issue17241

الثقافة CULTURE 18 Issue 17241 - العدد Tuesday - 2026/2/10 الثلاثاء أحمد الفيتوري يمزج سيرته بسيرة الوطن «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بــــتــــانــــة» لــلــنــشــر (الـــــقـــــاهـــــرة)، يــمــزج الـروائـي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الــذاتــيــة، فـفـي بنية الـنـص تـمـتـزج حكاية الـــبـــطـــلـــة المــــــــروي عـــنـــهـــا، وهـــــي صــحــافــيــة فـرنـسـيـة تـــــزور لـيـبـيـا أثـــنـــاء الـــثـــورة على الــزعــيــم الـلـيـبـي الــســابــق مـعـمـر الــقــذافــي، بـحـكـايـة الــــــراوي والــــســــارد، وهــــو المــؤلــف نـــفـــســـه، إذ يــحــضــر الـــفـــيـــتـــوري بــتــاريــخــه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفــي الــروايــة أيـضـا مــراوحــة واضـحـة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حـــيـــث الاحـــــتـــــال الإيــــطــــالــــي والـــفـــرنـــســـي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الـــثـــوريـــة، والــقــتــال الــــذي انـتـشـر فـــي طـول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام الــــســــابــــق، وصــــــــولا إلـــــى الــــضــــربــــات الــتــي وجهتها قـــوى دولــيــة لمـعـسـكـرات الـنـظـام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه. يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولا في صحارى لـيـبـيـا ومــدنــهــا، مـــن شـرقـهـا لـغـربـهـا، من مخابئ الـثـوار إلــى سـجـون الـنـظـام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغـرف الـــفـــنـــادق الــتــي تــتــحــول إلــــى ســجــن، تقبع فيه الـفـتـاة قـسـريـا، بــأوامــر مـن رجـــال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية فـي غـرفـة الـفـنـدق، لتغرق فـي كوابيسها، مـــــن فـــــــرط رعــــبــــهــــا كـــلـــمـــا ســـمـــعـــت صــــوت انــــــفــــــجــــــار الــــقــــنــــابــــل، فــتــســتــدعــي تــحــولات مـــــــســـــــخ «كــــــــافــــــــكــــــــا»، وتــخــشــى أن تـتـحـول إلـــى «صـــرصـــار» كما حــدث مـع بطل روايــة «المــــــــــســــــــــخ». وطــــــــــوال الــوقــت، وفــي المقابل، تـــــســـــتـــــدعـــــي الـــــفـــــتـــــاة حـــــــكـــــــايـــــــات جــــــدهــــــا، الــذي سبق ووقــع في غــــرام لـيـبـيـا، وفتنته صـــحـــاريـــهـــا، لــتــكــون هــــذه الــحــكــايــات زادا لـــهـــا ودافـــــعـــــا لــلــبــقــاء واســــــتــــــكــــــشــــــاف هـــــذه الـصـحـارى، والــوصــول إلــى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية. تــــبــــدأ الــــــروايــــــة بـــخـــبـــر صـــحـــافـــي عـن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الــــروايــــات حــــول مــابــســات اخـتـطـافـهـا أو اختفائها، واجـتـهـادات الصحف والمواقع الإلــكــتــرونــيــة والـــقـــنـــوات الـتـلـفـزيـونـيـة في تفسير الخبر ومــا آل إليه مصير الفتاة، وتــتــبــع خـــط ســيــرهــا، بــمــا يـمـنـح الـــروايـــة فــــاتــــحــــة شــــبــــه بــــولــــيــــســــيــــة، تـــجـــعـــل هــــذه الفتاة بـــؤرة مركزية للحدث. وبعيدا عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءا من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مرورا بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قــدرا من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضا مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بـسـرد الـكـوابـيـس الـتـي تـراهـا فـي منامها داخل غرفة الفندق. في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تـــبـــرز ســـرديـــة الــــــــراوي، أو لــلــدقــة ســرديــة المــــؤلــــف أحــــمــــد الـــفـــيـــتـــوري نـــفـــســـه، الــــذي يـنـتـقـل مـــن ســـرد حـكـايـة الــفــتــاة إلـــى سـرد جـــوانـــب مـــن ســيــرتــه، مــنــذ أن كــــان طــفــاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي لــه، والمنغمس فـي تـاريـخـه ووقـائـعـه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بـعـيـون الــفــتــاة وحـــدهـــا؛ عــيــون الـسـائـحـة المـنـبـهـرة أو المــصــدومــة فـقـط. هـكـذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنـمـا لتكملها، وتتضافر معها، لتكون الـسـرديـتـان معا بـنـهـايـة المـــطـــاف رؤيـــــة بـــانـــورامـــيـــة تجمع بـن الـعـن الغربية والـعـن الليبية، وبين الـخـيـالـي والــســيــري، بــن حـكـايـات جدها الـفـرنـسـي وحــكــايــات جــدتــه الــتــي «ولـــدت وعــاشــت فــي الـعـهـد الإيــطــالــي، ثــم واكـبـت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الـجـدة تجسيدا حيا للتاريخ الليبي في العصر الحديث. يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الـــروايـــة، ســـواء فــي الــجــزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئا على كثير من الاقتباسات، سـواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير م، كتب شارل لامار، القنصل 1707 من سنة الـفـرنـسـي، إلـــى وزيــــره، حـــول هـــذه المدينة الــــحــــجــــريــــة...»، ثــــم يــــــورد جــــــزءا مــــن نـص الخطاب. كما يـورد في مقطع آخـر جانبا توثيقيا مختلفاً، يقول فيه: «قـام القذافي سبتمبر 23 خلال الخطاب الذي ألقاه في ، فـــي مــقــر الأمـــــم المــتــحــدة، 2009 ) (أيــــلــــول بتمزيق ميثاق الأم المـتـحـدة، ورمـــاه وراء ظهره، متعللا بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مــع نـهـايـة الــحــرب الـعـالمـيـة الـثـانـيـة، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلا عن طابعه الجمالي، مدخلا للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقــرب إلـى تيار الواقعية التوثيقية، وهو مــا يـتـكـرر كـثـيـرا فــي ذكـــر تفاصيل صــراع الــثــوار مـع قـــوات الـنـظـام، بما يجعل أحد أهــــداف الـنـص الـــروائـــي الـتـوثـيـق لأحـــداث الثورة الليبية، جنبا إلــى جنب مـع توثيق الـــــــســـــــيـــــــرة الــــــذاتــــــيــــــة لــلــفــيــتــوري، لـتـنـدغـم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد فــــــي لـــحـــمـــة واحـــــــــدة، لا يـمـكـن فـيـهـا فصل إحـــدى الـسـيـرتـن عن الأخرى. يـــقـــســـم الـــكـــاتـــب الـــجـــزء الـــســـيـــري إلــى مـــــــقـــــــاطـــــــع ســــــــرديــــــــة، يــــــحــــــمــــــل كــــــــــل مــــنــــهــــا عـــــنـــــوانـــــا دالا عـــلـــى الأحـــــــــــــــــــــــــــــــداث الـــــــتـــــــي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخـــل المـقـطـع، مثلما يـعـنـون أحـد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جــــدتــــي»، وثـــالـــث «مــــدرســــة الـــصـــابـــري»، ورابــــع «الـصـحـافـة»، وخــامــس «الـسـجـن»، وهــــــكــــــذا... لـــيـــكـــون كــــل مــقــطــع مـخـصـصـا للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حدا فاصلاً، فحكايات الأب مثلا تـنـسـرب فــي غــيــره مــن الـفـصـول والمـقـاطـع كــثــيــراً، وكـــــذا حــكــايــة الــــجــــدة، أمــــا حـكـايـة الصحافة فتكاد تـكـون ممتدة على مـدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب. وفـي أحـد هـذه المقاطع يــروي علاقته بمصر، وهــروبــه إليها منذ كــان مراهقاً، حين سافر دون علم والده. كــــمــــا يـــحـــكـــي كــــثــــيــــرا مـــــن كـــوالـــيـــس الــعــمــل الــصــحــافــي فـــي لـيـبـيـا، وكــوالــيــس سـجـنـه طــــوال عـشـر ســـنـــوات، أثــنــاء حقبة الــــســــبــــعــــيــــنــــات، والـــــحـــــيـــــاة داخـــــــــل ســجــن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الـفـتـاة الـفـرنـسـيـة المــــروي عنها بـعـد ذلــك، لــنــرى مــعــانــاة الـــــراوي والمـــــروي عـنـهـا في الـسـجـن نـفـسـه، وعـلـى يــد الـقـذافـي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة مــن المـفـكـريـن عـقـب الإفـــــراج عـنـهـم وقـتـهـا، فتقترب العدسة الروائية من هـذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فـتـقـدمـه كشخصية آدمــيــة مــن لـحـم ودم، ولــيــس مــجــرد طــيــف مــخــيــف، كــاشــفــة عن جوانب من طبيعة شخصيته. عمر شهريار يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه هل البشر أعداء ما يعلمون؟ هـــنـــاك ســــلــــوك ثـــقـــافـــي نــســقــي يـشـيـر إلـــــى أن عـــقـــول الـــبـــشـــر تـــســـكـــن، وتـطـمـئـن حــن تـجـهـل، وتـتـوتـر حــن تــعــرف. وأكـــرر هـنـا تعبير «ألا تــعــرف فــأنــت آمــــن»، وقـد اسـتـخـدمـتـه مـــن قـبـل فـــي تــوريــقــة سـابـقـة مع نظرة مختلفة. وهذه حال تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات. وفــــي ســـيـــرة المـــعـــرفـــة يــقــع أي جـديـد معرفي في ردود فعل تدخله في مواجهات حــــيــــة. ومــــــن أهــــــم وأقــــــــوى أســــبــــاب حــيــاة الـنـظـريـة هــي فــي المـــواقـــف ضــدهــا، بينما تــــمــــوت أي نـــظـــريـــة إن هــــي مـــــرت بـــســـام وقـــبـــول، وبـــقـــدر مـــا يـــكـــون الـــرفـــض تـكـون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنـــهـــا جــــديــــدة ومــخــتــلــفــةٌ. ومــــن شــــرط أي نظرية جـديـدة أن تعطي تفسيرا مختلفا لظاهرة مـا أو لنصوص مــا، ســـواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز عـامـات الاخـتـاف عما استقر هـو ظهور الـــخـــاف عــلــى مـــا اســـتـــجـــد. وكــلــمــا زادت درجـــات الـخـاف تقوت درجـــات الاختلاف أكـثـر وأكــثــر. وعـــادة يتناسل الـخـاف في تــــداعــــي أصــــحــــاب المـــهـــنـــة ضــــد المــســتــجــد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تـغـيـر مـعـرفـي هـــو تــحــول مـــن الـــراحـــة إلـى الـشـك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بـل هـو أيضا تغير في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب. وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الــفــعــل هـــــذه. وهــــي لـحـظـة مـــيـــاد المـــعـــارك الـــكـــبـــرى فـــي تــــواريــــخ الـــثـــقـــافـــات، وأولـــهـــا وأقساها تاريخيا رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حــــن صـــدقـــت الــجــمــاهــيــر تـــهـــم الــخــصــوم وبلغت بهم حـد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قـويـة فـي تحولها وطـرحـهـا، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبـــــيـــــة الــــكــــبــــرى، وهــــــي الــــتــــي اخــتــصــت بـــوصـــفـــهـــا بـــــالأدبـــــيـــــة لأنــــهــــا وقــــعــــت بــن أدبــاء ولـم يسلم أديـب في عقود منتصف الـقـرن العشرين مـن مـعـارك وقعت مـا بين هـجـوم ومـنـافـحـة، ونـتـج عـن ذلــك أدبـيـات كــثــيـــرة بــمــثــل مــــا نـــتـــج عــنــهــا مــــن عـــــدوات واســتـــقـــطــابــات، وتـــطـــورت هــــذه الــظــاهــرة مـــــع انــــفــــتــــاح وســـــائـــــل الـــــتـــــواصـــــل، حــيــث أصــبــح الــتــعــارك ملمحا ثـقـافـيـا بــــارزا في كـل أمـر العلاقات الثقافية بكافة صيغها الـــســـيـــاســـيـــة والـــشـــعـــبـــويـــة والــشــخــصــيــة، فتغريدة واحـدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات الـسـلـوك الـلـسـانـي، وإذا سـكـنـت الــحــروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار. وكـل هـذا شـرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهـي مـزودة أصـــــا بــرصــيــد وافـــــر مـــن الــعــتــاد الـلـفـظـي والصيغ المـاكـرة ومـن الاسـتـعـداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائنا حيا ما لم يدخل فـــي تـــصـــارع مـــع غــيــره كــمــا هـــي صــفــة كل كائن حي حيوانا كان أو إنساناً. عــلــى أن المـــعـــرفـــة والـــــــرأي والــفــتــوى كلها صيغ لغوية، ودومــا ما يكون سبب المــعــارك نـابـعـا مــن حـــالات الأســلــوب ذاتـــه، والطريقة الـتـي قيل فيها الـــرأي أو بنيت عليه المـقـولـة، وهنا نــدرك أن اللغة سـاح لــيــس ذا وجـــهـــن فــحــســب، بـــل ذو وجـــوه لا تــقــف عــنــد حــصــر. ولا تـتـكـشـف وجـــوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الـضـجـيـج، لـكـن الحقيقة هــي أن كــل شـأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداء واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني بــــه، وإذا خــــرج أحــــس أنــــه تــعـــرض لـعـنـف خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شــروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الــذي فقده فيصرخ محتجا على إخراجه منه لكنه لـن يعود ولــذا يظل فـي توجس مستمر لــن يـلـن إلا حــن يـدخــل فــي رحـم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شـحـاتـة «لا يعطي تفسيرا تـامـا للحياة إلا المــــوت»، وأول أســـرار المـــوت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن مـوتـانـا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية. أخيرا فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحة واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاء وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيار بينهما. ونحن نتطلب الـكـشـوفـات المعرفية ولـكـن راحتنا فـي الـبـقـاء على مـا عـهـدنـا، غير أنـهـا راحــة مـشـاغـبـة، إذ مــا يلبث الـفـضـول أن يتحرك لكشف المـخـفـي ليظل عـلـى قـلـق كـــأن الـريـح تحته (حسب كلمة المتنبي). * كاتب وناقد سعودي تمثال لسقراط *عبد الله الغذامي من أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلام وقبول سيرة سينمائية بلا ماكياج في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سـيـرة سينمائية بـا مـاكـيـاج» الـصـادر عـن دار «آفــــاق» بـالـقـاهـرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائـــــــل لــصــنــاعــة الــفــيــلــم فـــي مــصــر منذ حقبة الثلاثينات في القرن العشرين عبر مجالات متعددة، منها الإخراج والتأليف والمــــاكــــيــــاج والإنــــــتــــــاج؛ فــــي رحــــلــــة شـيـقـة أسفرت عن عدد من الأعمال تعكس العصر الذهبي للشاشة الفضية. 1909 ) مــايــو (أيـــــار 15 وُلــــد رفــلــة فــي بـــمـــحـــافـــظـــة الـــــجـــــيـــــزة، وبــــــــــدأت مــســيــرتــه الاحترافية على أسس متينة حين أرسلته وزارة المعارف في بعثة إلى باريس ولندن لدراسة فن الماكياج، كما درس 1936 عـام هـنـاك الـتـصـويـر الـفـوتـوغـرافـي والـديـكـور والإخراج. بـــــدأ حـــيـــاتـــه «مـــاكـــيـــيـــراً» فــــي الــفــرقــة القومية المسرحية، وكان الماكيير الخاص لكبار النجوم مثل أم كلثوم، كما عمل في فيلماً، في حين بدأ 40 هذا المجال لأكثر من بفيلم «العقل 1947 مسيرته الإخراجية عام فــي إجـــــازة»، وهـــو الفيلم الـــذي شـهـد أول ظهور للفنانة شادية التي اكتشفها ضمن جيل كامل من النجوم قدمهم إلى الساحة، ووصــل عـدد الأعـمـال التي أخرجها خلال فيلما تنوعت بين 70 مسيرته لأكـثـر مــن الكوميديا والاستعراض والدراما. لــــــم يــــكــــتــــف بـــــــــالإخـــــــــراج، بــــــل أســــس شركة إنتاج سينمائي وأسهم في كتابة السيناريو لعديد مـن أعماله، مما جعله فنانا شاملاً، ومن أشهر أعماله: «معبودة الـجـمـاهـيـر»، و«ألمــــظ وعــبــده الـحـامـولـي»، و«فـاطـمـة ومـاريـكـا وراشـــيـــل»، و«حـمـاتـي قنبلة ذريــــة»، و«الـــوفـــاء الـعـظـيـم»، و«نهر الحب»، و«امرأة في الطريق». ولـــــم تـــخـــل لــحــظــة رحـــيـــلـــه مــــن حــالــة أبريل (نيسان) 22 درامية، حيث توفي في فـــي بـــاريـــس خـــال قـيـامـه بمعاينة 1978 مــــواقــــع تـــصـــويـــر لــفــيــلــم جـــديـــد عــــن حــيــاة توفيق الحكيم. يــــقــــول جــــرجــــس شــــكــــري فــــي مــقــدمــة الكتاب: «هــذه سيرة بلا ماكياج، قوامها كلمات عارية، حاسرة الرأس. وعلى الرغم من أن صاحبها أحد مؤسسي فن الماكياج ومن أهم رواده الأوائـل، فإنه عاش حياته بــا أقـنـعـة، وقــــدَّم سينما طبيعية كـالمـاء والـــــهـــــواء. وحــــن كَــــتَــــب شــــــذرات مـتـنـاثـرة عـن حياته، جــاءت أقــرب إلــى الاعـتـرافـات؛ كـلـمـاتـهـا مـــن لــحــم ودم، تــتــنــفَّــس، تَــلـهـو، تـــفـــرح وتــــحــــزن بــــن الـــســـطـــور. كـــتـــب كـمـا يعيش، وقَدَّم في شذراته وأفلامه مشاهد سينمائية مرجعها الحياة اليومية». ويـــضـــيـــف: «حـــــاولـــــت قــــــــراءة حــيــاتــه وأعماله، من خلال اتجاهين: الأول أوراقه الـــخـــاصـــة، مـمـثـلـة فـــي مــخــطــوط مــذكــراتــه الـــتـــي تـــنـــاولـــت أجـــــــــزاء مــــن حـــيـــاتـــه، وفـــي الــــرســــائــــل الــــتــــي تـــبـــادلـــهـــا مــــع مــجــمــوعــة مــن الـفـنـانـن والــفــنــانــات، مــثــل: أم كلثوم وشـــاديـــة وإسـمـاعـيـل يــس ومـحـمـد فــوزي وحـــســـن الإمـــــــام وتـــحـــيـــة كــــاريــــوكــــا وعــمــر الشريف، ضمن آخرين، تلك الرسائل التي يمكن منها قــــراءة فـتـرة مهمة مــن تـاريـخ السينما المصرية». ويذكر شكري أن «الاتـجـاه الآخـر هو الـــحـــدث الأكـــبـــر فـــي مـــشـــواره الـسـيـنـمـائـي وتـــاريـــخ السينما المـصـريـة كـكـل، فــي عـام ، حين قـررت وزارة الثقافة والإرشـاد 1962 الـــســـيـــطـــرة عـــلـــى الإنــــــتــــــاج الـــســـيـــنـــمـــائـــي، بـعـد أن اجـتـمـع وزيــــر الـثـقـافـة بمجموعة مـــن الـسـيـنـمـائـيـن، مـنـتـجـن ومــخــرجــن، وبينهم حلمي رفـلـة، وعـــرَض عليهم نية الـوزارة تأسيس شركة قطاع عام للإنتاج السينمائي. بـعـد مــــداولات واجـتـمـاعـات، اخــتــيــر رفــلــة مـــديـــرا عـــامّـــا لأولــــى شــركــات القطاع العام. ثم أُبلِغ بعد شهور بضرورة تصفية شركته «أفلام حلمي رفلة»، لأنها تعرقل عمله في القطاع العام وتثير حوله الأقــــاويــــل والــشــبــهــات. تــاحــقــت الأحــــداث سريعاً، حتى وصلت إلى التهديد بتأميم الــشــركــة فـــي حــالــة عــــدم إتـــمـــام الـتـصـفـيـة، والـــتـــي كــانــت تـعـنـي بَــيــع أفـــامـــه للقطاع الـــعـــام. تـــم الـبـيـع مـــن خـــال عــقــود إذعــــان، ،1964 مــــــرات فــــي شـــهـــر. وفـــــي 3 تـــغـــيَّـــرت تــرك رفـلـة منصبه، وظــل يشتكي مُطالِبا بحقوقه الضائعة حتى وفاته». ويشير المؤلف إلى أن رفلة قدم سينما غنائية اسـتـعـراضـيـة، اسـتـفـادت وتـأثـرت بالمسرح، الذي اعتمد معظمه على صيغة «الـــفـــودفـــيـــل»، ثـــم تـــراجـــع هــــذا الـــنـــوع مع التغيرات الـتـي أصـابـت المجتمع المصري بفعل التحولات السياسية والاجتماعية .، ثـم 1952 ) بـــعـــد ثـــــــورة يـــولـــيـــو (تـــــمـــــوز ... تـــفـــاعَـــل رفـــلـــة مـع 67 تـــداعـــيـــات نــكــســة الحراك الـثـوري، باحثا عن أسلوب جديد يناسب المـرحـلـة، مـن خــال صـــورة البطل الـشـعـبـي كـنـتـاج لــلــثــورة. وحــــاول التأقلم مع الفكر الاشتراكي بمجموعة من الأفلام التي قدمها في العهد الجديد، وصولا إلى تعيينه مديرا فنيّا في مؤسسة السينما وتوقفه عن الإخراج السينمائي. القاهرة: «الشرق الأوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky