issue17240

يــنــطــلــق كـــتـــاب «ســـيـــمـــيـــاء الـــصـــمـــت فـي الشعر الـعـربـي: مـن القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المـصـري الـدكـتـور محمد فــكــري الـــجـــزار، مــن عـــدة مــرتــكــزات: أولــهــا أن الصمت ليس فراغا ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الـفـنـون هـو الـــذي لا يفقد نعمة الـصـمـت، بل إنـــه «يـتـكـلـم الــصــمــت؛ إذ يــوســع مــن مساحة الاخـتـاف بين الـوجـود الــذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصـوات الذي لا يـكـاد يـتـوقـف». أمــا المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المـعـاصـرة، وإن لـم يكن جـديـدا على تـــراثـــنـــا الـــــذي تـــنـــاولـــه - غــالــبــا - مـــن مـنـظـور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي. الــكــتــاب، الـــصـــادر فــي الــقــاهــرة عــن «دار بـــيـــت الـــحـــكـــمـــة»، يـــتـــكـــون مــــن ثــــاثــــة أبــــــواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الــبــاب بفصوله الأربـــعـــة، يسعى المــؤلــف إلـى التأصيل للصمت، فلسفيا ولغويا وبلاغيا واجتماعيا وفقهياً، مـحـاولا تقصّي جـذوره فــي الـثـقـافـة الـعـربـيـة، فـضـا عــن الــعــودة إلـى أطــروحــات الفرنسي فـرديـنـانـد دي سوسير فـي محاضراته الشهيرة حــول ثنائية اللغة والـــــكـــــام، فــيــتــقــاطــع الـــتـــأصـــيـــل الـــتـــراثـــي مـع الــحــداثــي، والــعــربــي مــع الــغــربــي، والفلسفي مــع الــصــوفــي، مـعـتـمـدا عـلـى ذخــيــرة معرفية وثــقــافــيــة مــمــتــدة زمـــانـــيـــا ومــكــانــيــا، مـــن ابــن جني والـجـاحـظ، إلـى الفرنسي رولان بـارت، والأمــيــركــي تــشــارلــز ســـانـــدرس بــيــرس، ومـن أبـي حامد الغزالي إلـى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولا خـــلـــق قــــاعــــدة تـــنـــظـــيـــريـــة جــــديــــدة ومــبــتــكــرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً. ويـــذهـــب المـــؤلـــف فـــي هـــذا الـــبـــاب إلـــى أن الـصـمـت يـعـيـد الإنـــســـان إلـــى وجـــــوده الـحـق، الـنـقـي، المتخلص مـن صخب الـعـالـم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والــصــوت مـــرادفـــان لـلـعـالـم، بـكـل اشـتـراطـاتـه ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولـي المحض، المنفلت من كـل الـقـيـود الاجتماعية المسبقة، مشيرا إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مـثـل صـمـتـه، منصتين إلـــى أصــــوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحا أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والــذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها». الــــــبــــــاب الـــــثـــــانـــــي: «الـــــصـــــمـــــت وأنـــــمـــــاط الـــخـــطـــاب»، يـنـطـلـق مـــن أن تـجـلـيـات ظــاهــرة مـرتـهـنـة إلـــى نـمـط خـطـابـه، وأن هـنـاك ثلاثة أنــمــاط لـكـل خــطــاب، منها الـخـطـاب الشعري موضع الـدراسـة، وهـذه الأنـمـاط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعـلـى هــذا ينقسم هــذا الـبـاب إلى ثـــاثـــة فـــصـــول تــحــمــل عــــنــــاويــــن: «الــشــعــريـــة الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية الـــتـــفـــاعـــلـــيـــة». ويـــعـــالـــج كــــل فـــصـــل - نـــظـــريـــا - نــمــطــا مـــن هــــذه الأنــــمــــاط، بــمــا يــجــعــل منها تمهيدا للباب الثالث الـخـاص بالتطبيقات. هـــذا الــبــاب مـحـاولـة لـلـوقـوف عـلـى المـحـطـات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بـــدءا مـن الصيغة الشفاهية، مـــرورا بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولا إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الـصـور ومــا بعد الـحـداثـة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمــــســــاحــــات الــــتــــي يــشــتــغــل فـــيـــهـــا الــصــمــت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بـوصـف الصمت عـامـة مشحونة بــــالــــدلالــــة، ســـــــواء أكـــــــان صـــمـــتـــا صـــوتـــيـــا فـي الشفاهية، أو كتابيا في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي. الــــبــــاب الـــثـــالـــث «تـــطـــبـــيـــقـــات»، بــمــثــابــة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية المــاثــلــة فـــي الــبــابــن الأولـــــــن؛ فــهــو المــمــارســة الـتـطـبـيـقـيـة لـكـل الـــجـــدال والـتـقـعـيـد الـنـظـري السابق عليه، وينقسم هـذا الباب إلـى ثلاثة فـــصـــول، يــتــوقــف المـــؤلـــف فـــي كـــل مــنــهــا عند تحليل نـمـوذج شـعـري ينتمي إلــى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعا لتحولات الشعر العربي على مـــدار تـاريـخـه، عبر هذه الـــنـــمـــاذج الـــثـــاثـــة؛ فـــقـــد جـــــاء الـــفـــصـــل الأول مــن هـــذا الــبــاب بـعـنـوان «الـصـمـت فــي الشعر الـــشـــفـــاهـــي»، ويـــتـــوقـــف فــيــه عــنــد نـــمـــاذج من الشعر الجاهلي، خصوصا في معلقتي امرئ الـقـيـس وطـــرفـــة ابـــن الــعــبــد، مـوضـحـا كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة مـــن الـتـقـنـيـات الــشــعــريــة، مــنــهــا: «جـمـالـيـات الـــصـــمـــت الإنـــــشـــــادي، والـــصـــمـــت الــتــركــيــبــي، والبناء للمجهول بوصفه صمتا عن الفاعل، وحـذف الـسـؤال والبناء عليه، وحـذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي». ويـــــركـــــز الــــفــــصــــل الـــتـــطـــبـــيـــقـــي الــــثــــانــــي: «الـصـمـت فــي الـشـعـر الــكــتــابــي»، عـلـى أعـمـال الـــــشـــــاعـــــر المــــــصــــــري الـــــــراحـــــــل رفـــــعـــــت ســــــام، بـــوصـــفـــهـــا نــــمــــوذجــــا شـــعـــريـــا عـــلـــى شــعــريــة الـصـمـت فــي الـكـتـابـة الـشـعـريـة، متوقفا عند اســـتـــثـــمـــار الـــشـــاعـــر فــــي دواويـــــنـــــه المـخـتـلـفـة لمــســاحــات الــبــيــاض، وتـقـسـيـم الـصـفـحـة إلـى نصفين غـيـر مـتـعـادلـن، وقسمتها إلـــى متن وحاشية، وتصرفه فـي حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبرا أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصا فـي مـسـاحـات الـبـيـاض والــفــراغ، موضحا أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلـــى صـمـت الـــصـــورة الــحــي لـلـنـطـق، وتـحـول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة. أمـــا الـفـصـل الـثـالـث؛ فـعـنـوانـه «الصمت فـــــي الـــشـــعـــر الــــتــــفــــاعــــلــــي»، ويـــــذهـــــب إلــــــى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نــــصــــوص مـــتـــنـــوعـــة فــــي أنـــظـــمـــة عـــامـــاتـــهـــا، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجا رئيسا له، خصوصا في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحا أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت فـي النص مـن خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية مـــن أَسْـــــر أصـــــوات الــلــغــة، وأن الأيــقــونــيــة في الـــنـــص الــتــفــاعــلــي مـــبـــدأ بــنــيــوي تــنــدمــج فيه مـخـتـلـف أنــظــمــة الـــعـــامـــات، فـحـتـى الــصــوت اللغوي قائم في المكان ومتخذا شكلا بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنـمـا بحكم المـــرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عـنـد نـــمـــوذج شــعــري آخـــر فـــي ديـــــوان «شـجـر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق. ويـــخـــتـــتـــم الــــــجــــــزار كــــتــــابــــه بـــفـــصـــل عــن «الـصـمـت فـي الــقــرآن الـكـريـم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية الـعـاقـة بـن الـصـوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكنا في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول. الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق النقي المتخلّص من صخب العالم الثقافة CULTURE 18 Issue 17240 - العدد Monday - 2026/2/9 الاثنين متاهة الاكتئاب الرقمي ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» الــــتــــي تــــصــــدرهــــا دار «المـــــؤســـــســـــة الـــعـــربـــيـــة الـحـديـثـة» بــالــقــاهــرة، صــــدرت روايــــة «الأيــــام الأخــــيــــرة فـــي حـــيـــاة فــــرويــــد» لــلــكــاتــب الـسـيـد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الـشـاب مــازن الـغـمـراوي بعد سـاعـات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى. يـــتـــحـــول الــــقــــط الـــصـــغـــيـــر الـــــــذي تـــقـــوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب فـي إعـــادة اكـتـشـاف الـغـمـراوي لنفسه، وفــــي مـــحـــاولـــة فـهـمـه لــلــتــغــيــرات الــــحــــادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيدا في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصا أو داعما سـوى هـذا المخلوق الصغير. رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لـغـة الــســرد فــي الـــروايـــة، فـــإن الـبـعـد النفسي حـاضـر فيها بـقـوة منذ الـعـنـوان الـــذي يشير إلـــى عـالـم الـنـفـس الشهير سيغموند فـرويـد ومرورا بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلا عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كـل هــذه الاضـطـرابـات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب. ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فــــرويــــد، فـــإنـــهـــا تــــحــــاول اســـتـــحـــضـــار روحـــــه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الـذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر. تجعل الــروايــة مـن ثنائية مـــازن والقط مـــدخـــا لإعـــــادة فـهـم الــعــالــم وتـفـسـيـر الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الـواقـع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الــحــائــرة والمــضــطــربــة فـــي الـــروايـــة فـــي دائـــرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني. والــســيــد شـحـتـة روائـــــي ونـــاقـــد مـصـري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عـالمـه الإبـــداعـــي مـشـغـولا بقضايا الـتـحـولات الرقمية وأثرها على الإنسان ومن أجواء الرواية نقرأ: «عـنـدمـا خلعت عني رداء الطفولة وأفـكـارهـا الـحـالمـة قـــررت أن استمتع بكسر الـقـيـود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكــابـر الـبـراقـة فـي عـيـون المجتمع، مـن خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة. كـــرهـــت كـــل الـــرجـــال لأنـــهـــم يـشـبـهـون أبــــي أو يـخـافـون مـنـه وبـعـضـهـم طـامـعـون فــي ثـــروتـــه، لكن متعتي الـخـاصـة لا تـــدوم طــويــاً، حــاولــت الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلا ذريعاً، لم أجد أمامي مفرا من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نـــداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئا أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئا ولكن بلا جدوى. أبــي وأمــي يطفئان نــار حروبهما الــبــاردة في جـسـدي. الابـنـة الـصـغـرى، الـتـي وقـفـت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال». والسيد شحتة روائـي وناقد مصري صدرت له ثـاث روايـــات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المــخ» و«ســرايــا عمر أفــنــدي»، ويـبـدو عالمه الإبـداعـي مـشـغـولا بقضايا الـتـحـولات الـرقـمـيـة وأثــرهــا على الإنسان. القاهرة: «الشرق الأوسط» جاك دريدا رفعت سلام هايدغر من امرئ القيس حتى القصيدة الرقمية فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي عمر شهريار «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة تُــــمــــثّــــل روايــــــــــة «غــــــــرق الـــســـلـــمـــون» نـــقـــطـــة مـــفـــصـــلـــيــة فـــــي المـــــســـــار الـــــروائـــــي لــواحــة الـــراهـــب، الـتـي ارتــبــط اسـمـهـا في المـجـال الـعـام بوصفها ممثلة ومخرجة وفـــنـــانـــة بـــصـــريـــة، بـيـنـمـا ظـــل إنـتـاجـهـا السردي مخفيا خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أن هـذا المـسـار الــروائــي، الممتد عبر أربع روايـات متتابعة صدرت بين مصر ولـــبـــنـــان، دون ســـوريـــا بــالــطــبــع بسبب موقفها الــصــارم مــن الـنـظـام الشمولي، يـكـشـف عـــن مـــشـــروع أدبـــــي مــتــمــاســك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاسا فنيا لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع. تغطي الرواية زمنا تاريخيا يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأســـد الأب، مــــرورا بـانـتـقـال الـحـكـم إلـى 2011 الأســـد الابـــن، وصـــولا إلــى انـفـجـار ومـــا تـــاه ومـــا رافــقــه مــن عـنـف سياسي واســـع ونـتـائـج إنـسـانـيـة كـارثـيـة شملت الاعـــتـــقـــال والــتــصــفــيــة والــتــهــجــيــر. لكن الــــافــــت أن الـــنـــص لا يــتــعــامــل مــــع هـــذه المـــرحـــلـــة كـــــأحـــــداث ســـيـــاســـيـــة خـــارجـــيـــة تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلـــى لـغـة الـنـفـس، وإلــــى هـنـدسـة الـبـيـت، وإلـى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المـــعـــنـــى، فــــإن الــــروايــــة تـتـخـلـى عـــن وهــم الــفــصــل بـــن المــجــالــن الـــعـــام والـــخـــاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاتـه إلى ساحة تمارس فيها الــــــــدولــــــــة مـــنـــطـــقـــهـــا بوسائل مختلفة. تعتمد الرواية مــــدخــــا افــتــتــاحــيــا صـــــــــــــادمـــــــــــــا يـــــــقـــــــوم عــلــى مـــأســـاة رحـلـة الـــهـــجـــرة الــبــحــريــة، حـيـث تُــقــدَّم البطلة أمــــــل داخــــــــل ســـيـــاق مـــــــــوت جـــــمـــــاعـــــي لا يـنـجـو مــنــه إلا هي ورضيعة تنتشلها فــي لحظة قـصـوى. هــــــــــذه الـــــــبـــــــدايـــــــة لا يـــــــمـــــــكـــــــن فـــــهـــــمـــــهـــــا بـاعـتـبـارهـا مـقـدمـة درامـــيـــة فـحـسـب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن الـنـص مـنـذ الأســطــر الأولــــى أن الحكاية لن تُــروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نـقـطـة نـــجـــاة أو تـــجـــل لـكـيـنـونـة تـمـاهـي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تــفــرض عـلـى الـــســـرد آلــيــتــه: الاســتــرجــاع بـــوصـــفـــه مـــحـــاولـــة لــفــهــم الـــطـــريـــق الــــذي أوصــــــل إلـــــى الــــهــــاويــــة. وهـــــو بــشــكــل مـن الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه. من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز نـــاجـــح لــلــكــارثــة، بـــل كــحــالــة مـعـلـقـة بين الحياة والمـــوت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ. إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد الـــبـــحـــر، فـــــإن بــنــيــتــهــا الـــداخـــلـــيـــة تــعــود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فــالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كــجــهــاز سـلـطـة مـكـتـمـل يـنـتـقـل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجـــتـــمـــاعـــي، بـــل تـتـسـلـل إلــــى تـفـاصـيـل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الـــــزواج، صـــورة الــشــرف، ونـمـط العقاب والمكافأة. تتحول القرية والبيت إلى فضاءين مــتــداخــلــن: قـصـر واســــع يُــبـنـى كعلامة عــلــى الـــنـــفـــوذ، وفــــرع أمــنــي يُــبــنــى كــــأداة للردع، ثم بيت يصبح امتدادا للفرع. هنا تفكك الــروايــة فـكـرة السلطة باعتبارها شيئا خارجيا بعيداً. إنها تبرهن سرديا عـــلـــى أن الاســــتــــبــــداد يــتــجــســد أولا فـي شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً. فـــي الــبــنــاء الـــســـردي، تـتـبـنـى واحـــة الـراهـب تعدد الـــرواة، بحيث يُمنح أكثر مــــن صـــــوت مـــســـاحـــة لـــلـــقـــول مــــن مـوقـعـه الـــــخـــــاص: الـــبـــطـــلـــة، والأب، والإخـــــــــوة، والحبيب. وهــذه التقنية تمنح الـروايـة طــــابــــعــــا شــــبــــه حــــــــــــــواري؛ إذ لا تُـــبـــنـــى الـشـخـصـيـات عــبــر وصــــف خـــارجـــي، بل عــبــر أنـــمـــاط مـــن الـــســـرد الــــذاتــــي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم. تـــكـــتـــســـب هــــــــذه الــــتــــقــــنــــيــــة أهـــمـــيـــة مـزدوجـة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية لـلـراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الــداخــل: كيف يـفـكـرون؟ كيف يخافون؟ كـــيـــف يـــتـــصـــرفـــون حــــن لا يـــكـــونـــون فـي المكاتب العسكرية؟ غير أن هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تــشــريــح: كــشــف الـبـنـيـة الإنـسـانـيـة للجلاد من دون تحويل هـذه الإنسانية إلـى مبرّر أو عـذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكما جاهزا من الكاتبة. تـــــعـــــرض الــــــــروايــــــــة ثـــــاثـــــة إخــــــوة بــوصــفــهــم ثـــاثـــة أنــــمــــاط لــــلــــذات الــتــي تُــنــتــجــهــا الــبــيــئــة الأمـــنـــيـــة - الأبــــويــــة - البطريركية، أخ يـرث النموذج الأبـوي ويــعــيــد إنـــتـــاجـــه داخـــــل الأجــــهــــزة حتى يـــــــصـــــــيـــــــر فــــــــاعــــــــا أساسيا في القمع. أخ آخــــــــــــر يـــــذهـــــب باتجاه الاعـتـراض والتفكير الـنـقـدي، ثــــــــــم يُـــــــســـــــحـــــــق أو يُــــدفَــــع إلــــى مصير غـــــــــامـــــــــض خـــــــــــارج ســـــــرديـــــــة الــــنــــجــــاة الواضحة. أخ ثالث يُــسـتـبـعـد ويُــخـفـى ويـــتـــحـــول وجـــــوده إلــــــــــــى عــــــــــــبء عـــلـــى صـورة العائلة، ما يـكـشـف نـمـطـا آخـر مـــــــن الاســــــتــــــبــــــداد: اسـتـبـداد إدارة الفضيحة، لا استبداد الــــســــاح وحـــــــده. ويـــظـــهـــر كـــيـــف يــرســم الــــطــــاغــــيــــة المــــســــتــــبــــد صــــــورتــــــه بــــــأدق تـــفـــاصـــيـــلـــهـــا الــــبــــعــــيــــدة عـــــن إنـــســـانـــيـــة الـــــحـــــيـــــاة، حــــيــــث لا ضـــــعـــــف، لا أفـــــــراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها. تـــعـــمـــل هــــــذه الــــنــــمــــاذج بــوصــفــهــا مـفـاتـيـح لـفـهـم اســـتـــمـــراريـــة الـــنـــظـــام: لا يــســتــمــر بــالــعــســكــر فـــقـــط، بــــل بــتــدويــر الأبـنـاء داخـــل مـمـراتـه، وتـوزيـع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فـرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه. تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر مـــن مــســتــوى؛ إذ لا يـتـعـلـق الأمــــر فقط بـالـخـاص مـن السلطة السياسية، بل مــن سـلـطـات مـتـعـددة مـتـراكـبـة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الـزوج، سلطة المجتمع تـجـاه المــــرأة، وأخــيــرا السلطة التي تمارسها الــذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هـــذه المـسـتـويـات لـتـؤكـد أن الـقـمـع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جـزءا من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية. هنا يكتسب مـسـار البطلة معنى وجـوديـا؛ الهرب ليس انتقالا جغرافيا فحسب، بـل صـــراع مـع داخليتها التي تشكلت داخــل منظومة القهر. وإعــادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة. * كاتب سوري *فارس الذهبي النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky