issue17233

Issue 17233 - العدد Monday - 2026/2/2 الاثنين الإعلام 17 MEDIA د. ياسر عبد العزيز انتقل الذكاء الاصطناعي إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار وترجمتها والتحقق منها واستهلاكها ترند قبل أن نشكو من تراجع الإعلام لا يمكن الحديث عن إصلاح الإعلام العربي وتطويره بوصفه مشروعا مهنياً، أو تحديثا تقنياً، أو إعادة تنظيم للمؤسسات واللوائح، ما لم يُنظَر إلى جذره الأعمق، وهو الـحـالـة المعلوماتية العربية الـتـي تشكل المـجـال الحيوي الـــــذي يـتـنـفـس مــنــه الإعـــــــام، ويــســتــمــد شــرعــيــتــه ودوره ومعناه. فالإعلام ليس مجرد محتوى أو أدوات بث ومنصات خــطــاب؛ بــل هــو فــي جــوهــره مـمـارسـة معرفية تـقـوم على تـدفـق المـعـلـومـات وإتـاحـتـهـا وتــداولــهــا فــي المــجــال الـعـام. وحين تضعف هذه الحلقة أو تنقطع، يتحول الإعـام إلى صدى باهت أو واجهة شكلية أو حقل للانطباعات، بدل أن يكون أداة للمعرفة والمساءلة وصناعة الرأي العام الرشيد. ومن هنا، فإن أزمة الإعلام العربي ليست أزمة خطاب فحسب؛ بل أزمة معلومات قبل كل شيء، أزمة شح وتعتيم وحجب وندرة في البيانات الموثوقة وفي الوثائق المتاحة وفـــي الإحـــصـــاءات الـدقـيـقـة، وفـــي المـعـرفـة الـتـي ينبغي أن تكون ملكية عامة لا امتيازا سياسياً. إن الــعــالــم الــعــربــي يــعــانــي فـــي كـثـيـر مـــن دولــــه بـيـئـة معلوماتية مُضطربةً؛ حيث تصبح المعلومة سلعة نادرة أو محجوبة أو محاطة بطبقات من السرية غير المنضبطة. وحـــيـــث يــتــســع نـــطـــاق المـــحـــظـــور إلــــى حـــد يـبـتـلـع المــمــكــن، وتتحول الاستثناءات إلى قاعدة، ويتراجع الحق العام في المعرفة لصالح ثقافة سياسية وإدارية ترى في المعلومات ملكا للسلطة لا حقا للمجتمع. وفــي مثل هــذه البيئة لا يمكن أن تزدهر صحافة استقصائية، ولا أن يتشكل نقاش عام عقلاني، ولا أن تتأسس مساءلة حقيقية؛ لأن المساءلة تبدأ من المعرفة، والمحاسبة تبدأ من الاطـــاع، والمشاركة تبدأ من امتلاك المواطنين للأدوات التي تمكِّنهم من فهم ما يجري داخل مؤسساتهم العامة. إن غــيــاب المــعــلــومــات الــجــيــدة لا يــحــرم المـجـتـمـع من التفاصيل فحسب؛ بـل يحرمه أيـضـا مـن شرعية الرقابة الشعبية، ويـحـرم المـجـال الـعـام مـن تـعـدد مـراكـز التأثير، ويقيِّد إمكان تشكل النفوذ المجتمعي المستقل؛ لأن النفوذ فـــي المــجــتــمــعــات الــحــديــثــة لا يـــقـــوم فــقــط عــلــى الــــقــــوة؛ بل على المعرفة، وعلى الـقـدرة على مساءلة الـقـرار وتفسيره ومراجعته. وحين تغيب المعلومات أو تشح، يتحول المجال العام إلى مساحة للشائعات بدل الحقائق، وللتأويل بدل الوقائع، وللانطباعات بدل الأدلة. ويصبح الإعلام عاجزا عن أداء دوره الرقابي والتنويري؛ لأن الصحافة التي لا تصل إلى الوثائق، ولا تحصل على البيانات، ولا تستطيع مـــســـاءلـــة المـــؤســـســـات عــلــى أســـــاس مـــعـــرفـــي، تــتــحــول إلــى خطاب معلَّق في الهواء، مهما بلغت مهاراتها البلاغية أو تقنياتها الحديثة. ولهذا تبدو مسألة قوانين تداول المعلومات، أو حرية الـوصـول إلـى الوثائق العامة، أحـد المفاتيح الكبرى التي غابت أو تعطلت فـي كثير مـن الـــدول العربية. فعدد غير قليل من هذه الـدول لا يمتلك أصـا تشريعا نافذا يضمن الـــحـــق فـــي الــحــصــول عــلــى المـــعـــلـــومـــات، وبـعـضـهـا يمتلك قـــوانـــن شـكـلـيـة أو نــاقــصــة أو غــيــر مُــفــعَّــلــة؛ حــيــث تبقى النصوص حبيسة الورق، وتظل الإدارة قادرة على الحجب دون اختبار ودون تسبيب ودون رقـابـة مستقلة. بينما تُظهر بعض الـتـجـارب الغربية أن وجـــود الـقـانـون وحـده ليس كافياً؛ بل يجب أن يكون قانونا فعَّالا يفرض الإتاحة كــأصــل، ويـقـيِّــد المـنـع كـاسـتـثـنـاء، ويُــلــزم الإدارة بتسويغ قراراتها، ويمنح المجتمع أدوات للطعن والمراجعة. إن الحالة المعلوماتية الفعالة لا تقوم على القانون وحـــده؛ بـل تحتاج إلـى بنية معلوماتية متماسكة، وإلـى نُـــظُـــم مــرنــة لـجـمـع الــبــيــانــات وحـفـظـهـا وإتــاحــتــهــا، وإلـــى مؤسسات تعرف أن الوثائق العامة ليست أسرارا مُفترَضة؛ بل موارد اجتماعية مشتركة. وتحتاج إلى ثقافة سياسية ترى في الشفافية حماية للدولة؛ لا تهديدا لها. فالإصلاح الـحـقـيـقـي يــبــدأ حـــن يـصـبـح تــدفــق المــعــلــومــات جــــزءا من النظام العام، وحين تُنشر البيانات المالية والعقود الكبرى وتقارير الأداء والمؤشرات الحيوية، بوصفها حقائق عامة لا ملفات مغلقة. قد تمتلك الدولة الوطنية مخاوف مشروعة، تتعلق بالأمن القومي أو الخصوصية أو حماية بعض المصالح العامة، وهذه المخاوف ليست محل إنكار؛ لأن كل الأنظمة الـحـديـثـة تـعـتـرف بــاســتــثــنــاءات مـــحـــدودة. ولــكــن الــفــارق الجوهري هو أن التجارب الغربية لم تترك هذه المفاهيم فــضــفــاضــة بـــا ضــــوابــــط؛ بـــل قــيــدتــهــا بـــشـــروط قـانـونـيـة واضـــحـــة، إضـــافـــة إلــــى وجــــود هــيــئــات مـسـتـقـلـة أو رقــابــة قـضـائـيـة تمنع تـحـول الأمـــن الـقـومـي إلـــى ذريــعــة مطلقة، وتـحـوِّل الخصوصية إلـى ستار لحجب مـا يتعلق بالمال العام أو إساءة استخدام السلطة. إن الـحـلـول الـفـعـالـة لـهـذه المــخــاوف لا تـكـون بتوسيع الـــســـريـــة؛ بــــل بــتــقــنــيــنــهــا، ولا تـــكـــون بـــالمـــنـــع الـــشـــامـــل؛ بـل بـــالإفـــصـــاح الـــجـــزئـــي. ولا تـــكـــون بــــإطــــاق يــــد الإدارة؛ بـل بإخضاعها للتسبيب والمراجعة. فالأمن القومي الحقيقي لا تحميه العتمة؛ بل تحميه الثقة العامة والحوكمة الرشيدة. والمجتمع الذي يعرف أكثر يكون أقدر على مقاومة الخطر من المجتمع الذي يُترك في الفراغ والصمت. مؤسسات تشهد إحدى كبرى عمليات التحوّل التقني في تاريخها الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي فـــي صــبــاح يـــوم عــــادي بـالـعـاصـمـة الـهـنـديـة نيودلهي، لـم يعد يجتمع المــحــررون حــول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير. وحـــقـــا بــــــدأت صــــــالات الـــتـــحـــريـــر الــتــقــلــيــديــة تختفي تـدريـجـيـا فــي مـعـظـم أنــحــاء آســيــا، حيث مـا عــاد المــوضــوع الإعــامــي الآســيــوي يُكتب فقط بـــالـــحـــبـــر، أو يُـــبـــث عـــبـــر الأثــــيــــر، بــــل يُـــكـــتـــب بـلـغـة الـبـايـثـون (لـغـة بــرمــجــة)، ويُـــخـــزّن عـلـى السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات. مــــن دلـــهـــي وبـــكـــن حـــتـــى ســـيـــول وطـــوكـــيـــو، تـسـيـر المــؤســســات الإعــامــيــة بــهــدوء عـبـر واحـــدة مــن أكـبـر عمليات الـتـحـوّل التقني فــي تاريخها، وفـــي قـلـب هـــذا الــتــحــوّل تـكـنـولـوجـيـا المـعـلـومـات، والــــــذكــــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي الـــــــذي لا يـــعـــيـــد تــعــريــف كـيـفـيـة إنـــتـــاج الأخـــبـــار فـحـسـب، بـــل أيــضــا كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتـــفـــســـيـــرهـــا. لـــقـــد انـــتـــقـــل الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي، الــذي كـان ذات يـوم مقتصرا على التحليلات غير المـرئـيـة ورســـائـــل الـتـنـبـيـه الآلـــيـــة، إلـــى قـلـب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها. الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل فــي الـهـنـد، مــثــاً، احــتــوى الـفـضـاء الإعـامـي -وهــــو أحـــد أكــبــر الـــفـــضـــاءات الإعــامــيــة وأكـثـرهـا تنوعا فـي الـعـالـم- الــذكــاء الاصـطـنـاعـي باعتباره أداة. وفـــي ظــل وجـــود عــشــرات الـلـغـات، وجمهور يـــمـــنـــح الأولــــــويــــــة لـــلـــهـــواتـــف الـــــجـــــوّالـــــة، تـعـتـمـد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهنا بشكل متزايد على الــذكــاء الاصـطـنـاعـي فـي الـتـرجـمـة، وتحويل المــــقــــاطــــع الـــصـــوتـــيـــة إلــــــى نـــــصـــــوص، وتــلــخــيــص المحتوى. ووفـق كونال كابور، وهـو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائـــدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعا أساسيا لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحا بـعـدة لـغـات فــي غـضـون دقـــائـــق... وطـبـعـا، هـــذا لا يحل محل الصحافة، بل يعزّز وضعها». هـنـا لا تـشـبـه صــالــة الـتـحـريـر المـكـتـبـة بـقـدر مـــا تـشـبـه المـخـتـبـر، حـيـث يـجـلـس مـهـنـدسـون في الــبــرمــجــيــات إلــــى جـــــوار صــحــافــيــن، ومــراســلــن، لــضــمــان ألا يـــكـــون «الــتــوصــيــل بــلــغــات مــتــعــددة» مـجـرد هـــدف، بــل عملية آلـيـة سـلـسـة. وتستخدم الـعـديـد مـن صـــالات التحرير الهندية الآن الـذكـاء الاصــطــنــاعــي لــتــحــويــل الــتــقــاريــر الاسـتـقـصـائـيـة الطويلة إلـى تفاسير، ومقاطع «ريـلـز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضا تستخدم مكاتب صحافة الــبــيــانــات الـتـحـلـيـات الـقـائـمـة عـلـى تكنولوجيا المـعـلـومـات لـرصـد نـتـائـج الـسـيـاسـات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ. مـن جهة ثـانـيـة، تـحـوّل مـؤسـسـات إعلامية، عــــبــــر اســـــتـــــخـــــدام مــــنــــصــــات مــــثــــل «بـــهـــاشـــيـــنـــي» و«بـهـاراتـجـن»، تقريرا واحــدا باللغة الإنجليزية إلــــى نــشــرة صــوتــيــة بـالـلـغـة الـتـامـيـلـيـة، ومقطعا مـصـوّرا باللغة الماراثية، ومـوجـزا مكتوبا باللغة ثانية. وهنا يوضح محرر 60 البنغالية في أقل من مـقـيـم فـــي دلـــهـــي: «نــحــن نـعـمـل عـلـى جَــســر الـهـوة الرقمية. كان مألوفا أن الصحافة الإقليمية قليلة المـــــوارد، أمـــا الآن فيستطيع صـحـافـي مـبـتـدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً». اللغة الإنجليزية وقـــــــد يــــكــــون الأثــــــــر الأبــــــــــرز والأهــــــــــم لـــلـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي فـــي الــهــنــد مـلـمـوسـا خــــارج صـــالات التحرير الـتـي تعتمد على اللغة الإنـجـلـيـزيـة. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيرا ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حاليا أدوات الــذكــاء الاصـطـنـاعـي للتنافس مــع مـؤسـسـات في مــراكــز حـضـريـة عـلـى الـسـرعـة، وعـــدد المـشـاهـدات. ووفــــــق مـــحـــرر بــــــارز فــــي صــحــيــفــة يــومــيــة تــصــدر باللغة الهندية فـي دلـهـي: «للمرة الأولـــى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حد الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين». وإضــــــافــــــة إلـــــــى الــــتــــرجــــمــــة، يــــــــــزداد اعـــتـــمـــاد المـؤسـسـات الإعـامـيـة الهندية على أدوات الذكاء الاصــطــنــاعــي فـــي اســتــخــراج الــبــيــانــات، والـبـحـث الـــقـــانـــونـــي، والــتــحــقّــق مـــن المـــعـــلـــومـــات. وتـفـحـص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والــــتــــصــــريــــحــــات المــــشــــفــــوعــــة بـــالـــقـــســـم الـــخـــاصـــة بــالانــتــخــابــات، والإفـــصـــاحـــات الـبـيـئـيـة، والأعــــام الشاذة، والأنماط الناشئة. الحالة الصينية... فـي حـن يـوجّــه «الاحـــتـــواء» اسـتـخـدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له. فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعـــامـــي إلــــى الآلـــيـــة. ومــنــذ ظــهــور أول مـذيـعـن إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولـى منذ سـنـوات، تـطـوّرت التكنولوجيا مـن «الـروبـوتـات» إلـــــى اخـــتـــفـــاء الـــــقـــــدرة عـــلـــى الــتــمــيــيــز بــــن الــبــشــر و«الـــــروبـــــوت». ومــنــذ مـطـلـع الـــعـــام الــحــالــي بـــدأت مـــؤســـســـات مـــثـــل «شـــيـــنـــخـــوا» وشـــبـــكـــة تــلــفــزيــون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد 20 ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من لغة بشكل متزامن. المــــذيــــعــــون الـــصـــنـــاعـــيـــون هــــــــؤلاء مـــــــــزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مـــزامـــنـــة الــــصــــوت مــــع حــــركــــة تـــعـــبـــيـــرات الــــوجــــه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانـــجـــذاب فــي خـفـض التكلفة فـحـسـب، بــل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء. وهنا يشرح سوميت جـن، المحلل الإعلامي المـقـيـم فــي الـعـاصـمـة الـصـيـنـيـة بــكــن، قــائــا: «... بــالــنــســبــة إلـــــى الـــصـــن تـــتـــجـــاوز المـــســـألـــة خـفـض الــتــكــالــيــف لــتــصــل إلــــى الــــقــــدرة عــلــى الــتــحــكــم في الــــروايــــة بــمــا يـضـمـن تــوصــيــل رســـالـــة الـــدولـــة كل يـــوم طــــوال أيــــام الأســـبـــوع بـمـثـالـيـة، وبــاتــســاق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فـمـع صـعـوبـة التمييز بــن المـذيـعـن الصناعيين والبشريين، يـــزداد الخط الفاصل بـن المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية». في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جـدلـيـة عـلـى المــســتــوى الـــدولـــي بــشــأن الاسـتـقـال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسـائـل الإعـــام الصينية أن التكنولوجيا أمــر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة». كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي بــالــتــوازي، قـــادت كــوريــا الجنوبية صحافة الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي إلـــــى اتــــجــــاه مــخــتــلــف نـحـو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم. في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخـبـاري الذكاء الاصطناعي لمـنـح الأولـــويـــة لـلـتـحـديـثـات الــخــاصــة بـالانـتـقـال، والأســـهـــم الــتــكــنــولــوجــيــة. وإذا كــنــت طــالــبــا فـإنـه يسلّط الضوء على سياسة التعليم. وحــــالــــيــــا تــســتــثــمــر المــــؤســــســــات الإعـــامـــيـــة الـــكـــوريـــة الــجــنــوبــيــة، بـشـكـل كــبــيــر، فـيـمـا تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الــــذكــــاء الاصــطــنــاعــي بـشـكـل آلــــي تــلــقــائــي مــواقــع التواصل الاجتماعي بحثا عن المواضيع الرائجة، وتـــكـــتـــب تـــقـــاريـــر أولــــيــــة، بــــل وحـــتـــى تــتــعــامــل مـع تـحـسـن مــحــركــات الــبــحــث قــبــل أن يـــراهـــا مــحــرّر بشري. وبـــهـــذا الـــشـــأن، حـــــذّر مـــحـــرّر بـــــارز مـقـيـم في الـعـاصـمـة الــكــوريــة سـيـول خـــال مـنـتـدى إعـامـي نُظّم أخـيـراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مـــبـــدأ الـــراحـــة فـــي مـــجـــال الــصــحــافــة. فـــــإذا أوضـــح الــــــذكــــــاء الاصــــطــــنــــاعــــي لـــلـــنـــاس مـــــا يــــتــــوافــــق مـع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة». اليابان: ذاكرة أرشيفية في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي فــي الـيـابـان «حــارســا لـلـمـاضـي»... إذ تــحــوّل هنا إلـــى أداة لتحقيق ســامــة الأمــــة، وحــفــظ الـسـيـاق التاريخي. وبـــالـــفـــعـــل تــســتــخــدم المـــؤســـســـات الإعـــامـــيـــة اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لـنـبـأ عــاجــل مــع صـــور أرشـيـفـيـة، مــا يــوفــر عدسة تــاريــخــيــة عـمـيـقـة تـعـجـز الأنــظــمــة الـتـقـلـيـديـة عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير فـي السياسات منذ ثلاثين سنة». ثـم يضيف: «أصـبـح الــذكــاء الاصطناعي الشريك الخفي فـي كـل صـالـة تـحـريـر». فـي أي حـــال، يظل تـركـيـز الــيــابــان عـلـى اســتــخــدام التكنولوجيا في تـعـزيـز الـــدقـــة، والــجــاهــزيــة لــلــكــوارث بـمـا يضمن أن تسهم الــثــوانــي، الـتـي تيسر تـوفـيـرهـا بفضل الـذكـاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حـارس لجودة مستوى الأداء. مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي) نيودلهي: براكريتي غوبتا حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين أعـــــــاد اقـــــتـــــراح طـــرحـــتـــه «هـــيـــئـــة المــنــافــســة ) لمنح الناشرين CMA( » والأســـواق البريطانية حــــق رفــــــض اســــتــــخــــدام مـــحـــتـــواهـــم فــــي تــغــذيــة ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الــــجــــدل حـــــول مــســتــقــبــل الـــعـــاقـــة بــــن شـــركـــات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جـــدوى هـــذا الـحـق قـانـونـيـا وعـمـلـيـا. وفـــي حين تُــصـر «الـهـيـئـة» على ألا ينعكس الـرفـض سلبا على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات. «هـيـئـة المـنـافـسـة والأســــــواق الـبـريـطـانـيـة» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قـــالـــت فــيــهــا إنـــهـــا «تـــــــدرس بــالــفــعــل تــحــديــثــات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بـــإلـــغـــاء الاشــــتــــراك تـــحـــديـــدا فـــي مـــيـــزات الـــذكـــاء الاصطناعي التوليدي للبحث». الــــــدكــــــتــــــور الـــــســـــر عــــلــــي ســـــعـــــد، الأســـــتـــــاذ المـشـارك فـي تخصص الإعـــام الجديد بجامعة أم الـــقـــيـــويـــن، رأى أنــــــه فــــي ضــــــوء المـــقـــتـــرحـــات البريطانية الأخـيـرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقا قانونيا مُــعـلـنـا؛ لـكـنـه غـيـر مـحـصـن عمليا بـشـكـل كامل بعد. وأوضـــــــح لـــــ«الــــشــــرق الأوســــــــط» أن «هـيـئـة المـنـافـسـة والأســــــواق الـبـريـطـانـيـة» تـسـتـنـد إلـى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الـذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم فــــي نـــتـــائـــج الـــبـــحـــث بــســبــب رفـــضـــهـــم؛ غـــيـــر أن الإشـكـالـيـة تـكـمـن فــي أن خـــوارزمـــيـــات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنيا حتى لو كانت محظورة تنظيمياً». وتـابـع سـعـد: «لـــذا، فــإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الـواضـح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتــــاحــــة آلـــيـــات تــدقــيــق مـسـتـقـلـة وحــــق الـطـعـن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الـــتـــرتـــيـــب، وهـــــو مــــا تــعــمــل عــلــيــه الــهــيــئــات التنظيمية حاليا وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية». «وكــــــالــــــة الــــصــــحــــافــــة الــــفــــرنــــســــيــــة» كـــانـــت بـــدورهـــا قـــد أوردت بـنـهـايـة يــنــايــر المـــاضـــي أن «نـــــاشـــــري المـــــواقـــــع الإلـــكـــتـــرونـــيـــة والمـــؤســـســـات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الـذكـاء الاصطناعي بسرقة محتواهم مـن دون تــعــويــض، بــهــدف تـغـذيـة نـمـاذجـهـم الــتــي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفـــادت «الـوكـالـة» بــأن «هـــذا المسار المجحف تسبب فـي تقليل دخـــول المستخدمين إلـى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عـــدد زوار مــواقــعــهــم، وبــالــتــالــي مـــن عـائـداتـهـم الإعلانية». ووفـــــق الـــدكـــتـــور ســـعـــد، فــــإن قـــــرار الــرفــض هــذا «مـحـفـوف بـالمـخـاطـر»، بينما عــد النموذج الأكـــثـــر عـمـلـيـة، هـــو تــرخــيــص المـــحـــتـــوى، «وفـــي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام مـحـتـواهـم فـي الـتـدريـب أو فـي المـلـخـصـات، فـإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلــــى اقـــتـــصـــاد تــرخــيــص المـــحـــتـــوى، ســــــواء عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)». ســـعـــد اقــــتــــرح أيـــضـــا نـــمـــوذجـــا آخـــــر يـمـكـن أن يـكـون عـــادلا للطرفين، هـو «نــمــاذج مشاركة الـــعـــائـــدات الإعـــانـــيـــة، أو الـــتـــفـــاوض الـجـمـاعـي للناشرين على غــرار التجربة الأسـتـرالـيـة، إلى جـانـب نـمـاذج الــوصــول عبر واجــهــات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هــذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفـاعـلـة، وتـشـيـر بــوضــوح إلـــى تـحـول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي». وفــــــي هــــــذا الــــــصــــــدد، رأى هــــانــــي ســيــمــو، خبير المـشـاريـع الرقمية، فـي حــوار مـع «الشرق الأوســـــط»، أن وجـــود آلــيــات واضــحــة لتعويض الـنـاشـريـن عــن اسـتـخـدام مـحـتـواهـم فــي تـدريـب الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي «يــقــع فـــي صـمـيـم اهـتـمـام جميع أصحاب المصلحة في المجال». القاهرة: إيمان مبروك النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky