issue17233

6 تحقيق FEATURES Issue 17233 - العدد Monday - 2026/2/2 الاثنين ASHARQ AL-AWSAT ملايين يندفعون إلى «الوهم المشروع» والأرباح الفعلية تقطفها قلّة «اقتصاد الحلم»... كيف تبيع السوشيال ميديا الأمل في الثراء؟ فــي شـقـة صـغـيـرة بـأحـد أحــيــاء غـرب لندن، تجلس ناريمان م. قرب نافذة تطل على شارع رمادي لا يهدأ. تعمل مساعدة معلمة في مدرسة ابتدائية، وظيفة تحبها، لــكــنــهــا بـــالـــكـــاد تــكــفــي لـتـغـطـيـة الإيــــجــــار، وفواتير لا ترحم. في مدينة تُحسب فيها أســعــار الـقـهـوة، وبـطـاقـة الـقـطـار، والخبز بـــالأرقـــام الـثـقـيـلـة، بـــات الــدخــل المـتـواضـع عبئا يومياً، لا فكرة مجردة. تقول لنفسها كل مساء إن عليها أن تفعل شيئا إضافياً، أي شيء، قبل أن يبتلع الغلاء ما تبقى من طمأنينتها. قــبــل أشـــهـــر، دخـــلـــت نـــاريـــمـــان، وهــي عــــربــــيــــة مـــقـــيـــمـــة فــــــي بــــريــــطــــانــــيــــا، عـــالـــم الــســوشــيــال مــيــديــا كــمــا يـــدخـــل كــثــيــرون: بــــحــــذر، وبــــأمــــل صــــامــــت. فــتــحــت حـسـابـا عـــلـــى «إنــــســــتــــغــــرام»، ثــــم آخـــــر عـــلـــى «تــيــك تـــــوك»، واخــــتــــارت مــوضــوعــا قــريــبــا منها ومن الناس من حولها: الصحة اليومية، النفخة، الإمساك، التعب الذي لا يُشخَّص، والأسئلة الصغيرة التي يطرحها كثيرون، ولا يـــجـــدون لــهــا جـــوابـــا واضـــحـــا. ليست طبيبة، لكنها كانت تـحـاول أن تجمع ما تتعلمه، أن تصوغه بـــإرشـــادات مبسطة، وأن تستعين بالذكاء الاصطناعي ليهذّب الـــنـــصـــوص، ويـــقـــتـــرح الأفـــــكـــــار. اشــتــركــت فـــي دورات مـــدفـــوعـــة، دفـــعـــت مـــن دخـلـهـا المــحــدود، واشـتـرت أدوات رقمية قيل لها إنها «ضرورية للنجاح». تمضي ناريمان ساعات طويلة بعد يـوم عمل شــاق. هاتفها مسند إلـى كـوب، ضــــوء خـــافـــت، نـــصـــوص تُــكــتــب وتُــمــســح، فيديوهات تُعاد عشر مرات قبل أن تُنشر. تـراقـب الأرقــــام بصمت: مـشـاهـدات قليلة، تـــفـــاعـــل خــــجــــول، لا شـــــيء يــشــبــه قـصـص النجاح التي تمتلئ بها المنصات. فيديو واحـد فقط كسر الصمت، وصـل إلـى نحو عشرة آلاف مشاهدة. رقم يبدو كبيرا على الشاشة، لكنه في الواقع لم يغيّر شيئاً. لا يـوجـد دخـــل، لا عــــروض، لا إحــســاس بـأن الــطــريــق بــــات أوضـــــح. مــجــرد ومـــضـــة، ثم عودة إلى الصفر. تعرف ناريمان أنها لم تحقق «شيئا بعد»، تقول الجملة بلا درامـا، لكن التعب يظهر في صوتها. ومـع ذلـك، تستمر. كل يوم تتعلم، تقرأ، تشاهد، تحاول فهم هذا العالم الـذي يبدو مفتوحا للجميع، لكنه لا يفتح أبوابه بسهولة لأحـد. هي ليست باحثة عن شهرة، ولا تحلم بالملايين، بل بـدخـل إضـافـي يحميها مـن قـسـوة مدينة لا تهادن. «اقتصاد المبدعين» قـــصـــتـــهـــا، بــــكــــل بـــســـاطـــتـــهـــا، تــشــبــه قصص آلاف ممن دخلوا اقتصاد المحتوى بــــدافــــع الــــحــــاجــــة، لا الـــــوهـــــم، وهـــــــم لـقـمـة الــعــيــش، ووجــــــدوا أنـفـسـهـم فـــي مـواجـهـة منظومة أكـبـر بكثير مـن فيديو، وأقسى بكثير من مجرد «محاولة». مــــحــــاولــــة لــــلــــدخــــول إلــــــى «اقـــتـــصـــاد المبدعين» الـذي يشهد نموا هائلاً، إذ من المتوقع أن تبلغ قيمة سـوقـه عالميا نحو ، وفقا 2027 مليار دولار بحلول عـام 480 .»Goldman Sachs« لأبحاث ويـــــبـــــرز هــــــذا الاقــــتــــصــــاد بـــاعـــتـــبـــاره قـــوة نشطة تُـــحـــرّك الـنـشـاط الاقــتــصــادي، والـتـفـاعـل الاجـتـمـاعـي فـي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تُقدَّر قيمته مليار دولار. وتشير 1.3 الحالية بنحو » لــتــحــلــيــات الــتــســويــق Qoruz« مــنــصــة بـالمـؤثـريـن إلـــى أن دول مـجـلـس الـتـعـاون مؤثر على 263000 الخليجي تضم نحو وسائل التواصل الاجتماعي حتى أكتوبر 75 (تشرين الأول) الماضي، بزيادة قدرها .2023 في المائة منذ عام المنصات والترندات فـــي المــشــهــد الــرقــمــي هــنــاك مـنـصـات مــــحــــددة تــهــيــمــن عـــلـــى الـــلـــعـــبـــة، أبــــرزهــــا YouTube» ،«TikTok» ،«Instagram»« «،». كـل واحـــدة لها Snapchat» ،«Twitch آلـــيـــاتـــهـــا الــــخــــاصــــة فــــي نـــشـــر المـــحـــتـــوى، وجذب الانتباه، وكلها تبيع الوهم نفسه: إمكانية أن يصبح أي شخص مؤثراً. لــــكــــن شـــــــرط أن يــــتــــحــــول المـــحـــتـــوى إلــى تـرنـد (أو مـــادة شـائـعـة) لـيـس جــودة الفكرة فحسب، بل توقيت النشر، وسرعة الانــتــشــار، والـتـفـاعـل الأولـــي الـــذي يـولـده ذلــــك المـــحـــتـــوى. فــيــديــو بــســيــط يــمــكــن أن يتحول إلى ترند إذا التقطه جمهور كبير في الساعات الأولى، أو دعمته خوارزمية المـــنـــصـــة نـــفـــســـهـــا عـــبـــر الاقـــــتـــــراحـــــات، أو حصل على مشاركة واسعة من حسابات مــــشــــهــــورة. الـــفـــئـــات الأكــــثــــر انــــتــــشــــارا فـي المـــنـــطـــقـــة الـــعـــربـــيـــة هــــي أســــلــــوب الـــحـــيـــاة والــــســــفــــر، المـــــوضـــــة والـــــجـــــمـــــال، الــصــحــة والــــلــــيــــاقــــة، والمــــــــال والأعــــــمــــــال، والـــفـــنـــون والترفيه، وهو ما يجعل لدى أي محتوى يـــلـــمـــس هـــــذه الاهــــتــــمــــامــــات فــــرصــــة أكــبــر للتحول إلى ترند، حتى لو لم يكن معقداً، أو إنتاجه باهظاً. خريطة القوة ويــصــف حــســن الـــحـــازمـــي، مـؤسـس ومـــديـــر شـــركـــات مـتـخـصـصـة فـــي الإعــــام الرقمي وصناعة المحتوى في السعودية، الـــتـــحـــول الــــــذي يـــشـــهـــده الإعـــــــام الــعــالمــي بــأنــه «خــــروج كــامــل مــن عــبــاءة الـنـمـوذج الـــتـــقـــلـــيـــدي». فـــالمـــحـــتـــوى لــــم يـــعـــد مــــادة إعلامية تُنتَج ثم تُبَث، بل أصبح جزءا من منظومة اقتصادية متكاملة تُعرف اليوم بـ«اقتصاد المحتوى»، مشيرا إلى أن هذه المنظومة، وفق تقديرات مؤسسات مالية مـلـيـار 250 عـــالمـــيـــة، تــبــلــغ قـيـمـتـهـا نــحــو دولار على مستوى الـعـالـم، مـع توقعات مــلــيــار دولار خــال 480 بــــأن تــصــل إلــــى عامين فقط. ويقول الحازمي لـ«الشرق الأوسـط» فــــي المــــائــــة مــــن الإنـــفـــاق 60 إن أكـــثـــر مــــن الإعلاني العالمي بات يذهب إلى المنصات الرقمية، وهو ما أعاد رسم خريطة القوة داخــــل الــصــنــاعــة الإعـــامـــيـــة، ونــقــل مـركـز الثقل من المؤسسات الكبرى إلى المنصات العابرة للحدود. فضاء مزدحم غير أن هذه الأرقام، على ضخامتها، لا تـعـنـي بــالــضــرورة أن الــســوق مــزدهــرة للجميع. فالحازمي يلفت إلــى أن تشبع المـحـتـوى، خـصـوصـا الترفيهي الـسـريـع، خـلـق وهـمـا واســـع الانـتـشـار بـــأن الـفـرص لا تـــزال مفتوحة بــا سـقـف. لـكـن الــواقــع، كما يراه، أكثر انتقائية. ففي هذا الفضاء المـــزدحـــم لـــم تـعـد الــكــثــرة هـــي الـقـيـمـة، بل النوعية، والقدرة على سد فجوة معرفية حقيقية. من هنا يبرز ما يسميه «الإعلام المعرفي» و«المحتوى المتخصص»، حيث تـــتـــحـــول الــقــيــمــة مــــن مــــطــــاردة الــجــمــهــور الــــــعــــــام إلــــــــى بـــــنـــــاء عـــــاقـــــة مــــــع جـــمـــهـــور آلاف متابع 10 ، ضيق، لكنه واع ومهتم متخصص، في هذا السياق، قد يشكلون قاعدة اقتصادية أكثر صلابة من مليون متابع لا يبحثون إلا عن التسلية العابرة، على حد تعبير الحازمي. هـــذا الـتـحـلـيـل الاقــتــصــادي يتقاطع، لكنه يختلف في زاويته مع قراءة الدكتور سعيد الـدحـيـة الـزهـرانـي، أسـتـاذ الإعــام والاتصال الرقمي، الذي ينظر إلى المشهد من منظور فلسفي أعمق. فبرأيه توصيف مـــــا يـــــحـــــدث بـــــأنـــــه «اقـــــتـــــصـــــاد مـــحـــتـــوى» يـــظـــل قــــاصــــرا عــــن فـــهـــم جـــوهـــر الـــتـــحـــول. ويـقـول الـزهـرانـي لــ«الـشـرق الأوســــط» إن «المـنـصـات لا تـتـاجـر بـالمـحـتـوى ذاتـــه، بل بزمن الوعي الإنساني. هي لا تسأل: ماذا نـعـرض؟ بـل: كـم دقيقة إضافية يمكن أن نبقي المستخدم داخل المنصة؟». يستند الزهراني في تفسيره إلى ما يسميه «فلسفة السيولة» فـي الحضارة الرقمية، حيث لـم يعد الـزمـن يتراكم، بل يـتـفـتـت إلـــى لـحـظـات مـنـفـصـلـة، ولـــم تعد الهوية ثابتة، بـل قابلة لإعــادة التشكيل وفــــق الــســيــاق الـــرقـــمـــي، ولــــم يــعــد المـعـنـى مــســتــقــراً، بـــل أصــبــح مـجـمـوعـة ســرديــات مـتـنـافـسـة. ضـمـن هـــذه الـسـيـولـة تـتـحـول الـــقـــيـــمـــة مــــن الـــعـــمـــق إلـــــى الــــســــرعــــة، ومـــن الأثــر طـويـل المــدى إلــى التفاعل اللحظي. وهـنـا تلعب الـخـوارزمـيـات دور الوسيط الـسـوقـي الـــذي يعيد تــوزيــع الــرؤيــة وفـق منطق الأرقام لا المعاني. «بورصات رمزية» في هـذه السوق عالية السيولة، كما يصف الزهراني، لم تعد المنصات ساحات خطاب عام، بل «بورصات رمزية»، تُتداول فيها الـصـور، والآراء، والمـشـاعـر باعتبار أنــــهــــا أصـــــــول مـــؤقـــتـــة، مــنــخــفــضــة الــعــمــر الافــــتــــراضــــي، وقـــابـــلـــة لـــاســـتـــبـــدال فـــــوراً. ويترتب على ذلك تحول عميق في طبيعة إنـــتـــاج المــحــتــوى نـفـسـه، حـيـث لـــم يـعـد ما يُــنـتَــج هـو مـا يُعتقد بقيمته، أو صحته، بـل مـا يُــرجَّــح أداؤه رقـمـيـا. الـفـكـرة تُــجـزَّأ، والسياق يُقتطع، والمعنى يُضغط ليصبح قابلا للاستهلاك السريع. وســـــــــــط هـــــــــــذا المـــــشـــــهـــــد، يـــــبـــــدو أن صـــــانـــــع المـــحـــتـــوى لـــــم يــــعــــد يــــعــــرض فـــــكـــــره، بــل يــعــيــد تــصــمــيــم ذاتـــــــه. الـــــذات ليست جودة المنتج وحدها ما يحدث الترند بل توقيت النشر والتفاعل (متداولة) لندن: مالك القعقور أكثر المواضيع الرائجة على السوشيال ميديا السفر والتجميل واللياقة البدنية (أدوبي) يبرز هذا الاقتصاد كقوّة نشطة تحرّك النشاط الاقتصادي والتفاعل الاجتماعي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتقدّر قيمته الحالية مليار دولار 1.3 بنحو الثراء السريع حلم روّاد مواقع التواصل (متداولة) في عالم لا يتوقف فيه الإصبع عن التصفح، تبدو الشاشة كـأنـهـا نــافــذة مـفـتـوحـة عـلـى فـــرص لا تـنـتـهـي. وجــــوه تبتسم، قصص نجاح تُـــروى فـي دقـائـق، أرقـــام مـشـاهـدات تتضاعف، وإعــانــات تَــعِــد بــأن الـهـاتـف الـذكـي قـد يـكـون أســـرع طـريـق إلى الاستقلال المالي. فـــي هـــذا الــســيــاق، لا يـمـكـن الـنـظـر إلـــى الــســوشــيــال ميديا بوصفها مجرد منصات تواصل، أو أدوات نشر محتوى، بل إنـهـا جــزء مـن منظومة اقتصادية كاملة تـقـوم على مـا يمكن تسميته بـ«اقتصاد الحلم». اقتصاد لا يبيع الوظيفة، ولا الدخل، بل يبيع إمكانية النجاح نفسها، ويحوّل الاحتمال النادر إلى وعد جماعي. هنا، لا تُقاس القيمة بما يُنتَج فعلياً، بل بما يُتَخيَّل أنه ممكن: فيديو قـد ينتشر، حساب قـد ينفجر، لحظة قـد تغيّر المسار. وبينما يندفع الملايين للعمل داخل هذا الوهم المشروع، تـتـكـدس الأربــــاح الحقيقية عـنـد قـلّــة تملك المـنـصـات، أو تفهم خوارزمياتها، أو سبقت الآخرين بخطوات يصعب تعويضها. لــكــن خــلــف هــــذا المــشــهــد الـــامـــع، ثـــمّـــة اقــتــصــاد بـمـلـيـارات الـدولارات، خفي، ومعقّد، ويقوم على استهلاك الزمن البشري أكثر مما يقوم على إنتاج المعنى. وما تعده المنصات بأنه طريق ســريــع إلـــى الاســتــقــال المـــالـــي، لــم يـظـهـر عـلـى أرض الـــواقـــع إلا باعتبار أنه رقم في شاشة لا يُترجم إلى دخل حقيقي. هذا الاختلال لا يرتبط بجودة المحتوى وحدها، بل بطبيعة «اقتصاد الانتباه» نفسه، حيث تُكافئ الخوارزميات القلة القادرة على جذب التفاعل السريع، وتترك الغالبية تعمل تحت ضغط دائم من دون ضمانات، أو أفق واضح.

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky