــوات إلـــى الشفافيّة، وضبط تدخّل المال في الانتخابات والـــــشـــــأن الــــــعــــــامّ، والــــتــــشــــدّد حــــيــــال الـــتـــهـــرّب الـضـريـبـيّ، وردع الأقـــويـــاء والأغــنــيــاء، أفـــرادا ودولاً، عــــن الإفـــــــات مــــن الـــعـــقـــاب، واعـــتـــمـــاد رقـــابـــات مــؤسّــســيّــة وأخـــاقـــيّـــة عـلـى عـمـلـيّــات التربّح ومـواقـع النفوذ. بلغة أخـــرى، غـدا من المُلح الحد على رأسماليّة منفلتة من كل قيد بـرأسـمـالـيّــة مـسـؤولـة أشـــد إنـسـانـيّــة وحـفـولا بالقيم وانضباطا بالقانون. وهـــذه وســواهــا مـن سـيـاسـات وآلــيّــات لا بد من إدامة شحذها واستنهاضها، لمكافحة الـفـضـائـح الــتــي قــد تــكــون شــديــدة الضخامة والخطورة، كما الحال اليوم، فيما قد تنكفئ وتتراجع في ظـروف أخــرى. بيد أن استحالة اســتــئــصــالــهــا مـــــــرّة وإلــــــى الأبــــــد تــبــقــى دعــــوة طوباويّة مستحيلة البلوغ. لــكــن فـــي مــقــابــل الإصــــــرار عــلــى معالجة رأسـمـالـيّــة الـتـفـلّــت بـرأسـمـالـيّــة الــقــانــون، ثمّة رأي آخــــــر يـــــتـــــوزّع بــــن الــــهــــوامــــش الـــغـــربـــيّـــة والمــتــون العالمثالثيّة والـعـربـيّــة، مـفـادهـا بـأن المشكلة نابعة مـن الرأسماليّة ذاتـهـا بقضّها وقضيضها بوصفها هــي أصـــل الــــداء. فهذه هـي الــقــراءة المـتـرتّــبـة، فـي تلك الـبـيـئـات، على فضيحة أبستين، علما بـــأن الحجّة المـذكـورة سابقة كثيرا على تلك الفضيحة وهــي، أقلّه مــنــذ جــــان جــــاك روسّــــــو، لـيـسـت بــحــاجــة إلــى أبستين. فــالــصــراع، وفـــق تـلـك الـــقـــراءة، لـيـس بين رأســـمـــالـــيّـــتـــن، بـــل ضــــد الـــرأســـمـــالـــيّـــة. وهــــذا، والـــحـــق يـــقـــال، يــأخــذنــا إلــــى مَـــهـــاو بـــا قــــرار. ذاك أن النموذج الضمني الــذي يمكن لقراءة كــهــذه أن تـقـتـرحـه لـــم يـعـد قـائـمـا مـنـذ تـحـوّل الدولتين الشيوعيّتين الأكبر والأهـمّ، الاتّحاد الـسـوفـيـاتـي والـصـن الشعبيّة، إلــى اقتصاد السوق، فيما يغدو الطلب على الاستثمارات الغربيّة رياضة وطنيّة في العالم غير الغربيّ. ويستطيع كـل مـن يـراجـع الفكر الـيـسـاري في القرن العشرين أن يلاحظ هذا السؤال المتكرّر الـــذي يبقى بــا جـــواب شــــافٍ: لمـــاذا لــم تسقط الرأسماليّة؟ والـــــحـــــال أن الأخــــــيــــــرة، المــــــولّــــــدة حـكـمـا لـلـفـضـائـح، والـــتـــي شـــاب تــاريــخَــهــا كـثـيـر من القسوة والــعــدوان، هـي صانعة عالمنا، وهي الــســبــب وراء ســائــر المــكــاســب الـعـظـمـى الـتـي يتشكّل مـنـهـا. وبـالمـعـنـى هـــذا يـتـحـوّل الـكـام الإطـــاقـــي عــن «الــرأســمــالــيّــة» إلـــى كـــام سهل يتفرّع إلى كاريكاتورات نضاليّة لا حصر لها. وقـد سبق لنا أن شهدنا عيّنة على أحـد هذه الكاريكاتورات مع مبادرة البعض إلى تفسير الـثـورة على بـشّــار الأســد باتّباعه «سياسات رأسماليّة نيو ليبراليّة»، والإغفال بالتالي عن .1963 تاريخ القهر السوري الممتد منذ والـــراهـــن أن الـفـضـيـحـة، جـنـسـيّــة كـانـت أم سـيـاسـيّــة أم أمــنــيّــة، لا تــحــدث إل فـــي ظـل الرأسماليّة الديمقراطيّة، وذلـك تبعا لوجود معايير مُلزمة للقياس يكون ما يجافيها هو الـفـضـائـحـيّ. هــكــذا، وكـأمـثـلـة غـيـر حـصـريّــة، عـــرفـــت بـــريـــطـــانـــيـــا فــــي الـــســـتـــيـــنـــات فـضـيـحـة بروفيومو وكريستين كيلر، وعرفت الولايات المتّحدة في السبعينات فضيحة «وترغيت»، كما ظهر سياسيّون فضائحيّون مـن صنف بـيـرلـوسـكـونـي فـــي إيـطـالـيـا وســــاركــــوزي في فرنسا. لكن مَــن الــذي يسعُه الـقـول إن ارتكابات عــــدي صـــــدّام حـسـن بــحــق الــنــســاء «فضيحة ذكوريّة»، أو أن اعتماد بريجنيف في سنواته الأخـــــيـــــرة عـــلـــى المــــنــــجّــــمــــات وقــــــارئــــــات الـــكـــف فضيحة، أو أن كيم جـونـغ أون وعـيـدي أمين هـمـا فضيحتان مُــشـخـصَــنـتـان؟ فـالمـذكـورون ليسوا أبـطـالا فضائحيّين لأنّــهـم بعض واقـع الـحـال نفسه، بمعنى أن الـحـيـاة الـعـامّــة، في ظلّهم، هي بعينها الفضيحة. وهنا يمكن أن نقيم بعض الـتـوازي بين الرواية البوليسيّة في البلدان الغربيّة والحياة البوليسيّة، مـن دون روايــــة، فـي الـبـلـدان غير الــغــربــيّــة. فـــتـــواز كــهــذا كـفـيـل بـــأن يــقــود نـقّــاد الرأسماليّة الإطلاقيّين إلى استنتاج أن الغرب يــئــن تـحـت وطــــأة الــحــيــاة الـبـولـيـسـيّــة بدليل وجـود الـروايـة البوليسيّة فيه، بينما الحياة فــي المجتمعات الأخــــرى مـعـافـاة منها بدليل عدم إنتاجها رواية بوليسيّة. ويُخشى أن يـتـأدّى عن نقد مُــعـوج كهذا نـوع من إعــادة تدوير لحجج قديمة بالمعنى الـــذي أعـــادت فيه الخمينيّة وسـائـر النزعات الـقـومـيّــة تــدويــر نـقـد الاســتــشــراق الـسـعـيـديّ. وهـــــذا، فـــي ربــوعــنــا، حـقـل شــديــد الـخـصـوبـة: ، حين انعقد في روما مؤتمر دولي 1923 فمنذ عن حقوق النساء حضرته هـدى الشعراوي، رأت الـنِــسـويّــة الـعـربـيّــة الأولــــى أن حضورها ليس لـ«طلب إلغاء تعدّد الزوجات أو تعطيل نظام الخطبة أو تضييق دائـــرة الـطـاق على الـــــرجـــــال»، بــــل لــلــبــرهــنــة عـــلـــى «ظــــهــــور المـــــرأة المصريّة بحقيقتها الثابتة أمام المرأة الغربيّة الـتـي تجهل عنها كـــل شـــيء، أو تـعـرف عنها مـــعـــلـــومـــات مـــشـــوّهـــة قـــرأتـــهـــا فــــي كـــتـــب ذوي الأغـــــراض الاســـتـــعـــمـــاريّـــة... وتــبــيــان أن المـــرأة المصريّة الحديثة تكاد تساوي أختها الغربيّة فــي مـدنـيّــتـهـا». وفـــي سـيـاق مـشـابـه يتواصل نعي الحضارة الغربيّة «المنهارة»، وعائلتها «المتصدّعة»، ناهيك باللاساميّة التي طويلا ما اختبأت في نقد الرأسماليّة، وتجد اليوم في فضيحة أبستين أقوى حججها. OPINION الرأي 12 Issue 17242 - العدد Wednesday - 2026/2/11 الأربعاء الخطوط الحمر ... عن الفضيحة والرأسماليّة وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة أخــبــرنــي كـثـيـر مـــن ســكــان جـــزيـــرة لامـــبـــيـــدوزا، تلك الــجــزيــرة الـصـخـريـة الـصـغـيـرة الــواقــعــة فـــي قـلـب البحر الأبـيـض المـتـوسـط، أنـهـم اعــتــادوا تلقي مـكـالمـات هاتفية مـــن أشـــخـــاص عــبــر الــبــحــر؛ إذ يــحــدث أن تـتـصـل أمــهــات وآباء وإخوة وأصدقاء للبحث عن شخص غادر، محاولا الوصول إلى أوروبــا، وانقطعت أخباره منذ ذلك الحين. هــل كـــان الابـــن مــن بــن مــن جـــرى إنــقــاذهــم؟ هــل ورد اسـم الابنة في قائمة ما؟ هل تبقّى أي أثر؟ وفي الغالب يأتي الجواب بلا. وبـعـد نحو عقد مـن ذروة أزمـــة الـهـجـرة فـي أوروبـــا، تحوّلت إحـدى أكثر نقاط الدخول ازدحاما وخطورة، إلى القارة من حالة طارئة إلى أزمة مزمنة. وعـــلـــى امـــتـــداد الـــســـنـــوات الــتــالــيــة، تـــشـــدَّدت سـيـاسـة الهجرة الأوروبـــيـــة. وأصـبـح بعض الـوافـديـن يُستبعدون تلقائيا مــن الـحـصـول عـلـى صـفـة لاجـــئ. كـمـا جـــرى إقـــرار خطط لإعـــادة مـن تُــرفـض طلباتهم بسرعة أكـبـر، ودفعت المـــفـــوضـــيـــة الأوروبـــــيـــــة أمــــــــوالا لــــــدول أخــــــرى لمـــنـــع قـــــوارب المهاجرين من الإبحار من الأساس. تـــبـــدو هــــذه الــســيــاســة مــفــيــدة لأوروبــــــا بـــقـــدر مـــا هي اســـتـــغـــالـــيـــة؛ فـــهـــي تــســمــح بـــهـــجـــرة الأفــــــــراد عـــلـــى حــســاب مخاطرة شخصية جسيمة، وتسلب المهاجرين حقوقهم عند الوصول، وتحولهم إلى أدوات لإدامة نظام اقتصادي قائم على العنصرية والاستغلال. وتكشف المكالمات الهاتفية سالفة الذكر عن وجه آخر للقسوة: الحدود لا تكتفي باقتناص الأرواح، بل تمحوها؛ في بعض الأحيان، تمر الوفيات حتى من دون توثيق. جدير بالذكر أن لامبيدوزا تقع ما بين سواحل شمال أفريقيا - تحديدا ليبيا وتونس - وإيطاليا، وعملت منذ التسعينيات بمثابة نقطة عـبـور على طــرق الهجرة غير النظامية إلى الاتحاد الأوروبـــي. وفي أوائـل العقد الثاني مـن الـقـرن الـحـالـي، ومــع تفاقم مــحــاولات الـعـبـور، تابعت وسائل الإعلام الدولية والإيطالية عن قرب حركة القوارب والـبـشـر والـجـثـث، فـضـا عــن الـضـغـط المــتــزايــد، الـــذي كـان يشكّله عدد الوافدين على الجزيرة. ،2013 ) بعد ذلك، في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول شخص حتفهم عندما اشتعلت النيران 300 لقي أكثر من فــي قـــارب مـكـتـظ، وغـــرق قـبـالـة سـاحـل الــجــزيــرة مـبـاشـرة. وانــتــشــرت صـــور الـتـوابـيـت المـصـطـفـة داخــــل هـنـجـر مطار لامبيدوزا في جميع أنحاء العالم، ما رسّخ صورة الجزيرة كرمز لقسوة حدود المتوسط. ومــــع ذلـــــك، نــجــد الـــيـــوم أن الـــجـــزيـــرة لـــم تــعــد تحظى بـذلـك الاهـتـمـام الإعــامــي كـمـا فــي الـسـابـق. هـــذا الصيف، تابعت مشاهد وصـــول المـهـاجـريـن إلــى رصـيـف فـافـارولـو في لامبيدوزا وهي تمر بهدوء. كانت سفن خفر السواحل تنزلق إلــى المـيـنـاء، وهــي تحمل أشـخـاصـا جــرى إنقاذهم من البحر. ونزل المهاجرون منها، وجرى عدّهم، ثم نُقلوا إلـى مركز الاستقبال في الجزيرة. وبــدا معظمهم بصحة جيدة، بينما بدا الإرهاق الشديد على آخرين، لكنهم ظلوا عـلـى قـيـد الـحـيـاة. كـمـا جـــرى نـقـل عـــدد قليل فــي الأكـيـاس المخصصة للجثث. في المقابل، وعلى بعد أمتار قليلة، كان السياح يتجولون على الواجهة البحرية، وبدوا غير واعين بما يجري. ولم أر صحافيين أو مصورين. وفي غضون أيام، يجري نقل معظم هؤلاء المهاجرين إلــــى صـقـلـيـة أو إلــــى الــبــر الإيـــطـــالـــي الـــرئـــيـــس، وبــعــد ذلــك يجري توزيعهم على مراكز اللجوء والمهاجرين في أنحاء إيطاليا. أما الجثث، فتخضع للتسلسل اللوجيستي نفسه: يُنقل رفاتهم ويُدفن في نهاية المطاف في مقابر بصقلية، غالبا في قبور مجهولة. وبذلك يتضح أن نظام استقبال الوافدين في لامبيدوزا - الـذي تديره السلطات الإيطالية والأوروبية بالتعاون مع الصليب الأحمر الإيطالي - أصبح اليوم آلة محكمة التنظيم. في ديسمبر (كانون الأول)، أعلنت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، في خطاب لها أن أوروبا «تدير الهجرة بمسؤولية». وأضافت: «الأرقام تتحدث عن نفسها». ومع ذلك، دعونا ننظر فيما تقوله هذه الأرقـام. إنها تشير إلــى أن عــدد الـوافـديـن بــرا وبـحـرا إلــى أوروبــــا، رغم ،2015 تــراجــعــه مـــن ذروة تـــجـــاوزت المــلــيــون شـخـص عـــام وفـاة 3.000 سنوياً، مـع نحو 180.000 مـا زال يبلغ نحو كـل عــام، حسب التقديرات. ومـا زال وسـط البحر الأبيض المتوسط من الطرق الرئيسة، التي يسلكها الناس للوصول إلى أوروبا، وأشدها فتكاً. 1.300 وحده، سُجل مقتل أو فقدان أكثر من 2025 عام شـخـص عـلـى هـــذا الــطــريــق. والاحـــتـــمـــال الأكـــبـــر أن الـعـدد الحقيقي أعلى بكثير؛ إذ تمر حوادث غرق كثيرة من دون أن يجري رصدها أو الإبلاغ عنها. بعبارة أخــرى، تحول عبور البحر المتوسط الخطير والمميت غالباً، عبر قـــوارب صغيرة ومتهالكة، إلــى طرق ثابتة للوصول إلى أوروبا. وتنقل هذه القوارب أشخاصا من بلدان بعيدة وسياقات شديدة التباين - من بنغلاديش وباكستان، إلــى إريـتـريـا وغينيا - وأصبحت الـيـوم جـزءا هيكليا من منظومة الهجرة إلى أوروبا. وحـتـى يـومـنـا هـــذا، يــواصــل كـثـيـرون، غالبيتهم من الــشــبــاب فـــي ســـن الــعــمــل، الـــقـــدوم إلـــى أوروبـــــا دون وضـع قانوني واضــح، بينما هم في حاجة ماسة إلـى المساعدة أكثر مما كانوا عليه لدى مغادرة أوطانهم. فينضمون إلى طبقة من العمال غير النظاميين الذين يشاركون في قطف ثمار الطماطم، والبرتقال، وتنظيف غرف الفنادق، ورعاية كــبــار الـــســـن، فـــي دول تـرفـضـهـم سـيـاسـيـا، بـيـنـمـا تعتمد عليهم مادياً. وفــي يناير (كـانـون الـثـانـي)، ضربت عاصفة تونس ومــالــطــا والـــســـاحـــل الــجــنــوبــي لإيــطــالــيــا. ووردت تـقـاريـر عـن حـــوادث غــرق عـــدة. وتــأكــدت وفـــاة ثـاثـة أشـخـاص في طـريـقـهـم إلــــى لامـــبـــيـــدوزا، بـيـنـهـم تــوأمــتــان تـبـلـغـان عـامـا واحــــــداً. وتُــخــشــى وفــــاة المـــئـــات الآخــــريــــن. وكــمــا حــــدث مع كثيرين غيرهم، غالبا لن يُعثر عليهم أبداً. خلاصة القول أن لامبيدوزا تشكّل اليوم نقطة دخول حاسمة، لكن مميتة إلـى قــارة تخشى الهجرة، إلا أنها لا تستطيع الاسـتـغـنـاء عنها. وينبغي أن تـكـون لامـبـيـدوزا المكان الذي تتجلى فيه مفارقات سياسة الهجرة الأوروبية، ومع ذلك نجدها اليوم تتلاشى من المشهد. * خدمة «نيويورك تايمز» أوروبا تخشى الهجرة لكنها لا تستغني عنها غيليانو بنيامينو *فليري جمعة بوكليب
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky