الثقافة CULTURE 17 Issue 17239 - العدد Sunday - 2026/2/8 الأحد أحمد عبد المعطي حجازي تراث البهجة والعمران فـي كتابه «المـديـنـة الإسـامـيـة - تـراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بـــالـــقـــاهـــرة، يـــؤكـــد الـــبـــاحـــث فــــي شــــؤون الــــتــــراث الـــحـــضـــاري الـــدكـــتـــور خـــالـــد عـــزب أن تخطيط الأحـــيـــاء الـسـكـنـيـة فــي المـديـنـة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقا حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة. ويشير المؤلف إلـى أن الأماكن العامة فـــي تــلــك المـــديـــنـــة كـــانـــت تــقــع عــلــى جـانـبـي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأســـــــــــواق المـــــركـــــزيـــــة لـــلـــمـــديـــنـــة والمــــتــــاجــــر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمــســاجــد الــكــبــرى ومــجــمــوعــات الأســــواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع مـن هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحـــمـــامـــاتـــه ومـــقـــاهـــيـــه، ويـتـخـلـلـهـا بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً. أمــــــا الأمـــــاكـــــن الــــخــــاصــــة، فـــهـــي الـــتـــي تــــقــــع عــــلــــى امــــــتــــــداد الـــــــحـــــــواري والمــــســــالــــك المـسـدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع مـــن الــــشــــوارع المـــركـــزيـــة لـــأحـــيـــاء، وتـشـمـل المــبــانــي الـسـكـنـيـة الـــتـــي تـتـمـيـز بــواجــهــات مبانيها القليلة الارتـــفـــاع والـفـتـحـات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتا عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تـــنـــســـاب الأســـــــــواق المـــغـــطـــاة خـــــال الـكـتـلـة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاق للسكان بين الأحياء المختلفة. ويـــخـــتـــرق الـــحـــي أو المــــجــــاورة شـــارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط مــا بــن أفـــــراده روابــــط ديـنـيـة أو عـرقـيـة أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم. ورغــــــم ذلــــــك، لا يـــتـــم تــقــســيــم الأحـــيـــاء بـــحـــســـب مـــكـــانـــة الـــطـــبـــقـــات الاجـــتـــمـــاعـــيـــة؛ فــالــحــي عـــالـــم مــصــغــر، يـعـيـش فــيــه الـغـنـي والفقير جنبا إلــى جـنـب، ويـتـشـاركـان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة. وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضــــطــــرابــــات، عــــد أيـــضـــا وحـــــدة دفــاعــيــة. ورغـــــــم أنــــــه قــــد تُــــحــــرس بـــــوابـــــات الأحــــيــــاء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الــحــي لـيـس مـــحـــددا تــحــديــدا مـعـمـاريـا في الغالب، ويتصل اتصالا عضويا بالمباني المــــجــــاورة لــأحــيــاء المـــاصـــقـــة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً. والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي الـسـكـنـي مـنـفـصـلـة عـــن بـعـضـهـا بـواسـطـة مـــا يـحـتّــمـه الـتـخـطـيـط، مـــن تـــرك الــفــراغــات حــول الأبـنـيـة، فـــإذا اتصلت هــذه الـفـراغـات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة مــن الــفــراغــات الـتـي تــكــوّن كمية كـبـيـرة من الــــضــــوء، والـــــحـــــرارة لــكــل مـــن فـــي المـنـطـقـة. وهـذا الاتجاه يكاد يكون سائدا في معظم الــتــجــمــعــات الــســكــنــيــة، فـــي أنـــحـــاء الــعــالــم وخصوصا فـي الـــدول الغربية التي كانت ســبــاقــة فـــي اتـــبـــاع هــــذا الاتــــجــــاه، وتـبـعـهـا بـــعـــض دول الــــعــــالــــم، ومـــــن بــيــنــهــا الـــــدول الإسـامـيـة، الـتـي لـم تـحـاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها. ويـشـيـر المـــؤلـــف فـــي هـــذا الــســيــاق إلـى مــا يسمى «الــرحــبــات» الـتـي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاق للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سببا في اتخاذها مكانا للباعة الــجــائــلــن، مـــا أدى إلـــى تـسـمـيـة «الــرحــبــة» باسم التجارة التي تـروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المـصـريـة، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بـئـر مـــاء عــامــة تـمـد مــن يــرغــب بـالمـيـاه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر. القاهرة: «الشرق الأوسط» كتابا يعود الفضل في انتشاره إلى تأثير صُنّاع المحتوى 12 واحد من كل روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مـــســـبـــوقـــة، مـــدفـــوعـــا بـــــالأزمـــــات الــعــالمــيــة، والمــنــصــات الـرقـمـيـة الــتــي أعــــادت تشكيل أنـــمـــاط الــــقــــراءة الــشــعــبــيــة. فـبـعـد أن كــان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الــخــيــال إلــــى فــضــاء تـعـبـيـري عميق يــعــكــس مـــخـــاوف الإنــــســــان المـــعـــاصـــر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مـمـا أعـــاد إشــعــال الـنـقـاش حـــول شرعيته الأدبية. فـــفـــي فـــرنـــســـا مــــثــــا كـــشـــفـــت دراســــــة لــــ«مـــرصـــد الـــخـــيـــال» (أوبــــســــرفــــاتــــوار دو عــن الأرقــــام التي 2025 ليماجينار) لـعـام تــــؤكــــد هــــــذا الانـــــتـــــعـــــاش، حـــيـــث تـــبـــن أن مبيعات روايــات الخيال العلمي قد قفزت 2023 فــــي المــــائــــة بــــن عــــامــــي 40 بــنــســبــة ، ومــعــهــا ظـــهـــرت أيـــضـــا دور نشر 2024 و جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. الـتـوجـه نفسه ينطبق عـلـى ســـوق الكتب الأمـيـركـيـة، والــتــي شـهـدت أيـضــا ارتـفـاعـا في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بــــيــــانــــات مـــعـــهـــد ســـيـــركـــانـــا بــــــوك ســـكـــان، فـــي المـائـة 12 وصــلــت نـسـبـة الـــزيـــادة إلـــى ،2025 خلال الأشهر التسعة الأولى من عام فـي حـن شهدت مبيعات روايـــات الخيال العلمي والـفـانـتـازيـا قـفـزة مذهلة بنسبة فـــي المـــائـــة فـــي المـمـلـكـة المــتــحــدة بين 41.3 بحسب تقرير نشر في 2024 و 2023 عامي صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بـــــوك تــــوك وراء ارتــــفــــاع كــبــيــر لمـبـيـعـات روايات الخيال العلمي والفانتازيا». وبـــــعـــــيـــــدا عـــــــن الــــــــصــــــــورة الـــنـــمـــطـــيـــة الــتــي تـخـتـزل هـــذه الـــروايـــات فــي طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والــتــقــنــيــات الـــخـــارقـــة الـــتـــي لا وجـــــود لها فــي الـــواقـــع، فـــإن الـــصـــورة أصـبـحـت الـيـوم أقـــرب لـــأدب الاستكشافي الـــذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجـــــتـــــمـــــاعـــــيـــــة، وأخـــــــاقـــــــيـــــــة، مـــــــن خـــــال إسقاطات مستقبلية، ورمزية. يرى سيمون بريان، الباحث المختص فـــــي مــــركــــز دراســـــــــــات الآداب الـــفـــرنـــســـيـــة بـجـامـعـة الـــســـوربـــون، أن الـخـيـال العلمي يـعـمـل بـوصـفـه أداة لتشخيص الـحـاضـر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الــحــيــاة، أو الـــكـــوارث المـنـاخـيـة الـوشـيـكـة، لجورج 1984 وهو ما نراه مثلا في رواية أرويـــل الـتـي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنـــــه «عـــــن ســــاهــــرة» لا تــــنــــام، تـــهـــدف إلــى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل الــبــشــري. وفـــي الـسـيـاق ذاتــــه، يشير جـان بـــول أنـجـيـلـيـبـيـرت، أســتــاذ الأدب المــقــارن فــي جـامـعـة بــــوردو إلـــى أن هـاجـس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فـنـي، بـل هـو مـحـاولـة لاسـتـبـاق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنـفـاس، مما يجنب الإنـسـان المعاصر ضياع البوصلة فـــي حــاضــر يـفـتـقـر إلــــى ثـــوابـــت مـسـتـقـرة. ففي روايــة «عالم جديد شجاع» لألـدوس هكسلي تـوظـف التكنولوجيا، والتحكم العلمي فـي الإنــجــاب، والتكييف النفسي لتحقيق مـجـتـمـع مـسـتـقـر ظــاهــريــا، لكنه فـــاقـــد لـــلـــحـــريـــة، والإرادة الــــفــــرديــــة، وهـــو تجسيد لمخاوفنا مـن أن تــؤدي التقنيات الحديثة إلــى تسليع الإنــســان، وتحويله إلـــى كـائـن مـبـرمـج. كـمـا تعبر أعــمــال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنـسـان والآلـــة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا. العامل المشترك وراء هــذا الانتعاش الــــجــــديــــد يــــعــــود حـــســـب تـــقـــريـــر صـحـيـفـة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بـوك سكان إلـى أن واحـدا مــن كــل اثـنـي عـشـر كـتـابـا ورقــيــا يـبـاع في الأســــــــواق الـــعــالمـــيـــة حـــالـــيـــا يـــعـــود الـفـضـل فـــي انــتــشــاره مــبــاشــرة إلـــى تـأثـيـر صُــنّــاع المحتوى على «تيك توك». ومـن الأمثلة الأخيرة روايــة «الجناح الــــرابــــع» لـلـكـاتـبـة ربــيــكــا يــــــاروس، والــتــي حـــقـــقـــت نــــجــــاحــــا ســــاحــــقــــا بـــفـــضـــل «بـــــوك تـوك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف الــتــوقــعــات، والــطــبــاعــة الأولـــيـــة لأعـمـالـهـا ألف 300 اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز نـسـخـة طـبـعـة أولـــــى، وهــــو رقــــم كــــان يُــعـد مستحيلا لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصـدارات الحديثة فقط، بـل امتد ليعيد روايـــات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: روايـة «أغنية ، والــتـــي 2011 أشــــيــــل» الـــتـــي نُــــشــــرت عـــــام شهدت انفجارا في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة 2024 لم تتجاوز الستين ثانية. لـــجـــورج 1984 وأقــــــــدم مــنــهــا روايــــــــة أرويـــل، والـتـي تشهد زيـــادة مستدامة في 10 المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين فــي المــائــة مـقـارنـة بـمـا قـبـل عصر 20 إلـــى المـــنـــصـــة، وهــــو رقــــم ضــخــم لــعــمــل تــجــاوز عــمــره سـبـعـة عـــقـــود. ولـــــذا، فـلـن نـبـالـغ إن قلنا إن المـنـصـات الـرقـمـيـة، وعـلـى رأسـهـا «بوك توك» قد لعبت دورا حاسما في كسر الـنـخـبـويـة المـحـيـطـة بـالـشـرعـيـة الأدبـــيـــة، فــمــن خــــال إعـــــادة إحـــيـــاء الـكـاسـيـكـيـات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بـل مـن قـوائـم الأكـثـر مبيعا التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا. لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشا باعتباره «أدبـــا شعبياً»، أو «شـــبـــه أدب»، حــيــث اعـــتـــبـــره قــســم من الـنـقـاد أدبـــا استهلاكيا يفتقر إلــى العمق الإنــســانــي، والـتـعـقـيـد الــلــغــوي. وفـــي هـذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورســولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعــتــراف الـنـقـاد بـهـذا الــنــوع، مـا يلي : «لـــقـــد تـــم حــصــرنــا فـــي مــحــمــيــات أدبــيــة وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الــــخــــيــــال الـــعـــلـــمـــي هــــو الأداة الأقــــــوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنسانا في مواجهة المجهول». والمـــــــاحـــــــظ أن نـــــظـــــرة الـــــنـــــقـــــاد إلــــى الـــخـــيـــال الــعــلــمــي بـــــدأت تـتـغـيـر مـــع بـــروز قـضـايـا وجـــوديـــة، مـثـل الـتـغـيـر المـنـاخـي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والـهـنـدسـة الــوراثــيــة، ولــم يعد هــذا الأدب مــجــرد نـــبـــوءات تـكـنـولـوجـيـة، بـــل أصـبـح بـــمـــثـــابـــة مــخــتــبــر اجـــتـــمـــاعـــي، وفــلــســفــي. ويــرى الكاتب الفرنسي المختص فـي هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الـواقـع، لأنـه لا يهرب من الـــعـــالـــم، بـــل يــســتــخــدم المــســتــقــبــل مـجـهـرا لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الــخــيــال الـعـلـمـي هـــو الـــنـــوع الـوحـيـد الــقــادر عـلـى دمـــج الانـفـجـار التكنولوجي العلمي فـي الـروايـة الإنسانية. وقـد أثبت النجاح الكبير الــذي حققه آلان داماسيو مـــع روايـــتـــه المـــعـــروفـــة «المــتــســلّــلــون» الـتـي ألف نسخة، وحصلت 150 بيعت بأكثر من عـــلـــى عــــــدة جـــــوائـــــز، أن الـــكـــتـــابـــة المــتــقــنــة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع مـــوضـــوعـــات الاســـتـــبـــاق الــســيــاســي. وفــي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بـــارزة على هــذا الاعــتــراف، وأفـضـل مثال: روايــة «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتـوود الـــتـــي فـــــازت بـــعـــدة جــــوائــــز، مــنــهــا جــائــزة آرثـــر سـي كـــارك للخيال العلمي، وكانت 8 مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها. باريس: أنيسة مخالدي «حكاية الخادمة» لمارغريت أتوود غلاف «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية )2( هذا الماضي... ليته حاضر في المقالة السابقة تمنيت لو أن ثقافتنا في الوقت الحاضر كانت مثلما كانت بين أواسط القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين. وهي أمنية لم أقصد فيها أن نعود للماضي أو أن يعود الماضي إلينا بما تحقق فيه. فالزمن لا يعود القهقرى، بل يتقدم إلى الأمـام. والـذي تحقق في الماضي تحقق ولم يعد فيه الآن إلا الـدرس الـذي نستخلصه أو العبرة التي نستطيع أن ننتفع بها ونحن نبحث عن الجديد الـذي يجب أن نحققه في الحاضر والمستقبل ونضيفه إلــى مـا حققناه مـن قـبـل. وإنـمـا قـصـدت بأمنيتي أن أذكّـــر الـقـارئ العزيز بالقفزة الرائعة التي قفزناها وانتقلنا بها من الظلمات التي خيمت علينا في زمن العثمانيين إلى العصور الحديثة التي نحاول أن نكون فيها بناة منتجين لا مجرد مستهلكين. ولكي أقدم صورة معبرة عما حققناه في هذه القفزة أو هذه النهضة كان علي أن أشير إلى ما بلغته ثقافتنا قبلها من تراجع شامل فقدنا فيه قدرتنا على التفكير، وتراجعنا أكثر ففقدنا لغتنا الفصحى التي تراجعت حتى على ألسنة فقهائنا فصاروا يكتبون بلغة تثير من الضحك قدر ما تثير من الرثاء، وهو ما أشرت إليه في المقالة السابقة التي لم أتمكن فيها من تقديم الصورة المقابلة لهذا التراجع، وهي القفزة أو النهضة التي تحققت في سنوات قليلة استعدنا فيها كأننا لم نفقدها قرونا عدة، ثم استطعنا أن نستعيد قدرتنا على التفكير والإبداع وأن نحقق ما حققناه في الأدب بأشكاله المختلفة، وفي الصحافة، وفي الترجمة، والعلم، وفي السياسة، وفي المسرح، ومن هنا نفهم هـذا الشعور الـقـوي بالحاجة لامـتـاك اللغة والتمكن منها، وتـزويـدهـا بما تستطيع به أن تخاطب العصر، وتسمي نظمه وقوانينه، وعلومه، وأدواته، ومخترعاته. وفـي المقالة السابقة تحدثنا عـن معجم الزبيدي «تــاج الـعـروس» وعن المـعـاجـم الـتـي ظـهـرت قبله، وبوسعنا أن نضيف إليها مـا صــدر بعد «تـاج العروس» لنؤكد هذه الحقيقة البديهية التي يبدو أننا أصبحنا محتاجين لتأكيدها في هـذه الأيـــام، وهـي أن اللغة هي الشرط الأول للتفكير والإبــداع والتقدم، فضلا عن أنها الشرط الأول لقيام المجتمع. *** بعد «تـــاج الــعــروس» الــذي ظـهـرت طبعته الأولـــى فـي الـقـاهـرة قبل أكثر من مائة وخمسين عاماً، ظهرت في لبنان سلسلة من الأعمال اللغوية أولها ما قدمه ناصيف اليازجي من الأراجـيـز والمختصرات في النحو والصرف، وبعدها أراجـيـز البستاني ومختصراته فيهما، وبعدها «محيط المحيط» الذي استوعب فيه البستاني ما قدم في معاجم سابقة، وأضاف إليه ما وجده من مصطلحات العلوم الحديثة. ثم يظهر «سـر الليال في القلب والإبـــدال» لأحمد فارس الشدياق. وفيه يسرد الأفعال المتداولة، ويقدم أمثلة وإيضاحات لم ترد في المعاجم. وللشدياق أيضا «الجاسوس على القاموس» الذي جمع فيه ما وجده من المآخذ على قاموس الفيروزابادي. *** وإذا كان الشرط الأول للتفكير والإبداع قد تحقق وهو امتلاك اللغة فقد أخذ رواد النهضة الحديثة يظهرون في مختلف المجالات ويحققون شرطا آخر لا تستطيع الثقافة العربية بدونه أن تنهض أو تستعيد طاقتها، وهو أن تكون ثقافة قومية، أي أن تكون نشاطا مشتركا يسهم فيه كل الناطقين بالعربية على اختلاف أقطارهم، لأن ما يقدمه المصري يختلف قليلا أو كثيرا عما يقدمه اللبناني أو العراقي، وما يقدمه المغربي أو التونسي يختلف عما يقدمه السوري أو اليمني. والمـــعـــنـــى المـــقـــصـــود بـــالاخـــتـــاف هــــو الـــتـــكـــامـــل. لأن الـــخـــبـــرات تــتــعــدد، والحاجات، والمطالب. ثم إن هذا التعدد ليس تجاورا تزيد به الكمية، وإنما هو حوار وتفاعل تتطور به الثقافة العربية وتغتني وتتقدم على النحو الذي تحقق لها في العصور الماضية التي تزامنت فيها ثقافة الأندلسيين وثقافة العباسيين، وكان شعر هؤلاء وهؤلاء امتدادا وتطورا لشعر الجاهليين. ونـحـن نــرى أن المعلقة الجاهلية لها شكلها الـخـاص الـــذي تميزت به وعبرت عن واقع يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي عبرت عنه القصيدة العباسية، كما يختلف عن الواقع الذي عبر عنه الموشح الأندلسي. والمعنى المـقـصـود بــالــواقــع هـنـا هــو مختلف الـعـنـاصـر الــتــي تـعـبـر عـنـهـا الـقـصـيـدة. الـعـواطـف، والأفـــكـــار، والطبيعة، والمـجـتـمـع، والـثـقـافـات الأخــــرى، والمـاضـي، والحاضر. لكن هذا الاختلاف لم يكن ثمرة ابتعاد وانفصال، وإنما كان ثمرة تواصل وتفاعل يؤديان بالضرورة لنتائج تختلف وتتعدد. وإذا كان الشعر هو الفن الغالب فـي الثقافة العربية فـي عصورها الأولـــى فقد أخــذ النثر يتقدم في العصور التالية متمثلا في الرسائل، والأمثال، والنوادر، ثم المقامات حتى وصلنا إلــى العصر الحديث الـــذي اغتنى فيه الأدب العربي بفنون القصة والمسرح. ونحن نعرف الشهرة العالمية التي حصلت عليها الليالي العربية «ألف ليلة وليلة». *** وكـمـا تحقق هــذا الـشـرط الآخـــر للثقافة العربية فـي عـصـور ازدهــارهــا الأولــــى، وهــو أن تـكـون إنـتـاجـا مشتركا وثـقـافـة قـومـيـة، تحقق لـهـا فـي هـذا العصر الحديث الــذي عـرف مـن وسـائـل التواصل والـتـبـادل والتفاعل مـا لم تعرفه العصور الماضية، وما علينا إلا أن ننظر في الدور الذي أدته المطبعة، والــــدور الـــذي أدتـــه الصحف والمــجــات، والــــدور الـــذي أدتـــه الـفـرق المسرحية، والدور الذي أدته الإذاعات المسموعة والمرئية. في الصحافة نرى من روادها الأوائل أحمد فارس الشدياق، ورفاعة رافع الطهطاوي، وأديـب إسحق، وبطرس البستاني، وعبد الله النديم، ويعقوب صروف، وبشارة تقلا، وجورج زيدان. وفـي المسرح اسكندر فـرح، وسلامة حجازي، وجــورج أبيض، ويوسف وهبي، وروز اليوسف، وعزيز عيد، وزكي مراد. وفـي الشعر وهـو الفن الـذي افتتحت به النهضة سيرتها نـرى محمود سامي الــبــارودي، ونــرى بعده خليل مـطـران شاعر القطرين، ومعه الشاعر العراقي عبد المحسن الكاظمي. وفي تلك الأعـوام المائة التي نهضت فيها الثقافة العربية هذه النهضة وبلغت هذا المدى كان المثقفون العرب يرون وطنهم حيث يجدون المناخ الملائم لنشاطهم، وهــذا ما رأيـنـاه في مصر التي احتضنت في تلك المرحلة نشاط العشرات من المفكرين والأدباء والفنانين العرب الآخرين. والآن نسأل أنفسنا عما بقي لنا من هذه النهضة؟
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky