issue17238

11 حــصــاد الأســبـوع ANALYSIS قالوا ASHARQ AL-AWSAT Issue 17238 - العدد Saturday - 2026/2/7 السبت «اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي تـــغـــطـــي «اتــــفــــاقــــيــــة الـــــتـــــجـــــارة الــــحــــرة» في المائة 25 الأوروبية - الهندية ما يقرب من مــن الـنـاتـج المـحـلـي الإجــمــالــي عـلـى مستوى العالم، وتربط سوقا يبلغ تعدادها ملياري نـسـمـة، ولــــذا يـعـدهـا خــبــراء أكــثــر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية. وفــــي أعـــقـــاب مـــا يـــقـــرب مـــن عــقــديــن من المــــفــــاوضــــات المـــتـــعـــثـــرة، تـــعـــكـــس الاتـــفـــاقـــيـــة تغيّرات لافتة في الـواقـع العالمي؛ إذ أسفرت اضــــطــــرابــــات ســـاســـل الــــتــــوريــــد، والمــنــافــســة المـــحـــتـــدمـــة بـــــن الـــــقـــــوى الـــعـــظـــمـــى، وتــــزايــــد الـنـزعـة الـقـومـيـة الاقــتــصــاديــة، عــن اضــطــرار الاقـــتـــصـــادات الــكــبــرى إلـــى إعـــــادة الـنـظـر في شراكاتها التقليدية. فـي ظـل هـذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نـــشـــوء مـــحـــوَر جـــديـــد لــلــتــعــاون الاقــتــصــادي والاستراتيجي. وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نــائــب رئــيــس مـؤسـسـة «أوبــــزرفــــر» البحثية )، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشـارة ORF( اسـتـراتـيـجـيـة مـهـمـة إلـــى واشــنــطــن، ويشير إلـــــى أن الـــشـــركـــاء المــتــشــابــهــن فــــي الـتـفـكـيـر والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلــــى الأســــــــواق، بـــل تــتّــصــل أيـــضـــا بـالـسـلـطـة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد. ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟ يعتقد عـدد من المحللين أن السياسات الـتـجـاريـة الأمـيـركـيـة الأخــيــرة، مـع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دورا حاسما فــي تـسـريـع الـتـفـاهـم بــن الاتـــحـــاد الأوروبــــي والـهـنـد؛ إذ واجــهــت الـهـنـد رســومــا جمركية بـــاهـــظـــة وضـــغـــوطـــا ســيــاســيــة مــســتــمــرة مـن جانب واشنطن. وعـــــلـــــى مـــــــــدار الـــــعـــــام المــــــاضــــــي، انـــتـــقـــد تـرمـب ومـسـاعـدوه نيودلهي مـــرارا وتــكــراراً، مــســتــخــدمــن الـــقـــيـــود الـــتـــجـــاريـــة والـــخـــطـــاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مـــواتـــيـــة لـــلـــمـــصـــالـــح الأمــــيــــركــــيــــة. ووُصــــفــــت الـهـنـد بـأنـهـا غـيـر جــديــرة بـالـثـقـة، وغامضة اسـتـراتـيـجـيـا، ومــقــرّبــة بـــصـــورة مـفـرطـة من مـوسـكـو. بـيـد أن نـيـودلـهـي فضلت سياسة ضــبــط الــنــفــس بــــدلا مـــن المـــواجـــهـــة، وعــوضــا عـن الانـخـراط فـي تصعيد خطابي، اختارت بـهـدوء تعزيز شــراكــات بـديـلـة، ووسّــعــت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين. الـــجـــديـــر بـــالـــذكـــر هـــنـــا أنــــــه ظـــهـــر نـمـط أميركي مماثل فـي تجربة كندا الأخـيـرة؛ إذ عـنـدمـا تـحـرّكـت سـلـطـات أوتـــــاوا نـحـو إبـــرام اتفاقية تجارية مع الصين، حـذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتد بها - من إمكانية فرض في المائة على 100 رسوم جمركية تصل إلى الـصـادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المــــشــــاركــــة الاقـــتـــصـــاديـــة الأعــــمــــق مــــع بــكــن. ويبدو أن هـذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة. أوروبــــا أيـضـا وجـــدت نفسها فــي حالة مــــن الـــقـــلـــق المــــتــــزايــــد إزاء الـــعـــجـــز الــــواضــــح على التنبؤ بسلوك واشـنـطـن. وأدّى تكرار الـرئـيـس الأمـيـركـي دونــالــد تـرمـب الـكـام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلـى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الــفــرنــســي إيــمــانــويــل مـــاكـــرون حــــول تـقـاسـم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء الــتــجــاريــة، إلـــى تـعـمـيـق الــشــكــوك الأوروبـــيـــة بشأن موثوقية الولايات المتحدة. ولــم يطل الـوقـت حتى انضمت ألمانيا، الـــتـــي كـــانـــت تــشــعــر بــالــفــعــل بـــالإحـــبـــاط إثــر العقوبات التي أثّـــرت سلبا على مشاريعها فــي مـجـال الـطـاقـة وصـنـاعـة الــســيــارات، إلـى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي. وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، الــتــي تـــواجـــه هـــي الأخـــــرى تــهــديــدات بـفـرض رســــوم جـمـركـيـة عـلـى صـــادراتـــهـــا الــزراعــيــة، بالقلق. هـــــــــذه الـــــضـــــغـــــوط مـــجـــتـــمـــعـــة أســـــفـــــرت عـــــــن إبـــــــطـــــــاء المـــــــفـــــــاوضـــــــات بـــــــن «الاتـــــــحـــــــاد الأوروبــــي» والــولايــات المتحدة، وتـآكـل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع بـــاقـــتـــصـــاد كـــبـــيـــر فـــــي بـــيـــئـــة عـــالمـــيـــة تـفـتـقـر للاستقرار. «قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو» هـــنـــا يــــاحــــظ المـــحـــلّـــل الــجــيــوســيــاســي الــــهــــنــــدي ســــوشــــانــــت ســــاريــــن أن «اتـــفـــاقـــيـــة الــــتــــجــــارة الـــــحـــــرة بـــــن الاتــــــحــــــاد الأوروبـــــــــي تــمــثّــل مــــحــــوّرا جــيــو - 2026 والـــهـــنـــد» لـــعـــام سياسيا حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطبا ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة ) المُــعـاد إحياؤها، 1823( مـونـرو» الأميركية والــــــتــــــي تـــمـــنـــح واشــــنــــطــــن الـــــحـــــق فــــــي مــنــع الـتـدخـل الأوروبــــــي فــي الأمــيــركــتــن. وبـعـيـدا عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخـيـرة الهند فـي الـقـاعـدة الصناعية الدفاعية لــ«الاتـحـاد الأوروبــــــــــــي». وهـــــي تــضــمــن «بـــيـــئـــة مـغـلـقـة» لــلــتــجــارة تـــعـــزل كــلــتــا الـــقـــوتـــن عـــن تـقـلـبـات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي. الجدير بالذكر، هنا، أنـه خـال الأشهر الـقـلـيـلـة المـــاضـــيـــة، أبـــرمـــت الــهــنــد اتــفــاقــيــات تــجــاريــة مـــع كـــل مـــن بـريـطـانـيـا ونـيـوزيـلـنـدا وسـلـطـنـة عُــمــان وعــــدد مــن الـكـتـل الإقليمية الأخـــــرى، فـيـمـا يـشـكّــل تـــحـــوّلا مـتـعـمـدا نحو دبـلـومـاسـيـة تــجــاريــة اسـتـبـاقـيـة، وتـحـاشـي الاعــتــمــاد المــفــرط عـلـى شــريــك دولــــي بعينه. وفــي هــذا الـسـيـاق، مـن المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية مليار دولار أميركي بحلول عام 50 إلى نحو .2030 من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بـــشـــأن اســـتـــمـــرار تـــعـــاون الــهــنــد مـــع روســـيـــا، تـــجـــنّـــبـــت أوروبـــــــــا اتــــخــــاذ تـــدابـــيـــر عــقــابــيــة، مختارة التعامل بإيجابية. ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعد اقتصادها الآن رابع أكـبـر اقـتـصـاد فـي الـعـالـم - لـلـدول الأوروبــيــة إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» فـــي المـــائـــة مـــن الــــصــــادرات الـهـنـديـة 93 نـحـو وصــــولا إلـــى الأســـــواق الأوروبـــيـــة مـعـفـيّــا من الـــرســـوم الــجــمــركــيــة. وفــــي المـــقـــابـــل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية عــلــى الــســلــع الـــفـــاخـــرة، والـــطـــائـــرات، والمــــواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفــاقــا جــديــدة بـالـنـسـبـة لـلـصـانـعـن الـهـنـود، وشـــركـــات الأدويــــــة، ومُــــصــــدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة. مــــع هــــــذا، يــــحــــذّر الــخــبــيــر الاقـــتـــصـــادي بــــيــــســــواجــــيــــت دهـــــــــار مــــــن ضـــــــــــرورة الـــــتـــــزام المـــــصـــــدّريـــــن الــــهــــنــــود بـــمـــعـــايـــيـــر «الاتـــــحـــــاد الأوروبــــــــــي» الـــصـــارمـــة فــــي مـــجـــال الـتـنـظـيـم والاســــتــــدامــــة. ومــــن دون تـحـسـيـنـات كـبـيـرة فــي أنـظـمـة الامــتــثــال، قــد يـظـل الـــوصـــول إلـى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل. وعـــــلـــــى نــــحــــو مـــــمـــــاثـــــل، يــــنــــبّــــه المـــحـــلـــل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة مـــــوازنـــــة الـــهـــنـــد بــــن تــعــمــيــق عـــاقـــاتـــهـــا مـع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مــع واشــنــطــن. وذلــــك لأنـــه ولـــو كـــان التنويع ضــروريــا، فــإن الانـحـيـاز المـفـرط إلــى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة». أوروبا: البقاء والسيادة بالنسبة لأوروبـــا، فـإن الاتفاقية وُلـدت مـن رحــم الــضــرورة؛ إذ أدى انـهـيـار ركائزها الــــثــــاث، أي: الـــطـــاقـــة الـــروســـيـــة الــرخــيــصــة، وضــمــانــات الأمــــن الأمــيــركــيــة، ونــمــو الـسـوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبــي يبحث عـــن ســبــل الـــبـــقـــاء. ومــــع تــوتــر الـــعـــاقـــات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تـلـوح فـي الأفـــق، وفّـــرت الهند الحجم الــازم لـلـحـفـاظ عـلـى الـنـمـو الأوروبـــــــي. وبـالـتـالـي، فـــإنـــهـــاء عـــقـــديـــن مــــن المــــفــــاوضــــات المــتــعــثــرة أتــــاح لأوروبـــــا المـــجـــال لـتـأكـيـد استقلاليتها الاستراتيجية. الــــواقــــع أن ضـــعـــف الاتــــحــــاد الأوروبـــــــي الـعـسـكـري واعــتــمــاده المـسـتـمـر عـلـى «نــاتــو» يظهران بـوضـوح، غير أن «اتفاقية التجارة الـحـرة» تمثل محاولته لإعــادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول. وهـنـا، فـي ضــوء الـتـدابـيـر الاقتصادية الأمــــيــــركــــيــــة الأخــــــيــــــرة، يـــــواجـــــه المــــــصــــــدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبـــــا ربــطــت الــتــجــارة بــالاســتــدامــة؛ إذ مليون يـورو لصندوق المناخ 500 خصّصت في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء. وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سـاريـن إلـى أن «التعجّل الأوروبـــي فـي إبـرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمــر الــذي أضعفه خــروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبــي، والنعرات الشعبوية، وأزمـــــات الــهــجــرة». ويـضـيـف: «فـــي مـواجـهـة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تـتـراجـع أوروبـــــا عــن سـيـاسـة الــقــوة الصلبة وتـعـيـد تـشـكـيـل دورهـــــا عـبـر الـــتـــجـــارة. وفـي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الـكـرة الغربي إلى انـكـفـاء نحو الــداخــل، مـا يُهمش أوروبــــا من النفوذ العالمي». الحرب الروسية - الأوكرانية مـن جـانـب آخـــر، تقع «اتفاقية التجارة الـحـرة» الجديدة فـي قلب جـدل ساخن حول تــمــويــل الـــحـــرب فـــي أوكــــرانــــيــــا. فــلــقــد أثــــارت «الاتــفــاقــيــة» غـضـب واشــنــطــن، الــتــي اتهمت الاتــحــاد الأوروبــــي بــ«الـتـمـويـل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند. مـــع هـــــذا، اخـــتـــار «الاتــــحــــاد الأوروبـــــــي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الـــطـــويـــلـــة الأمــــــد عـــلـــى الامــــتــــثــــال لــلــعــقــوبــات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثـر إبـرام الاتفاقية مـع نيودلهي، قـائـاً: «لقد فرضنا فــي المــائــة على 25 رســومــا جـمـركـيـة بنسبة الهند لشرائها النفط الـروسـي. خمّنوا ماذا حـــدث الأســـبـــوع المـــاضـــي؟ وقّــــع الأوروبـــيـــون اتــفــاقــيــة تــجــاريــة مـــع الــهــنــد. إنــهــم يُــمــولــون الحرب ضد أنفسهم». شراكة أمنية بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعـــادة ترسيم الـحـدود الاقتصادية فحسب، بـل أرســت أيضا «بنية أمنية» جـديـدة تمتد مـن بحر الشمال إلــى المحيط الـهـنـدي. ولقد وقّــــــع طـــرفـــاهـــا الأوروبــــــــــي والــــهــــنــــدي اتـــفـــاق «شـــراكـــة أمــنــيــة ودفـــاعـــيـــة»، يـشـمـل تنسيقا غــــيــــر مــــســــبــــوق لــــلــــمــــســــؤولــــيــــات الـــبـــحـــريـــة والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معا عـلـى حـمـايـة بـعـض المـــمـــرّات الـبـحـريـة الأكـثـر أهمية في العالم. وهـــنـــا، لاحــــظ الـــبـــروفـــســـور هـــــارش في بانت أن «شراكة الأمـن والدفاع تخلق مثلثا جيو - سياسيا جديداً، بحيث تسعى روسيا إلـــــى إبــــقــــاء أوروبــــــــا مــعــتــمــدة عـــلـــى الـــطـــاقـــة، وتضغط الـولايـات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطبا ثالثا للقوة من خلال الهند. وفـــــي الـــحـــقـــيـــقـــة، تُـــضـــفـــي «الاتـــفـــاقـــيـــة» الأوروبية - الهندية طابعا واقعيا على الحرب فـي أوكـرانـيـا باعتبارها متغيرا دائــمــا... ما يخلق نظاما تجاريا عالميا مصمّما للعمل في ظل الصراع بدلا من انتظار حله. ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبـي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحد من إمكانيات الــتــحــوّل الــتــي يـنـطـوي عـلـيـهـا الاتـــفـــاق ما لــــم يـــلـــتـــزم الـــجـــانـــبـــان بـــالـــتـــعـــاون الـعـمـلـي فـــــي مـــــجـــــالات مــــــحــــــدّدة وتــــــبــــــادل حــقــيــقــي للتكنولوجيا. الشرق الأوسط والقرن الأفريقي أمــــا بـالـنـسـبـة لــلــشــرق الأوســــــط، فــإن «الاتــــفــــاقــــيــــة» بــــن «الاتـــــحـــــاد الأوروبــــــــي» والــــهــــنــــد قـــــد تـــســـهـــم فـــــي إعـــــــــادة تـشـكـيـل الـديـنـامـيـات الجيوسياسية عبر الشرق الأوســــــــط وأفـــريـــقـــيـــا. ويـــشـــيـــر مــحــلــلــون، بـــــالـــــذات، إلـــــى أن «الاتـــفـــاقـــيـــة» قــــد تـــعـــزّز مــن مـكـانـة إسـرائـيـل بـاعـتـبـارهـا «حـــارس بـــوابـــة الـبـحـر الأبـــيـــض المـــتـــوســـط»، حيث يـبـرز ميناء حيفا كنقطة عـبـور لمـا يقرب مــن خُــمْــس الـتـجـارة بــن الـهـنـد والاتــحــاد الأوروبـــــــــــــــي. ومـــــــن شـــــــأن هـــــــذا الاعــــتــــمــــاد الاقـتـصـادي المتزايد أن يــؤدي إلـى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل. وحـــــقـــــا يـــــاحـــــظ ســــانــــجــــايــــا بــــــــــارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفــريــقــي، حـيـث تـتـحـالـف الـهـنـد وإسـرائـيـل لمواجهة الـوجـود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بــربــرة، فـي إقليم «أرض الـصـومـال»، ليكون بديلا على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق بــاب المـنـدب. وأيـضـا يُضفي الاتـفـاق الـطـابـع الـرسـمـي عـلـى الـتـعـاون الـبـحـري من خــال الــدوريــات المشتركة فـي إطــار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المـشـتـركـة، وتـوسـيـع نـطـاق المــهــام مــن خليج غينيا إلى مضيق ملقا». ويــضــيــف المــحــلــل الـــهـــنـــدي: «مــــن خــال دمــــــج الإنـــــتـــــاج الــــدفــــاعــــي المــــشــــتــــرك، ودمـــــج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمـامـي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعليا بــمــثــابــة اتــــفــــاق أمـــنـــي بـــحـــري بـــقـــدر مــــا هـو اتــــفــــاق تـــــجـــــاري... بـــانـــيـــا جـــــــدارا بـــحـــريـــا فـي مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني». استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضـــح إشـــارة حتى الآن على عــزم أوروبـــا عـــلـــى «الــــحــــد مــــن المـــخـــاطـــر» المــحــتــمــلــة مـن الصين. فـمـن خـــال تـشـجـيـع نـقـل الإنـــتـــاج من المـــصـــانـــع الــصــيــنــيــة إلـــــى مــــراكــــز الـنـسـيـج والـتـكـنـولـوجـيـا الـهـنـديـة، يـعـمـل «الاتــحــاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تـصـنـيـع مـفـضّــل لـــديـــه... مـــا يـعـنـي تحديا لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية. ومـــن الـنـاحـيـة الاسـتـراتـيـجـيـة، تتيح «الاتـــــفـــــاقـــــيـــــة» لأوروبــــــــــــا تــــنــــويــــع ســـاســـل الــــتــــوريــــد، وتـــقـــلـــيـــل احــــتــــمــــالات الـــتـــعـــرّض لـــــلـــــتـــــوتـــــرات الــــجــــيــــوســــيــــاســــيــــة، وتــــأمــــن القطاعات الحيوية مثل أشـبـاه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء. نظام عالمي ناشئ خــــتــــامــــا، تـــعـــكـــس «اتــــفــــاقــــيــــة الـــتـــجـــارة الــــحــــرة» بـــن «الاتــــحــــاد الأوروبـــــــــي» والــهــنــد تــحــوّلا واضـحـا فـي السياسة الـعـالمـيـة. وفي حــــن تــحــتــفــظ الـــــولايـــــات المـــتـــحـــدة بـتـفـوقـهـا العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الـصـن تـظـل لاعـبـا مـركـزيـا فـإنـهـا تـواجـه مــقــاومــة مـــتـــزايـــدة لـنـمـوذجـهـا الاقـــتـــصـــادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نــحــو الــتــعــدديــة الــقــطــبــيــة، مـــع تــــــوزّع الــقــوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة. رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين ضيفيه أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز) وقّع الاتحاد الأوروبـي والهند أخيرا «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضا ً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورســــولا فــون ديــر لايــن رئيسة المفوضية الأوروبــيــة، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي. بين حسابات واشنطن وطموحات موسكو وبكين نيودلهي: براكريتي غوبتا «أدعــــو الجميع إلـــى دعـــم إخـوانـنـا وأخـواتـنـا فـي أوكـرانـيـا بـالـصـاة؛ ذلك أنهم يواجهون اختبارا عسيرا بسبب عواقب القصف الذي عاد يستهدف من جديد البنية التحتية للطاقة أيـضـا... (وعـالمـيـا) الـوضـع الـحـالـي يتطلب بذل كل ما هو ممكن من أجـل تجنب سباق تسلح جديد، من شأنه أن يهدد السلام بين الدول بقدر أكبر». ليو الرابع عشر - بابا الفاتيكان «فـــــــــــــــــــــي ظــــــــــــــــل تـــــــصـــــــاعـــــــد الاضـــــطـــــرابـــــات، فـــــإن الــتــحــالــف الــــــســــــيــــــاســــــي والاقــــــــتــــــــصــــــــادي والأمـــــنـــــي الــــقــــائــــم بـــــن روســـيـــا والــصــن يشكل عـامـل اسـتـقـرار مهما في العالم حالياً... ونحن مـسـتـعـدون لمــواصــلــة التنسيق الـــوثـــيـــق بـــشـــأن الـــقـــضـــايـــا عـلـى المستويين العالمي والإقليمي». الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «أدعـــــــــــــــو الـــــجـــــمـــــيـــــع إلــــــــــى دعـــــم إخـــــوانـــــنـــــا «مـــوقـــفـــنـــا ثــــابــــت لـجـهـة إجــــــــراء الانــــتــــخــــابــــات الـــنـــيـــابـــيـــة فـي الموعد المحدّد لها، فضلا عن تكثيف الـجـهـود لتثبيت الأمـــن والاسـتـقـرار في الجنوب بعد انسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها واستكمال انـــــتـــــشـــــار الــــجــــيــــش حــــتــــى الـــــحـــــدود الجنوبية الدولية». الرئيس اللبناني جوزيف عون «أدعــــــــــو الـــجـــمـــيـــع إلـــــــى دعـــــــم إخــــوانــــنــــا «موسكو تحافظ على انفتاحها لحل سلمي لـأزمـة الأوكـــرانـــيـــة... وموقفنا واضـــح تمام الــوضــوح، وهــو مفهوم جـيـدا مـن قِــبـل نظام كييف، وكذلك من قِبل المفاوضين الأميركيين الذين يبذلون مساعيهم الحميدة في تنظيم المباحثات (السلمية) الثلاثية، والذين نعرب لهم عن امتناننا على جهودهم». ديميتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور لما يقرب من خُمْس التجارة بين الهند وأوروبا

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky