فـــي نــهــايــة المــؤتــمــر الــصــحــافــي الـــــذي عُــقــد غـــداة أسـوأ أداء له في مجلس العموم، كـان كير ستارمر لا يزال واقفا سياسياً. إنجاز في حد ذاتـه. أمَّا السلطة، بالمعنى الحقيقي للكلمة، فـغـادرت المشهد منذ وقـت ليس بالقصير. الأزمة التي تفجّرت عقب تعيين بيتر ماندلسون ســفــيــرا لـبـريـطـانـيـا فـــي واشــنــطــن لـــم تــعــد مــجــرد زلــة سياسية يمكن احــتــواؤهــا. لقد تحولت إلــى اختبار شـــامـــل لــــقــــدرة رئـــيـــس الــــــــــوزراء عـــلـــى الـــحـــكـــم، وعــلــى مصداقيته، وعلى الإمساك بمفاصل السلطة في نظام وستمنستر الذي لا يرحم من يفقد ثقة النواب والرأي العام في آن واحد. الــــهــــجــــوم الــــبــــرلمــــانــــي المـــنـــســـق بــــقــــيــــادة زعــيــمــة المـعـارضـة كيمي بـيـدنـوك، فـي جلسة الأربـــعـــاء، أجبر ستارمر على اعتراف بالغ الخطورة: «نعم»، كان على علم بعلاقة ماندلسون بجيفري إبستين عند اتخاذ قرار التعيين. دافع بقوله إن المعلومات التي قُدمت له كانت «غير كاملة» أو «مضللة». الاعتراف نقل القضية من خانة الجهل المحتمل إلـى خانة الحكم السياسي الخاطئ، وربما المضلِّل. تـــفـــصـــيـــل أســـــــاســـــــي، فــــالمــــعــــلــــومــــات عــــــن عـــاقـــة مـانـدلـسـون بـإبـسـتـن كــانــت مـتـاحـة فــي المــجــال الـعـام لسنوات. ولـذلـك تحول دفــاع ستارمر إلـى أداة تحفر ثـــغـــرة تـحـت قــدمــيــه: لـيـس لأنـــه لا يـــعـــرف، بـــل لأنـــه لم يتحقق، وتجاهل ما كـان معروفاً. نظام وستمنستر يقوم على المساءلة البرلمانية، ولا يُكافأ الزعيم على قلة الفضول. ثـــــم جــــــــاءت الــــضــــربــــة الـــبـــرلمـــانـــيـــة الأشـــــــــد. أعـــــاد المــحــافــظــون إحـــيـــاء آلــيــة دســـتـــوريـــة نـــــادرة الـتـوظـيـف تُــعـرف بــ«الـخـطـاب المـتـواضـع»، الـتـي تُجبر الحكومة عـلـى الـكـشـف عـــن وثـــائـــق ومــــراســــات. الـــهـــدف إجـبـار رئــاســة الـحـكـومـة عـلـى نـشـر كــل مــا يتعلق بــإجــراءات فـحـص وتــدقــيــق تـعـيـن مــانــدلــســون. حــــاول سـتـارمـر إضـافـة تعديل يستثني الـوثـائـق الحساسة المتعلقة بـالأمـن الـقـومـي والـعـاقـات الـدولـيـة، لكنه فـشـل، رغم أغلبيته، فالبرلمان قــرر أن تُــحـال الـوثـائـق الحساسة فقط إلى لجنة الاستخبارات والأمن، بينما يُنشر باقي المحتوى. وزادت الأمــــور تـعـقـيـداً، فـمـانـدلـسـون نفسه بـات خاضعا لتحقيق جنائي أمـام شرطة العاصمة، التي فتشت ممتلكات لـه أول مـن أمــس. ورغــم أن التحقيق لا يعني إدانــــة، فـــإن وجـــوده وحـــده جعل كـل محاولة حكومية لتقييد نشر الـوثـائـق تـبـدو، فـي نظر الــرأي العام، مقامرة سياسية خطرة. عــنــدمــا بــــدأ ســـتـــارمـــر المـــؤتـــمـــر الـــصـــحـــافـــي، كــان مــيــزان الــقــوى اخــتــل. الـصـحـافـيـون لــم يكتفوا بـسـؤال واحد، بل عادوا إلى النقطة نفسها. ليس هجوماً، بل إصــرار على إجابة غير متوافرة. أحـد الأسئلة الأكثر إيـــامـــا جــــاء مـــن مــحــطــة إذاعــــيــــة شــعــبــيــة، حـــن طُـــرح السؤال البسيط: كيف لرجل مارس المحاماة أن يفشل في إجــراء تدقيق أساسي حـول شخصية مثيرة جدا للجدل كماندلسون؟ رد ستارمر كان تكرار الاعتذار. مـحـاولـتـه إنــهــاء المــؤتــمــر بــالــدعــوة إلـــى التركيز عـــلـــى تــكــالــيــف المـــعـــيـــشـــة، ومـــــا «يـــهـــم الــــنــــاس فـــعـــاً»، جـاءت متأخرة. ففي السياسة، لا يقرر الزعيم وحده مـــتـــى يُـــغـــلـــق المــــلــــف. وبـــمـــجـــرد أن خـــــرج مــــن الـــقـــاعـــة، عـادت المعارضة إلـى الشاشات لتعيد تأطير القضية باعتبارها مسألة ثقة وحكم. الأرقــــام أكـــدت هــذا الـتـآكـل. أحـــدث الاستطلاعات فـي المـائـة فـقـط، في 16 تضع حــزب الـعـمـال عند نحو المرتبة الرابعة. ولو انعكس هذا المستوى في انتخابات عامة، لخسر ستارمر ومعظم وزرائــه مقاعدهم. هذه ليست شعبية متراجعة، بل انهيار ثقة واسع. ومع ذلك، لا يزال ستارمر في موقعه. السبب ليس قـوتـه، بـل ضعف الـبـدائـل. نظام حـزب العمال لتغيير القيادة معقد، ويتطلب عددا كبيرا من النواب لتفعيل الـــتـــحـــدي. عـــمـــدة مــانــشــســتــر، أنـــــدي بـــرنـــهـــام، يتمتع بشعبية، لكنه خارج البرلمان. الوزيرة السابقة أنجيلا رايـــنـــر، ويـفـضـلـهـا يــســار الـــحـــزب، أبـلـغـت أصــدقــاءهــا نيتها تحدي ستارمر بعد انتهاء التحقيق الضريبي بحقها، وهو ما يضيف بُعدا زمنيا جديدا للأزمة. ما كان يُقال همسا بات يُقال علناً. نواب حاليون، ووزراء سـابـقـون، وشـخـصـيـات تـاريـخـيـة فــي الـحـزب يتحدثون الآن عـن ضـــرورة التغيير. لـم يعد الـسـؤال: هـــل ســـيُـــتـــحـــدّى ســـتـــارمـــر؟ بــــل: مـــتـــى؟ وحـــتـــى جـــدول الانتظار تغيّر، إذ باتت الأنظار تتجه إلى انتخابات فرعية قريبة فـي دائـــرة عمالية عريقة فـي مانشستر باعتبارها اختبارا مبكرا للثقة. هـــنـــاك مــشــكــلــة أعــــمــــق: مـــحـــاولـــة إحــــيــــاء نـــمـــوذج سياسي من زمن آخر. عودة ماندلسون لم تكن مجرد تعيين، بل إشــارة إلـى استدعاء عقلية إدارة ورسائل كانت مناسبة لعصر توني بلير. ما نجح قبل ثلاثة عقود لا يعمل الـيـوم، بـل يكشف حــدود السلطة بـدلا من ترسيخها. كــيــر ســـتـــارمـــر بـــقـــي، حــتــى الآن. لــكــنــه بــقــي لأن الإطــــاحــــة بــــه مـــعـــقـــدة، لا لأنـــــه أقـــنـــع أحـــــــداً. إنـــــه يــديــر الحكومة في ممر ضيق، تحت ضغط البرلمان، وإلحاح الصحافة، وشكوك الرأي العام، وانتظار حزبه. إنه، بالمعنى الدقيق، في المنصب... لكنه لم يعد في السلطة. Issue 17239 - العدد Sunday - 2026/2/8 الأحد لطالمَا ارتبطت الفلسفة بتنميط شديد أساسُه الجديّة والصرامة؛ حتى لكأن قـارئ أولئك القامات منذ العصور الإغريقية عبارة عن تماثيل محنطة بلامشاعر. غير أن التاريخ ينكر كل ذلك التصوّر بل تأسست فلسفات تتعلّق بالفكاهة بوصفها حالة اجتماعية فعّالة. وأحسب أن من لا يرى كل يوم مشاهد ضاحكةً، فإن في حيويته الدنيوية كثيرا من الخلل. إن النكتة دائما مكثّفة بموضوع أساسي ولكنَّه ضمن سياق ضاحك، فـالـنـكـتـة حـمـولـة مـصـغّــرة مــن تـوصـيـف الــوقــائــع. الـفـاسـفـة الـكـبـار مـثـل أفــاطــون، وأرســطــو، وكــانــط، وشـبـنـهـور، وبـرغـسـون، ونيتشه، وغـيـرهـم، لهم إسـهـامـات في إيضاح نظرية الضحك. قبل أيام قرأت مادة بعنوان «الحوار الأخير» للفيلسوف ميشيل سير وترجَمها محمود عبد الغني حول علاقة الضحك بتفجّر الدنيويّة الحيّة والحياة الرشيدة، ومن ضمن ما قاله أن «الضحك هو في كل الحالات مؤشر على الصحّة الجيدة. أردت أن أستحضر بعض الأمثلة من حياتي، تعطي نظرة حيادية عن البناء الأخلاقي. (الـكـلـبـيّــون) الـذيـن نـتـذكّــر دومـــا قولهم الشهير (انـسـحـب مـن شمسي) الـــذي أطلقه ديوجين وألكسندر لوغران كانوا يمارسون السياسة. في حين كان بلوت أو تيرانس يمارسون الضحك الخالص. كـان أرسطو أيضا رائعا بتفضيله الضحك الشرس. لكن احــذر، يمكن أن تموت من الضحك. اليوم يسخر الناس، في وسائل التواصل الاجتماعي، بعنف بحيث ينبغي اختيار طريقة الضحك. الضحك يــدوم وينتقد ويقوّض، الضحك الهادئ يمحو ويُزيح». أما فيلسوف الضحك فهو كونديرا، وفي حوار معه أجراه فيليب روث وترجمه أحـمـد نـبـوي عــن نـقـاط الـتـاقـي بــن الـضـحـك والـفـلـسـفـة، يــقــول: «لـقـد تعلمت قيمة عاما وكان بإمكاني دائما 20 الفكاهة في زمن الإرهاب الستاليني. كان عمري حينها التعرف على الشخص حين لا يكون ستالينياً، من الطريقة التي يبتسم بها. شخص لست بحاجة إلى الخوف منه. كانت روح الدعابة علامة جديرة بالثقة للتعرف على الآخر. مذاك، شعرت بالرعب من عالم يفقد روح دعابته». وهذا صحيح؛ فلو تأملنا في موضوع الضحك أو النكتة، لوجدنا أنها تضج بالحياة وبالشيفرات المــركــزة، معظم المثقفين يتجهّمون تـجـاه الحياة الضاحكة ويعتقدون أنَّها تقلل من صورتهم النمطيّة الأكاديمية التي تتعالى على المجتمع الضاحك المتبسّم والفرِح. شبنهور رأى أن الضحك «ينشأ نتيجة افتقار للتجانس أو حـدوث التناقض بـن المـوجـة العقلية المـجـردة وبــن تمثل أو تمثيل معرفي معين يقوم على أسـاس الإدراك، أي أن الضحك ببساطة هو محصّلة لذلك الصراع أو التفاوت المعرفي الذي لا يمكن اجتنابه بين المتصوّر العقلي العام والمــدرك الحسي الخاص»، و«إن سبب الضحك هو ببساطة ذلك الإدراك المفاجئ للتناقض بين تصور معين، وبين المواضيع الواقعية المـحـددة التي تـم الاعتقاد مـن قبل بـوجـود علاقة معينة بينها وبـن هذا التصور». بينما يـرى الفيلسوف كيركغارد أن الضحك «يحرر من أعباء الـواقـع المعاش والــواقــع الإمبريقي (التجريبي) العملي، ولـكـن هــذه الحرية تظل حـريـة مـن النوع الـسـلـبـي نـسـبـيـا، لـكـن الـتـهـكّــم لـــه جـانـبـه الإيــجــابــي أيــضــا الــــذي يــقــوم عـلـى أســـاس الاستمتاع الذي يتمثل في أن التهكم يوفر لصاحبه شكلا من أشكال الاكتفاء بالذات، أو نوعا من الغلو بالثقة في النفس». الخلاصة؛ على المثقفين ترك التعالي على الناس ويوميّاتهم الحيويّة المرتبطة بـالمـزح والنكتة، ثمة مـن يعتبر هــذا الفعل مـن السفه والـطـيـش؛ لـم يـــدرك جلّهم أن النكتة والقصة والحكاية والرواية هي جزء أصيل من التكوين الإنساني. من دون انغماس المثقفين بمجتمعهم وقصصهم ونكاتهم وضحكاتهم يستحيل تكوين أي رأي فكري أو بعد نظري عميق. إن الأسس التي بُنيت عليها مبادئ «السالفة»، كما يعبّر عنها العالم الأنثربولوجي سعد الصويان، لها امتدادها القوي عبر التاريخ، كما أن بعد المثقفين عن التبسّط مع الناس وسماع أحاديثهم وقصصهم وتاريخهم يجعل نظرياتهم منقوصة، لطالما اقتبس عباقرة الفلسفة والــروايــة أفـكـارهـم من المقاهي والجلسات الاعتيادية؛ وهذا ما يجب أن يستمر عليه أي كاتب أو روائي أو فيلسوف أو متأمل. عاب أنيس فريحة في أوَّل عام من عقد الخمسينات الميلادية على أحمد كمال قولَه في كتابه : أن الحضارة الغربية ماثلة إلى الزوال! ثم في عام 1938 «أسس النهوض القومي العربي» في عام من أعوام الستينات الميلادية، وكان أستاذا زائرا في جامعة كاليفورنيا - لوس أنجليس، قال تعليقا على حالة التفكك العائلي التي تعيشها تلميذته هاريت باركلي وصديقتها باربرا: «قلت في نفسي لقد بدأ السوس ينخر في الحضارة الأميركية! زوال الحضارة يبدأ بتفكك العائلة ثم المجتمع!». سأحاول أن أفسّر التَّناقض الذي وقع فيه بطرح أكثر من احتمال: الاحتمال الأول، أنَّه بعد سماعه قصّتَي هاريت وباربرا، قال ما قال في نفسه في تلك اللحظة بلسان وروح وعقلية نشأته الأولى. وكان قد نشأ في البيت وفي مدرسة قريته، قرية رأس التين، وفي ثانوية برمّانا بلبنان، نشأة دينية متقشفة. عائلته من العائلات المسيحية الأرثوذكسية في قرية رأس التين (قرية رأس التين يتقاسمها مذهبان: الأرثوذكسي والـدرزي. والـدروز فيها كانوا أكثر عددا من الأرثوذكس). أبوه إلياس بعد زواجه من أمه شريفة تخلى عن مذهب العائلة الأرثوذكسي واعتنق على يد أحد المبشرين الإنجليز (أو ربما الأميركيين) مذهب «الـكـويـكـرز». وهــذا المـذهـب أو هـذه الجماعة مـن الجماعات الدينية البروتستانتية التقوية المتطهرة. أنشأها رجـل إنجليزي في إنجلترا اسمه جـورج فوكس نحو م. 1650 سنة جماعة «الكويكرز» تحرّم التدخين، وحضور الاحتفالات، وارتياد المسارح، والخمر، والقمار، والقسم أو حلف اليمين. تحريمهم القسم - حسب ما يذهبون إليه - هو التزام بقول المسيح في إنجيل متّى: «ليكن كلامكم نعم، إن كان نعم، أو لا، إن كان لا. وما زاد على ذلك فهو من الشرّير». فهم يعدون أنفسهم أصدقاء الصدق! لذلك هم معفون من أداء اليمين في بعض محاكم إنجلترا وأميركا. وهم يُحرّمون الحروب ثم قبلوا تاليا بالمشاركة فيها بالتمريض والتطبيب وأعمال الإغاثة. ويحرّمون كذلك كل مظاهر التنعّم والرفاهية. يقول عنها أحــد أبـنـاء هــذه الجماعة فـي سيرته الـذاتـيـة (قبل أن أنـسـی) - وأعـنـي بـه أنيس فريحة: «كانت المسيحية في نظر مؤسسها، جورج فوكس، قد انحرفت كثيرا عن المسيحية الأولى البسيطة التي أرادهــا السيد المسيح طريقا لأتباعه. وكـان مؤسسها يطمح إلـى تأسيس كنيسة روحية مجردة مما علق بها على مر الدهور، من طقوس ورموز وتقاليد وأعياد وتكريم للقديسين من أبناء البشر. فلم يمارسوا مثلا المعمودية والعشاء الرباني. ولم يكن لهم كهنوت منظم، ولم يشيدوا المعابد والكنائس الضخمة، بل كان محل العبادة عندهم (بيت الاجتماع). وقد يكون بيت الاجتماع غرفة بسيطة من بيت من البيوت، كما كان عندنا في رأس المتن. وليس لهم ليتورجيا، بل كانت الصلاة فردية وعفوية». معنى كلمة «الكويكرز» - لغويا باللغة الإنجليزية - المرتعدين أو المرتجفين أو المهتزين أو المرتعشين. وقد أطلقت على هذه الجماعة هذه التسمية من قبل الجماعات الدينية المخالفة لها من باب السخرية منهم وبهم. فيصبح معناها - اصطلاحا وعلى نحو عام - المرتعدين أو المرتجفين أو المرتعشين من تقوى الله وخشيته. وعلى نحو خـاص، تسميتهم بـ«الكويكرز» أصلها حادثة حصلت لمؤسس جماعتهم جـورج فوكس. ففي أثناء محاكمته، قال للقاضي: «ارتعد أمـام الله!» فسموا بعدها بـ«الكويكرز» استهزاء بهم. هم من البداية سموا أنفسهم بـ«الفرندز» تيمنا بقول المسيح في إنجيل يوحنا: «أتباعي هم أصدقائي». وفي اللغة العربية ترجم اسمهم إلى «الأصدقاء» : «الصاحبي: واحد Friend و«الأصحاب». في «قاموس المورد» لمنير بعلبكي يذكر من معاني كلمة مـن طائفة الأصـحـاب أو المهتزين (الـكـويـكـرز) وهـم يـؤكـدون على البساطة فـي الملبس ويكرهون : «الصاحبي واحــد من Quaker الطقوس الخارجية ويـقـاومـون الـحـرب». ويـذكـر مـن معاني كلمة الأصــحــاب أو المـهـتـزيـن». أهــل هــذه الجماعة يعتبرون تسميتهم بــ«الـكـويـكـرز» تسمية خصوم. لكن تسمية «الكويكرز» تسمية علقت بهم وصــارت تترادف مع تسميتهم بـ«الفرندز». ربما لأن كلمة «الكويكرز» أوضـح وأشـد بيانا في تمييزهم عما سواهم من الجماعات الدينية المسيحية البروتستانتية الأخرى من كلمة «الفرندز». عدد أبناء هذه الجماعة أو الطائفة في بلدان الشام قليل منذ أن بدأ التبشير البروتستانتي فيها، بالنسبة لعدد أبناء طائفتهم الأم، الطائفة البروتستانتية. تركز هذه الطائفة على التربية والتعليم. ومن أشهر مدارسها في هذه البلدان ثانوية برمّانا في لبنان، ومدرسة «الفرندز» برام الله في فلسطين، وهي الأعرق. ومن مشاهير الساسة من خريجيها حنان شعراوي. ومن مشاهير الثقافة من خريجيها من غير المسيحيين المثقف هشام شرابي لكنه درس فيها المرحلة الابتدائية فقط. مشكلة هذا الاحتمال أنه لم يمض زمن طويل على نشر دراسته في مجلة «الأبحاث» التي عاب فيها على أحمد كمال قوله بقرب زوال الحضارة الغربية لكي ينسى ما عابه عليه. فدراسته (الحركة ، وهو أعير من الجامعة الأميركية 1950 اللاسامية في التاريخ) منشورة في تلك المجلة آخر عام ببيروت للتدريس لمدة عام واحد في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس ما بين أوائـل الستينات .1964 ، أو بالكثير عام 1963 الميلادية ومنتصفها. أي عام الاحتمال الثاني، أنه قال في نفسه ما قال أثناء كتابته لسيرته الذاتية الثانية «قبل أن أنسى» ، ولم يقله بعد سماعه قصتي هاريت وباربرا العائليتين. أي قاله 1979 التي صدرت في طبعتها عام بعد أن أبحر في السبعينات من عمره. فكونه «صاحبياً» ومن جماعة دينية يعدون أنفسهم أنهم لا يقولون إل صدقاً، لا يعني أنه كان صادقا بقوله، بأنه قالها بعد سماعه لقصتي الفتاتين الأميركيتين العائليتين. خذوا هذا الشاهد والبيّنة الكبرى من تلك السيرة أنه أحيانا لا يكون صادقا فيما يرويه عن نفسه: «وأدهى من ذلك كله قصة شرب الخمرة حتى الثمالة. وردتني وريقة أخرى: تفضل بمقابلة العميد. وبعد أن جلست قــال: أخبرني مخبّر أنـك تشرب الخمرة حتى السكر. فأجفلت إذ كانت انتفاضة غضب لا عهد للعميد بمثلها. قلت فورا وبغضب: إن مخبّرك كذاب وواش حقير! فانتفض هو وقال: خفّف من حدتك يا أستاذ. وعوضا عن أخفّف من حدتي كررت القول وبصوت مرتفع: إن مخبرك كذاب وواش دنيء وأربأ بك أن تصغي إلى كلام الواشي الحقير. وهممت بالخروج. قال: اجلس. وأخبرته أني أنتمي إلى طائفة «الفرندز»، والخمرة عندهم حرام، وتحريمها صارم. إن أبي يرفض رفضا باتا أن تدخل الخمرة بيتنا. وأنت تعرف الطائفة، وأنا متمسك بتعاليمها. وتابعت: خل عنك الـوازع الديني، فها أنا مصدقك القول بأن جسمي وجهاز الهضم فيه لا يقبلان الكحول إطلاقاً. فإنني إذا شربت ملء كشتبان، أشعر بـدوار يعقبه وجع رأس مؤلم. أنا لا أشـرب الخمرة إطلاقا لا خوفا منك، ولا بسبب وازع ديني. جسمي لا يقبل الكحول إطلاقاً. هل لي أن أعرف هذا المخبر الكريم؟» هذا العميد الصارم الذي صرّح أنيس فريحة بأنه لا يحبه كثيراً، لا يذكره إلا باسمه الأخير: نيكولي. هذا العميد هو عميد كلية الآداب والعلوم في الجامعة الأميركية. واسمه الكامل إدوارد ). اكتفاؤه باسمه الأخير ليس 1937 إلى عام وفاته في 1924 فردريك كينولي. (تولى العمادة من عام سببه أنه لا يحبه كثيراً، فكذلك كان يفعل مع المستشرق بيارد دودج، رئيس الجامعة الأميركية )، فكان يكتفي بذكر اسمه الأخـيـر: دودج مسبوقا بكلمة «الـرئـيـس». وأظنه يحبه 1948 - 1923( كثيراً. فهو الذي فكّر بتأسيس كرسي للدراسات السامية يكون تابعا للدائرة العربية في الجامعة. ولما علم من أساتذته أنه تعلّم السريانية والعبرية على حسابه الخاص، اختاره ليكون هو المبتعث الأول للحصول على درجـــة الماجستير فـي الـسـامـيـات مـن معهد الـــدراســـات الشرقية فـي جامعة شيكاغو. ودعم بعد حصوله على درجة الماجستير من هذه الجامعة ابتعاثه إلى جامعة توبنغن في ألمانيا ليتعمق أكثر في دراسة التخصص في اللغات السامية على مستوى الماجستير. العميد إدوارد نيكولي شديد التدين. وتدينه الشديد أفضى به إلى أن يتجسس على أعضاء هيئة التدريس خــارج أســوار الجامعة. يقول أنيس فريحة: «كــان نيكولي يتخفّى بـزيّــه، ويضع نظارات سـوداء، ويدور مرة بعد أخرى، على المقاهي وعلى علب الليل». وبالإضافة إلى ذلك فتح بابا لكتابة تقارير له حول ما يعده هو «عيوبا مسلكية» لأولئك الأعضاء خارج الجامعة، تحفظ في سجلاتهم الجامعية! تلك الحكاية مع العميد نيكولي التي رواها أنيس فريحة حصلت بعد عودته من دراسته في ألمانيا، وكان أستاذا في الجامعة بدرجة ماجستير. في مرافعته أمـام عميد كلية الآداب والعلوم، إدوارد نيكولي، تذكروا أنـه لم يقل أنـه يشرب الخمرة باعتدال، بل نفى نفيا قاطعا أنه يشربها، مرة لأنه ملتزم بتعاليم طائفته التي تحرّم شربها تحريما باتاً، ومرّة لعلّة بدنية! قبل أن تحدث هذه الحكاية، وقبل أن يرويها في سيرته، روى ما حصل له في الباخرة التي استقلها من بيروت إلى أميركا. كانت من محطات توقفها توقف في إسطنبول. «صعدت فتاتان، تركية جميلة، وأرمنية قصيرة القامة، بخلت عليها آلهة الجمال فلم تهبها شيئا من عطائها. وكانتا قد احتجزتا غرفة قريبة من غرفتنا (شريكه بالغرفة كان صديقه نجيب ضومط). وكانتا تقصدان أميركا مثلنا لمتابعة الدرس في جامعة كولومبيا. وقد رحبنا برفيقتي السفرة الطويلة». محطة التوقف التالية ميناء كونستانزا في رومانيا. أخبروهم بعد أن وصلت الباخرة إليه، بأن الباخرة ستبقى يومين في هذا الميناء، فمن شاء أن يذهب إلى العاصمة بوخارست فليذهب. فريحة وضومط والتركية الحسناء والأرمنية التركية قصيرة القامة زاروا بوخارست معاً. يقول فريحة عن هذه الزيارة: «وتجولنا أكثر من مرة في أسواق المدينة، وشربنا بصحبة الفتاتين التركيتين خمرة رومانية!». في أثناء دراسته في جامعة شيكاغو للحصول على درجة الماجستير، وبعد أن روى الحكاية مع العميد نيكولي قال: «وذات ليلة دعاني بعض الأصحاب إلى شرب كأس من الخمر في حانة قريبة». في أثناء هـذه الـدراسـة دعته نانسي سمسون خطيبة صديقه ويـز إلـى ضيافتها لأيــام في مزرعة أبيها في ولاية داكوتا. قال عن إحدى الوجبات التي تناولها في مزرعة أبيها: «ثم الغداء الثاني. وكان خنزيرا بكامله مشويا في الفرن، والدهن ينقط منه. وخمر، ومعجن من البطاطا، وآخر معكرونة، وينتهي بالكعك والقهوة والقشطة». ولم ينبّه أنه لم يشرب من الخمر في هذه الوجبة، نظرا لكونه «صاحبياً!» وبــعــد عــودتــه مـــرة ثـانـيـة إلـــى جـامـعـة شـيـكـاغـو لـلـحـصـول مـنـهـا عـلـى درجــــة الـــدكـــتـــوراه في تخصصه في الساميات. أخبرنا بما حصل بعد حصوله عليها: «وعلم الأصحاب أني نلت شهادة الدكتوراه بعد ظهر ذلك اليوم. ولماذا لم تدعنا؟ وأجمعوا على أن يقيموا لي حفلة في حانة، نشرب فيها الخمرة احتفاء بالحدث». وحين حل على جامعة كاليفورنيا - لوس أنجليس أستاذا زائراً، لما فاتحته تلميذته هاریت باركلي أن صديقتها باربرا ترغب في التعرف عليه، رحّب برغبتها هذه للتعرف عليه، ودعاهما إلى أن تشربا معه قنينة ويسكي في شقته! وللحديث بقية. فهد سليمان الشقيران علي العميم عادل درويش OPINION الرأي 14 «الصاحبي» أنيس فريحة المثقف والمجتمع وروح الدعابة عاصفة إبستين تخيّم على «داوننغ ستريت»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky