issue17231

الـــبـــحـــث فـــي مـــرحـــلـــة مـــا بـــعـــد نـــظـــام إيـــــــران الــحــالــي لــيــس ضـــربـــا فـــي الــــرَّمــــل، بـــل حـــديـــث واقـــعـــي، نــحــن أمـــام تغيير شـبـه مـؤكـد مـهـمَــا نـجـح الـنـظـام فــي صـــد طـوفـان محاولات المعارضة، والمحتجّين، والهَجمات الإسرائيلية والأميركية. حــــول هـــذا المـــوضـــوع تــحــدَّثــت فـــي جــلــســات منتدى الـبـحـر الأحــمــر أمـــس الــــذي نـظَّــمـه «مـكـتـب الــعــائــلــة»، عن الاستثمار. اقـتـصـرت فـي الـحـديـث فقط على ماهية إيـــران عند التغيير، لأن حــديــث الأزمــــة الـحـالـيـة يـتـشـعَّــب. فــي رأيــي الــتَّــغــيــيــر حــــاصــــلٌ، حــتــى إن لـــم يـــتـــم ذلــــك قـــســـرا بــالــقــوة المسلحة، فالنّظام هـرِمَ، ولم يستطع تجديد خلاياه، ولا التَّعامل مع حتميات الانتقال. في كل الاحتمالات، عند استشراف الوضع في إيران سـنـرَى دولـــة مختلفة عـمَّــا عهدناها عليه لنحو نصف قرن. قوة اقتصادية نائمة، أضعفَها المؤدلجون، كمَا فعل الشيوعيون في كل من الصّين والاتحاد السوفياتي. قد يكون الطريق طويلا إن دبَّت الفوضى. نحن نـتـحـدَّث عـن دولـــة غـنـيَّــة بـالـثـروات الطبيعية، وإن كنَّا لا نسمع إلا عن سجَّادها وزعفرانِها وكافيارِها. تـمـلـك ثــانــي أكــبــر احـتـيـاطـي غـــاز فــي الــعــالــم، وتـرتـيـبُــهـا بسببِ 18 فـي تصديره فـي ذيــل القائمة، وهــي المرتبة الــــ العقوبات. وهي دولة نفطية كبيرة كذلك، وسوقُها واعدة بتسعين مليون نسمة، وتطل على ثلاثة بحار. الـــسَّـــبـــب فـــي الإدارة حــيــث إن الـــنّـــظـــام انــــخــــرط في ميتافيزيقيا الـدّيـن، فحوَّلها إلـى بلد فقير، واستنزفَها بالحروب. إيــــــران فـــي «الــــظــــروف الـطـبـيـعـيـة» مـــؤهـــلـــة لـتـصـبـح دولـة غنية، مثل دول الخليج، دون أن تحتاج إلى سرقة مــــوارد الـــعـــراق، أو ابـــتـــزاز الـــغـــرب. ستنافسُنا فــي ســوق الطّاقة، وهذا يفترض أن يحفّزَنا على أن نطوّر اقتصادَنا وإنتاجَنا وقدراتِنا العلمية والتعليمية. السعودية وإيـــران بـلـدان مـتـجـاوران يمثلان قطبي الرَّحى في المنطقة. السعودية أكبر مساحة، وإيـران أكثر سـكـانـا، الـسـعـوديـة أكـبـر احـتـيـاطـي فـي الـبـتـرول، وإيـــران أكـثـر احـتـيـاطـي فـي الــغــاز. وفــي المـرحـلـة الـاحـقـة عندما توجد الظروف الموضوعية، هناك مجال واسـع للبلدين لبناء علاقة منتجة وإيجابية تُعزّز الاستقرار في المنطقة. مــاذا عـن إسـرائـيـل وإيــــران والــعــداوة الـشـديـدة؟ عند تغيير الـنّــظـام أو سـيـاسـتِــه، الأرجــــح أن يـقـتـربَــا، وربَّــمـا يتحالفان بـالانـتـقـال مــن الــعــداء الـبـنـيـوي إلـــى التحالف الـبـراغـمـاتـي. إسـرائـيـل تملك التقنية المتقدمة، والـنـفـوذ الاســتــثــمــاري، وهـــي فــي المــقــابــل تـحـتـاج إلـــى شــراكــة في الــطَّــاقــة طـويـلـة الأمــــد، وســـوق كـبـيـرة. الــعــائــق الرئيسي سيكون الزمن الذي سيتطلَّبُه تأهيل إيران وغازها، ربَّما نصف عقد أو أكثر، وعلى افتراض أن التَّغيير لا يُشعل فوضى في إيران. في رأيي أن استعجال واشنطن إحداث التغيير، ليس من باب العقاب، بل الرغبة في استباق التدهور المتسارع في طهران. الولايات المتحدة تنشد اتفاقا تُقدم فيه طهران الـضـعـيـفـة الـــتـــنـــازلات الـرئـيـسـيـة الــثــاثــة المـطـلـوبـة حـول التخصيب، والباليستي، والـوكـاء الإقليميين. من دون ذلـــك ستدفع بــالأوضــاع نحو تغيير جـزئـي. وسيناريو احتلال العراق مستبعد تماماً. تتزايد أهمية إيران لواشنطن مع تسارع الحاجة إلى الطاقة لتمويل احتياجات الذكاء الاصطناعي الضخمة، وهــــــذا مــــا ســيــجــعــل إيــــــــران مـــهـــمـــة لـــلـــعـــالـــم، لأنَّــــهــــا تـمـلـك احتياطيا هائلا من الغاز. الغاز سيكون كمَا كان النفط مهمّا في استراتيجية الولايات المتحدة في القرن الماضي. محاصرة إيــران وعزلُها كانَا سياسة مناسبة؛ لأن هناك العديد من دول النّفط الـقـادرة على تلبية السوق. الـــيـــوم مــع الـحـاجـة إلـــى مــزيــد مــن مـــصـــادر الــغــاز لــم يعد مناسبا عزل إيران. ولــــهــــذَا ســنــســمــع كــثــيــرا عـــن الــــغــــاز بــوصــفــه رافــعــة سياسية، وأنَّه في قلب مركزية أمن الطَّاقة، وأنَّه من الأمن الاقتصادي العالمي خلال الفترة المقبلة. بغض النَّظر عن الدَّوافع، فإن ما قد يحدث مع إيران سيُعيد تشكيل النّظام الإقليمي الذي عرفناه في العقدين المـــاضـــيـــن. والـــــخـــــوف الـــعـــربـــي مــــن المــســتــقــبــل المــجــهــول عاما ولـم تنته 15 َّ مـبـرَّرٌ، فـالأثـمـان كانت مكلفةً. فقد مـر الفوضَى بعد منذ الربيع العربي. مع هذَا علينَا أن نفتّش عـن الإيجابيات، ونستعد لها، لا أن نتخندق فقط ضد الاحتمالات السّيئة. إيــران بـاد فــارس التاريخية، كيان أعطى كثيرا للإنسانية؛ العلم والفلسفة والشعر وعلم الفلك. احتضنت الإسلام مبكرا وأسهمت في بناء الحضارة الإسلامية. تماهَى فيها التاريخ والجغرافيا، وكانا التوأمين الـلـذيـن كتبا وقـــالا وتـحـركـا عبر الــقــرون. تنقلت بـن أنظمة سياسية، رافقها العنف والتسلط، ولم تغِب ثورات الغضب الشعبي. قفز هـذا البلد الغني فـوق حـواجـز سياسية متحركة عبر القرون. أحداث رَسمت خريطة إيران الجديدة، على ورقة صلبة تعلوها حروف وخطوط، كُتبت بالدم وتمدَّدت فيها آمال النخب السياسية بكل أطيافِها وطموحاتها الوطنية، وكان لرجال الدين حضورٌ، شحنت فيه العمائم بمختلف ألوانها، قلوب العامة من الشعب وعقولهم، فتحوَّلت الشوارع إلــى متفجرات بـشـريـة. كــان لليسار بـأطـيـافُــه المـتـعـددة الألــــوان فاعلية؛ صرخ بصوت تعبوي حاد، ودفع الآلاف إلى الشوارع، لكنه رفع السلاح مـــرات. إيـــران مستنقع مسكون بالعواصف الانـقـابـيـة. مـن القاجاريين الذين حكموا إيران وأعادوا تركيبها إلى العائلة البهلوية التي عاقبتها الــقــوى الـغـربـيـة، بــقــدر مــا دعـمـتـهـا، إلـــى مـحـمـد مــصــدق الــرجــل المـدجـج بطموح وطني، وانتهى بمأساة هزّت البلاد. آيـــة الــلــه روح الــلــه الـخـمـيـنـي، أعــــاد تـشـكـيـل طــوبــوغــرافــيــة الأرض والناس. رجل دين امتلك قوة الغموض المُفجِّر. من عائلة هندية شيعية، إلـــى بــلــدة خُــمــن بـــإيـــران. تـفـقَّــه فــي المــذهــب الـشـيـعـي، وتـنـقـل بــن إيـــران وتركيا والـعـراق وفرنسا. قـاد ثــورة أسقطت الـشـاه، وأسَّــس نظام حكم قلب منظومة المعتقد الشيعي الاثني عشري السياسية، التي دامت مئات القرون، والقائلة بـأن لا حكم سياسيا شيعياً، إلا بقيادة الإمـام المهدي الغائب المنتظر. نجح الخميني في فـرض نظريته، القائمة على أن يتولى الفقيه، ولاية الحكم في هذه الغيبة. كتب الخميني دستورا لدولة «ثيوقراطية»، وعلى رأسها فقيه يكون مرشدها الأعلى، وله السلطة المطلقة. ،1979 مباشرة بعد الشهور الأولـى لانتصار ثورة الخميني سنة اشتعلت نار داخلية وأخرى خارجية. تشكَّلت محاكم ثورية قادها رجال دين، حكمت على الآلاف بالإعدام، منهم من كان قياديا في حركة الثورة؛ بل هناك منهم من أقام مع آية الله الخميني في ملجئه بفرنسا، وتولى مناصب وزارية في أول حكومة شكلها الخميني. أُعدم العشرات من كبار الضباط. خالف الخميني بذلك ما سبق أن وعد به، عندما كان يحرض على الثورة ضد الشاه عبر أشرطة التسجيل، بتحقيق الحرية والعدالة وسيادة القانون. النار الثانية كانت اقتحام الشباب للسفارة الأميركية بـطـهـران، واحـتـجـاز المـئـات مـن الدبلوماسيين الأمـيـركـيـن. بـــدأت رحلة العداء بين الدولتين، وانهالت مطرقة العقوبات الأميركية على إيران. مساحة إيران مليون وستمائة ألف كم، تكتنز أعماقُها المليارات من النفط والغاز، وفوق أرضها أنهار جارية بالمياه تعد بالمئات بالإضافة لــلــروافــد، بـهـا خـامــات كـثـيـرة ومـتـنـوعـة، ومـنـذ الـعـصـور الـقـديـمـة كانت بـسـتـان علم فـي جميع المــجــالات. امتلكت كــل المــؤهــات لأن تـكـون نمرا اقتصاديا وعلميّا وثقافيّاً، يتفوّق على دول آسيوية، لم يتوفر لها قليل ممَّا كان لإيران فوق الأرض وفي جوفها من الثروات الطبيعية والبشرية. فـي آهــة حـارقـة قـــال الـرئـيـس الإيــرانــي مسعود بـزشـكـيـان: كيف تقدَّمت الـيـابـان وتـركـيـا اقـتـصـاديـا علينا، وهـمـا لـم تمتلكا شيئا مـن الـثـروات الطبيعية، الـتـي وهبها الـلـه لـنـا؟ مضيفاً: «نـحـن نمتلك النفط والـغـاز لكنَّنا جائعون، ولا يمكننا أن نلقي اللوم على العقوبات الدولية وحدها، وتـركـيـا إنـتـاجُــهـا المحلي ضـعـف إنــتــاج إيــــران؛ وهـمـا بـلـدان مـتـجـاوران والكثافة السكانية متساوية فيهما». فـي المـائـة مـن الشعب الإيـرانـي 40 تـراجـع الإنــتــاج النفطي بـقـوة، و تـحـت خــط الـفـقـر، واسـتـشـرى الـفـسـاد فــي كــل مـفـاصـل الـــدولـــة، وسيطر «الـــحـــرس الــــثــــوري» عــلــى الــنــشــاط الاقـــتـــصـــادي، وامــتــلــك الـسـلـطـويـون وأبناؤهم مقدرات البلاد. الـــبـــاد تــعــانــي مـــن الـــجـــفـــاف الـــــذي حـــرمَـــهـــا المــــيــــاه، وتــــراجــــع حجم المـــســـاحـــات الــــزراعــــيــــة، بــســبــب نـــقـــص مـــيـــاه الأنـــــهـــــار، وإقــــامــــة الـــســـدود العشوائية. نـزح كثيرون مـن الـقـرى والمناطق الـزراعـيـة، إلـى المــدن التي ازدحمت بالسكان، وتهاوت البنى التحتية. زاد عدد السكان بسرعة غير مسبوقة، واقترب من المائة مليون نسمة. مليارات الدولارات مجمَّدة في الخارج، وتستحيل إعادتُها إلى البلاد بسبب العقوبات الدولية. المفارقة المأساوية، أنَّه رغم المجاعة والبطالة والفقر، الذي ترزح فيه إيـران، فقد ضـخـت عــشــرات المــلــيــارات إلـــى أذرعــهــا المـسـلـحـة: الـحـوثـيـون فــي اليمن، و«حـــزب الـلـه» فـي لبنان، وحـركـة «حـمـاس» فـي غـــزة، والـنـظـام الـسـوري السابق، و«الحشد الشعبي» في العراق. أنفقت إيران المليارات في صناعة الصواريخ وبرنامجها النووي، وخاضت حروبا مع إسرائيل والولايات المتحدة. كــل ذلـــك أصـــاب الــبــاد بالأنيميا الاقـتـصـاديـة، الـتـي أوهــنــت كامل الكيان الإيــرانــي. طفح الكيل ولــم يبق لهذا الشعب الأصـيـل إلا صرخة الـغـضـب، فتدفق الآلاف إلــى الــشــارع مطالبين بالتغيير لضبط ثــروات الــــوطــــن. تــســاقــط الآلاف قـتـلـى فـــي الــــشــــوارع والمـــيـــاديـــن، والـــتـــهـــديـــدات العسكرية تتزايد من بعيد وقريب، وابن الشاه يبعث برسائله للشعب الإيراني من منفاه، كما فعل الخميني يوما. ما الحل ومتى؟ هـل سيتخذ المـرشـد الأعــلــى، قـــرار الـزمـن الـوطـنـي الكبير، ويـراجـع ما ألقاه الحكم الحالي على كاهل الشعب الإيـرانـي، من ضنك ومعاناة ودماء؟ الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 15 Issue 17231 - العدد Saturday - 2026/1/31 السبت هل سيتخذ المرشد الأعلى قرار الزمن الوطني الكبير ويراجع ما ألقاه الحكم الحالي على كاهل الشعب الإيراني تتزايد أهمية إيران لواشنطن مع تسارع الحاجة إلى الطاقة لتمويل احتياجات الذكاء الاصطناعي الضخمة عبد الرحمن شلقم عبد الرحمن الراشد إيران... بُدّدت الثروة وغِيض الماء كيف ستكون إيران؟

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky