issue17233

القبائل الـبـدائـيـة كـانـت تغنّي لأرواح قتلى أعـدائـهـا، تطلب منها المسامحة، وتذكرها بأن ما جرى لم يكن أكثر من صـراع على العشب والكلأ، على المأكل والمـشـرب. وبـأن المواقع كان ممكنا أن تتبدَّل، فيصير القاتل مقتولاً. اعتراف صـريــح بــالــواقــع بــا بـطـولـة ولا قـــداســـة، يـتـحـرك فــي وعـي الإنسان بالطبيعة. ثـــم اكـتـشـف الإنـــســـان الـكـلـمـة، وقــدرتــهــا الـهـائـلـة على تشكيل الوعي بالواقع، وعلى نقل الصراع من الأرض إلى الــســمــاء. ولــيــس المــقــصــود بـالـسـمـاء هـنـا الـــديـــن، بــل القيم المتسامية الـتـي تـقـدم نفسها باعتبارها بـا غــرض ذاتــي، وبــــا مـصـلـحـة مـــبـــاشـــرة. عــنــد هــــذه الــلــحــظــة، تــــــزاوج حب الـسـيـطـرة مــع الكلمة زواجــــا مـثـمـراً. لــم تـعـد الهيمنة فعلا أرضيا عارياً، بل اكتست مشروعا أخلاقياً، وروجت بكلمات تخفف مقاومة الآخرين، وتحول الجدل بعيدا عن جوهره. فعلت الكلمة ما هو أخطر؛ جعلت النص الجيد مقدما على ملاحظة الواقع، وجعلت الفكرة ملموسة للوعي أكثر مــن الـتـجـربـة، وجـعـلـت الـصـيـاغـة أهـــم مــن الاخــتــبــار. صـار النص مركز الفلك، وأي اختلاف مع هذا النص خطأ أخلاقياً. فإن أثبتت التجربة فشل النص، صارت هي المتهمة. يـبـدو مما سبق أن الكلمة كـانـت الـطـرف الــخــدوم في زواجها مع التسلّط. الحقيقة لا. الكلمة استخدمت التسلط بـــقـــدر مـــا اســتــخــدمــهــا، حــيــث صــــار الــقــمــع حـتـمـيـا لحشر التجربة في مقاس النص. لم يعد فعلا شائناً، بل تقويم لانحراف الآخـريـن. إن لم يطابق الواقع الكلمة، فلا بد من إجباره على ذلك، بدلا من مراجعتها ونقدها. في العصر الحديث، كانت الاشتراكية المثال الأوضح على هذا المسار. روجتها الكلمة بوصفها وعـدا بالمساواة والــتــوزيــع الــعــادل لـلـثـروة. غـيـر أن هــذا كــان مـجـرد تبرير. أمـــا جــوهــرهــا، فـلـم يــتــجــاوز قــط اعــتــقــاد مـجـمـوعـة معينة بأحقيتها من دون غيرها في التحكم. والمفارقة أن هذه الأحقية اكتُسبت من الكلمة. في دائرة مـفـرغـة يــغــذي أحـدهـمـا الآخــــر. نــصــوص فــي عـقـل شخص أو نخبة، أجـــادوا صياغتها، بحيث كانت أعلى قليلا من الوعي الشائع، لكنَّها تظل في متناول البصر إن نظر إلى أعلى. كثيرا ما نسمع دوائـر الثقافة، لا سيما في اليسار، تـتـحـدث عـــن «الــكــيــتــش»، الــجــمــال الـسـطـحـي الـــفـــارغ الـــذي لا يسمن ولا يـغـنـي، بينما مـارسـتـه سياسيا عـلـى نطاق مجتمعي واسع. في مواجهة الطبيعة والتجربة البشرية، الـتـي استعصت دائـمـا على الإحـاطـة الكاملة، قــدم النص، بـهـذا المعنى الكيتشي، مأمنا وهميا مـن التعقيد، ووعــدا زائفا بالسيطرة. لـكـن الـتـجـربـة لا تـعـتـرف ســـوى بــالــواقــع. وبـمـجـرد أن اختُبِرت الشعارات عملياً، لم تتحقق العدالة ولا المساواة، بـــل انـتـهـى الأمــــر كـــل مـــرة بـانـهـيـار اقـــتـــصـــادي، وبمجتمع شحيح الــفــرص، تستولي عليها دوائــــر الـنـفـوذ وتـورثـهـا لأبنائها. ورغم ذلك لم يعلنوا أبدا فشل المشروع. المشروع الحقيقي لم يفشل، لأنه لم يكن ما روَّجته الكلمة، بل إحكام هـذه الفئة من المفتونين بمعارفهم النصوصية، المفخمين لقيمتها، سيطرتهم عـلـى الـسـلـطـة. ولـــم يـكـونـوا ليتخلوا عنها. البديل كلما فشلت تجربة كـان الـعـودة إلـى ألاعيب الكلمة. في الاقتصاد ينخفض شعار التأميم لاسـتـرداد حق الـدولـة، ويرتفع شعار الخصخصة لـزيـادة مـــوارد الـدولـة. ويــــــدار الانـــفـــتـــاح الاقـــتـــصـــادي بـــالـــوعـــود. أمــــا فـــي الـــواقـــع، فيتحول إلى مسابقات تحدٍّ، لا يتجاوز عثراتِها سوى عدد ضئيل يمكن التحكم فـيـه. وحـتـى فـي الـــدول الرأسمالية، سيروّجون لإنفاق الدولة الخرافي على أنّــه قاطرة النمو، ويـسـتـخـدمـونـه لـنـهـش الـــثـــروات مـــن أطــرافــهــا بـالـضـرائـب والـتـضـخُّــم. والنتيجة جـوهـر الاشـتـراكـيـة، سيطرة تمكِّن العقل النصوصي من فرض هندسته الاجتماعية. فـــي الـــــدول غــيــر الــديــمــقــراطــيــة، ســيــفـرضـون المــشــروع الاجـــتـــمـــاعـــي بــــوضــــوح فــــــجّ: قـــمـــع مـــبـــاشـــر، وتـــحـــكـــم كــامــل فـــي المــصــائــر، وعـــقـــاب عـلـى الأفـــكـــار الـسـلـمـيـة. وفـــي الـــدول الـديـمـقـراطـيـة، نـسـل آيـديـولـوجـي يتخلص مــن الـشـعـارات التي فقدت جماهيريتها، ويطرح أفكار هندسة اجتماعية جديدة، يحميها بأدوات قمع أنعم: ثقافة الإلغاء، الصوابية السياسية، تقييد الأفكار، وخنق المسارات المهنية. التعليم الـنـظـري مهم للمجتمعات، لكنَّه قـد يتحوّل إلـى لعنة عليها. ينتج عقليات نصوصية قد تختلف في توجهاتها الظاهرية من المادية إلى الدين السياسي، لكنَّها جميعا تتلاقى في الجوهر، وترتاح إلى بعضها البعض. جـمـيـعـهـم إخــــــوة، مـــن مـــوالـــيـــد تــــــزاوج الــكــلــمــة والــتــســلــط، ومهمتهم خنق التجربة الإنسانية. في لحظة إقليمية ودولية بالغة الاضطراب، حيث يُعاد تفكيك القواعد التي حكمت النظام الدولي، يُطل الأمين العام لــــ«حـــزب الـــلـــه»، نـعـيـم قــاســم، بـتـصـريـح لا يحتمل الـتـأويـل: «لبيك خامنئي»، معلنا مجددا أن مرجعيته الأساسية هي إيران، وأن حزبه مستعد للقيام بكل ما يلزم، حتى الانخراط في حرب إسناد ثانية؛ للدفاع عنها في مواجهة أي تهديد. مـوقـف سياسي وإعـــان اصـطـفـاف، ينقلان لبنان مـن خانة الـدولـة الساعية إلـى استعادة سيادتها، إلـى موقع الساحة المفتوحة، في صراع إقليمي لا قرار له فيه. يتحير المرء في مقاربة كلام قاسم... هل يعكس الموقف الفعلي لـ«الحزب» وراعيه الإيراني، أم باتت مهمة هذا الرجل دعائية لشد عصب البيئة الحاضنة؟ يصعب أخذ كلامه على محمل الـجـد فـي هــذا الــوقــت، خصوصا بعد خسائر حزبه ومحوره المدوية، وفيما يشهد العالم توترا أميركيا - أوروبيا غير مسبوق، مع محاولات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إعــــادة تـعـريـف الــســيــادة والـتـحـالـفـات، ودخــــول غـــزة مرحلة رمادية بين الحرب والتسوية، وخروج سوريا من نظام دون أن تبلغ بعد عتبة الاستقرار، فيما تتصاعد الضغوط على إيران داخليا وخارجياً. وســــط كـــل هـــــذا، ومــــع مـــحـــاولـــة لـــبـــنـــان، بــشــق الأنـــفـــس، إقناع العالم بأنه عاد إلى منطق الدولة لا منطق الميليشيا، يأتي تصريح قاسم لينقض هذا المسار ويُسقط آخر أوراق الالــتــبــاس الــتــي اسـتـخـدمـهـا «الـــحـــزب» ســــنــــوات... فـالـحـرب التي جُــر إليها لبنان سابقا قُــدمـت تحت عـنـوان «المساندة والمشاغلة» دفـاعـا عـن غــزة أولاً، وحماية للبنان ثانياً. أما اليوم، فلا فلسطين في الخطاب، ولا حتى محاولة للتغطية الأخـاقـيـة. الـدفـاع بــات صريحا عـن النظام الإيــرانــي، مهما كانت التكلفة على لبنان. بهذا المعنى، ينتقل «حــزب الله» من موقع الفاعل المحلي ذي الارتـبـاط الخارجي، إلـى موقع الوكيل المعلَن لدولة أخرى. هذه الواقعة تكشف عن حقيقتين، الأولى أن هذا الموقف يؤكد أنــه لا مجال ولا معنى لأي حــوار مـع «الــحــزب» بشأن أي موضوع، خصوصا جدوى سلاحه أو وظيفته. فالسلاح لـم يـعـد، حتى فـي الـخـطـاب، أداة ردع أو حماية للبنان، بل أداة جاهزة للاستخدام في معركة تتجاوز حدوده ومصالح شعبه. والثانية أنه يأتي في لحظة لبنانية استثنائية، وربما نــادرة في تاريخ الانهيار الطويل؛ فـأول مـرة منذ سنوات، تحاول الدولة اللبنانية، ولو بالكلام، برئاستها وحكومتها ومـــؤســـســـاتـــهـــا الـــعـــســـكـــريـــة، أن تـسـتـعـيـد خـــطـــابـــا ســـيـــاديـــا، وتعيد وصل ما انقطع مع المجتمع الدولي والعالم العربي، وإقناع العواصم المؤثرة بأن لبنان لم يعد رهينة قرار أمني خـارجـهـا. وتـالـيـا، لا يُــقـرأ كــام قاسم بوصفه موقفا حزبيا معزولاً، بل بصفته ضربة مباشرة لهذا المسار الهش؛ تُبدد الثقة قبل أن تتكوّن، وتُفقد لبنان لحظة قد لا تتكرر لإعادة الـتـمـوضـع بصفته دولــــة لا ســاحــة. فـالـخـطـر لا يـكـمـن فقط في حـرب محتملة، بل في تقويض فـرص الإنـقـاذ السياسي والاقـــتـــصـــادي. فكيف يمكن للبنان إقــنــاع المجتمع الـدولـي بــأنــه يـسـيـر نـحـو اســتــعــادة احـتـكـار اســتــخــدام الـــقـــوة، فيما أحـد مكوناته المسلحة يؤكد جـهـارا أن ولاءه وقـــراره خـارج الحدود؟ ما الذي يسمح لـ«الحزب» بأن يصطف في حرب حتى أميركا بجبروتها تتريث قبل خوضها؛ ليس عجزا أو خوفا من إيـران، بل من النتائج المحتملة؟ الإجابة المرجحة ليست قـدرات «الحزب» مهما بلغت ترسانته المتبقية، بل اعتماده على احتكار تمثيله الشيعة. ما يسعى إليه قاسم وحزبه، وربـــمـــا إيـــــران، هـــو الـتـعـويـض بــأثــمــان سـيـاسـيـة يحصدها «الحزب» وجمهوره على حساب باقي أبناء الطائفة. وهنا يُطرح سـؤال مسكوت عنه داخـل البيئة الشيعية نفسها: هل الدفاع عن النظام الإيراني مصلحة شيعة لبنان الذين دفعوا أثمانا في حروب سابقة؛ أم إنهم يُدفعون مجددا إلى موقع المتراس فيما تتآكل مقومات عيشهم ويفقدون ما تبقى من أمان اجتماعي واقتصادي؟ هذه البيئة، مهددة بأن تتحول من جديد إلى وقود في صراع إقليمي لا تملك قراره ولا تجني ثماره. المــــســــألــــة فـــــي الــــنــــهــــايــــة لـــــم تــــعــــد خــــافــــا ســـيـــاســـيـــا أو آيديولوجياً؛ إنما أصبحت سؤالا عمّن يقرر مصير الشيعة ولبنان بعامة: الدولة ومؤسساتها، أم حزب يعلن صراحة أن بوصلته ومرجعيته خارجية؟ الغرابة والخطورة تكمنان فـــي إغـــضـــاء الــشــيــعــة خــصــوصــا والــلــبــنــانــيــن عــمــومــا عما يجري، واستمرار تحملهم وزر مغامرات جديدة وممارسات تستخف بحياتهم ومستقبل أبنائهم. صحيح أن لبنان سبق أن تجاوز حروبا وأزمات كثيرة، إنما هذه المرحلة مختلفة دوليا وإقليمياً، ولا مؤشرات على متغيرات قريبة. فكيف يمكن تجنيب لبنان، بكل طوائفه، مخاطر مرحلة دولية جديدة تُقاس فيها الدول بقدرتها على ضبط أراضيها والتحكم في قرارها السيادي، في عالم يعيد ترمب صياغته بمنطق التفاوض من موقع القوة والنفوذ؟ العبرة للبنانيين؛ مسؤولين ومواطنين، لا سيما الشيعة، هي التخلي عن الأوهام وعن «العيش داخل كذبة» اسمها قدرات «حزب الله». نستعيد في هذا السياق ما قاله رئيس الوزراء الكندي، مـارك كـارنـي، في دافـــوس: «قـوة النظام لا تأتي من حقيقته؛ بل من استعداد الجميع للتصرف كأنه حقيقي». بــــن اســـتـــعـــادة الــــدولــــة والانـــــــــزلاق مــــجــــددا إلـــــى مـنـطـق الوكالة؛ ما عاد الخيار قابلا للتأجيل أو للمناورة. تـــتـــرقّـــب المــنــطــقــة مـــواجـــهـــة مـحـتـمـلـة بين الـولايـات المتحدة وإسـرائـيـل مـن جهة، وإيــران من جهة أخرى. غير أن السؤال الأهم ليس: من ينتصر؟ بل: ماذا يفعل المنتصر ببيئة إقليمية تُفرَّغ من خصومها الكبار؟ فــــــإذا انـــتـــهـــت المـــواجـــهـــة بـتـغـيـيـر الــنــظــام فــــي طـــــهـــــران، ونــــشــــأت عــــاقــــات طــبــيــعــيــة بـن إسرائيل والنظام الإيراني الجديد، فهل يقود ذلـك إلـى تـحـوّل فـي السلوك الإسرائيلي تجاه الـفـلـسـطـيـنـيـن؟ وهــــل تــصــبــح إســـرائـــيـــل أكـثـر استعدادا للقبول بحل الدولتين؟ أم أنَّنا سنكون أمام دولة أكثر تحررا من القيود، وأوسع قدرة على فرض تصورها للأمن الإقليمي؟ تــقــوم ســـرديـــة غـربــيــة واســـعـــة الانــتــشــار، تسللت إلــى جـزء مـن النّخب العربية، على أن تــصــلّــب إســـرائـــيـــل نــابــع أســـاســـا مـــن شـعـورهـا بــالــحــصــار والــتــهــديــد الــــوجــــودي مـــن الـــخـــارج (مــحــركــات الــســلــوك الإســرائــيــلــي خــارجــيــة في الأصــــــــل)، وأن إيـــــــران تــمــثــل الــــيــــوم آخـــــر هـــذه التهديدات الكبرى. وبحسب هـذا المنطق، فإن زوال الــخــطــر الإيــــرانــــي سـيـنـقـل إســـرائـــيـــل من «عقلية الأمــن» إلـى «عقلية السياسة»، ويعيد فتح أفق التسوية مع الفلسطينيين. هـــــذه هــــي الـــحـــجَّـــة الأقـــــــوى فــــي مــواجــهــة الأطــــروحــــة الــتــي يـطـرحـهـا هـــذا المـــقـــال. لكنَّها تفترض، ضمناً، أن السلوك الإسرائيلي يتحدّد أســاســا بمستوى الـتَّــهـديـد الــخــارجــي؛ بــل من بنية الدولة من الداخل وطريقة تعريفها لذاتها وحــــدودهــــا ووظــيــفــتــهــا الــســيــاديــة (مــحــركــات السلوك الإسرائيلي داخلية في الأصــل). ولأن معظمنا لا يعرف تعقيدات الوضع الإسرائيلي الـــــداخـــــلـــــي،فـــــإنـــــه يـــســـتـــســـهـــل قــــــــــراءة الـــــدوافـــــع الـــخـــارجـــيـــة. تـنـطـلـق هــــذه المـــقـــالـــة مـــن فـرضـيـة مغايرة: القبول الإسرائيلي بدولة فلسطينية لا يرتبط مباشرة بمستوى الخطر الإقليمي؛ بل بتعريف الدولة الإسرائيلية للأرض والسيادة ودور القوة في إنتاج الشرعية السياسية. وهو تـعـريـف يـصـطـدم بـبـنـيـة آيـديـولـوجـيـة عميقة في النظام السياسي الإسرائيلي، تتجلَّى في مركزية الأرض، ووظيفة الاستيطان، وتحويل الــســيــطــرة المــيــدانــيــة إلــــى واقـــــع ســـيـــادي دائــــم، بصرف النظر عن هوية الحكومات. التجربة العملية تؤكد ذلك؛ فمنذ اتفاقية ، ثم وادي عربة 1979 كامب ديفيد مع مصر عام ، وصــــولا إلـــى الاتـفـاقـات 1994 مــع الأردن عـــام الأخرى المتتالية المعروفة، لم يُسجَّل أي تحوّل بنيوي فـي مـوقـع القضية الفلسطينية داخـل الاستراتيجية الإسرائيلية. بل على العكس، كل تـوسّــع فـي دائـــرة التطبيع تـرافـق مـع مزيد من التراجع في مركزية المسار الفلسطيني. في التجربة الإسرائيلية، لم يكن السلام مـــع الـــــدول الــعــربــيــة مـــدخـــا إلــــى الــتــســويــة مع الفلسطينيين؛ بل تحوّل إلى بديل استراتيجي عنها. بعد الاتفاقات المتتالية هذه لم تتراجع وتــيــرة الاسـتـيـطـان، ولـــم تتغير مـكـانـة الضفة الـــغـــربـــيـــة فــــي الـــعـــقـــيـــدة الأمــــنــــيــــة، ولـــــم يـنـتـقـل الـفـلـسـطـيـنـي مـــن خـــانـــة «مــشــكــلــة إدارة» إلــى خــانــة «شـــريـــك ســيــاســي». بـــل يـمـكـن الـــقـــول إن إســـرائـــيـــل، كـلـمـا اتـسـعـت شـبـكـتـهـا الإقـلـيـمـيـة، تــحــررت أكــثــر مــن الـضـغـط الـسـيـاسـي المـرتـبـط بالملف الفلسطيني. في السابق كانت القضية الفلسطينية هي البوابة العربية إلى إسرائيل. أمَّا اليوم، فقد فُتحت البوابات من دون المرور بـــهـــذه الـــبـــوابـــة. مـــن هــنــا يـصـبـح الـــرهـــان على تــغــيــيــر الـــنـــظـــام فــــي إيــــــــران، بـــوصـــفـــه مـفـتـاحـا لتغيير السلوك الإسرائيلي تجاه حل الدولتين، رهانا مضللاً. فإيران، في التفكير الإسرائيلي، ليست سبب التصلّب في الملف الفلسطيني؛ بل عنصر فــي منظومة تـهـديـد تُــسـتـخـدم لتبرير سياسات الردع والضربات الوقائية وتوسيع الشرعية العملياتية. الــــســــؤال الــحــقــيــقــي: مـــــاذا يـــحـــدث عـنـدمـا يختفي آخر القيود الكبرى على فائض القوة؟ فـي الــذاكــرة الاستراتيجية الإسرائيلية، كــــان صـــــدام حــســن «عــــــدوا مـــركـــزيـــا» ثـــم سقط نظامه. وكــان القذافي خصما آخـر ثم اختفى. دولة إقليمية 2011 وتراجعت سوريا بعد عام . ومع 2020 فاعلة، وقُتل قاسم سليماني عـام ذلـك، لم يـؤد غياب هـؤلاء الخصوم إلى سلوك إسرائيلي أكثر مرونة؛ بل إلى توسيع هامش الـــحـــركـــة الــعــســكــريــة والـــســـيـــاســـيـــة. فـــي الـعـقـل الاستراتيجي الإسرائيلي، لا تقوم البيئة الآمنة عـلـى غــيــاب الـــصـــراع؛ بـــل عـلـى غــيــاب الخصم الـــقـــادر عـلـى فـــرض تـكـلـفـة حـقـيـقـيـة. لــذلــك فـــإن اختفاء «الأعــداء الكبار» لا يعني نهاية منطق الــقــوة؛ بــل إعــــادة تـعـريـف مـجـال اسـتـخـدامـهـا. ويـمـكـن تـسـمـيـة ذلـــك «وهــــم ســقــوط الأشـــــرار». لم ينتج 2003 سقوط نظام صـدام حسين عـام سلوكا إسرائيليا أكثر اعتدالاً، وسقوط نظام لم يفتح أفق تسوية، وإنهاك 2011 القذافي عام ســوريــا لــم يـقـلّــص هــامــش الـحـركـة العسكرية الإسرائيلية؛ بل وسّعه. وحتى مقتل سليماني عـــــزّز مــنــطــق الـــضـــربـــات الاســتــبــاقــيــة الــعــابــرة للساحات، من دون أن يغيّر شيئا في مقاربة إسرائيل للملف الفلسطيني. الأمن الإسرائيلي لا يقوم على غياب العدو؛ بل على إدارة التفوق. وقـد بـرز هـذا المنطق بوضوح بعد حـرب غزة، حـن انتقل التفكير الأمـنـي مـن حـــدود القطاع إلـى ما يمكن تسميته «غـاف الإقليم». فحتى بعد الدمار الواسع وسقوط قيادات كبيرة في حركات المقاومة، لم تتشكل لحظة اكتفاء أمني؛ بـل لحظة انتقال إلـى مستوى أعلى مـن إعـادة هندسة المجال الإقليمي. إذا تغيّر النظام في إيـــران، أو تحولت طـهـران مـن خانة الـعـدو إلى خانة الشريك، فلن تكون تلك لحظة تصالحية فــــي الـــســـلـــوك الإســــرائــــيــــلــــي؛ بــــل لــحــظــة إعـــــادة تموضع استراتيجي. ستجد إسرائيل نفسها في بيئة غير مسبوقة: لا جبهة عربية تقليدية، ولا طوق إقليمي مهدِّد، وشبكات مصالح مع دول الخليج، وتـفـاهـمـات مـع تـركـيـا، ومحيط إقليمي منهك أو منشغل بأزماته الداخلية. فــــي مـــثـــل هـــــذه الـــبـــيـــئـــة، تـــتـــراجـــع حـــوافـــز تقديم تنازلات للفلسطينيين، ويضعف منطق الــــضــــرورة الــســيــاســيــة، ويــصــعــد مـنـطـق إدارة التفوق. كما تتآكل القيمة التفاوضية لأي ورقة عربية، لأن إسرائيل تكون قد تجاوزت عمليا عتبة العزلة الاستراتيجية. الــــــدولــــــة الأقـــــــــوى فـــــي نــــظــــام إقــلــيــمــي مـــنـــزوع الأنـــــــداد لا تــصــبــح أكـــثـــر اعــــتــــدالاً؛ بـل أكـثـر تـحـرراً. والخطأ التحليلي الأكبر هـو الاعـتـقـاد بــأن اختفاء «الأعــــداء الكبار» يـفـتـح تـلـقـائـيـا بــــاب الـــســـام. فـــي الـتـجـربـة الإســـرائـــيـــلـــيـــة، غـــيـــاب الـــخـــصـــوم لا يصنع سلاماً؛ بل يوسّع مجال الشراسة. OPINION الرأي 12 Issue 17233 - العدد Monday - 2026/2/2 الاثنين لبنان و«العيش داخل كذبة» تزاوج الكلمة والتسلط هل تصبح إسرائيل أقل شراسة؟ وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مأمون فندي سام منسى خالد البري

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky