issue17240

الفن أهـم الصناعات في مصر. وحاضر حضورا مــعــتــبــرا فـــي الـتـقـيـيـم الاقــــتــــصــــادي، وقــــابــــل لـلـتـوسـع، وسوقُه راسخة، والطلب عليه متجدد. لكنَّه، قبل ذلك كله، أساسي في التأثير الثقافي وفي العلاقة بالهوية. أمَّا ما يمنحه الأفضلية، فهو تميز مصر فيه فعليّاً. مـشـكـلـتـه الأســـاســـيـــة، رغــــم ذلـــــك، أنَّـــــه يـنـتـمـي إلــى الصناعات الرقيقة. حساسيته عالية للعوامل المحيطة على امتداد طيفها، من المزاج العام إلى الثقافة المهيمنة، وصــولا إلـى الحالة الاقتصادية والسياسية. وهـو ما يجعله هدفا سهلا لمن يريد التأثير السلبي، وضحية جانبية لمن لا يكون ذلك غرضه، لكنَّه لا يحسن الإدارة. من المفيد هنا أن ننظر إلى السينما بوصفها مثالا تطبيقياً. ومن بين كل المؤشرات ذات القيمة، أعتقد أن أكثرَها دقة ودلالة هو عدد دُور العرض لكل مليون من سكان الحضر، إذ يجمع هذا المؤشر حصيلة التفاعلات كــلــهــا: الاســـتـــثـــمـــار، والإقــــبــــال الاجـــتـــمـــاعـــي، والإدارة، والأمن، والحال الثقافية. فــــي مــنــتــصــف ثـــاثـــيـــنـــات الــــقــــرن المـــــاضـــــي، ومـــع 12.7 الخطوات الأولى للصناعة، بلغ هذا المؤشر نحو سـيـنـمـا لـكـل مـلـيـون مـــن ســكــان الــحــضــر. ثـــم تضاعف 27 و 24 تـدريـجـيـا خـــال الـعـقـد الــتــالــي لـيـبـلـغ مـــا بـــن . مـــن الـــافـــت أن هـــذا المــســتــوى كـان 1951 سـيـنـمـا عـــام مـشـابـهـا لـنـظـيـره فــي تـركـيـا، حـيـث تــــراوح الــعــدد لكل ، وفقا لطريقة 29 و 22 مليون من سكان الحضر ما بين احتساب دور العرض الثابتة والمتحركة. لكن الأهم من المقارنة الجامدة هو اتجاه الحركة نفسُه. مصر كانت تصعد، وتلبّي سوقا واسعة داخل حدودها وخارجها أيضا ً. لــــم يــشــهــد هـــــذا المــــؤشــــر أي زيــــــــادة حـــتـــى نــهــايــة الـسـبـعـيـنـات. ثــم بـــدأ الانــهــيــار. لـيـنـحـدر الـــعـــدد خـال التسعينات إلى أقل من ست شاشات عرض سينمائي لكل مليون من سكان الحضر. ولو حسبناها بعدد دور السينما لكان الرقم أقل بكثير. لا يـمـكـن تـفـسـيـر هــــذه الأرقـــــــام، الـــدالـــة عــلــى حــال القطاع الفني، دون التوقف عند عاملين أساسيين. المنحنى يسير بوضوح مع تعريف مصر لنفسِها. من أمـة تدير قطاعاتها المختلفة بنهج حداثي يعكس التغيير الـــذي يـحـدث فـي الـعـالـم، ويـركّــز على ترسيخ ميزات البلد، إلى وضع ينحسر فيه المنتج المجتمعي خـــلـــف رؤيـــــة ســيــاســيــة تــوســعــيــة مـنـهـكـة خــــال فـتـرة الحروب المنهكة، ثم إلى مجتمع يتآكل ذاتيا بالتطرف الديني. من الملاحظ أن الانهيار الكبير في التسعينات تزامن مع انتقال التَّطرف الديني من مرحلة نشر الأفكار إلى مرحلة العنف المباشر، وما صاحبه من استهداف لدور السينما والمسرح. حاول فنانون، مثل عادل إمام، التَّصدي لهذا المناخ، لكن الوقت كان متأخراً، والضرر كان بنيوياً. الـعــامــل الــثــانــي يـرتـبـط بـطـريـقـة إدارة الاقـتـصـاد نفسِها. فازدياد المعدل في المراحل الأولـى كان نتيجة فــكــر اقـــتـــصـــادي اســتــثــمــاري يـسـعـى خـــلـــف الـــربـــح في القطاعات الناجحة. أمَّـــا اسـتـقـرار المـؤشـر خــال فترة الإدارة المــركــزيــة لـاقـتـصـاد فـلـم يـكـن أكــثــر مــن تعبير عن قوة القصور الذاتي للمجتمع، المستمر في عاداته القديمة، مثل الإقبال على السينما والحفلات الفنية، مـــن دون أن يــكــســب الـــقـــطـــاع أرضـــــا جـــديـــدة كــمــا كــان مفترضاً. وهذا نمط متكرر في نظم الإدارة الاشتراكية. فـــالانـــحـــدار لا يـظـهـر فــــــوراً، إذ تـــكـــون مـــــــوارد الـتـأمـيـم حاضرة، وحماس إثبات الذات دافعاً، لكنَّه يأتي لاحقا حين تعجز هـذه الإدارة المركزية عن رعاية التفاصيل الدقيقة لكل قطاع سيطرت عليه، ولا سيما تلك التي تتطلب ملفا خاصا من الخبرات. يمكن رؤيـــة هـــذا الـنـمـط فــي مــجــالات أخــــرى، مثل المـــرور، حيث تبدأ الإدارة بحملة ضبط وربــط تُسخر لها مجهودات مضاعفة لا يمكن استدامتُها مركزياً. خـــطـــوة بـــخـــطـــوة تـــعـــود الـــــعـــــادات الـــقـــديـــمـــة، وتـــســـود المخالفات المـروريـة. ويمكن ملاحظة النمط نفسه في المشروعات العمرانية، حيث يُطلق مشروع جديد تتجه إلـيـه الـطـاقـة، لكنه يـتـرك فــراغــا إداريــــا فــي المجتمعات الأقدم بسنوات قلائل، فتتراجع تدريجياً. التحدي الفكري والهوياتي، إلـى جانب التحدي الإداري الاقـتـصـادي، أديَـــا معا إلــى تقلّص قطاع الفن وتـضـاؤل فـرصـه. ومـع شـح الـفـرص تبرز المحسوبية، وتـتـوسّــع ظـاهـرة أبـنـاء العاملين، وتـتـوحّــش الشللية الآيـــديـــولـــوجـــيـــة الـــتـــي أنــبــتــهــا الـــحـــكـــم المـــــركـــــزي لــدعــم نفسه، وترسخت واستمرت حتى بعد تغيير الخطاب الرسمي، وتُرِك لها قطاع الثقافة على سبيل المراضاة. واجــــهــــت صـــنـــاعـــة الــــفــــن المـــصـــريـــة هـــــذه الـــعـــوامـــل مجتمعة. ولولا رسوخ النَّزعة الفنيَّة في المجتمع، لكان الانهيار كاملاً، لا جزئياً. سنة واحدة لا تكفي للحكم على أداء أي رئيس دولة. غير أن السنة الأولى من الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب بدت استثنائية، لا بسبب ما أُنجز خلالها؛ بل بسبب التباين بين السياسات المعلنة والنتائج. فبين شعار «أميركا أولا وأميركا أقوى»، وتدخل أميركي أوسع في شؤون العالم، وبين إحلال العلاقات الاقتصادية محل العلاقات السياسية، وما نتج عنه من تضرر الاثنين معاً، وبـن وعـد إنـهـاء الـحـروب، والاكـتـفـاء بـــإدارة نـزاعـات دون تسويات، يتبي أن ما تحقق ليس ما وُعد به. نـبـدأ مــن الــداخــل الأمــيــركــي؛ حـيـث لــم يقتصر صــدام تـــرمـــب مـــع بـنـيـة الـــدولـــة عــلــى الإدارة والـــقـــضـــاء ومـلـفـات حساسة، كالتعليم وسياسات الهجرة والأمـــن الداخلي؛ بل طال الإعلام والجامعات والهياكل البحثية والثقافية، وأسفر عن تحولات أطلقت سجالات دستورية وتوترات سياسية وانقساما اجتماعيا حاداً. المـــفـــارقـــة أن خــطــاب «اســـتـــعـــادة الــــدولــــة» أفــضــى إلــى إضـعـاف الثقة بمؤسساتها، وتـحـويـل الــداخــل الأميركي إلى ساحة نزاع. في السياسة الخارجية، رفع شعار الانعزال وتقليص الالـتـزامـات، ولكن بـدل الانكفاء، توسع التدخل الأميركي من الشرق الأوسط إلى أميركا اللاتينية، ولم يأت كجزء من استراتيجية متكاملة؛ بل كخطوات انتقائية تُدار بالأدوات الصلبة، ولا تستند إلى رؤية سياسية واضحة. حوَّل مبدأ «أميركا أولاً» من وعد بتقليل الانخراط الخارجي إلى نمط تدخل غير مستقر ودون أفـق سياسي، يقوم على إعـادة تموضع أنانية تُــقـاس فيها التحالفات والالـتـزامـات بما تحققه من مكاسب مباشرة لواشنطن. أما اعتماد التعريفات الجمركية والعقوبات كأدوات لإدارة العلاقات الدولية على حساب التفاهمات السياسية، فقد أدَّى إلى إضعاف الخصوم والحلفاء معاً، وتآكل الثقة داخـــل المـنـظـومـة الـغـربـيـة نفسها، وتـوتـيـر الـعـاقـات عبر الأطلسي، واهتزاز موقع «الناتو» ودوره. دخل النظام التجاري العالمي مرحلة من عدم اليقين، بـمـا أثــبــت أن الـــرهـــان عـلـى الاقــتــصــاد بـوصـفـه بــديــا عن السياسة لـم يحفظ أيـا منهما، ناهيك مـن تحويله الأمـن الجماعي إلى «فاتورة». فــي مـلـف الــســام، أعـلـن تـرمـب إنــهــاء ثـمـانـي حـــروب، ولكن الوقائع لا تسند هذا الادعاء في ظل غياب أي اتفاقات سلام فعلية؛ بل تظهر أن ما يوصف بأنَّه سلام ليس سوى إعـــادة تـدويـر لـلـصـراعـات تحت أسـمـاء جــديــدة. النموذج الأوضح يبقى أوكرانيا؛ حيث تحول الوعد بإنهاء الحرب سريعا إلى مراقبة نزاع دام ومفتوح. ويــنــســحــب الأمــــــر فــــي مـنـطـقـتـنـا عـــبـــر ثـــاثـــة مـلـفـات مـتـرابـطـة، هـــي: غـــزة، وإيـــــران، ووكـــاؤهـــا فــي الإقـلـيـم. في ، أعلن ترمب خطة «السلام في غزة»، 2025 ) سبتمبر (أيلول ويجري اليوم الحديث عن مرحلتها الثانية بينما لا يزال وقـف الـنـار هشاً. أمـا طـرح «مجلس الـسـام» الــذي يرأسه ترمب كركيزة للتسوية الشاملة، فكشف فـراغـا سياسيا واضحاً؛ إذ نحن في انتظار رؤية متكاملة وإطار قانوني وآليات تنفيذ أو مساءلة، ما يثير مخاوف من تحوله إلى غطاء سياسي لاستمرار الاحتلال والقصف اليومي على غزة. المــــراوحــــة فـــي مــلــف غــــزة والـــغـــمـــوض فـــي المـــوقـــف من الــتــســويــة الــشــامــلــة وحـــقـــوق الـفـلـسـطـيـنـيـن، يـنـعـكـسـان مــبــاشــرة عـلـى مــقــاربــة واشــنــطــن لإيــــــران. فـمـا دامــــت هـذه القضية لم تُحسم، فستبقى ورقـة مركزية في يد طهران، مــا يـجـعـل أي مــقــاربــة أمـيـركـيـة لــأزمــة الإيــرانــيــة ناقصة بطبيعتها. تتمحور اليوم 1979 العلاقة المتوترة مع إيــران منذ حول الملف النووي، والصواريخ الباليستية، ودور الوكلاء في الإقليم، مع إضافة ملف قمع الاحتجاجات الداخلية. وعلى الرغم من الحشد العسكري الأميركي غير المسبوق، نشهد تريثا عن توجيه ضربة مباشرة، مدعوما بدعوات إقليمية لتجنب التصعيد. هـذا التريث قد يُقرأ كسياسة حكيمة، ولكنه يطرح تساؤلات حول الهدف النهائي: هل تسعى إدارة ترمب لتغيير النظام أم تعديل سلوكه بما يضمن مصالحها؟ وهـل خيار بقاء النظام، مهما كانت طبيعته، أقل تكلفة من فوضى مفتوحة؟ وفــي هــذه المنطقة الـرمـاديـة بـن الـتـفـاوض والـحـرب، ووسط مؤشرات على أن المفاوضات قد تقتصر على الملف الـنـووي، دون تناول قمع المحتجين أو دور إيــران المزعزع للاستقرار الإقليمي، يرتفع منسوب تـحـرك وكـــاء إيــران في لبنان والعراق واليمن. وبعد أن رفعت تهديدات ترمب سـقـف تــوقــعــات المــعــارضــة الإيـــرانـــيـــة، مــن دون مـعـرفـة ما سيقدم عليه لاحـقـا. وقــد يكتفي باعتبار التهديد نفسه «نجاحاً» رغم غياب نتائج فعلية. تجربة ترمب في سنته الأولى تميل إلى التباين بين الـسـيـاسـة والـنـتـيـجـة: أبـقـى عـلـى قـــوة أمـيـركـا العسكرية، ولكنه أضعفها دبلوماسيا وأخلاقياً. ما زالت أقوى لاعب فــي الـنـظـام الـــدولـــي، ولكنها لــم تـعـد قــائــدتــه؛ بــل أكثرهم تقلبا وإثارة للقلق. هز التحالفات والنظام القديم بعمق، وتعامل ببراغماتية مع روسيا. لم يهزم الصين إنما أنهى وهـــم الــعــولمــة الـسـلـسـة، وفــتــح عــصــرا جــديــدا مــن الــصــراع الاقــتــصــادي والـــســـيـــادي، لا رابــــح فـيـه بــالــكــامــل... بــل أقـل الخاسرين فقط. فــــي كــــل مــــوجــــة تــصــعــيــد بــــن الــــولايــــات المتحدة وإيـران، يُعاد طرح السؤال نفسِه: هل نقل حاملات الطائرات مقدّمة لضربة عسكرية مـحـتـمـلـة، أم أداة ضــغــط مـحـسـوبـة لتحسين شروط التفاوض في منطقة تتسم بقدر مرتفع من اللايقين الاستراتيجي؟ القراءة التحليلية للسلوك الأميركي، كما تكشف عنه الوقائع والذاكرة المتراكمة، ترجح بـــوضـــوح الاحــتــمــال الــثــانــي، حـيـث تُــسـتـخـدم الـقـوة لإدارة الـتـفـاوض وضـبـط تـــوازن القوى لا لفتح حـــرب عـالـيـة التكلفة وغـيـر مضمونة النتائج. صــــانــــع الـــــقـــــرار الأمــــيــــركــــي يـــتـــقـــدم عــــادة بحسابات دقيقة للتكلفة والـعـائـد فـي سياق دولي فوضوي. فإذا كانت الضربة العسكرية لا تـضـمـن تــدمــيــرا كـــامـــا لـــلـــقـــدرات الــنــوويــة، وتحمل في الوقت نفسه خطر توسع الصراع إقليميا بما يترتب عليه مـن ضــرب للقواعد الأميركية، وارتـفـاع تكلفة الطاقة، واضطراب الأســواق، وزيـادة منسوب اللايقين في النظام الـدولـي، فضلا عن ارتـــدادات سياسية داخلية وخارجية على الإدارة الأميركية، فـإن اللجوء إلــيــهــا يــظــل خـــيـــارا عـــالـــي الــتــكــلــفــة وضـعـيـف الـجـدوى. لذلك يُستحضر التهديد العسكري بـوصـفـه أداة للضغط والــــردع والـحـفـاظ على تـوازن القوى، أكثر مما يُعتمد مسارا مفضلا للحسم. فــــي المــــقــــابــــل، تُــــقــــدم الـــصـــفـــقــة - ولـــــو فـي صيغتها المـحـدودة - بوصفها الخيار الأكثر عقلانية مـقـارنـة بـالـحـرب، إذا تمكَّنت الإدارة الأميركية من تجميد فعلي للبرنامج النووي تحت رقابة مـشـددة، وخففت من حــدّة التوتر الإقليمي، من دون تكلفة الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مع قابلية تسويقها داخليا باعتبارها «صفقة ناجحة»، وإدارة محسوبة للمخاطر فـي بيئة تتسم بـدرجـة عالية مـن الـايـقـن، لا بوصفها تنازلا سياسياً. وبـهـذا المـعـنـى، يحقّق الـتـفـاوض - حتى وإن لــم تـكـن مـخـرجـاتـه مـثـالـيـة - عــائــدا أعلى من الضربة، بينما تُستبقى القوة العسكرية أساسا كرافعة ضغط تفاوضي. ويتَّسق هذا المـنـطـق عـلـى نـحـو خـــاص مــع مـقـاربـة دونـالـد تــــرمــــب، الــــــذي يُـــظـــهـــر مـــيـــا واضــــحــــا لـتـغـلـيـب الــــنــــمــــوذج الـــعـــقـــانـــي فــــي حـــســـابـــات المــنــفــعــة والــــكــــلــــفــــة، وتـــفـــضـــيـــل الأدوات الــــتــــي تُــحــقــق نتائج قابلة للتسويق السياسي بأقل تكلفة استراتيجية ممكنة، مع الإبقاء على التهديد العسكري بوصفه وسيلة ضغط تفاوضي لا خيارا مفضلا للحسم. وهذا المنطق في الفعل السياسي الأميركي لا يُــفـهـم بـوصـفـه خــيــارا ظـرفـيـا، بــل بـاعـتـبـاره نمطا متكررا تعززه الخبرات السابقة. فالعلاقة الأميركية-الإيرانية محكومة بمسار طويل من التجارب التي أظهرت أن «الضغط الأقصى» لم يُنتج استسلاما أو تغييرا جذريا في السلوك، بــــل رفــــــع تــكــلــفــتــه الاقــــتــــصــــاديــــة والـــســـيـــاســـيـــة والأمـنـيـة، ودفـــع إيـــران إلــى تكييف أدواتــهــا لا التخلي عـن خياراتها، فـي حـن أثبتت فترات التفاهم الجزئي أن الاستجابة الإيرانية تكون أكـبـر حــن يُــقـتـرن الـضـغـط بـمـحـفـزات تخفيف مـــشـــروط لـلـعـقـوبـات. كـمـا تـعـلـمـت المـؤسـسـات الأمـــنـــيـــة فـــي الـــطـــرفـــن أن الـــحـــافـــة الـــقـــصـــوى - الــتــهــديــد بـــحـــرب وشــيــكــة فـــي ســـيـــاق عــــال من الـايـقـن والــغــمــوض الاسـتـراتـيـجـي المـتـعـمـد - تدفع غالبا إلــى إعـــادة إنـتـاج صيغة «لا حرب ولا ســـام»، مـع تـفـاوض متقطع بـدل المواجهة الشاملة. وتاريخياً، استخدمت واشنطن تحريك حـــــامـــــات الـــــطـــــائـــــرات لــــرفــــع تـــكـــلـــفـــة الــــرفــــض، وتحسين شــروط التفاوض دون تحمل تكلفة الحرب أو الإخـال المباشر بتوازن القوى؛ كما ، وتـعـزيـز 1996 فـــي أزمــــة مـضـيـق تـــايـــوان عـــام الوجود البحري خلال أزمـة البرنامج النووي ، وأزمـــة كـوريـا الشمالية 2013–2012 الإيــرانــي ، ثــــم تـــحـــركـــات حـــامـــلـــة الـــطـــائـــرات 2017 عـــــام فــي مضيق هــرمــز، عقب 2019 الأمـيـركـيـة عـــام استهداف نـاقـات النفط. وهـي سـوابـق تُظهر أن الهدف كان ضبط السلوك وتوازنات القوى، وتقليص هـامـش الـايـقـن، ورســـم الــحــدود، لا اتخاذ قرار حرب حتمي. أضف إلى ذلك أن سلوك الطرفين لا تحكمه الحسابات المـاديـة وحـدهـا، بـل يتداخل بعمق مع اعتبارات الهوية والسردية السياسية. ففي الـحـالـة الإيــرانــيــة، يُــعـد الـتـراجـع العلني تحت التهديد مساسا بـصـورة السيادة والصمود، مــــا يــجــعــلــه مــكــلــفــا داخــــلــــيــــا، مـــقـــابـــل تـفـضـيـل تــســويــات مـرحـلـيـة تُـــعـــاد صـيـاغـتـهـا خـطـابـيـا بوصفها صمودا وانتزاع اعتراف لا رضوخاً. وفي المقابل، يقيد الخطاب السياسي الأميركي أي تسوية شاملة قد تُفسر بوصفها «مكافأة لخصم»، وهو الأمر الذي من المحتمل أن يدفع كــا الـطـرفـن إلـــى عـقـد صـفـقـات غـيـر مـبـاشـرة، إجـــرائـــيـــة أو مــرحــلــيــة، تُــغــلــف بـلـغـة «الـصـفـقـة الناجحة». وضمن هـذا الإطــار، يمنح الضغط الـــبـــحـــري الأمـــيـــركـــي هـــامـــش مــــنــــاورة واســـعـــا: ردع مـــن دون حــــرب، ورســـالـــة قـــوة تُــبـقـي بـاب التفاوض مفتوحا مع حفظ ماء وجه الطرفين، وتقليص مخاطر اختلال توازن القوى. فــــي الــــخــــتــــام، يـــمـــكـــن الــــقــــول إن تـــحـــريـــك حاملات الطائرات لا يُقرأ بوصفه مؤشرا آليا عــلــى حــــرب وشـــيـــكـــة، بـــل بــوصــفــه أداة ضغط محسوبة لإدارة اللايقين، ورفع تكلفة الرفض، وتـحـسـن شــــروط الــتــفــاوض. ولا يــغــدو خيار الــحــرب مـرجـحـا إلا إذا انــهــارت آلــيــات الضبط والــــردع، أو وقــع هـجـوم مباشر واســـع يفرض ردا لا يحتمل التأجيل، أو جرى تجاوز نووي يُــعــد فـــي الــتــقــديــر الأمـــيـــركـــي اخـــتـــراقـــا حـاسـمـا يهدد تـوازن القوى ولا يمكن احتواؤه بـأدوات الـــتـــفـــاوض، أو إذا بــلــغ تــعــنّــت أحــــد الأطـــــراف الـفـاعـلـة حـــد تعطيل أي تـسـويـة مـرحـلـيـة، بما يـحـول الــتــفــاوض مــن أداة لإدارة الــخــاف إلـى مسار عبثي وعديم الجدوى. أو إذا ترافق ذلك مع أزمـة داخلية أميركية حـادّة تُضيق هامش المـنـاورة السياسية، وتدفع القيادة التنفيذية إلى توظيف الخيار العسكري بوصفه مخرجا لإعــــــــادة ضـــبـــط الـــــداخـــــل واســــتــــعــــادة المــــبــــادرة والشرعية. وما عدا ذلك، تبقى المعادلة الغالبة هي تصعيد مضبوط يعقبه تفاوض إجرائي، يفضي إلــى صفقة مــحــدودة أقــل تكلفة وأكثر قـابـلـيـة لــاســتــدامــة مـــن مــواجــهــة شــامــلــة غير مـضـمـونـة الــنــتــائــج، فـــي بـيـئـة إقـلـيـمـيـة تتسم بدرجة عالية من الغموض الاستراتيجي. OPINION الرأي 12 Issue 17240 - العدد Monday - 2026/2/9 الاثنين عندما لا تشبه النتائج السياسات الفن المصري... فرص ضائعة إلى أين يتَّجه التصعيد الأميركي مع إيران؟ وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com عبد الغني الكندي سام منسى خالد البري

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky