issue17241

أسـقـطـت نـهـايـة «نـيـو ســتــارت» آخِـــر سـقـف قانوني يـــحـــد الانـــتـــشـــار الــــنــــووي الاســـتـــراتـــيـــجـــي بـــن الـــولايـــات المتحدة وروسيا. حــــدّت المــعــاهــدة الـــــرؤوس الـحـربـيـة الاسـتـراتـيـجـيـة ، ووســـائـــل الإطــــــاق المــنــتــشــرة إلــى 1550 المــنــتــشــرة إلــــى ، وربـطـت الأرقـــام بآليات تـبـادل بيانات وإشـعـارات 700 وتفتيشات. وبانتهائها يصبح خطر الإبــــادة النووية المتبادلة أكثر اقتراباً، ومحاطا بالغموض والمخاطر. يـكـشـف مـــوت «نــيــو ســـتـــارت» حـقـيـقـتـن: الأولـــــى أن التحقق كان يتداعى منذ مدة، بما في ذلك تعليق روسيا . وبالنتيجة، تداعَت 2023 ) مشاركتها في فبراير (شباط آليات «الثقة ولكن التحقق». الثانية، يزيل انتهاء الاتـفـاق بالكامل سقف سباق التسلح النووي؛ فحين تختفي الحدود تتسابق الأطراف إلى التخطيط لأسوأ الاحتمالات، ويغدو خيار «الرفع» - أي زيادة تحميل الرؤوس النووية على الصواريخ القائمة - أقصر طريق لتعزيز الردع. غـيـر أن هـــذا الـطـريـق يـقـصّــر، عـلـى نـحـو خـطـر، زمـن الإنـذار، ويدفع قـرارات مصيرية إلى مستويات أقرب إلى الميدان. من ديناميكية وتعقيدات جديدة SIPRI يحذّر معهد لسباق التسلح. وفيما تتحرك البيئة الـنـوويـة الدولية نــحــو الــتــحــديــث والـــتـــوســـع، تـنـمـو الــتــرســانــة الـصـيـنـيـة وبنيتها التحتية بوتيرة لافتة. بذلك لم يعد الاستقرار ثنائياً، بل صار ثلاثياً، وربما أكثر. وبينما ترفض الصين الانـخـراط في أي معاهدات جديدة لكبح السباق، تتوفر الــذريــعــة لـواشـنـطـن ومـوسـكــو لــربــط أي مــعـاهـدة مقبلة بشروط أوسع، ما يجعلها أشد صعوبة وأكثر هشاشة. وعـلـى المـــدى الـقـريـب، يشكل انـهـيـار آلـيـات التحقق خطرا فادحاً، إذ يزيد احتمال أخطاء تقدير المخاطر في غياب أدوات القياس: إنـذارات كاذبة وطمأنينات كاذبة. وهــكــذا تتشكل «دوامـــــة الــغــمــوض»: تفتيش أقـــل يعني يقينا أقــل، واليقين الأقــل يعني تحوطا أكثر، والتحوط يبرر مزيدا من السرية وسوء تقدير نوايا الخصوم. يـظـهـر أثـــر هـــذا الــضــبــاب أولا فــي أوروبــــــا، لا لأنها ستصبح نــوويــة غـــداً، بــل لأنـهـا ستصبح أكـثـر تعرضا لـــلـــخـــطـــأ. تـــقـــصّـــر الـــجـــغـــرافـــيـــا زمــــــن الـــــقـــــرار الأوروبــــــــــي، وتــتــضــاعــف حــســاســيــة الإشـــــــــارات. وتـــدفـــع الـــحـــرب في أوكرانيا بعض العواصم إلى إعادة وزن الردع، لا كفكرة مجردة بل كضمان سياسي. لـذا تشتد النقاشات حول «الاستقلال الاستراتيجي» الأوروبـي، ودور الترسانتين الـبـريـطـانـيـة والـفـرنـسـيـة، وجــــدوى تـرتـيـبـات «المـشـاركـة الـــنـــوويـــة» داخـــــل حــلــف الـــنـــاتـــو. وقــــد تـــعـــود فـــكـــرة نشر قدرات إضافية أو توسيع البنى الداعمة للردع بوصفها استجابة مباشرة للغموض. وفــي المـقـابـل، تملك أوروبــــا فـرصـة نـــادرة أيـضـا: أن تملأ فـراغ الدبلوماسية التقنية بـإجـراءات بناء ثقة أقل طموحا من المعاهدات وأشد واقعية من الشعارات، قنوات أسرع لإدارة الأزمات، وخفض احتمالات الخطأ، وقواعد لمنع الحوادث في البحر والجو. ويـنـعـكـس الـــفـــراغ عـلـى الــشــرق الأوســــط عـبـر بـوابـة «قيمة الخيار»، لا عبر سباق قنابل معلَن. ففي منطقة تتغذى أزماتها على الصراعات العقائدية وأزمات الثقة، تنمو الشكوك المتبادلة، وتتسارع البيئة الصاروخية، وتـشـتـد الـــنـــزاعـــات؛ فـــيـــزداد الـغـمـوض ويــتــراجــع الـحـافـز المـــعـــنـــوي والـــســـيـــاســـي لـــضـــبـــط الـــنـــفـــس. لــــذلــــك يـصـبـح الاستثمار فـي «قـــدرة استراتيجية نـوويـة كـامـنـة» أكثر إغــراء: بنى وقـود نــووي، ومعرفة هندسية، وصواريخ، وأنظمة قيادة وسيطرة، بما يتيح تقليص زمن الاختراق المحتمل إذا تــدهــورت البيئة الاستراتيجية أو انـهـارت الضمانات. يبقى أن غياب المعاهدة لا يعني بالضرورة سباقا تلقائيا في الإقليم. فالتوسع الكبير مكلف، والصناعات النووية ليست بلا حدود، كما أن قدرة الضربة الثانية - خصوصا عبر الغواصات - لا تزال تفرض رادعا أساسياً. لـكـن الـخـطـر الحقيقي أقــــرب مــن ذلــــك: أن تُــــدار المنافسة الكبرى بمنطق الغموض، فتُعاد صياغة سلوك الحلفاء والخصوم وفق أسوأ قراءة ممكنة. وفيما تـبـدو «الصفقة الـكـبـرى» بعيدة المـنـال الآن، تبقى «الصفقات الصغيرة» ممكنة، وقد تنقذ ما هو أثمن من السقف: الاستقرار في الأزمــة، عبر إشعارات لإطلاق الـصـواريـخ، وتحديث للخطوط الساخنة، وقـواعـد لمنع الحوادث، وشفافية طوعية محسوبة. قـــد لا تـعـيـد هــــذه الأدوات زمــــن المـــعـــاهـــدات، لكنها قـد تُخفض احـتـمـال أخـطـاء الـحـسـابـات. وفــي السياسة النووية، ليس الخطر وحده ما يقتل؛ بل إن غالبا ما يقتل هو الغموض وسوء التقدير. بكائيات الفضائيات ومقاطع الفيديو، ليست تفصيلا إعلاميا في صراعاتنا، بل جبهة موازية تُــدار فيها الحرب على الوعي، وتُصاغ فيها الكراهية بوصفها «خبرا عاجلاً»، ثـم يعاد تدويرها على منصّات التواصل لتتحوّل سلوكا عامّاً، وخوفا يومياً، وقرار نزوح يُتخذ تحت ضغط الصورة لا تحت ضغط الحقيقة. ومـا بين شاشة مؤدلجة وحساب مجهول، يُختصر تاريخ الناس ومعاناتهم في ثوان تُقتطع من سياقاتها، فتتحول من معلومة إلى حُكم، ومن خبر إلى تحريض، حيث تبدو أشد وضوحا في الصراعات البينية داخل الدول؛ كما شهدنا في ليبيا واليمن وقبلهما العراق، ثــم فــي ســـوريـــا... تــتــراجــع الـسـيـاسـة إلـــى الــخــلــف، ويـتـقـدّم المـشـهـد إلــى الـواجـهـة: مقطع قصير؛ صـــراخ مـع موسيقى، عبارات تُقطِّع الجملة لتصنع اتهاماً، وزاوية تصوير تُسقط الــزمــان والمــكــان والـــســـيـــاق... هـكـذا يصير الـفـيـديـو محكمة متنقّلة، ويصير الهاتف قاضيا وادعــاء وتنفيذا في لحظة واحــــدة. وحــن يـكـون الـصـراع طائفيا أو عنصرياً، تتحول هذه الصناعة إلى ماكينة تعبئة لا تُقنع الناس فحسب، بل تُرعبهم وتُخرج أسوأ ما فيهم: الشك، والرغبة في الانتقام، والاسـتـعـداد لتصديق الأكـذوبـة لأنها «تشبه مـا نَــكْــرَه»، أو لأنها تمنحنا عزاء سريعاً: نحن الضحية دائماً، والآخر هو الجاني دائماً. المــفــارقــة أن كـثـيـرا مــن هـــذا المــحــتــوى، حـتـى حــن يرفع شـــعـــارات «الــحــق والـــدفـــاع والــــــردّ»، لا يبتكر شيئا جـديـداً؛ إنـه تقليد أعمى لمدرسة دعائية عرفها العالم مع تنظيمَي «داعش» و«القاعدة» وأذرعهما: الإثارة بدل التوثيق، والرعب محل السياسة، وتوظيف الفظاعة لإنتاج طاعة عاطفية أو غـضـب أعــمــى، والـفـظـاعـة هـنـا ليست عـرضـا جـانـبـيـا؛ إنها لغة تُستخدم لجر الجمهور إلـى خـنـدق مـحـدد، ثـم لإبقائه فـيـه عـبـر جـــرعـــات مـتـتـابـعـة مــن الــصــدمــة، ومـــا كـــان يُــســوَّق سابقا عبر منصات التنظيمات، صـار الـيـوم يُلبس لباس المهنية عـلـى بـعـض الــشــاشــات، ثــم يُــدفــع إلـــى الــ«سـوشـيـال ميديا» ليؤدي وظيفته الكاملة: شيطنة الخصم، وتخويف الجمهور، وتبرير العنف المقبل. وعندما اندلعت العمليات العسكرية فـي الساحل الــســوري، ثـم تتابعت الـتـوتـرات في السويداء، ووصلت لاحقا إلى الرقة ودير الزور، بدا واضحا أن جـــزءا مـن المشهد يُـــدار خـــارج المـــيـــدان... مقاطع مـصـوّرة تُنشر دون سـيـاق، أو تُجتزأ مـن أحـــداث سابقة، أو تُضاف إليها أصــــوات وتعليقات تُــبــدّل المـعـنـى، أو تُــفـبـرَك بالذكاء الاصطناعي فتبدو حقيقية بما يكفي لإشعال الغضب قبل أي سـؤال واحـد بسيط: متى صُــوّرت؟ أيـن؟ مَن نشرها؟ هل هناك مصدر مستقل يثبت ذلك؟ في ظل هذا السيل، يتراجع صوت الشهود الحقيقيين، ويضيع عمل الصحافة الــجــادة، وتـتـحـول المعلومة وجبة سريعة تُستهلَك وتُــرمَــى، فيما يبقى أثرها النفسي عالقاً: هــلــع، وانـــعـــدام ثــقــة، وذاكـــــرة جمعية تُــعــاد هندستها على مقاس التحريض. الأخـــــطـــــر أن نــــتــــائــــج هـــــــذه الــــصــــنــــاعــــة لا تـــبـــقـــى عــلــى الــــشــــاشــــات... حـــن تُـــضـــخ صــــور الـــرعـــب بــشــكــل مــتــواصــل، تتحول الـحـيـاة المـدنـيـة إلــى حـالـة طـــوارئ داخـلـيـة: عائلات تحزم أمتعتها لأن «المقاطع قالت قولتها»... أحياء تتبادل الاتهامات لأن «الفيديو أثبت»، وجيران يصبحون خصوما لأن «الــهــاشــتــاغ قـــرر هــويــة الــجــاد والــضــحــيــة»... ومـــع كل مــوجــة، يـتـآكـل الـحـد الأدنــــى مــن الـتـعـايـش، وتـــــزداد قابلية المـجـتـمـع لـانـقـسـام وفـــق خـطـوط المــذهــب والـــعـــرق والمـديـنـة والقرية؛ أي وفق خطوط الهوية، لا وفق خطوط القانون... هنا تحديدا يُستخدم «الرعب الداعشي»، لا بالضرورة بيد «داعـش»، بل بأساليبه: تفتيت المجتمع عبر الخوف، ونقل الصراع من حدود السياسة إلى غريزة البقاء. وبهذا المعنى، تُــصـبـح الـفـضـائـيـات المــؤدلــجــة - حــن تـتـاعـب بـالمـقـاطـع أو تسوقها دون تحقق - شريكا في تقويض الأمن المجتمعي، حتى لو ادّعت أنها تنقل الواقع. وليس من الصدفة أن تتزامن هذه الموجات مع أوقات الاحتقان: انتخابات، أو مفاوضات، أو صدامات ميدانية، أو فراغ سياسي... حينها تتحول المقاطع سلاحا لاستباق الــــدولــــة وإربــــاكــــهــــا، ولــلــضــغــط عــلــى قــــراراتــــهــــا، أو لـتـبـريـر انحيازات مسبقة، فبدلا من أن تُنتِج السياسة حلولاً، تُنتج المـقـاطـع مـزيـدا مـن الاسـتـقـطـاب؛ وبـــدلا مـن أن يطلب الناس تحقيقا محايداً، يطلبون انتقاما سريعاً، وكأن العدالة باتت لقطة تـرسَــل على الـــ«واتــســاب»... وفــي بيئات هـشّــة، يكفي مقطع واحـد - صحيحا كان أم مفبركا - ليُشعل سلسلة من ردود الفعل لا تُطفئها البيانات ولا الخطب. والمَـــــخـــــرَج هــنــا لا يـــبـــدأ مـــن الـــرقـــابـــة الــشــامــلــة ولا من وصاية على الناس، بل من قواعد مهنية وأخلاقية صارمة تعترف بـأن الفيديو ليس دليلا بذاته ما لم يُثبَت سياقه. على الشاشات أن تُعيد الاعتبار للخبر المؤكد، وللتوقيت، والمـكـان، والمـصـدر، وأن تميّز بـن مــادة خـام وقصة موثقة، وأن تتوقف عـن تسويق اللقطة بوصفها حقيقة مكتملة. وعـلـى منصات الـتـواصـل أن تتحمل مسؤوليتها فـي كبح المحتوى المصنوع للتحريض؛ لا بوصفه رأيــا، بـل بصفته تهديدا للسلم الأهلي. وفي المجتمعات نفسها، نحتاج إلى ثقافة التريث بدل ثقافة المشاركة: أن يسأل المواطن قبل إعادة النشر، وأن يـدرك أن زر الإرســال قد يكون أحيانا أقـرب إلى زناد اجتماعي. لــيــس المــطــلــوب أن نـغـلـق أعـيـنـنـا عـــن الـــجـــرائـــم، بـــل أن نمنع تحويل الجرائم وقـودا سياسيا وطائفياً، فحين تُدار الصراعات بالصور المفبرَكة وبكائيات الفضائيات، ينتصر صـانـع الفتنة مهما خسر فـي المــيــدان؛ لأنــه يكسب المعركة الأعـــمـــق: مـعـركـة تـفـكـيـك المـجـتـمـع مـــن الــــداخــــل... وفـــي دول أنهكتها الـــحـــروب، لا تـــرف لـديـنـا لـنـخـوض حـربـا إضافية بعضنا ضد بعض... بتوقيع «فيديو». الــــعــــاقــــة بـــــن الـــــغـــــرب والـــديـــمـــقـــراطـــيـــة عـــاقـــة مـفـصـلـيـة لا يــمــكــن لأحـــــد طــرفــيــهــا أن يـــقـــوى ويــــزدهــــر دون الآخــــــر، وكــلــمــا ابــتــعــدا بـعـضـهـمـا عـــن بــعــض كـــانـــت الــنــتــيــجــة مـوتـا بـطـيـئـا لــلــديــمــقــراطــيــة، وأفــــــولا لــلــغــرب. ومــع اتــســاع تـبـعـات فضيحة رجـــل الأعــمــال الـثـري المـنـتـحـر فــي أحـــد سـجـون نــيــويــورك، جيفري إبــســتــن، وعــاقــاتــه مـــع كــبــار ســاســة الــغــرب، وأثـريـاء، ومفكرين، هلَّل كارهو الديمقراطية لأزمــتــهــا الأخـــاقـــيـــة، وفــــرح نـــاقـــدو الـــغـــرب لما يعتبرونه بــدايــة تفككه. هـــذا التهليل وهــذه الكراهية باديان بالذات في منطقتنا العربية الــتــي مـــا زالــــت تـتـبـاهـى بــأنَّــهــا -وإن تــأخــرت مـــاديـــا- مـتـفـوقـة أخــاقــيــا. هـــذا الـتـبـاهـي يــدل على سطحية فـي التفكير، وتعثر فـي قــراءة الواقع الغربي. فالديمقراطية الغربية تتقوَّى كـــالـــوحـــش الــــخــــرافــــي مــــن أزمــــاتــــهــــا، ويــمــكــن استشفاف ذلــك مـن مراجعة بسيطة لتبعات الـفـضـيـحـة حــــول شـخـصـيـتـن بـريـطـانـيـتـن: الأمير أنـدرو، والوزير الأسبق والسفير بيتر ماندلسون. عندما اتَّهمت الفتاة فيرجينيا جيوفري الأسترالية (انـتـحـرت لاحقا لأسـبـاب نفسية) إبـــــســـــتـــــن، وصــــديــــقــــتــــه غـــيـــلـــن مــــاكــــســــويــــل، بالاستغلال والاتجار الجنسي، والأمير أندرو البريطاني باستغلالها جنسياً، لم يصدقها أحد، ولكن الإعلام الديمقراطي التقط القضية، وحــرَّك أجهزة القضاء، فاضطر الأمير أنـدرو لإجراء مقابلة إعلامية لتبرئة نفسه، فأظهره الإعلام كاذباً، وسارع محاموه لعقد صفقة مع الضحية قبل فـوات الأوان. نجا أنــدرو مؤقتا بــدفــعــه مـبـلـغـا ضـخـمـا لـلـمـدعـيـة، ولـضـحـايـا إبستين، ولكنه لم يعترف بمسؤوليته. بــــالمــــوازاة، أقــالــت الـحـكـومـة البريطانية ســفــيــرهــا بــيــتــر مـــانـــدلـــســـون، بـــعـــد انــكــشــاف علاقته الوثيقة برجل الأعمال إبستين، وظن كـــثـــيـــرون أن الــقــضــيــة أُغـــلـــقـــت؛ لــكــنَّــهــا بقيت تتغذى بنسغ الديمقراطية الحامية للضحايا ثــــم لـنـفـسـهـا مــــن المـــــــوت؛ فــالــديــمــقــراطــيــة فـي جوهرها هـي محاسبة ومـسـؤولـيـة، وليست يقينية، ولديها من المرونة ما يكفي لتصحيح ذاتــهــا، وحـمـايـة مجتمعها، بكشفها الخلل، وفـــي قـضـيـة إبـسـتـن تــبــدى بـثـاثـة عـنـاصـر: السلطة، والمال، والأخلاق. الــــســــلــــطــــة هــــــي نـــــتـــــاج الــــديــــمــــقــــراطــــيــــة، والمسؤولون محاسبون أمام ناخبيهم، وتحت قوانين سنَّها البرلمان، وأمام قضاء يحاسِب، ولا يمكن للسلطة إعفاء نفسها من المسؤولية، وتجاهل غضب الناخبين، وانتهاك القوانين، وازدراء الـــــقـــــضـــــاء؛ لـــــهـــــذا نـــــاقـــــش الــــبــــرلمــــان الـــبـــريـــطـــانـــي -كـــمـــحـــاســـب لـــلـــســـلـــطـــة- تـعـيـن مــانــدلــســون سـفـيـرا فـــي واشــنــطــن، وحـرصـت المـــعـــارضـــة عــلــى مــعــرفــة أجـــوبـــة عـــن الأسـئـلـة الـتـالـيـة: كـيـف عـيَّــنـه رئـيـس الـحـكـومـة سفيرا وسجله الأخـاقـي سيئ السمعة؟ وهـل عرف رئيس الحكومة قبل التعيين بعلاقة السفير بـرجـل الأعــمــال إبـسـتـن؟ فـــإذا عـــرف، فـمـا هي أســبــابــه لـلـتـعـيـن؟ وإذا لـــم يــعــرف فـهـل طلب معلومات عنه من الأجهزة المعنية في الدولة؟ وهـــل فشلت هـــذه الأجــهــزة فــي إتــمــام عملها؟ ولمــاذا؟ هذه الأسئلة لم يصمد أمامها رئيس الــــوزراء فـي الـبـرلمـان، فـاعـتـرف، بعد مـراوغـة، بأنَّه كـان يعرف، وهــذا كـان كافيا للمعارضة لتطالب بطرح الثقة بـه، وكافيا لحزبه حتى يـــقـــع فــــي أزمــــــة ســـيـــاســـيـــة بــــن مـــؤيـــد لـبـقـائـه ومطالب بإزاحته. كل هذا النقاش جرى أمام شاشة التلفزة، وأعين الناخبين، ومتابعة كل شعوب الأرض. النتيجة: رئـيـس لـــلـــوزراء يحصل عـلـى أدنــى شعبية في بريطانيا، والثقة به تحت الثلاثين في المائة! ورئيس وزراء يعلم الجميع أن أيامه معدودة في السلطة؛ لأن حزبه لا يمكنه كسب ثقة الناس بوجوده على رأس الهرم. المال هو أيضا لم يغب عن القضية! لماذا يــخــون وزيــــر أو نــائــب مـنـصـبـه مـقـابـل المـــال؟ لمــــــاذا يــحــصــل نــــــواب عـــلـــى مـــنـــاصـــب تــجــاريــة بــــعــــد خــــروجــــهــــم مـــــن الـــســـلـــطـــة فـــــي شــــركــــات مموليهم؟ ولمـــاذا تُــدفـع لهم رواتـــب عالية في تــلــك الـــشـــركـــات؟ هــــذه الأســـئـــلـــة مــحــل نــقــاش، وتُــجـمـع آراء كـثـيـريـن عـلـى ضــــرورة تحصين الديمقراطية بمنع تزاوج المال والسلطة لدرء مفاسدها. وقد وُضعت قوانين تجبر النواب والمـــســـؤولـــن عــلــى الإعــــــان عـــن أي هـــدايـــا أو لقاءات يعقدونها مع رجال المال أو اللوبيات، للحد مــن طـــرح قــوانــن تـخـدم رجـــال المــــال، أو التصويت لها. وثمة اقتراحات بزيادة أجور الـنـواب لتحصينهم، وإصـــدار قـوانـن قاسية لمعاقبة المخلين. تـبـقـى قـضـيـة الأخــــــاق، وهـــي مـهـمـة في الـديـمـقـراطـيـة؛ لأنـهـا تتطلب مــن المــســؤول أن يـكـون بـأعـلـى درجــــات المـسـؤولـيـة الأخـاقـيـة؛ لأنَّـــه بمنصبه يمثل شــرف الأمـــة، ونزاهتها، ومـــن دونـــهـــا تـطـغـى المـصـلـحـة الــخــاصــة على الــعــامــة؛ لــذلــك تـضـبـط الأخـــــاق مــســار العمل الديمقراطي، والـقـوانـن الديمقراطية تجسد الأخلاق التي يريدها المجتمع لتحصين نفسه من تجاوز القوانين، والإخلال بمبدأ المساواة. فالديمقراطية تتساهل فــي الـحـريـة الـفـرديـة لكونها حيزا خاصاً، وتتشدد في الحيز العام لتعلقه بمصلحة المجتمع. ولا عجب أن نرى فــي بريطانيا أنــــدرو يُــطــرد مــن قـصـر عائلته ويجرَّد من لقبه، والوزير ماندلسون يخضع للتحقيق، ورئــيــس الـــــوزراء قــد يخسر قريبا منصبه. ظـــاهـــريـــا تـــبـــدو الـــديـــمـــقـــراطـــيـــة الــغــربــيــة مـــنـــهـــكـــة؛ لـــكـــنَّـــهـــا مــــرنــــة تــــتــــجــــاوز المـــطـــبـــات، والـــــغـــــرب يــــبــــدو مـــتـــهـــالـــكـــا؛ لـــكـــنَّـــه قـــــــادر عـلـى تجاوز مصاعبه، ما دامــت علاقته التكاملية مـــع الــديــمــقــراطــيــة قـــائـــمـــة؛ فـــالـــغـــرب مـــن دون ديـمـقـراطـيـة بــا قـيـمـة، وعــلــى كــارهــي الـغـرب والشامتين فـي الديمقراطية بعالمنا العربي أن يـــدركـــوا أن مـــا يـتـبـدى أمــــام أعـيـنـهـم ليس تفككا ولا انهياراً؛ بل هو ديمقراطية تتجدَّد، وانتصار يلد انتصاراً. OPINION الرأي 12 Issue 17241 - العدد Tuesday - 2026/2/10 الثلاثاء البكائيات الإعلامية والمقاطع المصنّعة بسقوط السقف النووي... الغموض أزمة وجودية دولية مهلاً... لم يمت الغرب ولا هزيمة للديمقراطية وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com أحمد محمود عجاج كفاح محمود سمير التقي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky