issue17237.1

كان اغتيال سيف اإلسالم القذافي ضربة موجعة لتيار أنصار الـنـظـام الــسَّــابــق فــي لـيـبـيـا؛ ألن الـــبـــدالء ال يـمـلـكـون اإلجـــمـــاع الــذي حظِي به سيف اإلسالم القذافي بني أنصار أبيه، وحتى بني أولئك الذين كفروا بالربيع العربي وأحداث فبراير، بعد السنني العجاف والفشل في استعادة الدولة وإنهاء الفوضى. قُتل سيف اإلســـ م الـقـذافـي على يـد أربـعـة مسلّحني ملثمني اقـتـحـمـوا مـقـر إقــامــتــه فـــي بــلــدة الــزنــتــان الـجـبـلـيـة، جــنــوب غـربـي العاصمة طرابلس، في بلدة صغيرة ال يغفل أهلُها عن أي غريب يدخلها ويـخـرج منها، مما يـطـرح كثيرًا مـن عــ مــات االستفهام والجدل حول من قتل القذافي؟ مـقـتـل الــقــذافــي االبــــن يـتـطـلَّــب املــســاءلــة ومــبــاشــرة التحقيق الــجــنــائــي لـتـحـقـيـق الـــعـــدالـــة، فـالـقـضـيـة أخــ قــيــة ولــيــســت عملية تنافسية في منهج الظلم، فالشركاء في قتل سيف اإلسالم القذافي كثيرون، وفـق روايـــات متعددة، ملفات ســوداء كـان يــراد التّخلص منها بمقتل القذافي، املشهد الدموي ملقتل سيف اإلسـ م القذافي هـو إعـــدام خــارج الـقـانـون، إال أن الـعـدالـة تتطلَّب محاكمة مَــن قتل القذافي االبن، فالقتل بهذا الشكل مخالف لتعاليم اإلسالم ولجميع القوانني واألعراف. غموض مقتل سيف اإلسالم القذافي، في ظل مطالبات خجولة جدًا ملن يتمسّحون بعباءة العدالة وحقوق اإلنسان، يجعل هؤالء شركاء الصمت في مقتل سيف اإلســ م وفـي مهرجان القتل الذي أقامه هؤالء املجرمون سنني طويلة، مما تسبَّب في انطالق أيديهم في املزيد من القتل وإقـامـة املهرجانات لـه، ما دامــوا في مأمن من العقاب وبهم تحوَّلت ليبيا إلى مكب للجثث. أصـحـاب املصلحة في مقتل سيف اإلســ م القذافي كثيرون، مـنـهـم املـــحـــلـــي، ومــنــهــم الــــدولــــي وحـــتـــى اإلقـلـيـمـي. ولـــعـــل أنــصــار الفوضى وحكم امليليشيات في طرابلس من أوائل أصحاب املصلحة املحليني، باإلضافة إلى خصومه السياسيني، فهو سبق أن ترشح ، لكنَّها أُجلت إلى 2021 لالنتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في تاريخ غير محدد، بسبب اختالفات حول اإلطار الدستوري. وقـــــد كـــــان هــــنــــاك تــــخــــوف دولـــــــي مــــن تــــرشــــح ســـيـــف اإلســـــ م لالنتخابات الرئاسية. ظهر ذلك في تصريحات السفير األميركي الــســابــق ريــتــشــارد نـــورالنـــد، الــــذي هــاجــم سـيـف اإلســـــ م الـقـذافـي ووصف دخولَه السباق االنتخابي بأنه «قنبلة داخل غرفة»، وأن كل شيء تدمّر، وأن قصورًا في التشريعات هو الذي مكَّن سيف اإلسالم من الترشح، مضيفًا أنه يجري تعديلها. األمر الذي عَد مراقبون أنَّه تدخل سافر من السَّفير في سلطة التشريعات االنتخابية، وهذا يؤكد أن ترشح سيف اإلســ م لم يكن مقبوال لـدى القوى الدولية الـتـي أسـقـطـت نــظــام أبـيـه بـالـقـوة الـغـاشـمـة، فـهـي لــن تقبل عـودتـه باالنتخابات، خاصة أن حظوظ فوزه كانت كبيرة، بل شبه حاسمة في حينها. االنتخابات الليبية كانت هاجسًا محليًا وقلقًا دوليًا، خاصة أنَّـــه كــان يمكنه اكـتـسـاح الـنـتـائـج، فشهد هــذا الـوضـع صـراعـ بني أميركا وروسيا حول ترشح سيف اإلسالم القذافي، فقد صرح نائب مساعد وزيـــر الـخـارجـيـة األمـيـركـي لـشـؤون الـشـرق األوســـط جوي هود الذي قال: «أعتقد أن العالم كله لديه مشكلة مع ذلك، فهو يعد أحـد مجرمي الـحـرب»، وكـان يعني ترشح سيف اإلســ م القذافي، في حني كانت روسيا تدعم وبقوة ترشح سيف اإلسـ م القذافي، بل تعدُّه املرشح األفضل. رغم الجدل املحلي والدولي املُثار حول ترشح سيف اإلسالم، واعتباره وريث حكم أبيه، واعتراض البعض، لكن سيف اإلسالم، حتى فـي زمـن حكم أبـيـه، كـان مـن أشـد املعارضني للحرس القديم ورجــــال خيمة الــقـذافــي األب، وكـثـيـرًا مــا اصــطــدم مـعـهـم، فـقـد كـان لتعلُّمه خــارج ليبيا أثــر فـي ثقافته الغربية، وتقبُّله الـــرأي اآلخـر واالخــــتــــ ف فـــي زمــــن الـــخـــوف والـــقـــمـــع والـــكـــبـــت، بـــل كــــان منصفًا وصريحًا في إعالن الحقيقة، فقد سبق أن قال شهادة للتاريخ إن «السعودية ال تخون أعـداءهـا حتى تخون أصـدقـاءهـا، صدِّقوني نحن أكثر مَن ناكف السعودية، إال أنها لم تخنَّا، حتى عندما حانت لها الفرصة، فما يحرك السياسة السعودية هي املبادئ اإلسالمية السمحة ال املصالح». إن التَّمعن في املعطيات السابقة يؤكد أن من يرغب في اختفاء سيف اإلسالم من مشهد االنتخابات الرئاسية، ليس فقط خصومه املحليون، بل حتى خصوم أبيه الدوليون، فقد صرح خالد الزائدي، محامي سيف اإلســـ م الـقـذافـي: «إنـهـم يمتلكون أدلــة ومعلومات تثبت أن السفيرين األميركي والبريطاني كان لهما دور في إيقاف العملية االنـتـخـابـيـة وتعطيلها، بسبب قـبـول تـرشـح مـوكّــلـه في انتخابات الرئاسة». الـــخـــ صـــة، أيــــ كــــان الـــقـــاتـــل، فــقــد مــــات ســيــف اإلســـــ م وفــقَــد تيارُه بهذا شخصية محورية، وبموته أعتقد أنه حُكم على تياره بالشتات مجددًا، فليس هناك بديل مقنع على الساحة اآلن، حتى لو كانت أخته عائشة القذافي، فلن يكون لها صدى في الشَّارع كما كان ألخيها سيف اإلسـ م، والذي بموته، في اعتقادي، طُويت صفحة آل القذافي في استعادة الحكم في ليبيا، ولو حتى باالنتخابات، فمن قتل سيف اإلسـ م القذافي كان يعلم ويـدرك ما فعلَ، وليست ضربة من غير رامٍ. لم نختر لتبليغ فكرتنا مجازًا إال املناخ املعتدل، واستثنينا من ذلـك املناخات األربـعـة األخـــرى؛ االستوائي والـقـاري والقطبي والـــجـــاف. فـاملـنـاخ املـعـتـدل هــو أفـضـل املــنــاخــات، ويتميز بصيف معتدل الحرارة وشتاء معتدل البرودة. ولــــيــــس جـــــديـــــدًا تــــوظــــيــــف مــــــدلــــــوالت املـــــنـــــاخ فـــــي الـــخـــطـــاب االقـتـصـادي؛ حيث نالحظ في السنوات األخـيـرة ارتـبـاط الحديث عن االستثمار بما يُسمى مناخ االستثمار، وطبعًا فـإن املقصود ليس املناخ الذي يُحدده املوقع الجغرافي في األرض، بل إن كلمة املــنــاخ اخـتـيـرت قـصـدًا لبالغتها، وكـــي تختصر إطــــارًا كــامــ من تشريعات وامتيازات وتسهيالت تخلق بعضها مع بعض مناخًا جاذبًا لالستثمار واملستثمرين. ما يلفت االنتباه أن توفير املناخ الصالح لالستثمار ما زال يعرف شدًّا وجذبًا في غالبية بلداننا، ومرد هذا التردد واالكتفاء بـخـطـوات حـــذرة هــو اسـتـمـرار االرتـــهـــان لفهم قـديـم ملـجـال سلطة الـــدولـــة فـــي االقـــتـــصـــادات الــوطــنــيــة، وأيـــضـــ عــــدم الــثــقــة بـالـقـطـاع الخاص، وتسليمه املقود لتشغيل قطارات التنمية. أوالً، سـيـاسـة املـــراحـــل والــخــطــوات البطيئة فــي املـطـلـق هي سـيـاسـة جـيـدة وحـكـيـمـة، ولـكـن مـقـاربـة االسـتـثـمـار ال ينفع فيها الــســيــر الـــبـــطـــيء، فـــإمـــا رهـــــان حـقـيـقـي وحـــزمـــة مـــن الـتـشـجـيـعـات والتشريعات الضامنة لحسن سير عملية االستثمار وإما أن النزر القليل هو تـنـازالت ال طائل من ورائـهـا. ولنتذكر في هـذا الصدد أن أصحاب املال يخافون على أموالهم، ويتميزون بالجنب الذي ال يقاوم إال باإلغراءات والتشجيعات. فالسؤال البسيط والكبير الذي يجب أن تطرحه أي دولة تنوي فـعـ تحقيق نهضة اقتصادية هـو اآلتـــي: هـل تستطيع اعتمادًا على ميزانياتها تحريك عجلة االقتصاد ومواجهة كل التوقعات والنفقات وحاجات شعبها أم أنها مثلها كمثل أي دولة في العالم تحتاج لبناء اقتصاد قـوي إلـى القطاع الخاص ومستثمرين من الداخل والخارج؟ إن اإلجـابـة الـواضـحـة والصريحة عـن هــذا الـسـؤال هـي التي ستُحدد كيفية تصرف الدولة. لـقـد فهمت الــــدول الـقـويـة اقـتـصـاديـ هـــذا الــشــرط مـنـذ عقود طويلة، ومنها منذ قـــرون، وأسـسـت لتوزيع عـبء تحقيق الثروة وأدوارهـــا، فخففت عن كاهلها، واكتفت بتأطير مناخ االستثمار ومراقبته وفق أمنها القومي وعائداته على الدولة. مضى الزمن الذي تقوم فيه الدولة بكل شيء: لم تعد حاجة الناس القمح وكفى، بل حاجات الشعوب اليوم ال حد لها، وتلبيتها تحتاج إلى توزيع األدوار بني القطاعني العام والخاص، لينتجا الثروة، ويُشغّال عددًا كبيرًا من العمال واملوظفني والكفاءات. بل إن العالم املتقدم لم يكتف بالخصخصة فقط؛ حيث أقحم املؤسسات الكبرى الخاصة في معاضدته في النهضة االجتماعية واالهتمام بالفئات الهشة، بل أيضًا في تشجيع الفكر واإلبـداع واملنتوجات الثقافية مـن خــ ل مـا يسمى املسؤولية االجتماعية، حتى صار األداء فـــي مــجــال املــســؤولــيــة االجـتـمـاعـيـة مــؤشــر تـقـويـم رئيسيًا للمؤسسات والشركات الكبرى. على مستوى الخطابات السياسية الرسمية هـنـاك اعتبار وإدراك لـــــدور االســـتـــثـــمـــار واملــســتــثــمــريــن الــوطــنــيــ واألجــــانــــب، ولكن هذا اإلدراك يعوزه توفير املناخ املالئم لالستثمار، أي أننا نــريــد االسـتـثـمـار ولــكــن مــن دون أن نـضـحـي بـتـحـفـيـزات حقيقية وتشريعات تفتح الباب على مصراعيه للمستثمرين في بلداننا العربية واإلسالمية. ال شيء يجعل املستثمر يضع أمواله ويجلب التجهيزات ويوظف العمال وهو مثقل الكاهل بالجباية والرسوم وتدني ثقافة حب العمل. عقل الدولة يعتقد أن تقديم هذه االمتيازات سينعكس سلبًا على موارد امليزانية العامة للدولة، ولكن هذا العقل يجب أن يشطب هذه الطريقة في التفكير، ويستعمل الرياضيات بشكل صحيح؛ فالدولة بتوفير مناخ جــاذب وتنافسي لالستثمار تُحافظ على رؤوس األموال الوطنية حتى ال تفكر في االستثمار خارج بلدها، ومن جهة ثانية فالدولة ستزيح عن مشكالتها عددًا من العاطلني عن العمل، وهو أكبر ربح تستند إليه كبرى االقتصادات في العالم؛ حيث عدد العاملني في مؤسسات الدولة هزيل جدًا مقارنة بعدد املنتمني للقطاع الخاص. وطبعًا األهم من كل هذا أو خالصته هي الناتج الوطني ونسبة النمو االقتصادي. إن أقوى ما في االستثمار أنه عجلة تحرك االقتصاد وتبعده عن سيناريوهات الشلل. يحتاج األمر إلى حساب دقيق تدرك فيه الدولة ماذا ستفقد فــي الـلـحـظـة الــراهــنــة، وكـــم ستكسب فــي املـــدى الــقــريــب. وإذا كـان صاحب املال جبانًا لالستثمار، فإن على الدولة أن تكون شجاعة وتوفر أفضل مناخ لالستثمار. فالسباق اليوم بني الــدول يكمن في أي دولة تقدم مناخًا أكثر مالءمة وتشجيعًا لالستثمار وجذبًا ألصحاب رؤوس األموال. وأكبر ما يمكن أن تقوم به أجهزة الدول في عاملنا العربي اليوم هو توفير املرافق العامة وحماية الثروات الطبيعية واالستثمار فيها، وفـتـح املـجـال لـهـويـات مـتـعـددة مـن الفاعلني االقتصاديني إلنتاج الثروة، والدولة الذكية هي التي تُدير عملية إنتاج الثروة بينها وبني القطاع الخاص، وتكون أكثر األطراف ربحًا. OPINION الرأي 12 Issue 17237 - العدد Friday - 2026/2/6 اجلمعة وكيل التوزيع وكيل االشتراكات الوكيل اإلعالني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] املركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 املركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى اإلمارات: شركة االمارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 املدينة املنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب األولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية املوجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها املسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة ملحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي باملعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مصطفى فحص آمال موسى جبريل العبيدي أصحاب المصلحة في مقتل سيف اإلسالم كثيرون مناخ شجاع ومعتدل لالستثمار قراءة في اغتيال سيف اإلسالم القذافي إيران: السلطة والمجتمع أزمة تعاقدية تـحـدّيـات بقائية تـواجـه الـنـظـام اإليــرانــي لـم تعد مرتبطة بانتهاء موجة االحتجاجات أو نجاحه في إخمادها، ولـم تعد مرهونة بنجاح املفاوضات مع واشنطن أو فشلها، أو بإبعاد شبح الضربة أو وقوعها. فما حدث في إيران في األيام األخيرة يعود إلى سنوات سابقة، تراكمت فيها تناقضات بني السلطة واملجتمع، بني دفاع النظام عن بقائه ورغبة املجتمع في تغييره. األحداث األخيرة كشفت عن أن الفجوة بني السلطة واملجتمع أوسع مـن قــدرة النظام على احتوائها، وأعـمـق مـن إمكاناته على ردمـهـا. هذا العجز الـذي يواجهه النظام، بشقَّيه: الثورة والـدولـة، في ردم الهوّة أو الفجوة بينه وبني املجتمع، ليس نتيجة انتفاضات مطلبية أو حركات احـتـجـاج سياسية أو اجتماعية، بـل هــو، فـي بُــعـده العالئقي بينهما، نتيجة تراجع التشابه بينهما أو سقوطه نهائيًا، األمــر الــذي أدّى إلى سقوط شرعيته. فعليًا، كشفت حـركـة االحـتـجـاجـات األخـــيـــرة، وحـجـم الـعـنـف الــذي اسـتـخـدمـه الـنـظـام، والتضحية الـتـي قـدّمـهـا املـتـظـاهـرون، عــن صعوبة التصالح بني الطرفني، وعـن أزمـة تكشف عن سقوط العالقة التعاقدية بينهما. فالعنف املمنهج من قِبَل السلطة، والتضحية املقدَّمة من قِبَل املجتمع، مـزّقـا إلــى حــد بعيد العقد االجتماعي بـ النظام واملجتمع، وكشفا عن رفض مجتمعي إلطاعة السلطة. هذا العصيان ضد الدولة أو النظام أو الثورة أو السلطة في إيران يُشبه خروجًا جماعيًا من العقد الوطني معها، أي إعالن صريح عن فشل التعايش بني الجماعات أو الشعوب اإليرانية ودولتهم. وهذا يعني فشل النظام في بناء مواطنة متساوية في الحقوق والـواجـبـات، وأن الشرخ البنيوي الذي أحدثه بني جماعاته يعاني منه اآلن، إذ دفع هذه الجماعات إلى التكافل والتضامن ضده، أي إلى ردم تناقضاتها بهدف مواجهته. األخــطــر فــي انـكـسـار الـعـ قـة الـتـعـاقـديـة بــ الـنـظـام واملـجـتـمـع، أو بينه وبني الجماعات أو الشعوب اإليرانية، هو تفاقم األزمـة بني املركز واألطـــــراف، واألخــطــر هـو تباعد املـسـافـة التعاقدية بينهما، خصوصًا أن هذه األطــراف مركزية في تكوينها، وتتميّز بكونها حـواف قوية لها امـتـداداتـهـا الهوياتية الـخـارجـيـة، وهــي جـاهـزة لـ فـتـراق عـن املـركـز أو تهميشه في لحظة ضعفه. وهذا يمثّل تهديدًا وجوديًا للنظام، ويدفعه إلى استخدام كل الخيارات. وهذا ما يوصفه الخبير والباحث في الشأن اإليراني حسن فحص بقوله: «إن النظام يستند إلى منطق عقائدي يعتبر أن حفظ النظام من أوجب الواجبات، حتى لو استدعى ذلك أقصى درجات القمع والعنف. ووفـق هذا املنطق، تتحوّل أعـداد القتلى واملعتقلني إلى (كلفة ضرورية) لضمان بقاء النظام». فما يمكن توصيفه بأزمة العالقة التعاقدية بني السلطة واملجتمع كشف عـن أزمـــة فـي شرعية التمثيل، وأصـبـحـت الشرعية الشعبية في مواجهة شرعيتني: واحدة ثورية يُسند النظام مشروعيته إليها، وأخرى دينية يستمد الـنـظـام منها شرعيته الـعـقـائـديـة. والـتـنـاقـض الحاصل بينهما، أو الفجوة التي بـات من الصعوبة ردمها، ما يؤكد أن شرعية السلطة فـي إيـــران خـسـرت عالقتها التعاقدية مـع املجتمع، حيث بات األخير مندفعًا نحو التغيير والتضحية، فيما ال يزال النظام أسير لحظة تأسيسه األولى. وعليه، فإن النظام، بني لحظة التأسيس ولحظة الدفاع عن بقائه، بلغ في مواجهته مع املجتمع نقطة الالعودة، ما يعني أن الطرفني اتّخذا خيارات راديكالية. أقوى ما في االستثمار أنه عجلة تحرك االقتصاد النظام اإليراني بلغ في مواجهته مع المجتمع نقطة الالعودة

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==