7 تحقيق FEATURES Issue 17233 - العدد Monday - 2026/2/2 الاثنين ASHARQ AL-AWSAT هــــنــــا تــــتــــحــــول إلــــــــى واجــــهــــة اســــتــــهــــاكــــيــــة، وإلــــــــى عـــامـــة تجارية قائمة بذاتها. وهـذا مــــا يــــقــــود، وفـــــق الــــزهــــرانــــي، إلـــى معضلة فلسفية عميقة تتعلق بتشيئة الإنسان، وسلعنته داخل منظومة رقـمـيـة لا تـعـتـرف بـالـثـبـات، ولا بالمعنى المستقر. سوق تنافسية قاسية هـذه الـقـراءة الفلسفية تجد صداها فـــــي الـــــواقـــــع الاقـــــتـــــصـــــادي الـــــــذي يـصـفـه الـدكـتـور سـعـود الـغـربـي، أســتــاذ الإعــام ومؤسس «جمعية إعلاميون» السعودية بـــأنـــه «قــــــــاسٍ». فــمـــن مـــوقــعـــه الأكـــاديـــمـــي والمـهـنـي يـــرى الــغــربــي، فــي تـصـريـح إلـى «الـشـرق الأوســـط»، أن السوشيال ميديا يمكن أن تـكـون مـصـدرا حقيقيا للدخل، لكنها لـيـسـت طـريـقـا مـمـهـداً، ولا متاحا لــلــجــمــيــع. فــــي الـــســـعـــوديـــة، كـــمـــا يـــقـــول، هــنــاك نـــمـــاذج واقــعــيــة لأشـــخـــاص تــركــوا وظـائـفـهـم، أو عـوّضـهـم الـفـضـاء الـرقـمـي عن تعثر مهني، بل إن بعضهم تحولوا إلـى رجـال أعمال. غير أن هـذه القصص، فـي رأيـــه، تُــقـدَّم غالبا بوصفها القاعدة، بينما هي في الحقيقة الاستثناء. الغربي يلفت إلى أن المنصات نفسها تــــروّج لـخـطـاب «الــنــجــاح الــســريــع»، لأنـه يــخــدم اقــتــصــاد الانــتــبــاه، ويــغــذي تـدفـق المحتوى المجاني. لكن الواقع يعتمد على اسـتـمــراريـة طـويـلـة، وتـخـصـص واضـــح، وفهم عميق للسوق الإعلانية. الغالبية، كــمــا يـــوضـــح، تـعـمـل لــفــتــرات طــويــلــة بلا مقابل فعلي، ومعظم الحسابات لا تصل إلى مرحلة الدخل المستقر. هنا لا يكون الفشل نتيجة ضعف فــردي بـالـضـرورة، بـل هـو انعكاس لطبيعة سـوق تنافسية قاسية. هــــذا الـــتـــفـــاوت فـــي الـــعـــوائـــد يــفــسّــره الـغـربـي بـمـا يُــعــرف اقـتـصـاديـا بــ«تـأثـيـر الـــنـــجـــم»، حـــيـــث يــســتــحــوذ الــقــلــيــل عـلـى مـعـظـم الأربـــــــاح. فــالانــتــبــاه مـــــورد نــــادر، والــــخــــوارزمــــيــــات تــمــيــل إلـــــى تـــعـــزيـــز مـن يملك جمهورا واسعا سلفاً. وفي السوق الــــســــعــــوديــــة، كـــمـــا فـــــي غــــيــــرهــــا، تــفــضّــل الــعــامــات الــتــجــاريــة الأســـمـــاء المــعــروفــة، لأنـــهـــا أقـــــل مــــخــــاطــــرة، مــــا يــــكــــرّس تـــركّـــز الأرباح، ويحد من فرص الصاعدين. إنه نــمــوذج غـيـر صـحـي بـالـكـامـل، لأنـــه يقلل الـتـنـوع، ويـضـعـف فــرص الابـتـكـار، لكنه فـي الـوقـت ذاتـــه انـعـكـاس طبيعي لسوق تحكمها البيانات، لا المعايير المهنية. سلطة الخوارزميات وهــــــذا مــــا يــــؤكــــده الــــحــــازمــــي، الــــذي يتجنب الحديث عما يحققه من مداخيل من هذه «الصناعة»، ويقول: الإحصاءات فـي المـائـة فـقـط من 4 تشير إلــى أن أعـلـى صناع المحتوى يحققون دخــا يتجاوز ألــــــف دولار ســــنــــويــــا. دورة حـــيـــاة 100 المــــشــــروع الإعــــامــــي الــشــخــصــي تـتـطـلـب شـهـراً 24 إلــــى 18 «فـــتـــرة حـــضـــانـــة» بـــن لـلـوصـول إلــى نقطة الـتـعـادل، مما ينفي فـــكـــرة الــــثــــراء الـــســـريـــع، ويـــؤكـــد ضــــرورة التعامل مع الصناعة بعقلية «المؤسسة». وفــــــــي قــــلــــب هــــــــذا الــــــنــــــمــــــوذج، تــقــف الخوارزميات بوصفها السلطة الأعلى. فهي، كما يقول الغربي، «رئيس التحرير الخفي» الـذي لا يكافئ الـجـودة وحدها، بــــل مــــا يــحــقــق تـــفـــاعـــا ســـريـــعـــا، ويــبــقــي المــســتــخــدم أطــــول وقــــت مــمــكــن. وهــــذا ما يــجــعــل المــنــافــســة مـمـكـنـة نـــظـــريـــا، لكنها شــــديــــدة الـــصـــعـــوبـــة عــمــلــيــا لمــــن لا يـمـلـك رأسمال اجتماعياً، أو شبكة علاقات، أو دعما تسويقياً. ومــع تـسـارع الـتـطـور التقني، يلوح عامل جديد يزيد المشهد تعقيداً: الذكاء الاصـــطـــنـــاعـــي. يــــحــــذّر الـــحـــازمـــي مــــن أن الـقـطـاع يـقـف عـلـى أعـتــاب «زلــــزال تقني» حقيقي، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يـــخـــفـــض تـــكـــالـــيـــف إنـــــتـــــاج المـــحـــتـــوى فــــي المـــــائـــــة. هـــذا 50 بــنــســبــة تـــصـــل إلـــــى الانـــخـــفـــاض ســيــغــرق الـــســـوق بـمـحـتـوى متوسط الجودة، ويجعل التميز أصعب. المخاطر الخفية في هذه المرحلة المليئة بالتحديات، يرى الحازمي أن البقاء سيكون لمن يملك القدرة على تقديم تحليل عميق، وبصمة بشرية لا تستطيع الآلـــة محاكاتها، مع استخدام الذكاء الاصطناعي أداة داعمة، لا بــديــا كــامــاً، لافـتـا إلـــى أن الـتـحـديـات تــشــمــل «ديـــكـــتـــاتـــوريـــة الــــخــــوارزمــــيــــات»، 200 وتشبع الـسـوق التي تضم أكثر مـن مـــلـــيـــون صــــانــــع مـــحـــتـــوى حـــــول الـــعـــالـــم، بـــالإضـــافـــة إلــــى تــغــيــر ســـلـــوك الــجــمــهــور بــــســــرعــــة قــــيــــاســــيــــة. كــــمــــا يــــعــــد الـــضـــغـــط ) مـــن أبـــــرز المــخــاطــر Burnout( الــنــفــســي الخفية للمهنة؛ نتيجة ضرورة الحضور الـــدائـــم، ومــواكــبــة الأحــــــداث، والـتـقـنـيـات المتسارعة. ويــــــــؤكــــــــد الـــــــحـــــــازمـــــــي أن الـــــســـــوق الـسـعـوديـة تشهد طـفـرة هـائـلـة مدعومة »، تـهـدف Ignite« بــبــرامــج وطــنــيــة، مــثــل إلى تحويل صناع المحتوى من أفراد إلى .)SMEs( شـــركـــات صــغــيــرة، ومـتـوسـطـة ننصح الشباب بالدخول في هذا المجال بــعــقــلــيــة «المـــــشـــــروع» الاســــتــــثــــمــــاري، مـع التركيز على القدرة على تحويل الانتباه ،)Conversion Rate( إلــى قيمة ملموسة بدلا من الاكتفاء بأرقام المشاهدات. وهـنـا يـقـول الـغـربـي إن «الاسـتـدامـة تــــتــــحــــقــــق عــــنــــد تـــــوفـــــر أربــــــعــــــة شــــــــروط: تـخـصـص واضــــح، نـــمـــوذج دخـــل مـتـنـوع (إعـــانـــات، مـنـتـجـات، خـــدمـــات)، انـتـظـام طـــويـــل المـــــــدى، وبــــنــــاء ثـــقـــة حــقــيــقــيــة مـع الــجــمــهــور. فـــي الــســعــوديــة المـسـتـفـيـدون الحقيقيون ليسوا فقط صناع المحتوى الــكــبــار، بـــل المــنــصــات نـفـسـهـا، وشــركــات الإعـــــان، والـــبـــرانـــدات الــتــي تـسـتـثـمـر في اقـــتـــصـــاد الـــتـــأثـــيـــر. أمــــا صـــانـــع المــحــتــوى الفرد فهو الحلقة الأضعف ما لم يتحول مـن «صـانـع تـرنـد» إلـى «مـشـروع إعلامي صغير». السوشيال ميديا قد تكون مصدر دخل، لكنها نادرا ما تكون أمانا وظيفياً. الــــواقــــعــــيــــة هـــنـــا تـــعـــنـــي الـــتـــعـــامـــل مـعـهـا بـاعـتـبـارهـا أداة ضـمـن مـنـظـومـة، وليس أنها حلم مستقل بذاته». من يملك المحتوى؟ لكن بينما ينشغل صناع المحتوى بـــمـــاحـــقـــة الــــــخــــــوارزمــــــيــــــات، ومـــــوجـــــات الـــتـــقـــنـــيـــة، يـــبـــرز ســــــؤال قـــانـــونـــي لا يـقـل أهــــمــــيــــة: مــــــن يـــمـــلـــك المــــحــــتــــوى فـــعـــلـــيـــا؟ هـــنـــا يـــوضـــح المـــحـــامـــي أحـــمـــد الـــفـــاضـــل، المـتـخـصـص فــي حــقــوق المـلـكـيـة الـفـكـريـة، أن صــانــع المـحـتــوى يـظـل المــالــك الأصـلـي لأعـمـالـه مـن حـيـث المــبــدأ. غـيـر أن شـروط الاسـتـخـدام الـتـي تـوافـق عليها المنصات تمنحها تراخيص واسعة جداً، تتيح لها اسـتـخـدام المـحـتـوى، وعـرضـه، وتعديله، وتـرخـيـصـه مــن الــبــاطــن، بــل واسـتـغـالـه تجاريا دون أي مقابل إضافي. ويقول الفاضل، لـ«الشرق الأوسـط»، إن هــــذا الـــوضـــع يـخـلـق مــفــارقــة قـانـونـيـة واضحة: أنـت تملك المحتوى، لكنك لست المالك الوحيد القادر على الاستفادة منه. ورغم وجود قوانين حماية في السعودية، ودول عـربـيـة أخـــــرى، ومـــعـــاهـــدات دولـيـة تـــنـــظـــم حــــقــــوق المـــــؤلـــــف، فـــــإن إنــــفــــاذ هـــذه القوانين في البيئة الرقمية يظل ضعيفاً. الإجــــــــــراءات طـــويـــلـــة، ومـــكـــلـــفـــة، وتــحــديــد هوية المنتهكين غالبا ما يكون صعباً، ما يدفع معظم صناع المحتوى إلى الاكتفاء بآليات الإبلاغ الداخلية للمنصات. وتتضاعف هذه الهشاشة حين يُغلق حساب فجأة، أو يُقيَّد وصوله بما يُعرف بـ«الحظر الخفي». ويلفت الفاضل إلـى سابقة قضائية ،2025 ) في السعودية: في سبتمبر (أيلول فرضت الهيئة السعودية للملكية الفكرية ريــــال ســـعـــودي على 9000 غـــرامـــة قـــدرهـــا شخص قـام بتعديل صــورة شخص آخر باستخدام الذكاء الاصطناعي، ونشرها دون إذن. هــــذه الــقــضــيــة تـعـتـبـر خـــطـــوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لكنها لا تزال حالة نـادرة. في معظم الحالات، يضطر صناع المحتوى إلى الاعتماد على آليات الإبلاغ الـداخـلـيـة لـلـمـنـصـات، والــتــي قــد لا تكون فعالة دائماً. ويـــضـــيـــف: الــــقــــانــــون يــــوفــــر حــمــايــة نــظــريــة قـــويـــة، لــكــن الـتـطـبـيـق الـعـمـلـي لا يــــزال ضـعـيـفـا. صــنــاع المــحــتــوى بـحـاجـة إلى أدوات أكثر فعالية لإنفاذ حقوقهم. ففي معظم الـــدول العربية لا توجد تشريعات واضـحـة تنظم هــذا الـنـوع من الـــــقـــــرارات، مـــا يــجــعــل المـــنـــصـــات الـخـصـم والــــحــــكــــم فـــــي آن واحـــــــــد. وعــــلــــى عــكــس الــتــجــربــة الأوروبــــيــــة الــتــي بــــدأت تـفـرض عــــلــــى المـــــنـــــصـــــات قـــــــــدرا مــــــن الـــشـــفـــافـــيـــة، والمـــســـاءلـــة، لا يــــزال صــنــاع المـحـتـوى في المـنـطـقـة الـعـربـيـة تـحـت رحــمــة سـيـاسـات متقلبة لا توفر أي ضمان للاستقرار. بريق الأرقام فــي نـهـايـة المــطــاف تـتـقـاطـع كــل هـذه الــخــيــوط عــنــد ســــؤال واحـــــد: هـــل يعيش صـــنـــاع المـــحـــتـــوى وهْـــــم «الـــعـــمـــل الـــحـــر»؟ 480 اقتصاد عـالمـي يُتوقع أن يصل إلــى مــلــيــار دولار، ويـــضـــم مـــئـــات الآلاف فـي الخليج وحده، لا يزال يتعامل مع هؤلاء بـــوصـــفـــهـــم «مـــســـتـــخـــدمـــن» لا «عـــــمـــــالاً». لا عــقــود، لا حــد أدنـــى لــأجــور، لا تأمين صــحــي، ولا حـمـايـة مـــن الـفـصـل الـرقـمـي المفاجئ. الفرد هنا هو العلامة التجارية، وهـــو الــوســيــط، وهـــو المـنـتـج، وهـــو رأس المال، وهو الخاسر الأول عند أي خلل في الخوارزمية. بين بريق الأرقــام وسطوة المنصات يتضح أن صناعة المحتوى ليست مجرد مـسـاحـة مـفـتـوحـة لـــإبـــداع، بــل منظومة قــــوة غــيــر مـــتـــوازنـــة تــضــع الإنـــســـان أمـــام اختبار يومي: كيف يحافظ على معناه، وكــرامــتــه المـهـنـيـة، وحـقـه فــي الاســتــقــرار، داخل سوق لا تعترف إلا باللحظة؟ فــــي نـــهـــايـــة الــــيــــوم، تـــعـــود نـــاريـــمـــان إلى شقتها نفسها في لندن. الهاتف في يدها، الفيديو الأخير منشور، والأرقــام تـتـحـرك بــبــطء. تـعـرف الآن، أكـثـر مــن أي وقــــت مـــضـــى، أن مـــا تــمــر بـــه لــيــس فـشـا شــخــصــيــا، بـــل هـــو جــــزء مـــن مــنــظــومــة لا تكافئ الجميع، ولا تعترف إلا باللحظة. ومع ذلك لا تزال تحاول. لــيــس لأنــهــا تــؤمــن بــوعــد الــشــهــرة، بــل لأنــهــا، مـثـل كـثـيـريـن غـيـرهـا، تـحـاول فــــقــــط أن تــــحــــمــــي نـــفـــســـهـــا مــــــن غــــــــاء لا يـــرحـــم. قــصــتــهــا، بــعــد كـــل هـــــذا، لـــم تـعـد مــــجــــرد مــــحــــاولــــة فـــــرديـــــة، بـــــل هـــــي مـــــرآة لاقـــتـــصـــاد كــــامــــل، يُــــقــــال فـــيـــه إن الـــفـــرص متاحة للجميع، بينما الـواقـع يثبت أن الـبـقـاء فـيـه لـيـس لـأكـثـر اجـتـهـادا دائـمـا، بـل لـأكـثـر تـوافـقـا مـع خـوارزمـيـة لا تـرى الإنسان... بل زمنه فقط. السوشيال ميديا قد تكون مصدرا للدخل لكنها ليست طريقا ممهدا ولا متاحا للجميع يحسب المؤثرون نجاحهم بكثرة التفاعل مع منشوراتهم (متداولة)
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky