issue17240

علوم SCIENCES 16 Issue 17240 - العدد Monday - 2026/2/9 الاثنين حين تتحوَّل ذاكرة الخوارزمية إلى خطر غير مرئي أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟ مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي فـي الـطـب، يتسلّل إلـى الـوعـي الجمعي شعور مــريــح بـالاطـمـئـنـان: أن هـــذه الــخــوارزمــيــات لا «تحتفظ» ببيانات المــرضــى، بـل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه. غير أن هـذا الاطمئنان، الــذي بـدا طويلا بـديـهـيـا، بـــدأ يـتـآكـل بـــهـــدوء داخــــل المـخـتـبـرات البحثية الـغـربـيـة، مـع ظـهـور دراســــات حديثة أعــــادت فـتـح ســــؤال كـــان يُــفـضَّــل تـأجـيـلـه: مــاذا لو كـان الـذكـاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم مـــــن الــــبــــيــــانــــات، بـــــل يـــحـــتـــفـــظ بـــبـــعـــضـــهـــا فــي ذاكـرتـه الخفية؟ ومـــاذا لـو تـحـوَّل هــذا التذكُّر، غـيـر المــقــصــود، إلـــى خـطـر صــامــت لا يُــــرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟ الذاكرة الخفية ، كشف فريق بحثي 2026 في مطلع عام مــــن مــعــهــد مـــاســـاتـــشـــوســـتـــس لــلــتــقــنــيــة، عـبـر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عـــن دراســــــة عـلـمـيـة دقــيــقــة أعــــــادت فــتــح واحـــد مـن أكـثـر المـلـفـات حساسية فـي الـطـب الرقمي: قـــدرة الـنـمـاذج الطبية الـذكـيـة عـلـى الاحـتـفـاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره فــي تحسين التشخيص ودعـــم الــقــرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلـى أثـر جانبي خفي قد يـتـنـامـى بصمت كلما اتّــســع نـطـاق اسـتـخـدام هـــذه الـنـمـاذج داخـــل الـبـيـئـات الـسـريـريـة. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل مــن أشــكــال الـــذاكـــرة الـرقـمـيـة غـيـر المـرئـيـة، بما يحمله ذلـك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد. * متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المـبـدأ، لاستخلاص الأنــــمــــاط الـــعـــامـــة مــــن الـــبـــيـــانـــات الـــصـــحـــيـــة، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفـراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هـذا الفصل النظري بـن التعلُّم والتخزين يــبــدأ فــي الـتـآكـل مــع تـضـخُّــم أحــجــام الـنـمـاذج وزيـــــــــادة عــمــقــهــا الـــحـــســـابـــي، ومـــــع تـغـذيـتـهـا بـــمـــايـــن الـــســـجـــات الـــصـــحـــيـــة الإلـــكـــتـــرونـــيـــة المتشابكة. وفــــــي هــــــذه المــــرحــــلــــة، لا تــــعــــود الــــحــــدود واضــــحــــة تـــمـــامـــا، خـــصـــوصـــا عـــنـــدمـــا تُــخـتـبـر الـــنـــمـــاذج عــبــر اســـتـــفـــســـارات دقــيــقــة ومــتــكــررة قـــد تـدفـعـهـا - مـــن دون قــصــد - إلــــى اســتــدعــاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل الــقــدرة عـلـى الـتـعـلّــم، فــي بـعـض الـــحـــالات، إلـى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي. * خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تـخـتـلـف الــبــيــانــات الـطـبـيـة جـــذريـــا عـــن سـائـر أشـــكـــال الـــبـــيـــانـــات الـــرقـــمـــيـــة، لأنـــهـــا لا تـتـعـلَّــق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمس الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل فـي طياتها قصص المــرض والألــم والـــهـــشـــاشـــة، وقــــد تـــتـــرتَّـــب عــلــى تـسـريـبـهـا أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمـــد. لـذلـك، فــإن أي خلل في الـتـعـامـل مــع هـــذه الـبـيـانـات لا يـمـكـن اخـتـزالـه في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بـل يجب النظر إليه بوصفه احتمالا حقيقيا لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية مفارقة الذكاء المتقدّم تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقـيـقـة فــي صميم تــطــوّر الــذكــاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكـثـر تقدّماً، والأعـلـى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تـــتـــدرّب عـلـيـهـا. فـالـسـعـة الـحـسـابـيـة الـهـائـلـة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نـقـطـة ضـعـف خـفـيـة، تجعلها أقـــل قــــدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفا ذا حــدّيــن، يـرفـع كـفـاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى. * بــــــن الــــــحــــــل الــــتــــقــــنــــي والمــــســــؤولــــيــــة الأخــاقــيــة. يـقـتـرح الـبـاحـثـون بالفعل حـلـولا تـقـنـيـة مـتـقـدمـة تــهــدف إلـــى الـــحـــد مـــن قابلية الـــنـــمـــاذج الــذكــيــة عــلــى الاحـــتـــفـــاظ بـتـفـاصـيـل فــرديــة، مـن خــال أسـالـيـب تـدريـب أكـثـر حـذرا وآلــيــات إخــفــاء للبيانات الـحـسـاسـة. غـيـر أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لـحـل الإشـــكـــال. فـالمـسـألـة فــي جوهرها لــــيــــســــت حــــســــابــــيــــة فـــــحـــــســـــب، بـــــــل أخــــاقــــيــــة وتنظيمية بـامـتـيـاز، وتـتـطـلـب أطـــر مـسـاءلـة واضـــحـــة تــحــدد مـــن يـتـحـمّــل المــســؤولــيــة عند الـخـطـأ، وكـيـف تُـــدار المـخـاطـر قبل وقـوعـهـا لا بـعـدهـا. وفـــي غــيــاب هـــذا الإطـــــار، قــد يـتـحـوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى مـنـطـقـة رمـــاديـــة تُــخـتـبـر فـيـهـا الـــحـــدود دون مرجع أخلاقي ثابت. * اتــســاع الاســتــخــدام واتــســاع المـخـاطـر. مـع تـوسُّــع اسـتـخـدام الـذكـاء الاصطناعي في أنــظــمــة ســحــابــيــة ومـــنـــصـــات صــحــيــة رقـمـيـة عـــابـــرة لـــلـــحـــدود، لـــم تــعــد الـــبـــيـــانـــات الـطـبـيـة محصورة داخــل جــدران مستشفى أو خـوادم مـــحـــلـــيـــة يـــمـــكـــن الـــتـــحـــكـــم بـــهـــا بـــســـهـــولـــة. بـل أصـبـحـت تتنقّل بــن بـيـئـات تقنية مـتـعـددة، تـخـضـع لـتـشـريـعـات مختلفة، وتــــدار أحـيـانـا مـــــن جـــــهـــــات لا تـــــــرى المـــــريـــــض ولا تـــتـــحـــمَّـــل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائــــرة المـخـاطـر المحتملة بــقــدر اتــســاع دائـــرة الاســـتـــخـــدام، ويــــــزداد الـــســـؤال إلــحــاحــا حــول الـجـهـة الـتـي تتحمّل المـسـؤولـيـة عـنـد حــدوث انـتـهـاك غـيـر مـقـصـود للخصوصية: هــل هي المـؤسـسـة الصحية الـتـي استخدمت النظام، أم الــجــهــة المــــطــــوّرة لــلــخــوارزمــيــة، أم المـنـصـة الـسـحـابـيـة الــتــي تـسـتـضـيـف الــبــيــانــات؟ هـذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عـــن الـخـلـل الـتـقـنـي ذاتـــــه، لأنـــه يــتــرك المـريـض فــي منطقة رمـــاديـــة، بــا حـمـايـة واضــحــة ولا مساءلة محددة. * ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلــى الـتـراجـع عـن الـذكـاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيدا من المعرفة أو سرعة أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود. أن نـعـلّــم الـــخـــوارزمـــيـــات كـيـف تستنتج وتـربـط وتنبّه، نعم، لكن أيضا كيف تنسى، ومــتــى تـتـوقـف عـــن الاســـتـــدعـــاء، ومـــا الــــذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكم ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً. يــعــيــد هـــــذا الـــبـــحـــث إحــــيــــاء مـــبـــدأ طـبـي قــديــم بـلـغـة رقـمـيـة مــعــاصــرة: أولاً- لا تُلحق ضــــــرراً. فـــالـــذكـــاء الاصـــطـــنـــاعـــي، مـهـمـا بلغت قــــدراتــــه الــتــحــلــيــلــيــة، يــظــل أداة تــحــتــاج إلــى ضــبــط ومـــســـاءلـــة، لا عــقــا يُـــتـــرك بـــا حــــدود. نـعـم، قــد يـغـيّــر مستقبل الـطـب ويـمـنـحـه دقـة غـيـر مـسـبـوقـة، لـكـنـه لا ينبغي أن يُــعـفـى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بـذاكـرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال. وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قــــرارا إنـسـانـيـا فــي جــوهــره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب. حين تغلق الذاكرة أبوابها لندن: د. عميد خالد عبد الحميد احتفاظ النظم الذكية ببعض البيانات يحطم «وهم الاطمئنان الرقمي» تصميم مبتكر يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب «الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد يُـــــعـــــد مـــبـــنـــى الــــحــــيــــاة والــــعــــقــــل الـــجـــديـــد Life and Mind Building بـجـامـعـة أكــســفــورد ()، الـــــذي افـــتُـــتـــح فـــي أكـــتـــوبـــر (تـشـريـن LaMB ، مثالا بارزا على التصميم المبتكر 2025 ) الأول الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب. مبنى بتصميم رمزي يـضـم هــذا المختبر، الـــذي تبلغ مساحته مترا مربعاً)، وهو 24991( قدم مربعة 269000 الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزا للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلا خفيا مـثـيـرا لـاهـتـمـام: فـواجـهـتـه، المصنوعة مـن الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الــواقــع رمـــوزا لمسح دمـاغـي لإحـــدى الباحثات من أكسفورد. لا يقتصر هـذا العنصر التصميمي على الــجــانــب الــجــمــالــي فــحــســب، بـــل يــخــدم غـرضـا رمزيا أعمق. فقد استُمد نسيج واجهة المبنى الــخــارجــيــة مـــن مــســح دمـــــاغ «ســـيـــج بــوتــشــر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الــذي أُجـــري فـي أثـنـاء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقا على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلـى الأفـكـار الإيجابية، وتُنشئ صلة مباشرة بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب. أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بــي بــي جــيــه»، المــســؤولــة عــن تصميم المـبـنـى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مـواد متينة كــالــخــرســانــة والــحــجــر والمــــعــــادن، قـــــادرة على الـصـمـود أمــــام اخـتـبـار الـــزمـــن، وهـــو أمـــر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام. وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عـــصـــري وجـــــــذاب بـــصـــريـــا. ويـــعـــكـــس تـضـمـن واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود. مختبرات مستدامة وإلــى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المــبــنــى مـــعـــيـــارا جـــديـــدا لـتـصـمـيـم المــخــتــبــرات المـــســـتـــدامـــة. فــالمــخــتــبــرات عــــــادة مـــا تستهلك كـــمـــيـــات كـــبـــيـــرة مــــن الــــطــــاقــــة، مــــع مــتــطــلــبــات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف الــــتــــجــــارب. ونــــظــــرا لأن المـــخـــتـــبـــرات تـسـتـهـلـك مــــا يـــصـــل إلـــــى عـــشـــرة أضــــعــــاف الـــطـــاقـــة الــتــي يستهلكها مكتب عـادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي. يـــتـــمـــيـــز المـــبـــنـــى بـــنـــظـــام تـــغـــلـــيـــف مـحـكـم الإغــــــاق يــجــمــع بـــن ألــــــواح خــرســانــيــة وعـــزل حــــــراري ونــــوافــــذ ثــاثــيــة الــــزجــــاج وتـفـاصـيـل دقـيـقـة لـتـقـلـيـل فـــقـــدان الــطــاقــة إلـــى أدنــــى حـد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجة في 40 لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنة بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه. وبشكل عام، يُعد مبنى «لايف آند مايند» إنجازا بــارزا في مجال العمارة المستدامة، إذ يـرتـقـي بـمـسـتـوى مــا يـمـكـن أن تحققه مـرافـق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والـقـيـمـة الـجـمـالـيـة. ولا يـقـتـصـر دور «لايـــف آنــد مـايـنـد» على تلبية احـتـيـاجـات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضا معيارا رفيعا لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة. لندن: «الشرق الأوسط» كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟ كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخـل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هـذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان. وتُعد العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عـادة على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعد من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوما بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية. الاستحواذ على العقد اللمفاوية • مـن سـاحـة مواجهة إلــى بـوابـة الانـتـشـار. تُظهر الــدراســة الـجـديـدة المـنـشـورة في ، أن الخلايا السرطانية قادرة 2026 ) يناير (كانون الثاني 12 في Cell Metabolism مجلة على نقل الميتوكوندريا مباشرة من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عـن إنـتـاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومــن خــال الاسـتـيـاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة. ودرس فريق البحث بقيادة ديـريـك أوكـــوان دودو مـن قسم علم الأمـــراض ومعهد سـتـانـفـورد لـلـسـرطـان جـامـعـة سـتـانـفـورد الـــولايـــات المـتـحـدة الأمـيـركـيـة عـــدة أنــــواع من الـسـرطـان منها سـرطـان الـقـولـون والــثــدي والمـيـانـومـا (ســرطــان الـخـايـا الصبغية في الجلد) باستخدام نـمـاذج فـئـران. وقـد وُسِــمـت الميتوكوندريا (أي تـم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة. وتــبــن أن هـــذا الانــتــقــال يتطلب تـامـسـا مـبـاشـرا بــن الـخـايـا المـنـاعـيـة والـخـايـا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام. • تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان: - أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عـرض الإشـــارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية. - ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن cGAS -STING مسار هذه المسارات تُعد عادة جزءا من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية. تحليل بيانات السرطان • هـــروب الخلايا السرطانية مـن الجهاز المـنـاعـي. كما وجــد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دورا فـي تنشيط هــذه المــســارات. وعـنـد منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مـسـارات أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية STING - cGAS في النماذج التجريبية. هو نظام إنـذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض cGAS-STING ومسار النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلا خارج النواة، تلتقطه أداة الذي يرسل STING . وهذا الاستشعار يفعّل بروتينا آخر يُدعى cGAS استشعار اسمها إشـارة طـوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشـارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية. وفــي بعض أنـــواع الـسـرطـان تستغل الـخـايـا الـورمـيـة هــذا المـسـار بـذكـاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها. ولـلـتـأكـد مـــن أهـمـيـة هـــذه الـنـتـائـج لـــدى الــبــشــر، حــلّــل الـعـلـمـاء أيــضــا بــيــانــات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كـانـت أكـثـر ارتـبـاطـا بانتشار الـسـرطـان إلــى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر. • آفــاق علاجية. تُسلّط هــذه الــدراســة الـضـوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة. ويـشـيـر الـبـاحـثـون إلـــى أن اســتــهــداف «ســـرقـــة» المـيـتـوكـونـدريـا هـــذه، أو المــســارات الإشــاريــة الـتـي تنتج عنها قـد يفتح آفـاقـا جـديـدة لـعـاج الـسـرطـان. فالحد مـن انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج. ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهما جديدا ومعمقا للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها. شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع «الميتوكوندريا» لحالة إصابة بسرطان الدم لندن: د. وفا جاسم الرجب

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky