issue17233

ليس مـن السّهل الكتابة عـن البربرية مـن داخـل الـلـغـة الــتــي أنـجـبـت الــحــضــارة، ولا مـسـاءلـة الــخــراب من قلب ثقافة أنتجها التنوير، لكن الشاعر والكاتب فـاضـل الـسـلـطـانـي، فــي كـتـابـه «الـبـربـريـة الـثـقـافـيـة... وقـــائـــع الانـــهـــيـــار»، يـفـعـل ذلـــك تــمــامــا، فيضعنا أمـــام مواجهة صريحة مع أسئلة العصر الحرجة، متخذا المـقـالـة الـصـحـافـيـة جـسـرا يعبر عليه الـفـكـر مــن آنية الحدث العابر إلى ديمومة السؤال الفلسفي. نحن هنا بإزاء مدونة فكرية تمتد على مساحة ربع قرن، ترصد، بعين الشاعر وحــس المفكر، تلك الارتـجـافـات الخفية التي تسبق الــزلازل الحضارية الكبرى. يتجاوز هذا السِفر كونه تجميعا لنصوص نشرت في الصحافة السيارة؛ بل سيرة عقلية وروحية لكاتب رأى العالم يـتـغـيـر أمــــام عـيـنـيـه، مـــن وعــــود الــتــنــويــر والـــحـــداثـــة، إلـى عتمة توحش لم يعد يعبأ حتى بـارتـداء قفازات حريرية. ينطلق السلطاني من فرضية مُــروعـة، تستعير نـبـوءات مـاركـس ونيتشه، لتؤكد أن البربرية ليست مرحلة تجاوزتها البشرية، وإنـمـا هـي احتمال دائـم الوقوع، كامن تحت قشرة الحضارة الرقيقة، ويفكك فـــي الــقــســم الأول مـــن كـــتـــابـــه، مـــامـــح هــــذه الــبــربــريــة الـــجـــديـــدة: بـــربـــريـــة تــتــغــذى عــلــى الــتــقــنــيــة، وتـنـتـعـل أحـذيـة العولمة، وتـمـارس طقوس الإلـغـاء والمـحـو بدم بــارد. رؤيته أن التقدم العلمي والتقني الهائل الذي أنجزته البشرية، سار في خط بياني متصاعد، قابله خط بياني آخـر يهوي بالقيم الأخلاقية والإنسانية إلـــى الــقــاع. وفـــي هـــذه المـفـارقـة تكمن مــأســاة الإنـسـان المعاصر؛ الإنسان الذي يمتلك أدوات تدمير الكوكب، بينما يفقد، يوما إثـر يــوم، بوصلته الأخلاقية التي تمنحه مبرر الوجود. تتجلى ثيمة «التشظي» كخيط ناظم للمقالات، فتستدعي أصواتا شعرية وروائية كبرى، من ييتس وإلـيـوت إلـى جويس وكافكا، ليقيم معها السلطاني حـــوارا حــول مصير الـعـالـم. حـن يستحضر قصيدة ييتس «المجيء الثاني»، أو «الأرض اليباب» لإليوت، فـإنـه يشير إلـــى تـلـك اللحظة الـتـي يفقد فيها العالم مركزه، وتتداعى الأشياء، وتُفلت الفوضى من عقالها. هــذا التشظي الــذي رصــده أدبـــاء الـحـداثـة فـي بدايات القرن العشرين، يراه متجسدا الآن بصورة أشد عنفا ووضـــوحـــا فــي الــقــرن الـــحـــادي والـعـشـريـن. إنـــه عصر الـسـيـولـة المـطـلـقـة، حـيـث تــــذوب الـحـقـائـق، وتـتـاشـى الحدود بين الجلاد والضحية، وبين الثقافة والتفاهة، وبين الحقيقة والوهم. يـــــذهـــــب الـــــكـــــتـــــاب بــــعــــيــــدا فــــــي تـــحـــلـــيـــل ظــــاهــــرة «الــشــعــبــويــة» الــتــي تــجــتــاح الـــعـــالـــم، مـــن «بـريـكـسـت» الـبـريـطـانـي إلـــى صـعـود الـيـمـن المـتـطـرف فــي أوروبـــا وأميركا. يقرأ المؤلف هذه الظواهر لا بوصفها أحداثا سـيـاسـيـة مـنـعـزلـة، وإنــمــا كـــأعـــراض لمـــرض حـضـاري عـــضـــال. إنـــهـــا عـــــودة «الــقــبــلــيــة» فـــي ثـــيـــاب عــصــريّــة، وانـتـصـار الـغـريـزة على الـعـقـل، والــخــوف على الأمــل. ويربط ببراعة بين سيكولوجية الطغيان، مستدعيا نماذج من هتلر إلى نتنياهو، وبين الرغبة المحمومة في التدمير كشرط لتحقيق التفوق الموهوم. في هذا الـسـيـاق، حـتـى «الــعــمــارة» عـنـد الـطـغـاة ليست سـوى مـحـاولـة يـائـسـة لـلـخـلـود عـبـر الـحـجـر، تـعـويـضـا عن الفناء الذي يزرعونه في البشر. وفي التفاتة عميقة إلى الواقع العربي، يُخضع السلطاني ظـاهـرة «الربيع العربي» لمشرط التحليل الـثـقـافـي، فـيـرفـض الـــقـــراءات السطحية الــتــي تكتفي بـالـنـتـائـج الـسـيـاسـيـة المــبــاشــرة، لـيـغـوص فــي البنية العميقة للمجتمعات العربية. وهو يرى أن ما حدث كــان زلـــزالا ضـروريـا لخلخلة قيم الطاعة والخضوع الـــتـــي تــكــلــســت عـــبـــر قـــــــرون. ورغــــــم المـــــــآلات الـــدمـــويـــة، والانـتـكـاسـات، وصـعـود قــوى الـظـام، فـإنـه يلمح في الأفق ولادة عسيرة لفرد عربي جديد، يجرؤ لأول مرة على التحديق في وجه جلاده، ويطرح سؤال الحرية كقيمة وجـوديـة عليا. إنها قــراءة تنحاز للمستقبل، وتـراهـن على «مكر التاريخ» الــذي يعمل في الخفاء، ويقود البشرية، عبر مسارات متعرجة ومؤلمة، نحو غاياتها النهائية. في الكتاب حيز واسـع لمناقشة قضايا التنوير، والـــعـــاقـــة المـلـتـبـسـة بـــن الـــشـــرق والــــغــــرب، ومـفـاهـيـم الـــهـــويـــة والمـــنـــفـــى. ويــنــتــقــد بـــجـــرأة «أســـئـــلـــة الـتـنـويـر المقلوبة» التي تنشغل بالنتائج دون المقدمات، وتغفل عـن دور الـحـامـل السياسي والاجـتـمـاعـي فـي إحــداث أي تغيير ثقافي حقيقي. كما يفكك خرافات المركزية الغربية، ونظرتها الاستشراقية المتعالية، وفي الوقت ذاته، لا يوفر نقدا للذات العربية المستلبة، التي تعيش حالة من الانفصام الفكري والأخلاقي، وتمارس سطوا مسلحا على الدين والتاريخ، لتبرير عنفها وتخلّفها. الـــقـــســـم الـــثـــانـــي المـــخـــصـــص لــــــــــــ«الأدب» يـحـتـفـي بالكلمة بـعـدّهـا قـــدرة أخـيـرة على ترميم مـا هشمته الــســيــاســة. الأدب هـنـا لا يــقــرأ كـــتـــرف فــكــري أو مـــاذ جمالي مـن واقـــع مــــأزوم، بـل كمختبر أخـاقـي تُطرح فيه الأسئلة التي عجزت الآيديولوجيات والأنظمة عن الإجابة عنها. يــطــوف بـنـا المــؤلــف فــي عــوالــم دوسـتـويـفـسـكـي، وتــولــســتــوي، وكـــافـــكـــا، ونـــايـــبـــول، وجـــــورج أورويـــــل، ومارغريت آتوود، وشعراء الحداثة العرب والغربيين، لـيـبـحـث عـــن تــلــك الــلــحــظــة الـــتـــي يـصـبـح فـيـهـا الأدب شـــهـــادة عـلـى الإنـــســـان حـــن تـفـشـل الـــدولـــة، وتتعطل السياسة، ويصمت الخطاب العام. فـــي هــــذه الـــنـــصـــوص، الأدب ضـــــرورة وجـــوديـــة، ووسيلة مقاومة صامتة، وشاهد أمـن على العصر، يحفظ للإنسان ذاكرته الأخلاقية في زمن تتآكل فيه المعايير، ويُعاد فيه تعريف العنف والشر بوصفهما أمرين معتادين. يــتــنــاول الــســلــطــانــي قـضـيـة الــشــعــر بـحـسـاسـيـة عاليّة كما يليق بكاتب يُقيم عند التخوم بين الفلسفة والقصيدة راصدا انحساره في عصر النثر والرواية، ومتسائلا عن مصير الشعر العظيم الذي تنبأ هيغل بموته. لكنه، في الوقت عينه، يحتفي بالشعراء الذين يـولـدون بعد المـــوت، وبالنصوص التي تكسر حاجز الــزمــن، ويُــعـيـد الاعــتــبــار لأســمــاء غيبها الـنـسـيـان أو الــقــمــع، ويـــضـــيء عـلـى تـــجـــارب مـــن ثــقــافــات مختلفة، مؤكدا عالمية التجربة الشعرية، وقدرتها على توحيد البشر في مواجهة الألم والموت. يــكــتــب المـــؤلـــف مـــن مـنـطـقـة نــــــادرة تـلـتـقـي فيها صرامة الفكر بأريحية السرد، فتخرج اللغة من أسر الأكاديمية الجافة مـن دون أن تفقد عمقها المعرفي. إنها لغة «مفكّرة» لا تستعرض أفكارها، بل تعيشها، وتـحـمـل قلقها وأسئلتها داخـــل نسيجها الجمالي. نصوصه مشبعة بحرارة التجربة، كُتبت بمداد القلق والأمـــل، وبشغف معرفي يحوّل العابر واليومي إلى بوابة للتأمل في الكلي والمطلق. وفـي هـذا المـسـار، لا يُترك القارئ في موقع المتلقي، وإنما يُستدرج ليكون شريكا في عملية التفكير، وطرفا في مساءلة العالم ومعناه. يُعد «البربرية الثقافية... وقائع الانهيار» وثيقة إدانــة لعصرنا، وصرخة احتجاج ضد نظام التفاهة الذي يحاول تسطيح الوعي البشري. إنه دعوة ملحة لاسـتـعـادة الـحـس الأخـــاقـــي، والـــعـــودة إلـــى الينابيع الأولــــى للمعرفة والـثـقـافـة، تـلـك الـتـي تـضـع الإنـسـان فـي مـركـز الـكـون، وتـؤمـن بقدرته على تـجـاوز شرطه المـــــأســـــاوي. بـــذلـــك يــمــثــل فـــي مــجــمــل مـــقـــالاتـــه، دفــاعــا مستميتا عن المعنى في عالم يغرق في العبث، وعن الجمال في مواجهة القبح، وعن الذاكرة ضد طوفان النسيان البربرية الجديدة تتغذى على التقنية، وتنتعل أحذية العولمة، وتمارس طقوس الإلغاء والمحو بدم بارد الثقافة CULTURE 18 Issue 17233 - العدد Monday - 2026/2/2 الاثنين مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك» يـــتـــكـــون ديـــــــوان «لا أحـــــد هـــنـــا ســيــمــيــل عـلـيـك» للشاعر المـصـري محمد سليمان مـن تسع قصائد؛ الثلاث الأخيرة منها تتكون من عدة مقاطع. ويبدو الـعـنـوان بوصفه حكمة الـــذات الـتـي توصلت إليها بعد معاناة وطول تأمل فيما آلت إليه أحوالها، إنه نـــوع مــن التسليم بــالــوحــدة والـتـعـايـش مـعـهـا، بما تحمله مفردة «سيميل» من دلالات التعاضد والتآزر، فلا أحد سيطل على هذه الذات ولا يطمئن عليها أو يسأل عن أحوالها، ليس في لحظتها الآنية فحسب، بل في مستقبلها أيضاً، فهي النبوءة التي تخاطب بـهـا الـــــذات نـفـسـهـا، وتـقـدمـهـا لـهـا بـوصـفـهـا حكما نهائيا لا يقبل المساومة، وعليها التعايش مع هذا الوضع القاسي من الوحدة والانقطاع عن العالم. الـــديـــوان، الــصــادر عــن الهيئة المـصـريـة العامة للكتاب، فاز منذ أيام بجائزة أفضل ديوان شعري في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ينشغل في تكوينه الـــكـــلّـــي بـمـعـايـنـة تـــحـــولات الــــواقــــع المــحــيــط بـــالـــذات الشاعرة، وبما طرأ على العالم من متغيرات، جعلت عالمه القديم محض أطـال وذكـريـات، ومن ثم يزداد الشعور بوطأة الاغتراب عن هذا الواقع الضاغط. إن مـفـردة «هـنـا»، التي تتوسط عنوان الديوان، تبدو مركزية فــي فـهـم الــحــمــولات الـدلالـيـة لمــجــمــل الـــقـــصـــائـــد، وفــــي حل شــيــفــرات الــطــاقــة الـشـعـوريـة المــــــســــــيــــــطــــــرة عــــــلــــــى الــــــــــــذات الـشـعـريـة، فـــ«هــنــا»، هــــذه، لا تـتـصـل فـقـط بــالمــكــان، لكنها فــــي هــــــذا الــــســــيــــاق الـــشـــعـــري تــشــيــر إلـــــى الــــزمــــان والمـــكـــان كــلــيــهــمــا، أيـــضـــا إلـــــى لـحـظـة حــضــاريــة وثــقــافــيــة مـغـايـرة عمَّا اعتادته الذات. الـديـوان تطل من خلاله الــــــــذات فــــي مــــرايــــا وجــــودهــــا الــــــراهــــــن، تــــحــــدق فـــــي ذاتـــهـــا وفـــيـــمـــا آلـــــت إلــــيــــه، مــعــتــرفــة بأنها أصبحت ذاتـــا قديمة؛ هــــذه الــــــذات الـــتـــي تــــــراوح الــنــظــر إلــــى عـــالمـــن: عـالـم ذكرياتها وماضيها، ومـن ناحية أخــرى تـحـدّق في عالم اللحظة الراهنة، متأملة موقفها الوجودي بين الماضي والحاضر، متنبئة بما يمكن أن تذهب إليه الأوضــــاع مستقبلاً، إذا ســار الـعـالـم بـهـذه الـوتـيـرة، فـــــالـــــذات الـــشـــعـــريـــة هـــنـــا تــظــهــر مـــبـــصـــرة تـشـظّــيـهـا وضياعها، ومعترفة بهذا الضياع والتيه الوجودي، فكثيرا مـا يجمع الأزمــنــة الـثـاثـة فـي مقطع شعري واحـد، كما نـراه يقول في قصيدة «كي أذكّــر الطيور بي»: «أقر... ًمثل النيل لم أفز بجائزة ومثله غدوت ربما قديما ًوأستحق أن أواصل الرحيل هكذا وحيدا وفارغ اليدين» فـــالـــذات الــشــعــريــة، هــنــا، فـــي لــحــظــات اعــتــراف أســـيـــان، كــمــحــارب مـــهـــزوم يـــرفـــع رايـــــة الاســتــســام، مـقـرّا فـي لحظة كشف وجــوديــة بـأنـه بــات «قـديـمـا»، غير قـادر على مسايرة العالم من حوله، مما أورثه الوحدة، واكتشاف أن ما كان يمسك به قديما ليس سوى سراب، إذ ينتهي به المطاف فارغ اليدين، لكن الشاعر حتى في لحظة الاستسلام هـذه، يصر على التشبه بالنيل، بكل ما يحمله من حمولات تتعلق بـالـعـذوبـة والـخـصـب والــنــمــاء، والاســتــمــراريــة، كـأن هذا التشبيه هو كلمته للتاريخ، لتذكير الطيور به، بفيوضاته وعذوبته، بأنه كـان هنا، معطاء وعذبا كالنيل، يفيض كلمات وقصائد، لينشر الخضار في الأرواح والقلوب. فـــي قــصــيــدة «بـــالـــشـــاشـــات الــتــصــقــوا» يـتـحـول الــــبــــشــــر إلـــــــى مـــجـــمـــوعـــة مـــــن الآلــــــيــــــن، المــلــتــصــقــن بــــشــــاشــــات الــــهــــواتــــف والــــتــــلــــفــــزيــــون، وغــــيــــرهــــا مـن أدوات عــصــر المـــعـــلـــومـــات، فــقــد اســـتـــبـــدلـــوا الــفــرجــة عـلـى الـحـيـاة بالعيش فـيـهـا، مـمـا أدى إلـــى اسـتـاب الإنــســان وتـشـيُّــئـه. إن الــــذات تـعـايـن هـــذه الـتـحـولات من منظور تأثيرها في إنتاج وحدتها واغترابها، فـالـشـاشـات تمنع الآخــريــن مــن الـتـواصـل مــع الـــذات الـشـعـريـة، وتحيل عالمها إلــى سجن معنوي كبير، بلا باب ولا نافذة على البراح، سجن من الشاشات لا يسمح بتجدد الهواء، مفعم بالعطن، واستخدام مفردة «انزرعت» يومئ إلى أنها أصبحت بديلا عن الأشـجـار والنخيل، تلك التي كانت تجدد أكسجين العالم، في حين هـذه الشاشات التي انـزرعـت عنوة تمتص هــذا الــهــواء، إنـهـا وبـــاء جـديـد، مصنوع من مـعـدن، يسرق الأرواح كما سـرق «كــورونــا» الوجوه والمـــامـــح، عـنـدمـا أجــبــر الـبـشـر عـلـى الاخــتــبــاء وراء أقنعة وكمامات تمسخ هوياتهم وحضورهم الحي، يقول: ً«لا أحد هنا سيميل عليك لا أحد سيفتح بابا أو نافذة ٍلهواء يوقظ نخلك وعصافيرك الشاشات انتشرت مثل وباء وانزرعت في الساحات وفي الحارات وفي أيدي الأطفال» ثــمــة مــجــمــوعــة مـــن الـــتـــقـــابـــات المــهــيــمــنــة على الديوان كله، ففي جهة واحدة هناك (الذات/ الشعر/ النيل/ الهواء القديم/ السحب/ الحقول/ البساتين/ العصافير/ الشوارع المتسعة/ الحارات الصاخبة/ لهو الأطفال...) وغيرها من مرادفات العالم القديم، الــبــكــر، ذي الـطـبـيـعـة الـنـقـيـة والـــهـــادئـــة والـحـمـيـمـة. وفـي الجهة المقابلة هناك مـفـردات العالم الآخــذ في فــرض هيمنته (الـــحـــروب/ الـصـحـراء/ الهمجيون/ الـــشـــاشـــات/ الــفــيــروســات والأوبــــئــــة/ الـــغـــربـــان). إن مفردات كل جهة متشابكة ومتعاضدة، حتى تبدو شبكة دالـــة على تـصـور مـا للوجود الإنـسـانـي، لكن مفردات الجهة الأولى آخذة في الأفول والانزياح، إنه عالم كامل ينسحب خاسراً، في مقابل عالم جديد يفرض حــــــضــــــوره وتــــــســــــيّــــــده، بــكــل قسوته وغلظته، فالصحراء تـــــنـــــتـــــصـــــر عــــــلــــــى الـــــحـــــقـــــول والـبـسـاتـن، والــحــروب تهزم الــــشــــعــــر وتــــــلــــــوث الــــســــحــــب، حتى إن الـهـواء نفسه تغيَّر، وتحولت خواصه، كما يقول في مقطع مدهش من قصيدة «هواء آخر»: «الهواء الذي كان لا لون له والذي كان يلعب حولي )...( فجأة ًصار مثل الحجر هامدا وثقيلا وأسود مثل الوباء ومثل الحروب التي حولنا تتوالد» فـــالـــهـــواء، هـــنـــا، نـــمـــوذج لـــلـــنـــزوع الــبــيــئــي الـــذي يـفـرض حـضـوره بـقـوة فـي الـــديـــوان، فالبيئة والـــذات الـــشـــاعـــرة كــلــتــاهــمــا فـــي لــحــظــة ذبــــــول، أمـــــام ازدهـــــار الـــحـــروب والأوبـــئـــة والـــشـــاشـــات، فـهـنـاك نــظــام إنـتـاج وعــــاقــــات تــنــطــفــئ، وأنـــظـــمـــة أخـــــرى تــنــمــو وتـهـيـمـن فــارضــة قـواعـدهـا، حتى إنـهـا تـفـرض هيمنتها على الـهـواء الــذي يفقد خـواصـه الطبيعية التقليدية، إنه يتكلس ويتحجر، يكتسب لونا أســود، يصبح هـواء جديداً، ثقيلا مثل الحقبة الجديدة التي ينتمي إليها. فـــي مـــواجـــهـــة كـــل هــــذا الاغـــــتـــــراب، تـــنـــزع الــــذات الشاعرة إلى الفرار نحو استعادة ماضيها في كثير مــن الـقـصـائـد، مـسـتـرجـعـة مــا كـانـت عليه مــن فتوة وعـنـفـوان، حينما كــان الشعر يتدفق غـزيـرا وعذبا مـثـل تــدفــق الــنــيــل، وأحــيــانــا تــأتــي هـــذه الاســتــعــادة فـــي صـيـغـة «فــضــفــضــة»، كـمـا عــنــون إحــــدى مقاطع القصيدة الأخيرة، أو يقدم في قصيدة «قالت المرايا» قـــــراءة شــعــريــة فـــي مــــآلات الــربــيــع الـــعـــربـــي، الــتــي لا تبتعد كثيرا عن الرؤية العامة للديوان، حيث انهزام الربيع أمام سطوة صقيع وهجير الصيف، فكلاهما يحاصر الربيع ويسحقه، فتتآزر المعاني السياسية مع البيئية مع الوجودية. الــــــــذات الـــشـــعـــريـــة فــــي هــــــذا الــــــديــــــوان مــنــهــزمــة ومـــنـــســـحـــقـــة أمـــــــام وطـــــــأة مـــتـــغـــيـــرات لا تــــقــــدر عـلـى مجابهتها، أمام عالم يتحول، وحياة فقدت بكارتها، إنـهـا ذات خـسـرت صراعها مـع الـزمـان والمــكــان، بما يجعل الـــديـــوان مـرثـيـة لـزمـن جميل مـضـى، وهـجـاء لــزمــن يــفــرض حـــضـــوره ومــواضــعــاتــه. رثــــاء لأمكنة كـــانـــت مــفــعــمــة بــالــســحــب وهــــديــــل الـــحـــمـــام وجـــمـــال الـطـبـيـعـة والـبـيـئـة بـكـل مــفــرداتــهــا، وهـــجـــاء لأمكنة حـــديـــثـــة مـــتـــصـــحـــرة، حـــيـــث انـــتـــصـــر الــتــصــحــر عـلـى خضار الحقول، والجدب على عذوبة النيل. مرثية لصخب الأطفال في الشوارع والـحـارات، والتواصل الـــحـــي بـــن الـــبـــشـــر، ولـــزمـــن الـــثـــرثـــرة عــلــى المــقــاهــي، وهجاء لزمن الشاشات والسوشيال ميديا، وعصر الأوبــئــة والــحــروب، والـكـمـامـات والـقـنـابـل... وينهي الشاعر ديوانه بمقطع لافت، يقول فيه: «آن لي أن ألم طيوري وأن أدع الريح ترتاح في كوخها. المرايا تكرر يومي ًوالأساطير أعلامها ولم يعد الشعر بحرا يَسوق الكنوز إلى غرفتي ويحتل نصف سريري». عمر شهريار فلسفة التمرد الفني في «جماليات القبح» صـــدر عــن دار «المــحــروســة لـلـنـشـر» فــي الـقـاهـرة كـــتـــاب «جـــمـــالـــيـــات الـــقـــبـــح» لـلـبـاحـثـة المـــصـــريـــة هــدى حسن، الذي يبحث في تاريخ التمرد الفني؛ لـ«يحرِّر الجمال من قيوده التقليدية، ويثبت أن القبح ليس عدوا للجمال، بل هو وجهه الآخر الذي يمنحه معنى أعمق». تتناول الدراسة، في ثلاثة أبـواب، مفهوم القبح وعـاقـتـه بـالـجـمـال لـــدى خـمـسـة فـاسـفـة مــن العصر الحديث والمعاصر. وتعرض المؤلفة تجربتها مع كل منهم لوضع ما يمكن تسميته بالمفتاح المعرفي لفهم هذا الفيلسوف أو ذاك. الباب الأول: كيف نشأت مشكلة القبح في الفكر الفلسفي؟ ويركز على الفيلسوف الألماني ذي النزعة المثالية كـــارل روزنـكـرانـتـس، الـــذي يعد أحــد عناصر الجناح الأيمن للهيغلية، إذ إن أثر هيغل حاضر لديه بـوضـوح خصوصا فـي منهجيته الـتـي يجمع فيها بـن المنهج التجريبي التأريخي والمنهج التجريدي التأملي، الــذي قـدم مـن خلاله تشريحا دقيقا لمفهوم القبيح؛ حيث تتميز شخصية روزنكرانتس بالدقة البالغة، وسيتجلى ذلك في ثنايا هذه الدراسة. ثـــم، تـنـتـقـل المــؤلــفــة إلـــى فـيـلـسـوفـن إنـجـلـيـزيـن مثاليين أيـضـا، وقــد أسهما فـي تـطـور مفهوم القبح ضـــمـــن الــــــدراســــــات الاســـتـــاطـــيـــقـــيـــة، وهــــمــــا: بــــرنــــارد بــوزانــكــيــت وولـــتـــر ســتــيــس. يــعــالــج الأول الـقـضـايـا الاستاطيقية عـن طـريـق بحثه فـي الـحـيـاة، فيتناول مفهوم الجمال والقبح مـن منظور مغاير. أمــا ولتر ستيس فيعرِّف الجمال والقبح من خلال مفهومه عن الخبرة الاستاطيقية ورفضه الثالوث القيمي. الــــبــــاب الــــثــــانــــي عــــن «الــــقــــبــــح الـــصـــنـــاعـــي» عـنـد بـــودريـــار، والـــصـــراع المـثـيـر بــن الأصـــل والـنـسـخـة في عـالـم الـــواقـــع الــفــائــق. وفـــي هـــذا الــبــاب تنتقل المؤلفة إلـى الفلاسفة المعاصرين، وتتوقف عند الفيلسوف الـفـرنـسـي الـشـهـيـر جـــان بــــودريــــار، الــــذي تــقــول عـنـه: «هـــو فـيـلـسـوف مـــــراوغ، تـجـربـتـي مـعـه كــانــت مرهقة بعض الـشـيء، حتى يمكن الـقـول إنـهـا كـانـت بمنزلة مـحـاولـة للبحث عـن الــوحــدة فـي الـكـثـرة، أو محاولة لإيجاد الثابت في المتحول، والتعرف على التشابه في الاختلاف؛ حيث لا نجد لبودريار تعريفات محددة أو مفاهيم واضحة للقبح والجمال». الـــــبـــــاب الــــثــــالــــث يــــركــــز عـــلـــى تـــــاريـــــخ الــــوحــــوش وتجسيد الشيطان عند أومبرتو إيكو، وصــولا إلى ما سمّاه عصر انتصار القبح. وفيه، تختتم المؤلفة كتابها بمعاينة رؤيــة الفيلسوف الإيطالي الشهير، الــذي تـنـاول الجمال والقبح مـن منظور مغاير. وقد صــــرّح بــــأن تــأمــاتــه حــــول هــــذا المـــوضـــوع بــــدأت منذ زمـــن بـعـيـد، إذ كـــان دائــــم الــولــع بــالــوحــوش، ويـوجـد في مكتبته عديد من الكتب عن الحيوانات وعجائب المخلوقات. ويلجأ إيكو إلى التشريح الطولي لتاريخ الــقــبــح، مـــن خـــال تــنــاولــه الأعـــمـــال الـفـنـيـة ومـنـاقـشـة الجمال والقبح في الحضارة الغربية. والمـــؤلـــفـــة هــــدى حــســن تـعـمـل مـــدرســـة مـسـاعـدة في قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة حـلـوان، وهذا الكتاب هو مؤلَّفها الأول. القاهرة: «الشرق الأوسط» أرشفة الانهيار القادم في كتاب لفاضل السلطاني «البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية ندى حطيط فاز بجائزة أفضل ديوان شعري في معرض القاهرة الدولي للكتاب

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky