issue17239

الموت ليس موضوعا لنقاش أو جدال. كل نقاش أو جدال يتوقَّف بالتسليم بأن الموت حقٌّ، ولا يُستثنى منه أحدٌ، حتى الرُّسل والأنبياء. وحين يأتي موعدُه، في أي شكل أو لحظة زمنية، يكون موتا ولا غير. الـــجـــدال والــخــصــام والــنــقــاش لا يـحـدثـه المــــوتُ، بل الكيفية التي حـدث بها. ومـــوت سيف الإســـام القذافي مــؤخــرا مــقــتــولا فــي بـقـعـة نـائـيـة، وحـــيـــداً، يـضـع نـهـايـة تراجيدية لخمسة عشر عاما من حياة مُسورّة بالخوف مـــن المــــوت قـــتـــاً، وفـــي الـــوقـــت ذاتــــه يـفـتـح الأبــــــواب أمـــام الأسئلة. مسلسل القتل والاغــتــيــالات فـي الـبـاد لـن يتوقف بمقتله. والـــوصـــول إلـــى منطقة أمــــان؛ حـيـث لا يخشى فـيـهـا ســيــاســي أو قـــائـــد عــســكــري فـــي لـيـبـيـا مـــن المـــوت بالرصاص، أو بقذيفة، أو بقنبلة مدسوسة في فراشه، أو في سيارته، أو بسقوط طائرة، لا يزال صعباً. في خضم الفوضى الضاربة أطنابها في كل ليبيا نتيجة غياب حكم القانون، يظل الرصاص هو الحَكم. والذين أصدروا الأمر باغتيال سيف الإسلام لا يجهلون هذه الحقيقة، بل يتوقعونها لأنفسهم، كما عاش سيف يتوقّعها، وتمكن من تفاديها خمسة عشر عاماً. يـوم الخميس المـاضـي، تابع الليبيون عبر مواقع الـتـواصـل الاجـتـمـاعـي ووســائــل الإعـــام أحـــداث وصـول جــثــمــان ســيــف الإســـــام إلــــى مـنـطـقـة بــنــي ولــيــد لـيُــدفـن فيها. وكان أهله وأقرباؤه وأنصاره يريدون إتمام دفن جثمانه في مدينة سـرت، موطن قبيلة القذاذفة، إلا أن السلطات في حكومة بنغازي وضعت أمامهم شروطا رفضوا قبولها، ولم يكن متاحا أمامهم سوى بني وليد. وفــي الـيـوم الـتـالـي -الجمعة- تمت مـراسـم الـدفـن وسط حشود كبيرة جاءت من مختلف أنحاء البلاد. عقب إعـان الوفاة رسميا من مكتب النائب العام، ووصــــول الـجـثـمـان يـــوم الـخـمـيـس إلـــى مستشفى بني وليد، طالب مواطنون وأقارب سيف بفتح الكفن والتأكد من كونه ليس فارغاً. ولـم تستجب السلطات لمطلبهم، وبــدلا من ذلـك، ولطمأنتهم، اختارت مجموعة صغيرة من الفقهاء والأعيان للقيام بمهمَّة التأكد. ورغم تأكيد المجموعة المـخـتـارة برؤيتهم وتـأكـدهـم مـن الجثة، فـإن أغلبية الحاضرين من المواطنين أصرُّوا على فتح الكفن لهم ورؤية الجثة. إل أن السلطات تخندقت في موقفها ومنعتهم. هذا المشهد يوضح أن الحقيقة في ليبيا أصبحت سلعة نـــادرة، لدرجة أن المــوت نفسه يحتاج إلـى «دليل بـصـري» شعبي لـيُــصـدَّق. الأمـــر الـــذي يعكس أزمـــة ثقة عميقة جعلت الناس لا يصدقون الحكومات، ولا الفقهاء والأعيان. مــن المــفــارقــات الأخــــرى الــتــي حــدثــت أن عملية الاغتيال تمت، في وقت كان فيه رئيسا الحكومتين في طرابلس وبنغازي خارج البلاد؛ رئيس حكومة طرابلس عبد الحميد الدبيبة كـان في رحلة علاج بألمانيا، ورئيس حكومة بنغازي أسامة حمّاد كان في زيــارة رسمية لباكستان. ولـم يكلف أي منهما نفسَه مشقة العودة إلى البلاد، رغم خطورة وأهمية الحدث. ومن الإنصاف القول إن حكومة طرابلس لم تضع أي شروط على أهل الميت وأقاربه فيما يتعلق بالدفن أو مراسم مأتم العزاء. الآن، وبعد اغتيال سيف الإسلام، يمكن القول بثقة إن جـمـاعـة الـخـضـر (أنــصــار الـنـظـام الـسـابـق) أضـحـت، وربــمــا لا نـبـالـغ إذا قـلـنـا هــــذا، جــســدا بــا رأس. وأنّــهــا -في رأيـي- عاجزة عن إفـراز من يملأ مكانه، ومصيرها التشتت والاندثار. فسيف الإسلام، من دون بقية إخوته الأحــيــاء كــان هـو مـن تكفَّل بـرفـع الــرايــة بعد سقوطها، ومواصلة الطريق عقب انهيار النظام ومقتل أبيه. السؤال هنا يتمحور حول مَن أصدر الأمر باغتيال سيف الإسلام، ومن كان متواطئا في هذه العملية؟ ولذا نحن فـي انتظار حـل هــذا اللغز. لكن مـن المـهـم الإشـــارة إلــى أنــه لا أحــد فـي الـسـابـق مـن المـتـورطـن فـي عمليات اغتيال تعرض للاعتقال أو المثول أمام القضاء ونيل ما يستحق من عقاب. وهـذا يُفضي إلـى استنتاج بـأن من يقفون وراء عملية اغتيال سيف الإسلام سيكونون في مأمن من العقاب القضائي. عـمـلـيـة الاغـــتـــيـــال قــوبــلــت بــاهــتــمــام شـعـبـي لـفـتـرة قـصـيـرة مـــن الـــوقـــت مـــن المـــواطـــنـــن، ثـــم ســـرعـــان مـــا عـاد الليبيون بعدها إلى طريق الآلام في معاناتهم الحياتية الـــيـــومـــيـــة، مــــن خــــــال الـــــعـــــودة إلــــــى الالــــتــــحــــاق مـــجـــددا بــالــطــوابــيــر؛ إمـــا فـــي المـــصـــارف وإمــــا فـــي مـحـطـات بيع الوقود والـغـاز، وإمـا في غيرها من الطوابير العديدة، آخرها طوابير زيت الطهي، التي صارت سمة من سمات الحياة فـي الـبـاد. لـذا أنصح المواطنين بزيت الزيتون الوليدي الرائع؛ أعني زيتون بني وليد البعلي. تـمـر الــعــاقــات فــي «الـبـيـت الــغــربــي»، وتـحـديـدا الأطــلــســي، بـــن الـــولايـــات المــتــحــدة مـــن جـهـة والــــدول الأوروبــيــة الغربية، بشكل عــام، مـن جهة أخـــرى، في مرحلة يمكن وصفها بالتوتر الناتج عن خلافات في الــرؤيــة الاستراتيجية للنظام الـعـالمـي الـــذي هـو في صدد التبلور: نظام ما بعد انتهاء ما عرف بـ«لحظة الأحادية الأميركية»، خصوصا مع إدارة ترمب التي تـعـتـنـق عــقــيــدة اســتــراتــيــجــيــة تـــقـــوم عــلــى الأحـــاديـــة الحادة، ومنطق دبلوماسية الصفقات، على حساب مـا يفترض أن تـكـون رؤيـــة غربية أطلسية مشتركة لــأولــويــات والــتــحــديــات الــدولــيــة، وكـيـفـيـة التعامل معها. حرب أوكرانيا المستمرة، ولو بدرجات مختلفة من الحدة، كشفت عن هذا الاختلاف، فرغم الأولوية الاستراتيجية لـهـذه الـحـرب مـن المـنـظـور الأوروبــــي، إذ تقع فـي «المـسـرح الأوروبــــي»، فـإن موقف الحليف الاســتــراتــيــجــي الأمــيــركــي جـــاء صـــادمـــا، كــونــه اتـجـه لاعـتـنـاق سـيـاسـة بـراغـمـاتـيـة لـلـتـوصـل إلـــى تسوية سلمية مع الجار الروسي، مظهرا أساسا أن أوكرانيا لا تـــحـــظـــى بــــأولــــويــــة فــــي الأهـــــــــداف الاســـتـــراتـــيـــجـــيـــة الأميركية. وإذا كانت الوقائع والمعطيات الموضوعية تذكر الأوروبـــيـــن بـأنـهـم غـيـر قــادريــن عـلـى الاســتــمــرار في توفير كل أوجـه الدعم المطلوب والمتزايد لأوكرانيا، لـعـدم الانـكـسـار أو الاسـتـنـزاف الكلي أمـــام موسكو، دون الـدعـم الأمـيـركـي، فــإن الـرسـالـة الأميركية كانت واضحة فيما يتعلق بحدود الدعم وسقفه السياسي، والتوجه نحو العمل لبلورة تسوية، دون أن يشارك في صياغتها الحليف الأوروبـــي في البيت الغربي. من أهم دروس هذه الحرب المستمرة وكيفية وقفها، اختلاف الأولويات في قضايا استراتيجية أساسية بين واشنطن والأوروبيين. أزمـــــة أمــيــركــيــة أوروبــــيــــة أقـــــوى انـــفـــجـــرت حــول جزيرة غرينلاند التي هي ضمن السيادة الدنماركية، وذات الأهـــمـــيـــة الاســتــراتــيــجــيــة فـــي مـنـطـقـة الـقـطـب الـشـمـالـي، مــع مـطـالـبـة واشـنـطـن بــالاســتــحــواذ على ، وتمت 1946 هـــذه الــجــزيــرة. وقـــد حــاولــت ذلـــك عـــام 1951 تسوية المسألة حينذاك عبر اتفاق دفاعي عام مع الدنمارك يسمح لواشنطن بأن تكون لها قواعد عسكرية مختلفة في الجزيرة. الاتفاق حول غرينلاند الـذي تم التوصل إليه، ومن غير المؤكد أنه سيطوي صفحة الأزمـة بين واشنطن وحلفائها، قوامه التزام الحلف الأطلسي بالدفاع عن القطب الشمالي وإجراء مــفــاوضــات بــن الـــولايـــات المـتـحـدة والــدنــمــارك حـول غـريـنـانـد لـلـتـوصـل إلـــى صـيـغـة جـــديـــدة حـــول هـذه المسألة العائدة بقوة مع ترمب. البعض يعد أن هذه التسوية بمثابة عملية شـــراء وقــت مـا دام الرئيس الأميركي متمسكا بموقفه. وقد يتم إقناعه بصيغة مـتـطـورة مــن حـيـث الامــتــيــازات الـعـسـكـريـة والأمـنـيـة لواشنطن عـن تلك القائمة حالياً، ليتراجع عـن هذا الموقف، فكل السيناريوهات ممكنة. مـــؤتـــمـــر دافـــــــوس الأخــــيــــر عـــكـــس بــشــكــل واضــــح الـخـافـات فـي البيت الغربي الأطـلـسـي. خـافـات في الــــرؤى والأولـــويـــات ولـيـسـت خــافــات ثـانـويـة يمكن احتواؤها بسهولة أو بإظهار بعض المرونة من هذا الــطــرف أو ذاك. تـرمـب ركـــز عـلـى منطق الــقــوة وعقد الــصــفــقــات الـثـنـائـيـة عــلــى حــســاب الـــتـــعـــاون المـتـعـدد الأطــــــراف، خـصـوصـا فـــي «الــبــيــت الــغــربــي الـــواحـــد»، البيت الآخذ في التفكك. رئــيــس وزراء كـــنـــدا، الـــدولـــة الـــجـــارة والـحـلـيـفـة التاريخية لواشنطن، دعــا إلــى تعزيز واستنهاض دور «الــــقــــوى المـــتـــوســـطـــة» والـــتـــعـــاون فــيــمــا بـيـنـهـا. ويــحــاول بـذلـك تقديم رؤيـــة جـديـدة لإدارة العلاقات الدولية في نظام دولـي ما زال، كما أشـرنـا، في دور التشكل. رئيسة المفوضية الأوروبية صرخت في دافوس: «عاشت أوروبـــا»، بما يحمله هـذا الشعار من دعوة لـــدور جـديـد، فـي لحظة تعيش فيها أوروبــــا أزمــات داخـــلـــيـــة مـــتـــعـــددة الأوجــــــه والأبــــعــــاد فـــي الـسـيـاسـة والاجتماع والاقتصاد. وتتعرض كل يوم لتهديدات بحرب اقتصادية من الحليف الأميركي، فيما نجحت مــؤخــرا فــي تحقيق إنــجــاز اقــتــصــادي اسـتـراتـيـجـي كبير على الصعيد الدولي، من خلال توقيع اتفاقية تــــعــــاون تــــجــــاري مــــع مـــجـــمـــوعـــة «المـــــركـــــوســـــور» فـي أميركا الجنوبية. اتفاقية ذات أبـعـاد استراتيجية اقتصادية وتجارية كبيرة، نظرا للثقل الديمغرافي والاقــــتــــصــــادي والـــجـــغـــرافـــي الــــــذي يــشــكــلــه الـــطـــرف الأميركي الجنوبي. تطورات في أشكالها وأبعادها المختلفة تحمل مـــؤشـــرات، وتـشـكـل سـمـات للنظام الــدولــي الـجـديـد، الذي هو في طور التبلور. في المراحل الانتقاليّة الكبرى، حيث الأمــــور لا تـسـتـقـر عـلـى حـــال، والـغـمـوض والقلق سيّدا المواقف، وحيث يبدو العقل عاجزا عن التعقّل، منشدها بتلك الخلائط الغريبة والمستغرَبة المنتشرة في الأمكنة جميعاً، تشيع ميول طالعة من الخرافة، أو من الزيف، مثلما يكثر الزاعمون أنّهم يستطيعون رؤية ما لا يُرى. والأديــــــان، وهـــي تـــحـــوّلات كـبـرى في التاريخ وأطواره، لم تقتصد في التحذير من هذه الظاهرات. فمع «العهد الجديد»، في المسيحيّة، نبّه المسيح تلاميذه ورُسله غير مـرّة من الأنبياء الكذبة ومن المسيح الـــدجّـــال، وكـثـيـرا مــا حـــض المـؤمـنـن على اليقظة حيال أغراضهم ونواياهم. فهؤلاء يــوصــلــون إلــــى الــبــشــر رســـالـــة لــيــس الـلـه مـصـدرهـا، بــل تـتـعـارض مــع توجيهاته. أمّــــــا الـــرســـالـــة تـــلـــك، وإن خـــاطـــبـــت رغــبــة وشغفا إنسانيّين، فـإن ما ينجم عنها لا يعدو كونه «ثمارا فاسدة». وقبل المسيحيّة، روى «سِفر الملوك» قصّة يصف فيها النبي ميخا الله وهو يــســأل مــرشــديــن ســـمـــاويّـــن عــمّــا ينبغي فـعـلـه بـمـجـلـس الأنــبــيــاء الــكــذبــة. ذاك أن «زمـــــــن الــــقــــضــــاة» ذاك اشـــتُـــهـــر بــفــوضــى روحــــيّــــة تــــرك الـــشـــعـــب فــيــهــا يـــهـــوه وراح يـنـاشـد الأوثــــان ويـتـعـلّــق بـهـا، مثله مثل الشعوب الوثنيّة المجاورة. وبـعـد المسيحيّة، مـع الإســــام، حيل دون الـــنـــبـــوءات الــزائــفــة وأصــحــابــهــا، إذ النبي محمّد خاتم الأنبياء. هكذا وُصف مُسيلمة بــــ«الـــكـــذّاب»، وحـظـي بـأوصـاف مشابهة أولئك الكثيرون الذين شاركوه مزاعمه إبّان «حروب الردّة». وشــــهــــد تــــاريــــخ ســــائــــر الـــحـــضـــارات ظـــــاهـــــرات كــــهــــذه. فـــفـــي فـــلـــورنـــســـا الـــقـــرن الـــــــســـــــادس عــــشــــر مــــــثــــــاً، ظــــهــــر الـــــراهـــــب الـدومـيـنـيـكـانـي جــيــرولامــو ســافــونــارولا الـــــــذي وقــــعــــت المـــديـــنـــة فــــي قــبــضــتــه بـعـد طــــرد آل مــديــتــشــي مــنــهــا، وهــــم صـانـعـو نهضتها العظيمة. وأعـلـن سـافـونـارولا نفسه رســــولا مــن الـلـه فيما أراد تحويل المدينة إلـى «أورشليم الجديدة»، مُحرقا و«مــطــهّــرا بــالــنــار» الـكـتـب والمـخـطـوطـات والـــــرســـــوم والمــــجــــوهــــرات وكــــــل الأشـــيـــاء الـثـمـيـنـة الــتــي افــتــرض أنّــهــا تـشـي بعتو أصحابها وتكبّرهم. وفـي عهد السلطنة العثمانيّة ظهر ســـابـــاتـــاي زيــــفــــي، خـــــال الــــقــــرن الــســابــع عـشـر، مـدّعـيـا أنّـــه المـسـيـح، قبل أن يدّعي اعتناق الإسلام. أمّا جماعة الدونمة التي اتّبعته فتزامنت نشأتها مع أوقات حرجة كــانــت تــمــر بـهـا الـــدولـــة الـعـثـمـانـيـة، ومـع محاكم التفتيش واضـطـهـاد الـيـهـود في أوروبـــا، وهـو ما أشـاع بينهم فكرة قدوم «المسيح المنتظر». وكما نعلم، صار زيفي والـدونـمـة مـن أبـطـال اللاساميّة العربيّة والإســـامـــيّـــة المـــســـتـــجـــدّة، ومــــن ثــــم مــــادّة دسمة لنظريّات المؤامرة. كــذلــك فـــي روســـيـــا، حـــن كـــان العهد القيصري يتداعى، أعلن نفسه الصوفي الدجّال غريغوري راسبوتين رجلا مقدّسا وانــــــــدس فــــي عـــائـــلـــة رومـــــانـــــوف بـوصـفـه الــطــبــيــب الــــــذي يــنــقــذ الـــطـــفـــل ألــيــكــســس، نجلها ووريثها، المصاب بالناعور. وهـــذه مـا هـي إلا عـيّــنـات قليلة عمّا تفعله الأزمنة المجنونة بالبشر وبالعقل. وثمّة اليوم غير سبب للقول إنّنا في زمن مــجــنــون. فـــالانـــتـــظـــارات، بـــالـــبـــريء منها والمـــصـــنـــوع، تــصــطــدم بـــعـــوالـــم غــرائــبــيّــة كــعــالــم إيـــلـــون مـــاســـك وزمـــائـــه مـــن روّاد التقنيّة العليا، فما إن تتراجع الدهشة قـــلـــيـــا حــــتّــــى يــــلــــوح عــــالــــم آخــــــــر، وسِـــــخ وعـــنـــصـــري ومــنــتــفــخ الــــذكــــوريّــــة، يــتــربّــع فــي صــدارتــه جـيـفـري أبـسـتـن وجـزيـرتـه، طـــارحـــا الأســئــلــة حـــول تـــداخـــل الـسـيـاسـة والـــثـــراء والــعــاقــات الــعــامّــة وحــــول صلة الـسـيـاسـة نفسها بـــالأخـــاق. ومـــن مكان ثــــالــــث، هــــو بـــلـــدانـــنـــا، يــنــفــجــر المـــيـــل إلـــى تبرئة الذات وتطهيرها عند مَن يجزمون بــــــــأن أمـــــــــورا كــــهــــذه لا تــــحــــدث «عـــنـــدنـــا» و«فــــي ثـقـافـتـنـا الأصـــيـــلـــة»، وأن «الــغــرب الرأسماليّ» مسرحها الحصريّ. وقـــــبـــــل أن تــــنــــدمــــل الــــــجــــــروح الـــتـــي فتحتها جائحة كورونا مُظهِرة لبشريّة مُعتدّة بقدراتها أنّها هشّة، وأنّها تتعولم فــي هـشـاشـتـهـا بــأســرع مــمّــا تـتـعـولـم في عـــنـــاصـــر قـــوّتـــهـــا، يـــــــزداد ضــعــفــنــا حــيــال فــــرز الـحـقـيـقـة عـــن نـقـائـضـهـا. فـبـعـد «مــا بعد الحقيقة» المدجّجة بطاقة التواصل الاجـتـمـاعـي فــي تـزيـيـف الـحـقـائـق، تأتي ثورة الذكاء الاصطناعي فتضاعف، رغم كل فضائلها، ذاك الضعف، وتكرّس القلق المــتــراكــم والمـــزمـــن حــيــال انـعـكـاس الـتـقـدّم الـعـلـمـي عـلـى الـبـشـر ثــــراء وســـعـــادةً. وإذ يـقـال لـنـا بـكـثـرة وبـــإفـــراط إن الـتـنـويـر لم يــنــوّر والــحــداثــة لــم تــحــدّث، ومـــع مسائل الـــهـــويّـــة الـجـنـسـيّــة المـتـفـاقـمـة والمُــبــلــبِــلــة، تعتاش أخـبـار الـعـالـم على «الفضيحة» و«الصفقة» والاعتداد بتعابير عنصريّة فـظّــة ومــشــاريــع بـيـولـوجـيّــة مـزعـومـة عن تـحـسـن الــنــســل. وفــيــمــا الـــفـــرد المـعـاصـر يــــغــــرق فـــــي عــــزلــــتــــه، تـــجـــثـــم عــــلــــى صــــدر الـكـون صـور قياميّة عـن المـجـازر فـي غـزّة والـــســـودان وســواهــمــا، وتُــعـلـمـنـا الأرقــــام أن قـتـلـى الــحــرب الــروســيّــة – الأوكــرانــيّــة وضــحــايــاهــا بـــاتـــوا يــقــاربــون المـلـيـونـن. وإذ يتبدّى عجز البشر حيال بيئة تهدّد مــســاحــات هــائــلــة الــضــخــامــة بـالـتـصـحّــر واستحالة الحياة، تعود أوروبا، جوهرة الــــعــــالــــم، إلــــــى الـــتـــســـلّـــح والإنــــــفــــــاق عـلـى الجيوش بعدما ظُن لعقود أنّها طوت تلك الصفحة وغدت واحة للسلام. ومع انتهاء مفاعيل «نيو ستارت»، آخر ما تبقّى من مــعــاهــدات نــوويّــة بــن الـــولايـــات المـتّــحـدة وروســـيـــا، تــعــود إلـــى الـــصـــدارة المــخــاوف المشروعة من سباق تسلّح مفتوح. فنحن بالتالي أمام قفزات هائلة إلى الـوراء تخترق القفزات الهائلة إلى الأمام وتـتـحـدّاهـا، وأمـــام حقبة انتقاليّة تسير متثاقلة نحو مجهول لا تزعم القدرة على فك أحاجيه إلا نظريّات المؤامرة. والـنـفـق يـبـدو طــويــاً، ولا يـلـوح في آخر النفق بصيص. والعالم اليوم هكذا، ينتظر الأنبياء الكذبة والدجّالين من كل صنف يهطلون عليه. OPINION الرأي 12 Issue 17239 - العدد Sunday - 2026/2/8 الأحد اشتداد الخلافات في «البيت الغربي»... اليوم التالي ليبيا... دُفن سيف وبقيت طوابير المعاناة في انتظار «الأنبياء الكذبة»! وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة ناصيف حتي جمعة بوكليب

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky