issue17241

كـيـف تــرى المــــدارس الفكرية المختلفة فـي الـعـاقـات الدولية والأمن الإقليمي معضلة إيران؟ وهل تستحق المواجهة العسكرية؟ وما التكلفة السياسية والاستراتيجية لمثل هذه المواجهة؟ تـخـيّــل نـفـسـك لـسـاعـتـن فـــي غــرفــة واحـــــدة مـــع أهـــم مـنـظّــري الـعـاقـات الـدولـيـة كما عرضتهم أنــت: جــون ميرشايمر وستيف والــــت، ومـــن قبلهما كـيـنـغ والـــتـــز، وحــتــى هــانــز مـوجـنـثـاو. كيف سـيـقـرأ هــــؤلاء الــكــبــار مـعـضـلـة إيـــــران وطــريــقــة تـعـاطـي الـــولايـــات المتحدة معها؟ تنطلق الواقعية السياسية، بشقّيها الهجومي والدفاعي، من فرضية مركزية: المشكلة ليست في طبيعة النظام السياسي، أي نـظـام، ولـيـس فـي إيـــران وحــدهــا، بـل فـي البيئة الأمـنـيـة التي تتحرّك داخلها الدولة. أي دولة، وليس إيران حصراً. فالواقعيون لا ينظرون إلى الآيديولوجيا بوصفها محركا أول لــلــســلــوك، بـــل يــــرون أن الـــخـــوف وانــــعــــدام الــيــقــن وتـــوازنـــات التهديد هي التي تدفع الدول إلى خياراتها القصوى. مـن هـذا المنطلق، لا يـرى لا ميرشايمر ولا والــت أن «تغيير النظام» يمكن اعتباره حـا استراتيجياً. فحتى لو تغيّر النظام فـــي إيـــــران غــــداً، فــــإن الـبـيـئـة الإقـلـيـمـيـة نـفـسـهـا الــتــي تـــحـــرَّك فيها النظام السابق ستظل هي الإطار الذي يعمل داخله النظام القادم. التهديدات هي ذاتها، والخرائط الأمنية لم تتبدّل، وشعور الدولة بــأنَّــهــا مــحــاطــة بــخــصــوم مـحـتـمـلـن لـــن يـتـغـيّــر بـتـغـيّــر الـخـطـاب السياسي أو المرجعية الآيديولوجية. ولـهـذا؛ يصبح سعي الـدولـة إلـى امتلاك أدوات ردع قصوى خيارا عقلانيا في منطق الواقعية، لا تعبيرا عن نزعة عدوانية فــريــدة. فـالـفـرق بـن إدراك الـتـهـديـدات الحقيقية والمتخيّلة ليس كبيرا في حسابات البقاء. المهم أن الدولة تعتقد بوجود تهديد، وأن بيئتها الأمنية لا تمنحها ضمانات مستقرة. في هذا السياق، يكون الحل الواقعي هو إعادة ضبط ميزان التهديد على مستوى الإقليم كله، لا عبر ضربات عسكرية جزئية، بل عبر بناء ترتيبات ردع مستقرة، وقنوات تواصل أمنية دائمة، تقلّل من مخاطر سوء التقدير وسوء الفهم، وتمنع الانـزلاق غير المقصود إلى حرب واسعة لا يريدها أحد، لكنها تظل ممكنة في بيئة عالية التوتر. فـــي المــقــابــل، لـــو حــضــرت مــحــاضــرة لـــروبـــرت كـــوهـــن، الـــذي ينطلق مـن فرضيات الليبرالية المؤسسية، لـوجـدت أن منظوره يختلف جذريا عن منظور الواقعيين. فروبرت كوهين لا يرى أن معالجة أزمـــة بحجم الأزمـــة الإيـرانـيـة يمكن اخـتـزالـهـا فـي الــردع العسكري، ولا في ميزان القوة وحده. من هـذا المنظور، ليست القوة العسكرية سـوى أداة من بين أدوات متعددة. الاستقرار، في رأيه، يمكن أن يُبنى من خلال إدماج إيران داخل شبكة طويلة الأمد من الالتزامات المؤسسية، تقوم على آليات تحقق دولية فعّالة، وحوافز اقتصادية، وترتيبات تعاون إقليمي تجعل تكلفة الخروج من النظام التعاوني أعلى من تكلفة البقاء داخله. وحـتـى داخـــل هـــذه الـــرؤيـــة، لا تظهر فـكـرة «تغيير الـنـظـام» شرطا ضرورياً. فالمهم ليس مَن يحكم، بل كيف تُهندَس القواعد التي يتحرك داخلها النظام. فإذا نجحت هندسة الحوافز، ورأت إيــــران أن وجـــودهـــا داخــــل مـنـظـومـة أمـــن إقـلـيـمـي تــعــاونــي يخدم استمراريتها كــدولــة، فـــإن منطق المـواجـهـة الصفرية يفقد جـزءا كبيرا من جاذبيته. بكلمات أخرى: هندسة الحوافز هي الحل، لا هندسة الأنظمة. أمــا إذا صـادفـت أليكساندر ويـنـدت وجـمـاعـة البنيوية في الــعــاقــات الــدولــيــة، فستسمع طــرحــا مختلفا جـــذريـــا. فالمشكلة الأساسية، في رأيهم، ليست في المصالح كما يركز كوهين، ولا في توزيع القوة كما تركز الواقعية، بل في الصور الذهنية المتبادلة، وفي تمثلات الهوية، وفي إدارة الانطباعات الخاطئة التي تدفع الدول أحيانا إلى مسارات تصعيدية لا تخدم مصالحها الفعلية. فـــي هــــذا المـــنـــظـــور، لا أمـــيـــركـــا هـــي «الـــشـــيـــطـــان الأكــــبــــر» كما تـــرى الــقــيــادة فـــي طـــهـــران، ولا إيـــــران هـــي أصـــل الــشــر فـــي الإقـلـيـم كما يصوّرها بنيامين نتنياهو ودونـالـد ترمب. ومـع ذلــك، ترى واشــنــطــن إيــــران بـوصـفـهـا تــهــديــدا بـنـيـويـا دائـــمـــا، وتــــرى طـهـران الـــولايـــات المـتـحـدة قـــوة تـسـعـى، فــي جــوهــر اسـتـراتـيـجـيـتـهـا، إلـى إضعاف النظام أو تغييره متى سنحت الفرصة. ومـن هـذا المنطلق، فــإن أي اتفاق بين إيــران وأميركا سيظل اتفاقا هشا ما دامت هذه الصور الذهنية المتبادلة هي التي تحدد الــرؤيــة الاسـتـراتـيـجـيـة لـلـطـرفـن. البنيوية لا تـدعـو إلـــى «تغيير الثقافة الإيرانية»، ولا إلى إعادة تشكيل الهوية الوطنية، بل إلى تغيير إطـار تفسير السلوك والنيات لدى الطرفين، عبر مسارات تواصل طويلة الأمد، وتراكم تدريجي للثقة، يسمح بإعادة تعريف التهديد خارج منطق النوايا الخبيثة الدائمة. ولو افترضنا أنَّك قابلت كل هؤلاء الأساتذة في يوم واحد، وجمعت هذه الـرؤى المختلفة بعد تأمل، لأدركـت بوضوح أن حل المـعـضـلـة الإيــرانــيــة لا يـقـوم عـلـى تغيير الــنــظــام، ولا عـلـى إعـــادة تشكيل المجتمع الإيراني، بل على فهم الأزمة على ثلاثة مستويات مترابطة. المــســتــوى الأول يـتـعـلـق بـتـعـديـل الـبـيـئـة الأمــنــيــة الإقليمية الممتدة من إيران، مرورا بتركيا، وصولا إلى الخليج والمغرب. والمستوى الثاني يقوم على بناء منظومة مصالح مؤسسية طـويـلـة الأجـــل بــن دول الإقـلـيـم، لا تـقـوم عـلـى صـفـقـات ظـرفـيـة أو تطبيع مـجـانـي، بــل عـلـى شـبـكـات اعـتـمـاد مـتـبـادل تجعل تكلفة الصراع أعلى من تكلفة التعاون. أمـا المستوى الثالث، فيتعلق بالعمل التدريجي والمنهجي على تفكيك الصور الذهنية العدائية التي بلغت مداها. من هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحا اليوم: هل يُعد الحشد العسكري الأميركي استعدادا لضربة محتملة على إيـران سلوكا عقلانياً؟ وفق المنظور الواقعي، لا تكون القوة مجدية إلا إذا حققت مكسبا استراتيجيا دائـمـا، أي منع إيــران فعليا من امتلاك قدرة ردع نووي قابلة للحياة. غير أن المفارقة، حسب الواقعية نفسها، أن النتيجة المرجحة هي العكس تماماً: تسريع اندفاع إيران نحو ترسيخ الــردع، وتعميق منطق الاعتماد على الــذات، ورفـع تكلفة الاحتواء المستمر على الولايات المتحدة وحلفائها. أمَّا الليبرالية المؤسسية، فترى أن التصعيد العسكري، حتى لو نجح تكتيكياً، يضعف منظومات التفتيش والرقابة، ويقوّض الثقة في الأطر التعاونية الدولية، ويدفع إيران إلى الانسحاب من مسارات الضبط بدلا من تعميقها. في حين تضيف البنيوية أن الحشد العسكري يعيد إنتاج ســرديــات الــعــداء المــتــبــادل، ويـغـلـق أي نــافــذة لـتـحـول إدراكــــي في النوايا، ويجعل من الصعب إعـادة تعريف الصراع خـارج منطق المواجهة الصفرية. وعليه، لا تكمن المعضلة في نقص أدوات القوة، بل في سوء تشخيص طبيعة الـصـراع ذاتــه. فـإيـران ليست مجرد ملف تقني مـرتـبـط بـبـرنـامـج نــــووي، بــل عــقــدة أمـنـيـة وإدراكـــيـــة ومؤسسية مــركّــبــة. ومـــن دون مـعـالـجـة مـتـزامـنـة للبيئة الأمـنـيـة الإقـلـيـمـيـة، وشبكة الـحـوافـز المؤسسية، والبنية الإدراكــيــة لـلـصـراع، ستظل المواجهة العسكرية طريقا مرتفع التكلفة لإدارة أزمـة ولا تقترب فعليا من حلها. «الـــفـــســـاد مـــشـــرع بـــالـــقـــانـــون». الـــعـــبـــارة لـلـرئـيـس الأســـبـــق لـلـحـكـومـة فــــؤاد الــســنــيــورة، وردت فـــي فـذلـكـة موازنة عامة، ويضرب بها المثل عن عقود من الممارسة السياسية بعد هيمنة ميليشيات الـحـرب والمـــال على السلطة مطلع تسعينات القرن الماضي. ، والمـسـتـمـر 2019 مـــع تــفــاقــم الانـــهـــيـــار المـــالـــي عــــام من دون كـوابـح، كشف رئيس الحكومة السابق نجيب مـيـقـاتـي أنـــه مــع بـــدء الـعـجـز فــي مــيــزان المــدفــوعــات عـام بـدأت مرحلة مد اليد على الـودائـع. فقد تضمنت 2011 30 عجوزات زادت عن 2018 و 2011 الموازنات بين الأعوام في المائة سنوياً، كان البرلمان يقوننها، فيتم تمويلها من جنى أعمار الناس. مـلـيـارات الــــدولارات التي حملت اســم «الهندسات المالية»، وهي إحدى بدع رياض سلامة، موّلت مصارف مفلسة، ومملوكة من كارتل مافياوي مصرفي سياسي، لم «تستحق» أي نقاش أو مساءلة من جانب البرلمان. أظهرت خطة «لازارد» للإنقاذ المالي إمكانية سداد ألـــف دولار، ورســمــت مـامـح جدية 500 الـــودائـــع حـتـى للتعافي، انطلاقا من الموجودات المالية التي كانت تفوق 6 مليار دولار، فأسقطها البرلمان، الذي امتنع طيلة 30 سـنـوات ونـيّــف عـن تشريع «كابيتال كـونـتـرول» يحمي الــودائــع، مـا تــرك الحبل على غـاربـه أمــام «محظوظين» لتهريب عشرات مليارات الدولارات إلى «ملاذات آمنة». كـشـف «الـتـدقـيـق الـجـنـائـي» فــي وضـعـيـة مصرف لـبـنـان، الـــذي أنـجـزتـه مؤسسة «ألـفـاريـز آنــد مــارســال»، حـجـم «المـنـهـبـة» فـتـم تعطيل الـعـمـل بـــه، رغـــم الاشـتـبـاه الواسع بقضايا تبييض أموال، وفساد، ونهب مفضوح. أُرسِــل «التدقيق» إلى أرشيف جهات قضائية، لتضمنه تهديدا لمنظومة واسعة من السياسيين، والمصرفيين... وتم تجميد الوعد باستكماله. وفيما يتواصل مخطط تذويب الـودائـع، تخلى البرلمان عن أبــرز أدواره: وضع الــســيــاســة الــعــامــة لـــلـــدولـــة، وأهــمــهــا الــســيــاســة المــالــيــة، وإخضاع السلطة لرقابته. ارتـــبـــط الــفــســاد مـــا بــعــد الـــحـــرب الأهــلــيــة فـــي جــزء أســـاســـي مـنـه بـالاسـتـتـبـاع الــــذي حـكـم الــبــرلمــانــات منذ سـنـة، فأصبحت الــدولــة تابعة لــــ«أحـــزاب» طائفية، 36 وميليشيات حوّلت الـوزارات والمؤسسات إلى محميات فساد، مع وزراء أقنعة لزعماء الطوائف تتغير الأقنعة، لـــكـــن المــــمــــارســــات ثـــابـــتـــة لا تــتــغــيــر. إنـــــه زمـــــن الـهـيـمـنـة السورية، ثم الهيمنة الإيرانية من خـال «حــزب «الله» ، لينطلق 2005 بـعـد نـحـر «انـتـفـاضـة الاســتــقــال» عـــام أخطر تخادم بين منظومة مافياوية تساكنت مع السلاح اللاشرعي الذي حمى فسادها. فـــي الإطـــالـــة الأولـــــى لـــه قـبـل عـــام مـــن الآن، وصـف رئيس الحكومة نــواف ســام قـوانـن الانـتـخـاب مـا بعد الـطـائـف بـأنـهـا مـتـصـادمـة مــع الــدســتــور. وفـــي إطلالته المــتــلــفــزة الأخـــيـــرة لـــه وصــــف قـــانـــون الانـــتـــخـــاب الـــراهـــن بأنه الأســوأ، في إقـرار بأن المجالس النيابية لم تضمن عـــدالـــة فـــي الـتـمـثـيـل، مـــا يـعـنـي أن الـشـرعـيـة الـقـانـونـيـة ليست شرعية شعبية حقيقية. والــيــوم وعـلـى مسافة أشهر قليلة من الانتخابات في النصف الأول من مايو (أيـــار) المقبل، يتكثف القلق، وتـــزداد المـخـاوف بشأنها، بعدما تعامت القوى السياسية عموماً، ونواب التغيير خصوصاً، عـن مسؤولية تقديم مـشـروع قـانـون بديل، يقدم إصلاح التمثيل الشعبي على ما عداه، كون البرلمان هو البداية لولوج مسار إصلاح راسخ. ليقتصر النقاش على إمكانية التأجيل التقني لشهرين، أو سنة، لتعذر المتعلقة بالمغتربين. 16 تنفيذ الانتخابات في الدائرة الـ لكن الجديد تمثل في إعلان رئيس البرلمان نبيه بري أن الانتخابات ستتم وفق القانون النافذ، مع رفضه إحالة التعديلات الإصـاحـيـة الجزئية على الـقـانـون الـسـاري المقدمة من الحكومة على الهيئة العامة. ووافقه على ذلك «حزب «الله»، ليأتي بعد ذلك تأكيد رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن الانتخابات ستتم في الموعد ، إذ سيُحرم 2022 و 2018 المحدد، مع تراجع عن دورتـي نائباً، حيث هم! 128 المغتربون من حقهم بالاقتراع لـ لـــيـــســـت الانــــتــــخــــابــــات مــــجــــرد واجــــــــب دســــتــــوري وحـسـب، بـل هــي، خصوصاً، غـــداة زلـــزال جريمة حرب «الإســــنــــاد»، وقـبـلـهـا كـــارثـــة الانـــهـــيـــار المـــالـــي المـسـتـمـر، وانــعــدام الـعـدالـة، ضـــرورة لأن تـكـون فـرصـة لاستعادة الدولة من مغتصبيها بالسلاح مرة، وبالطائفية دوماً، ويتعذر تأمين ذلك مع غياب شروط المساواة، والنزاهة؟ ولا تُستعاد الــدولــة مـع قـانـون أتــى نتيجة مساومات بــــن كـــتـــل طـــائـــفـــيـــة، راعـــــــى تــحــكــمــهــا بـــبـــدعـــة الـــصـــوت التفضيلي المذهبي وسط دوائـر متفاوتة ليعيد إنتاج المـنـظـومـة إيـــاهـــا! فـــإن تـمـت الانــتــخــابــات وفـــق الـقـانـون الــحــالــي، فستستمر الـتـركـيـبـة الــراهــنــة لـلـبـرلمـان، وقـد تتيح الانـتـخـابـات لـقـوى الـسـاح والـفـسـاد أن تكتسب شرعية كـاذبـة، والأخـطـر تجديد زمـن منتجات مرحلة احـتـال البلد، والهيمنة عليه. ستكون شرعية مبنية على تـزويـر فـظ لإرادة الـنـاخـبـن، مـن خــال الترهيب، والـتـرغـيـب، والـــرشـــوة، وحـتـى اســتــخــدام الـــســـاح. وإذ ذاك سيكون لبنان أمــام تـكـرار استنساخ بـرلمـان شبيه بما سبقه مـن بـرلمـانـات تساكنت مـع الـسـاح، وأفقرت اللبنانيين، وغطت على استتباع البلد! إن إجـراء انتخابات عامة قبل بدء إصلاح حقيقي يــقــوم عــلــى المـــســـاءلـــة، والمــحــاســبــة، وقــبــل الانـــتـــهـــاء من جمع السلاح، وتفكيك البنى العسكرية، والتي تتلطى بـتـسـمـيـات كــشــفــيــة، فــــإن هــــذا ســيــكــون وســيــلــة لإعــــادة هيمنة الـسـاح، وكــل قــوى الأمـــر الـواقـع الطائفي، على المسار السياسي، والدستوري، وأبعد منه على الكيان اللبناني. Issue 17241 - العدد Tuesday - 2026/2/10 الثلاثاء مأمون فندي يوسف الديني حنا صالح OPINION الرأي 14 تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات عن الحالتين الفلسطينية والسودانية في لحظات الأزمــات الكبرى، تُختبر قـدرة النظام الدولي على الفصل بين ما هو سياسي وما هو إنساني. غير أن تجربتي غزة والسودان تكشفان أن هذا الفصل لم يعد قائما فعلياً؛ بل جرى تفريغه من مضمونه، وتحويله إلـــى أداة ضـغـط ومـعـاقـبـة جـمـاعـيـة، تُـــمـــارَس بـاسـم الـسـيـاسـة، وتُــنـفَّــذ على أجساد المدنيين، وتُبرَّر بخطابات لا تمت بصلة إلى الضرورات الإنسانية. في الحالة الفلسطينية، عبّرت السعودية ودول عربية وإسلامية أخرى بأشد العبارات، عن إدانتها للقرارات والإجراءات الإسرائيلية غير القانونية، الـهـادفـة إلــى فــرض سـيـادة إسرائيلية غير شـرعـيـة، وتـرسـيـخ الاستيطان، وفـرض واقـع قانوني وإداري جديد في الضفة الغربية المحتلة، بما يسرّع محاولات ضمّها غير القانوني وتهجير الشعب الفلسطيني. هذه المواقف لــم تـكـن مـجـرد بـيـانـات دبـلـومـاسـيـة تقليدية؛ بــل كـانـت توصيفا سياسيا وقانونيا دقيقا لعملية تفكيك ممنهجة لأي إمكانية لحل عـــادل، وإعـــادة تعريف الاحتلال بوصفه أمرا واقعا دائماً، ومحميا بالقوة، ومُعزَّزا بالعقاب الجماعي. غير أن أخطر ما في المشهد لا يقتصر على الضفة الغربية؛ بل يتجلى بـــوضـــوح فـــي غــــزة، حـيـث تـــحـــوّل الــحــصــار الإنــســانــي إلـــى سـيـاسـة يـومـيـة، تُــدار بتبريرات أمنية لا علاقة لها بحماية المدنيين. إعــادة فتح معبر رفح الجنوبي جزئيا لم تُترجم إلى انفراج إنساني؛ بل إلى فوضى مقنّنة. أرقام مريضاً 36 الأمــم المتحدة صـادمـة: خـال الأيــام الأربـعـة الأولـــى، سُمح فقط لـــ فلسطينيا بمغادرة غزة لتلقي العلاج، من أصل قوائم تضم عشرات الآلاف. هـذا ليس خللا إداريـــا؛ بل قــرار سياسي واعٍ، يُبقي المرضى رهائن الزمن، ويحوّل الانتظار إلى حكم إعدام بطيء. شـهـادات العاملين الإنسانيين، ومنهم الصحافية السابقة ومؤسسة منظمة «إنارا» أروى دامون، تكشف أن ما يُسمى «وقف إطلاق النار» لا يُعاش بوصفه هـدنـة داخـــل غـــزة. القيود على الإجـــاء الطبي، والانـتـهـاكـات أثناء المرور، والاستجوابات، وتعصيب الأعين، كلها مؤشرات على أن المعبر ليس ممرا إنسانياً؛ بل أداة سيطرة. البنية التحتية الصحية مـدمّــرة، والصرف الصحي منهار، والأمـــراض تنتشر، والأدويـــة شحيحة، بينما يُمنع الحل الوحيد الممكن: الـخـروج المؤقت للعلاج. هنا يصبح الحصار سياسة قتل غير مباشرة، تُمارَس دون الحاجة إلى القصف. فـي الــســودان، المشهد مختلف فـي الجغرافيا، ومتطابق فـي الجوهر. السعودية دانـت بوضوح «الهجمات الإجرامية» التي شنتها «قـوات الدعم السريع» على مستشفى الكويك العسكري، وقوافل برنامج الغذاء العالمي، وحافلات تقل نازحين في ولايات كردفان، وطالبت بوقف الانتهاكات فوراً، والــتــزام الــواجــب الأخــاقــي والإنـسـانـي فـي تـأمـن وصـــول المــســاعــدات، وفق القانون الدولي وإعلان جدة. هذا الموقف يعكس إدراكا واضحا بأن استهداف الـغـذاء والـــدواء ليس تفصيلا عسكرياً؛ بل جريمة استراتيجية تهدف إلى إخضاع المجتمعات عبر التجويع. التقارير الأممية عن السودان ترسم صورة قاتمة: غارات مسيّرة على مدنيين، واستهداف متكرر للمرافق الصحية، وقصف قوافل الإغاثة، واتساع مليون سـودانـي بحاجة إلـى مساعدات غذائية، 34 رقعة المجاعة. أكثر من مليونا يعانون من انـعـدام الأمــن الغذائي الـحـاد. هـذه ليست 21 وأكثر من نتائج جانبية لحرب؛ بل أدواتها الأساسية. كما في غزة، يُفصل الإنساني عن السياسي نظرياً، لكنه يُدمج عمليا في استراتيجية إنهاك شامل. التشابه بين الحالتين لا يكمن فقط في الحصار؛ بل في منطقه: تبرير العقاب الجماعي بأهداف سياسية لا علاقة لها بحماية المدنيين أو إنهاء النزاع. في غـزة، يُستخدم «الأمــن» لتجويع مجتمع بأكمله. وفي السودان، تُستخدم «الـحـرب على الخصم» لتدمير شــروط الحياة لملايين البشر. في الحالتين، تُفرغ السياسة من أي مسؤولية أخلاقية، ويُختزل الإنسان إلى ورقة ضغط. الأخطر أن هذا النمط، إذا استمر، فسيخلق حالة عدمية طويلة الأمد. أجيال تنشأ بلا تعليم مستقر، وبلا رعاية صحية، وبلا أفق سياسي. في غـــزة، أطـفـال يـذهـبـون إلــى خـيـام تعليمية مـغـمـورة بـالمـيـاه، لأنـهـم يؤمنون بـأن «الـحـرب ستنتهي يوما مــا». وفـي الـسـودان، مـدن تُحاصر حتى تنهار اجتماعيا قبل أن تسقط عسكرياً. هـذه ليست أزمــات مؤقتة؛ بل بنى دمار ستنتج عنفا مزمناً، وانهيارا اجتماعياً، وتطرّفا نابعا من اليأس. ما تقوله المواقف السعودية والدول التي تصر على الفصل بين المعاناة والتسييس فـي الـحـالـتـن، ســـواء تـجـاه الانـتـهـاكـات الإسـرائـيـلـيـة أو جرائم «الدعم السريع»، هو رفض واضح لفكرة تطبيع الحصار الإنساني بوصفه أداة سياسية. الرسالة الأساسية أن القانون الدولي الإنساني ليس خيارا انتقائياً، وأن فصل الإنساني عن السياسي، حين يُستخدم لتبرير التجويع والعقاب الجماعي، يتحول إلى جريمة مضاعفة. إذا لـم يُكسر هــذا المـنـطـق، فــإن غــزة والــســودان لـن تكونا استثناءين؛ بل سيكونان نموذجين لعالم يقبل بتسييس المعاناة وأدلجتها، ويحوّل الأزمات الإنسانية إلى وقود لصراعات طويلة. عندها، لن تكون المشكلة في غياب الحلول؛ بل في قبول عدم وجودها. فــي الـنـهـايـة، لا يمكن للسياسة أن تـكـون ذريــعــة لاسـتـغـال إنسانية البشر الذين لا يقتلون بفشل المفاوضات؛ بل بتجويع متعمد وبـدم بـارد، كأن الحياة تفصيل قابل للتفاوض. حين تُستخدم المعاناة أداة ضغط، يفشل العالم أخلاقيا قبل أن يفشل سياسياً. ذات مرة قالت الصحافية الأميركية تريش، إن معاناة الإنسان ليست، ولا ينبغي أن تكون أبداً، قضية سياسية، وهذا ما يجب أن نأخذه في الحالتين الفلسطينية والسودانية.

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky