issue17232

الثقافة CULTURE 17 Issue 17232 - العدد Sunday - 2026/2/1 الأحد الشعر الصيني... حكمة التاريخ وأسئلة اللحظة الراهنة ضمن سلسلة «آفـاق عالمية» الصادرة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، صدر كتاب «نافذة على الشعر الصيني»، ترجمه عن الصينية مجموعة من الشباب: أسماء عيطة، وبسمة محمد، ودينا التهامي، ورانيا مرسي، وريـهـام سعد، وسندريلا سمير، ومحمد عبد الرحيم، وهدير شوقي، وياسمين شورى. ويـضـم الـكـتـاب نــمــاذج إبـداعـيـة وقصائد متنوعة لنخبة من شعراء الصين ضمن حقب مختلفة على مر التاريخ، مثل: بيداو، وتشانغ جـــيـــو لـــيـــنـــغ، وجــــــــوان جــــن تــــشــــاو، وخــــوشــــه، ودوفـــو، وشـه دجــه، وغـو تشينغ، ولـوفـو، ولي تشينغ تشاو، وليو زي لي، ومنغ لانغ. فــــــي تــــقــــديــــمــــه لــــلــــكــــتــــاب، يـــشـــيـــر مــحــســن فـرجـانـي، أسـتـاذ الأدب الصيني بجامعة عين شـمـس، إلـــى أن الــقــرن الــحــادي والـعـشـريـن حـل والـشـعـر الـصـيـنـي يـعـانـي مــن حــالــة التهميش التي ألمَّــت بـه طــوال تسعينيات الـقـرن السابق، فــانــشــغــلــت الـــســـاحـــة الـــشـــعـــريـــة بـــثـــاثـــة أسـئـلـة كــبــرى فــرضــت نفسها عـلـى الـحـركـة الإبـداعـيـة والنقدية معاً، وهي: هل يصدر الشعر الصيني عـلـى أرضــــه ومــنــاخــه الـطـبـيـعـي ومـنـطـقـتـه؟ أم هـــو مــجــرد صــــدى لـلـحـركـة الأدبـــيـــة فـــي الــغــرب الأوروبــــــي؟ وهـــل تــقــوم الـكـتـابـة الـشـعـريـة على العلم أم على الواقع؟ ثم ما اللغة الأكثر حيوية وثراء للإبداع الشعري؟ أهي اللغة الكتابية في مستواها التعبيري المـعـيـاري؟ أم هـي العامية الدارجة؟ ولأن لـكـل عـصـر مـشـكـاتـه وحــلــولــه الـتـي تطرحها ظـروفـه وأجــــواؤه الـخـاصـة، فقد جاء القرن العشرون، طارحا الحل المناسب لمشكلة التهميش التي لحقت بالإنتاج الشعري؛ حيث أتـــاحـــت شـبـكـات الــتــواصــل الاجــتــمــاعــي مـجـالا لمـاحـقـة الـتـطـور الــعــام، واتــســاع أفـــق التفاعل، وتجديد طاقات الاتصال الحيوي بين ساحات الإبــــــداع، فـأمـكـن لكثير مــن الــشــعــراء الـتـواصـل مـع عـدد كبير مـن الـقـراء؛ بـل إن مـواقـع الشبكة الـــدولـــيـــة جـــذبـــت كــثــيــريــن إلــــى ســـاحـــة الــشــعــر، ودارت في دائرة التواصل كتابات كثيرة، حتى صاح البعض متفائلاً: «ها قد عاد الشعر إلى سابق مجده»! ويلفت فرجاني إلى أن النشر على الإنترنت تــحــول إلـــى نــشــاط إجـــرائـــي مـحـمـوم دون قيمة حقيقية لكثير مـمـا عُــــرض عـلـى قُـــرائـــه، وبـنـاء عليه فقد انقسمت سـاحـة الشعر شيعا وفرقا وجماعات مختلفة لكل منها ساحتها، وانزاحت الكتابة الشعرية إلى أقصى حدود الهامش، وإن ظل بعض الشعراء يحتفظون بمكانة طيبة من الجيل الجديد، مثل تسانغ ديي. ومـن ثـم، شهدت الحقبة الأولــى من القرن الـــحـــادي والــعــشــريــن ظــهــور عـــدد مـــن الــتــيــارات الـــشـــعـــريـــة الــــكــــبــــرى، مــــثــــل: «كــــتــــابــــات الــطــريــق الثالث». وهذا التيار بالذات كان ظهوره عبارة عـن حـل وســط أو صيغة توفيقية بـن تـيـارَي: «كـــتـــابـــات المــثــقــفــن»، و«الـــكـــتـــابـــات الـشـعـبـيـة»؛ وكـــانـــت المـــواجـــهـــة بـــن هــذيــن الأخـــيـــريـــن حـــادة لـــلـــغـــايـــة، فـــجـــاء هـــــذا الـــطـــريـــق الـــثـــالـــث تـعـبـيـرا عـــــن ضـــــــــرورة صـــيـــاغـــة مــــوقــــف مـــبـــدئـــي يـــعـــزز مــــن الــشــخــصــيــة الــــفــــرديــــة لـــلـــشـــعـــراء، ويــتــخــذ مـــن هـــذا المــفــهــوم قـــاعـــدة أســاســيــة للمسؤولية الإبداعية، بحيث يصبح بلورة لموقف التيارين المـتـصـارعـن، وتــجــاوزا لهما فـي الـوقـت نفسه، تــفــاديــا لاســتــقــطــابــات حــــادة فـــي ســاحــة إبــــداع واحـــــدة، وتـجـنـبـا لأي مـسـعـى يـمـكـن أن يشكِّل هيمنة ثقافية. وبـــالـــتـــالـــي، حــــــاول أعــــضــــاء هـــــذا «الـــتـــيـــار الــــثــــالــــث» تــشــكــيــل اتــــجــــاه جــــديــــد يـــســـمـــح لـكـل الــشــعــراء بالتعبير عــن أنـفـسـهـم دون الالــتــزام بقالب فني جمالي محدد. وقد تُوِّج هذا الاتجاه ،2002 بـــإصـــدار جــريــدة «الــطــريــق الــثــالــث» فــي وكان من بين أهم شعرائه: موفي، وشوتساي، ولين تونغ، ومايونغ بو. ثم قام تيار آخر باسم «جيل الوسط» على عاتق عدد من مواليد ستينيات القرن العشرين، ممن لم يشاركوا في تيار شعر «الطريق الثالث» ولا في نشاط النشر على الإنترنت الذي كان قد تـشـكـل فــي فــتــرة مـبـكـرة، عـلـمـا بـــأن هـــذا الجيل الأوسط احتفظ بدرجة عالية من الاستقلال عن الجماعات الشعرية، واعتبره بعض نقاد الأدب تـمـثـيـا لـفـكـرة الـجـيـل، أكـثـر مـنـه تــيــارا شعريا إبــداعــيــا. وكــــان مــن أهـــم رواده: تـشـاولـي هــوا، وكيتشي، وسنتزي. وبــعــد ذلــــك، ظـهـر تــيــار شــعــري جــديــد في ظـــل تــعــاظــم نـــشـــاط شــبــكــات الـــتـــواصـــل، تحت اسم «المعلوماتية». وهو التيار الذي نشأ على مـواقـع الإنـتـرنـت؛ حيث نشر إنتاجه الإبـداعـي واجتذب إلى ساحته عددا من الشعراء. وثـــمـــة تـــيـــار آخــــر اشــتــهــر بـــاســـم «مــــا بعد السبعين» على أســاس أن أعـضـاءه مـن مواليد السبعينيات، وكانت هـذه التسمية قد أطلقت على هــذا الفصيل مـن الـشـعـراء إثــر مـقـال نُشر في إحدى الجرائد تحت عنوان «شعراء ما بعد السبعين». ووفـــــق تـــقـــديـــرات نــقــديــة كــثــيــرة، فــــإن أهــم تـيـار شـعـري ظهر فـي الـسـنـوات العشر الأولــى من القرن الحادي والعشرين هو «تيار الخيال» الذي يرى شعراؤه أن مملكة الشعر هي فردوس الخيال. وانطلاقا من هذا، فإن التصورات الخيالية هي الحقيقة الأزلية؛ حيث تتلاشى الحدود بين ما هو صواب وخطأ، وحقيقة ووهم، ويتصالح الـجـمـال مــع الـقـبـح، وتـصـبـح الألــفــاظ بالنسبة لكتابة الشعر إشــــارات ذات مـقـاديـر متساوية من القيمة. وكـان آخـر التيارات الشعرية التي ظهرت عـــلـــى خـــريـــطـــة الإبــــــــداع الـــصـــيـــنـــي، تـــيـــار عُــــرف باسم «مـا بعد الثمانينيات» وشـعـراؤه عبارة عـــن مــجــمــوعــة مـــن مـــوالـــيـــد ثـمــانــيـنــيـات الــقــرن العشرين، ممن برزوا بوصفهم جماعة متميزة الإنـــجـــاز خـــال الــربــع الأول مــن الــقــرن الــحــادي والعشرين، ومنهم: تشون شو، وآفي، ومو هوا. ومـــن أبـــرز الـقـصـائـد الـــــواردة فــي الـكـتـاب: «غريب في هذا العالم»، للشاعر بيداو المولود ، والذي عمل في مجال البناء عاملاً، ثم 1949 في اشتغل محررا صحافيا ومترجماً، وعــاش في بلدان عدَّة خارج الصين. يقول مطلع القصيدة: «غريب في هذا العالم عالم لا أدرك لغته ولا يفهم صمتي نتصافح فقط بقليل من الازدراء كما لو أننا التقينا صدفة داخل مرآة غريب حتى مع ذاتي أنا أخشى الظلام ولكني حجبت بجسدي بصيص النور الوحيد ظلي هو أنيسي وقلبي هو عدوي». وفــــي قــصــيــدة «أعِـــــد لـــــي»، يـــقـــول الـشـاعـر :1954 والفنان التشكيلي يان لي، المولود في «أعد لي بابي بلا أقفال أعده لي حتى لو من دون غرفة أعد لي الديك الذي اعتاد على إيقاظي في الصباح ًحتى لو أكلته أنت وأعد لي العظام أيضا أعــــد لـــي الأغــــانــــي الـــرعـــويـــة عــنــد مـنـحـدر الجبل حتى لو مسجلة على شرائط أعد لي مزماري أيضاً». )1155 -1084( وتــعــد لـــي تـشـيـنـغ تــشــاو أعــــظــــم شــــاعــــرة فــــي الأدب الـــصـــيـــنـــي الـــقـــديـــم، وأيــقــونــة الـشـعـر الـنـسـائـي عـلـى مــر الـعـصـور، والتي تقول في قصيدتها اللافتة التي تحمل عنوان «عطر الخريف في الأرجاء»: «يـــــحـــــل عــــيــــد تــــشــــونــــغ وتــــتــــفــــتــــح زهــــــور الأقحوان فــأرتــدي مـابـس الـخـريـف وأتــجــرع أقــداح النسيان بينما تتناوب العواصف من رياح باردة ًوأمطار ويبدو الفناء عند الغسق كئيبا يحزنني ما هو آت وقتما أصحو فتحمُّل ليلة طويلة كهذه ليس بالإمكان والـــــفـــــراش خــــــاو عـــنـــدمـــا أتــــأمــــل وأنـــصـــت لأصوات الليل». القاهرة: رشا أحمد معظم القراءات انساقت وراء الدفق الدرامي للعنوان عودة لموضوع «موت الناقد الأدبي» سبق لي أن نشرت في ثقافيّة «الـشـرق الأوســط» مــوضــوعــا عـــنـــوانُـــهُ: «هــــل مــــات الـــنــاقـــد الأدبــــــــيُّ؟». كــان الموضوع محطّة انتباه لكثيرين من المشتغلين بالأدب أو النقد الأدبي أو من ذوي الذائقة الأدبيّة والثقافيّة حتى لو كانوا من غير عنوان اختصاصي في نطاق الأدب أو الثقافة. يبدو لي أن معظم القراءات انساقت وراء الدفق الدرامي للعنوان بما تحمله مفردة «الموت» من شحنة دراميّة ثقيلة الوطأة على النفس، خاصّة عندما تطول الناقد الأدبي في ثقافتنا العربية؛ إذ كثيرا ما تحصّن الناقد الأدبي في مثابة عالية شديدة التحصين في هذه الثقافة. كانت تجربة مثيرة لي عندما قرأت العديد من المـداخـات المتباينة بشأن الموضوع في مواقع عديدة، ولست أرى في هذه الرؤى المتباينة سوى علامة حراك ثقافي صحّي. أرى مـن المفيد الاعــتــراف بــأن موضوعي السابق انــطــوى عـلـى شـــيء مــن الـذائـقـة الانـطـبـاعـيّــة، وإن كنت عـــزّزتُـــه بتفاصيل مـشـخّــصـة عــن مـــوت الـنـاقـد الأدبـــي. يبدو أن الآراء المخالفة لم تسع للتفلّت من أفلاك المدارات الانطباعية الخالصة؛ فكأن عبارة «موت الناقد الأدبي» تـســبّــبــت لــهــا فـــي جـــــرح نـــــازف سَــــعَــــت طـــويـــا لمُــــداراتــــه والهروب من مواجهة مترتّباته القاسية. هذه المقاربة لـن تنجح إلا فـي إبعادنا عـن الفضاء الثقافي العالمي المحتدم بمتغيّراته السريعة. من المفيد الإشـــارة أيضا إلى أن بعض الآراء اعتمدت مقاربات مؤسّسة على كتل إنشائيّة غارقة في الفخاخ الانطباعيّة التي تساءلَت - في بعض ما تساءلت عنه - بنبرة استنكاريّة صارخة: كيف نُمِيت الناقد الأدبـــي؟ ولـو مـات هـذا الناقد، أفلن يــكــون هــــذا إيـــذانـــا بــشــيــوع الـــرثــاثــة الأدبــــيّــــة وتــجــويــزا لشرعنتها؟ هؤلاء يفكّرون بمنطق الناقد - الرقيب، ثم إنّــهـم يحيلون المــوضــوع إلــى رغـبـات كيفيّة لـو شـاءت لأمـــاتـــت الـــنـــاقـــد الأدبـــــــي، ولــــو شـــــاءت لأبــقــتــه يـتـنـفّــس الحياة. أظن أن الموضوع أبعد شأنا من هذه التفاصيل المبسّطة. ســـأعـــمـــد فــــي هـــــذا المـــــوضـــــوع إلـــــى الابــــتــــعــــاد عـن الشخصنات الانـطـبـاعـيّــة فــي مـقـابـل الـتـركـيـز الـصـارم على بعض من المسببّات الحقيقية التي قادت إلى موت الناقد الأدبي. *** لـيـس مــــوت الــنــاقــد الأدبـــــي حـــادثـــة عَـــرَضـــيّـــة، ولا نتيجة مباشرة لانحطاط الذائقة، أو لتراجع القراءة، أو لكسل الأجيال الجديدة، أو لتنامي أنماط ما يُحسَب رثـــاثـــة ثــقــافــيّــة شــائــعــة كــمــا يــذهـــب الـــخـــطـــاب الـثـقـافـي الـسـائـد والـــذي لا يـكـف عـن الـشـكـوى والـحـنـن لعصور أدبيّة سابقة، كذلك ليس هذا الموت واحدا من الأمنيات الــرغــبــويّــة فـــي قـتـل الــنــاقــد الأدبـــــي والـــوقـــوف بسكينة فــي مــراســم دفـنـه إلـــى جـانـب مــن سـبـقـوه مـمّــن قتلتهم سياسات ما بعد الحداثة. نحن لا نقف أمام أزمة أفراد أو غياب مواهب، بل أمام انهيار وظيفة معرفية كاملة كانت مشروطة بسياق تاريخي وثقافي محدّد لم يَعُد قـائـمـا. هــذه هــي كـــل الـحـكـايـة بـاخـتـصـار قــــاسٍ. الـنـاقـد الأدبي - بالمعنى الذي استقر عميقا في الوعي الثقافي خلال القرن العشرين - لم يك ضحيّة اغتيال غادر، ولم يُقْص قسريا عن المشهد الثقافي العالمي. ما حصل معه هو تنامي وتعاضد مؤثّرات محدّدة جعلته يفقد البيئة التي كانت تمنحُه المعنى والشرعية والسلطة. السؤال الجوهري اليوم ليس: أين اختفى النقّاد الأدبيّون؟ بل: أي عالم كان يحتاج إلى ناقد أدبي؟ ولماذا لم يَعُد عالمُنا كذلك؟ أولا تتوجّب مساءلة المعياريّة الثقافيّة. الأنساق الثقافيّة المعياريّة طالتها تحوّلات جوهريّة؛ فقد نشأ النقد الأدبــي داخـل نظام ثقافي يؤمِن بإمكانية إنتاج معايير عامة نسبيّاً: معايير للجمال، وأخرى للقيمة، وثـالـثـة لـلـتـفـوّق والاســتــمــراريــة. لــم تـكـن هـــذه المعايير خالية من التحيّز أو الآيديولوجيا؛ لكنّها كانت صالحة للاستخدام. كان من الممكن الاحتكام إليها، ومناقشتُها، وتطويرُها. الناقد، في سياق هذا الإطار، لم يكن قارئا بارعا فحسب بل سلطة تقويمية تضطلع بمهمّة الفرز: مـــا الــــذي يُـــضـــاف إلـــى المـــن الــثــقــافــي، ومـــا الــــذي يبقى فـي الـهـامـش، ومــا الـــذي يـتـوجّــب أن يُــنـسـى. كــان النقد يفترض وجود مركز ثقافي، وذائقة عامّة، وتاريخ أدبي يمكن قــراءتــه بوصفه مـسـارا ذا معنى. أمّـــا الـيـوم فقد تفكّكت هـذه الافـتـراضـات. التعدّدية المتطرّفة، وتكاثر الـهـويـات، وتـفـتّــت الـذائـقـة، وانـهـيـار المـركـزيـات، جعلت فكرة (المسطرة النقديّة الـواحـدة) غير قابلة للتطبيق. حين تنتفي المسطرة النقديّة، لأي أسباب، يفقد الناقد أداته الجوهرية مهما بلغت قدراتُه المعرفية. وظيفة الأدب هي الأخرى شهدت تغيّرا جوهريّاً. فـي الأزمــنــة الـتـي ازدهـــر فيها النقد الأدبــــي كــان الأدب يُنظر إليه بوصفه قيمة متعالية: فعلا يرتقي بالذائقة، ويـــــهـــــذّب الــــحــــس الأخـــــاقـــــي، ويـــمـــنـــح مــعــنــى لـتـجـربـة الـــوجـــود. الـنـقـد، تبعا لــذلــك، لــم يـكـن نـشـاطـا تفسيريا مُــحـايـدا بـل وظيفة ثقافية تكميليّة ذات بعد أخلاقي وجـمـالـي وفـلـسـفـي. الــيــوم، تـغـيّــر تـعـريـف الأدب ذاتـــه. لـم يَــعُــد يحتل مـركـز النظام الـرمـزي بـل صــار ممارسة سردية بين ممارسات عـديـدة: السينما، والمسلسلات، والألـــعـــاب الـرقـمـيـة، والمــنــصّــات الاجـتـمـاعـيـة، وأشــكــال السرد القصير والخاطف. الأدب لم يَعُد (الصانع الأعلى للمعنى) بل أصبح خيارا واحـدا من خيارات متعددة. هنا تحضر المقايسة المنطقيّة المؤكّدة: حين يفقد الأدب - كخالق للمعنى - مركزيته يفقد النقد سلطته تلقائياً. لا يمكن للناقد أن يكون حارسا لقيمة لم يعُد يُعتَرَف بها بوصفها قيمة عليا أو جامعة. بعد ذلك تحضر أمامنا حقيقة شاخصة عنوانُها وانهيار Grand Narratives (تحطيم السرديات الكبرى القياس الـنـقـدي). كـان النقد الأدبـــي الكلاسيكي يعمل داخـــــل ســــرديــــة تــاريــخــيــة واضــــحــــة: عـــصـــور، مـــــدارس، تــــيــــارات، ذرى وانــــكــــســــارات. هــــذا الإطــــــار وفّـــــر لـلـنـاقـد إمكانية المُقارنة والحُكْم والتقويم. مع صعود ما بعد الحداثة، لم يحصل تفكيك لنسيج النص وحده بل فُكّك الإطـــار الـــذي يسمح بالحكم عليه. الـسـرديـات الكبرى تـــراجـــعـــت، وحـــلّـــت مـحـلّــهـا ســــرديــــات صـــغـــرى، فــرديــة، مـحـلّــيـة، غـيـر قـابـلـة للتوحيد أو الـقـيـاس المــتــبــادل. ما يُعد تجربة مركزية لشخص قد يكون هامشيا أو عديم الأهمية لآخـر. في هـذا السياق، يتحوّل النقد إلـى رأي شخصاني، والــرأي الشخصاني في عصر المنصّات لا يمتلك أي امتياز معرفي. الجميع يقرأ، يعلّق، يحكم، ومن ثم تذوب وتتلاشى سلطة الامتياز النقدي. لطفية الدليمي أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا صــــــــــدرت فــــــي بـــــرلـــــن أنـــطـــولـــوجـــيـــا ثنائية اللغة بعنوان «بين عذب وأجاج – أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا EBverlag » عن دار Grenzlandschaften / الألمـــانـــيـــة لـلـنـشـر الــعــلــمــي، فـــي عــمــل يُــعــد الأول من نوعه الذي يُنجَز داخل مؤسسة أكــاديــمــيــة ألمــانــيــة، وفـــق مـعـايـيـر البحث الـجـامـعـي الــصــارمــة، لا ضـمـن المـــبـــادرات الثقافية الفردية. صفحة، 420 جـــاء الـكـتـاب فــي نـحـو ويجمع نصوص خمسة وخمسين شاعرا وشــاعــرة يكتبون بـالـعـربـيـة، ويعيشون فـي بـلـدان أوروبـيـة متعددة، فـي محاولة لرسم ملامح مشهد شعري تشكّل بعيدا عن جغرافيا بيئاتهم التي هاجروا منها، لكنهم ظــلّــوا مــشــدوديــن إلـيـهـا وجـدانـيـا ولغويا ً. إن هــــذا الــعــمــل المـــهـــم لا يـــقـــدّم مـجـرد مــــخــــتــــارات شـــعـــريـــة فـــحـــســـب، بــــل يـسـعـى إلــى فهرسة القصيدة المكتوبة بالعربية فــــي أوروبـــــــــا بـــوصـــفـــهـــا ظــــاهــــرة مـسـتـقـلـة لـهـا مـوضـوعـاتـهـا وأسـئـلـتـهـا وتـجـاربـهـا الــــخــــاصــــة، بـــمـــا يـــفـــتـــح بــــابــــا لـــدراســـتـــهـــا بوصفها حقلا أدبيا قائما بذاته. ومشروع هذا الكتاب هو ثمرة تعاون بين شعبة اللغة العربية في قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية بجامعة بون والديوان – البيت الثقافي في برلين، حيث شـارك فريق من المترجمين والباحثين في نقل النصوص إلـى اللغة الألمانية، وبناء هيكل أكاديمي يُسهّل قراءتها وتحليلها. مـــســـارات 7 قُـــسّـــمـــت المــــخــــتــــارات إلـــــى مـوضـوعـيـة تــرصــد الـــتـــوتـــرات الــوجــوديــة الـــتـــي يـعـيـشـهـا شـــاعـــر المـــنـــفـــى: الـــســـعـــادة والـنـعـيـم، والـتـعـالـي، والـفـاجـعـة العظمى، والمــــــــوت والــــحــــيــــاة، والــــقــــدريــــة، والـــفـــنـــاء، والـوطـن والمنفى. وهـو تقسيم يكشف عن أسئلة تتجاوز الجغرافيا، وتلامس معنى الــعــيــش بـــن لــغــتــن، وبــــن ذاكـــــرة مـاضـيـة ًوواقع جديد. أحد عشر بلدا أوروبيا يــــضــــم الـــــكـــــتـــــاب نـــــصـــــوص شــــعــــراء مـــن الـــعـــراق وســـوريـــا ولــبــنــان وفـلـسـطـن ومصر واليمن وليبيا والمغرب والسودان والجزائر وتونس والكويت، يقيمون في المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وهولندا وبـلـجـيـكـا وإسـبـانـيـا والـنـمـسـا والـسـويـد والنروج والدنمارك وبلغاريا. اسما ً، 16 من سوريا وحدها يشارك مـــــن بـــيـــنـــهـــم: أحــــمــــد إســــكــــنــــدر ســـلـــيـــمـــان، وإبراهيم اليوسف، وجان دوست، وجبران ســعــد، وحــســن بــن حــمــزة، وزكـــريـــا شيخ أحمد، وسلام حلوم، وعائشة الأرناؤوط، وفـــرج بـيـرقـدار، وفـــواز الـــقـــادري، ومحمد المطرود، وميديا شيخة، وميسون شقير، ونــــــدى مـــنـــزلـــجـــي، ونــــــدى وردا أوراهـــــــم، ونسرين خوري. ووئام فتال. ومن العراق: فاضل العزاوي، وعدنان الــــصــــائــــغ، وعـــبـــد الـــكـــريـــم كــــاصــــد، وعــبــد القادر الجنابي، وحكمت الحاج، ونسيم الـــداغـــســـتـــانـــي، وجـــــــال حــــيــــدر، وفـــاضـــل السلطاني، وإبـراهـيـم عبد المـلـك، ومنعم الــفــقــيــر، ومــحــمــد جـــاســـم، وفــــــارس مـطـر. ومن لبنان: جوزيه الحلو، وندى حطيط، وعـيـسـى مــخــلــوف، وســـرجـــون كــــرم. ومـن فـلـسـطـن: هـيـام بـسـيـسـو، وفـاتـنـة الــغــرّة، وســـامـــر أبــــو هــــــواش، وفــــــؤاد ديـــــب. ومــن مصر: وصفاء فتحي، وعماد فؤاد، وزهرة يسري، وأحمد يماني. إلى جانب أصـوات من اليمن وليبيا والمــــغــــرب والــــســــودان والـــجـــزائـــر وتــونــس والكويت. جهد ترجمي وأكاديمي جماعي وتولّى الترجمة فريق من خريجي الـــدراســـات الـعـلـيـا فــي جـامـعـة بــــون، من بـــيـــنـــهـــم: كـــورنـــيـــلـــيـــا تــــســــيــــرات، وريــنــيــه شــنــيــتــســمــايــر، وكــريــســتــيــان كـيـلـلـيـبـغ، ودكــــــتــــــور ديـــــزيـــــريـــــه كــــــايــــــزر، ومــــيــــريــــام قـــويـــريـــنـــغ، وكــــــــورا هـــيـــنـــشـــن، وأمــــانــــي الـــــعـــــبـــــاس كـــيـــلـــلـــيـــنـــغ، ومــــــــــــاري تـــيـــريـــز رودولـــــف، ومـــارلـــن نــوســبــاوم، وغــــوران ياسون، إضافة إلـى مونيزة يلماز التي أشرفت على تصنيف المحاور. برلين: إبراهيم اليوسف رايموند ويليامز ماثيو أرنولد أرى من المفيد الاعتراف بأن موضوعي السابق انطوى على شيء من الذائقة الانطباعيّة النص الكامل على الموقع الإلكتروني النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky