OPINION الرأي 14 Issue 17231 - العدد Saturday - 2026/1/31 السبت وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com هل يجب حظر شبكات التواصل الاجتماعي عن القاصرين؟ «البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق فــي سـابـقـة مــن نــوعِــهــا، أقـــر الــبــرلمــان الـفـرنـسـي مـشـروع قـــانـــون يـمـنـع اســتــخــدام وســـائـــل الــتــواصــل الاجــتــمــاعــي على ، مـثـل «تـيـك تـــوك» و«ســنــاب تـشـات» 15 الـقـاصـريـن دون ســن و«إنستغرام»، في خطوة اعتبرها الرئيس إيمانويل ماكرون وسيلة لحماية الأطـفـال والمراهقين من الإفـــراط في استخدام الــشــاشــات، عـلـى أن يُــحــال الــنــص إلـــى مـجـلـس الــشــيــوخ قبل دخـــولـــه حـــيـــز الــتــنــفــيــذ؛ ويـــنـــص المــــشــــروع أيـــضـــا عــلــى حظر الهواتف المحمولة في المدارس الثانوية، وهذا ما يجعل فرنسا ثاني دولة تعتمد هذا التوجه بعد أستراليا، التي منعت في ديسمبر (كانون الأول) استخدام وسائل التواصل الاجتماعي .16 لمن هم دون سن الـ ويقيني أن هــذا الـتـوجـه التشريعي - الـقـانـونـي أصبح ضـــــرورة لأن مــشــاعــر أطــفــالــنــا ومــراهــقــيــنــا لـيـسـت لـلـبـيـع أو للتلاعب بها، سواء من قبل المنصات الرقمية أو الخوارزميات، فـــي عـــالـــم افـــتـــراضـــي أضـــحـــى رفــيــقــا يــومــيــا لـلـطـفـل والمـــراهـــق والــــشــــاب والــــرجــــل الــــعــــادي ورجـــــل الــســيــاســة ورجـــــل الـــدولـــة وأصـــحـــاب المــــال والـــشـــركـــات؛ وأحــــدث بــذلــك شــرخــا فــي جــدار وسائل التواصل التقليدية. كما أن هاته الشبكات أضحَت عندها ميزة التفاعل الآني واللحظي مع كل ما ينشر أو يصور، وأصبح الإنسان بإمكانه أن يتفاعل مع الخبر وهو جالس في بيته، أو في الحافلة، أو في الملعب، أو على ضفاف البحر، أو في قاعات الدراسة، وهو مـا يجعل مـن عملية التأثير على أدمـغـة الأطـفـال والمراهقين مسألة سهلة وخطيرة جـداً؛ ومـن يملك مفاتيح خوارزميات وســـائـــل الــتــواصــل الاجــتــمــاعــي، فـقـد مــلــك الــعــقــول والأفـــئـــدة؛ وقد فهم الرئيس ترمب في حملته الانتخابية القوة الردعية لــشــبــكــات الـــتـــواصـــل الاجـــتـــمـــاعـــي، فــتــحــالــف فـــي تــلــك الــفــتــرة مـع أقـــوى رجــل فـي هـاتـه الشبكات فـي الـعـالـم، إيـلـون ماسك، ووعــده بمسؤوليات جمَّة وأبـــواب مفتوحة مقابل مساعدته بإدارة حملته الانتخابية من هذا المطبخ الافتراضي الجديد، لتيقنه بــأنَّــه أداة فـاعـلـة ومــؤثــرة ومـضـمـونـة الـنـتـائـج؛ وهـو يشهد يوميا مـزيـدا مـن الإقـبـال؛ كما أن المنتمين إليه هـم من كل الأعمار والفئات والمستويات؛ أي كل المواطنين. والنتيجة معروفة: فقد ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في إيصال رسائل الرئيس ترمب إلـى كل الـنـاس، وإلــى تقزيم سياسات الخصم، وإلـى جلب الجمهوريين والكثير من الديمقراطيين إلى صفوفه. كـمـا أن هـــذا المــنــع يتماشى وبـعـض الـــدراســـات العلمية الموثوقة التي تشير إلى أمـراض نفسية خطيرة لدى الأطفال والمراهقين، بسبب الإدمــان الرقمي، وهو يشبه تماما حالات الإدمــان الأخــرى، ويؤثر ذلك على الصحة النفسية للشخص وعـــاقـــاتـــه الاجــتــمــاعــيــة وأنــشــطــتــه؛ وتـــعـــج عــــيــــادات الأطــبــاء النفسيين الــيــوم بمرضى الإدمــــان الـرقـمـي لــدى صـغـار السّن خـــاصـــة، وأن قـــضـــاء أوقــــــات طــويــلــة فـــي الـــعـــالـــم الافـــتـــراضـــي يعرضهم لكميات لا متناهية مـن المـعـلـومـات، وهــو مـا يؤثر على نموهم العصبي، ولو قام السوسيولوجيون بدراسات ميدانية لوجدوا أن عـدد هـؤلاء المدمنين الرقميين في ارتفاع كـبـيـر، وأنَّــــه مـــرض عــضــال يـحـتـاج إلـــى عــاجــات وسـيـاسـات دقيقة لمكافحته والحد منه. فبدل أن يقضي الأطفال وقتَهم في الاستمتاع بطفولتهم باللعب والتعلم، فإنَّهم يهدمونها بقضاء وقتهم على الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي والتنمّر الإلكتروني، وإدمان الـشـاشـات، وهــنــاك حـــالات خطيرة يجد المـراهـقـون والأطـفـال أنفسَهم فيها، وأعني بذلك ظاهرة الاستغلال الجنسي عبر الإنـتـرنـت، وهــو مـا يـــؤدي إلــى مشكلات مجتمعية وأمـــراض نفسية عميقة. ومـــــن بــــن الـــنـــتـــائـــج الأخـــــــرى عـــنـــد الأطــــفــــال والمـــراهـــقـــن بسبب الإدمـــان الرقمي، معاناتهم من اضطرابات في النوم، واضطرابات عاطفية تجعلهم يرتمون في أحضان العدوانية والخوف والقلق والاكتئاب، بل والتفكير في الانتحار، لأنَّهم يعيشون معزولين عن عالم الحقيقة، ويتّبعون خوارزميات، بــل وحــتــى أنـــاســـا غــربــاء لا صـلـة لـهـم بـالـقـيـم الإنــســانــيــة ولا بالمسؤولية الحضارية. مـا قـــام بـه المـشـرع الفرنسي مـسـألـة مـحـمـودة أتـمـنَّــى أن تـعـمّــم، ولــكــن مــع ذلـــك يـجـب ألا نـنـسـى أن شـبـكـات الـتـواصـل الاجـتـمـاعـي يصعب مـراقـبـتُــهـا أو ضبطها، فــا تملك الـــدول بنيات تحتية متكاملة تمكّنها من مراقبة المحتوى الرقمي أو إيقافها، خاصة وأن تطبيق مثل هاته القوانين يبقى مرتبطا بتطوير نـظـام فـعـال للتحقق مــن أعــمــار المـسـتـخـدمـن، وهـو مـسـار صـعـب يـجـب أن تتجنَّد لــه الـعـائـلـة والمـــدرســـة؛ وحــري بجميع المعنيين الــبــدء فـــورا بـهـذا الـعـمـل تـأصـيـا وتعميما وهــي مسؤولية تاريخية جـمـاعـيـة... ففشلها يعني تمزيق المجتمعات والقضاء على أجيال بأسرها. كما أن هناك سلبيات أخـرى لها علاقة بالموضوع مثل التسوّل والانحراف والتَّضليل الرقمي، وفي هذا الجانب هناك معادلة صعبة تكمن في كيفية خلق توازن بين حرية التعبير والتأصيل لمفاهيم القيم المتعارف عليها دولياً، وأعني بذلك كيفية تقنين وضبط محتوى آليات التواصل الاجتماعي بما يتماشى مع مسائل القواسم المشتركة التي تجمع بين بني الــبــشــر، وهــــذا لـيـس بـعـمـل دولــــة وحــدهــا أو منظمة واحــــدة، بـل يتطلب تعزيزا للتكتلات الإقليمية والـدولـيـة لتكون قوة تفاوضية مع كبريات الشركات الرقمية العالمية. «لقد أهملت حكومة الولايات المتحدة لفترة طويلة جداً، بـل ورفـضـت، وضـع الأميركيين ومصالحهم الملموسة في المقام الأول». بهذه الكلمات جاءت افتتاحية الاستراتيجية الدفاعية الوطنية للولايات المتحدة الأميركية. ولعله من المثير أنَّها جـاءت مملحة بطابع سياسي بالنسبة لمخطط عسكري، لا سيما أنَّــهـا انتقدت الشركاء مـن أوروبــــا إلــى آسـيـا لاعـتـمـادهـم على الإدارات الأميركية السابقة لتمويل دفاعهم. المخطط الدفاعي الجديد يعزز فلسفة الرئيس ترمب «أميركا أولاً»، التي تفضِّل عدم التدخل في الخارج، وتشكك فـي عـقـود مـن الـعـاقـات الاسـتـراتـيـجـيـة، وتعطي الأولـويـة لمصالح الولايات المتحدة. تشير الخطوط الأولى التي سطَّرها وزير الحرب بيت هيغسيث، إلـى أن جهود «بناء الـدولـة السابقة»، أضعفت «روح المحارب» لدى الجيش الأميركي، وأنَّه من خلال إعادة التركيز على الوطن، يسعى «البنتاغون» إلى التخلص من التوسع الإمبراطوري المفرط. هـل أميركا أمـــام استحقاقات النهايات لـزمـن التمدد الذي بدأ من بعد الحرب العالمية الثانية، وبلغ عظمته في مرحلة لاحـقـة، حـن انـفـردت بـمـقـدرات الـكـرة الأرضــيــة، إثر سقوط الاتحاد السوفياتي؟ نـــظـــرة ســريــعــة عــلــى الــخــطــوط الــعــريــضــة لـاسـتـراتـيـجـيـة الأحدث، تقطع بأن هناك تحولا جذريا في العقيدة الاستراتيجية القتالية الأميركية، تحولا ينطلق من نقاط عدة في مقدمها: - تعظيم مبدأ الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت «السلام من خلال القوة»، ما يعني حتمية احتفاظ الولايات المتحدة، بما يكفي من العدة والعتاد للمواجهة الفورية الجذرية. - نهاية زمن المثالية الطوباوية، أي نهاية فكرة الدفاع عن الحلفاء والأصـدقـاء، مهما كانت الأثمان عالية وغالية، كما جرى في أوروبا خلال فترة الحرب الباردة. - قطع الطريق بحسم على فكرة تغيير الأنظمة عبر الـحـروب، ومـن ثم إعــادة بناء الأمــم، ما يعني أن أميركا لم تعد موكلة بمهمة ذات قـداسـة موصولة بنشر الليبرالية والديمقراطية حول العالم. - تــقــديــم مــصــالــح الأمـــيـــركـــيـــن، عــلــى بـقـيـة مــصــالــح الأمـــم والشعوب الأخـــرى، ومحاولة اللحاق بـــأدوات الحداثة مـن عند مركب عسكري خشن، وإن بشكل حـديـث، عطفا على دمجه مع أدوات الذكاء الاصطناعي وحروب المستقبل. تبدو الاستراتيجية وكأنها نقطة مفصلية، ضمن تحول أمـيـركـي كبير عــن عـقـود مــن الـعـقـيـدة الـتـي ســـادت بـعـد الـحـرب العالمية الثانية، لا سيما أنها تشير إلى تقليص مظلة الحماية الأميركية التي وفرتها لهم عبر ثمانية عقود. تكاد الرسالة الرئيسية لهذه الاستراتيجية تتلخص في عبارة مقتضبة موجهة للحلفاء: «أنتم وحدكم. لقد انتهى رسميا عهد الولايات المتحدة كشرطي للعالم، ومموله الرئيسي». في الوقت عينه، تبدو لغة التقرير صريحة وواضحة، فهو يدعو إلى «واقعية صارمة»، ويطالب الحلفاء بتعزيز قدراتهم الدفاعية، ومن هذا المنطلق تتبنى الاستراتيجية رؤى صلبة وبراغماتية هجومية تعيد تعريف دور القوة العسكرية الأميركية، وأولوياتها. على القمة من مهام الجيوش الأميركية، حماية المصالح الأميركية المباشرة، ســواء تعلق الأمــر بنصف الكرة الغربي وهو الأهم، أو بقية أجزاء العالم، وفي الوقت نفسه ترى أن دور العسكرة الأميركية يتمحور حول الردع، وليس إعادة هندسة العالم، كما يتم النظر إلى القوة بوصفها سندا ودعما في أي عملية تفاوض مستقبلية، بمعنى أن واشنطن لن تتحدث إلا من موقع القوة، الذي لا تحيد عنه. يلفت النظر في الاستراتيجية الجديدة أمران: الأول خـــاص بــــأوروبــــا، وهــنــا فـإنـهـا عـلـى عـكـس اسـتـراتـيـجـيـة الأمـــن الـقـومـي الـتـي صـــدرت فــي ديسمبر (كــانــون الأول) الماضي، لا تركز بشكل كبير على أوروبا، ولا تصف القارة الأوروبية بأنها مكان في «انحدار حضاري»، لكنها تؤكد ما تعدّه الإدارة الحالية تراجعا لأهميتها. في الوقت عينه يرى واضعو الاستراتيجية أن أوروبا لديها من الاقتصاد الجماعي، ما يكفي للتعامل مع روسيا، ومن دون الحاجة إلى دعم أميركي مستمر. لم تخرج الأوضاع هنا بدورها عن النظرة الترمبية التقليدية لأوروبـــا، بينما الاخـتـاف الرئيسي تَمثَّل في النظرة للصين. على الرغم من أن الصين لا تمثل الأولوية العليا في تقديرات البنتاغون الـجـديـدة، فــإن الاستراتيجية تـطـرح طريقا مغايرا للتعاطي، يهدف إلى ردع بكين في منطقة الإندوباسيفيك، من خلال تبني مفهوم «سلام لائق»، بدلا من «حرب باردة» وهو فرق دقيق من شأنه أن يربك المحللين المتشددين. هــل تـخـاطـر الاسـتـراتـيـجـيـة الــجــديــدة للبنتاغون بتفكيك شبكات التحالف التي حافظت على السلام العالمي لثمانين عاماً؟ مهما يكن مـن أمــر الــجــواب، فــإن الخلاصة تتمثل فـي أن أميركا أكثر انغلاقا على نفسها، أمر سيفتح الباب لبقية العالم للسعي سريعا في دروب جديدة للدفاع عن نفسه، وكأنها بذلك تــدفــع فــي طــريــق عــالــم مـتـعـدد الأقـــطـــاب، حـكـمـا يختصم منها بوصفها إمبراطورية مالئة الدنيا وشاغلة الناس. ديسمبر/ 5( في غضون أقل من شهرين يناير/ كانون الثاني 24 – 2025 كانون الأول ) صـــدرت وثـيـقـتـان أمـيـركـيـتـان: الأولـــى 2026 مـــن الإدارة الأمــيــركــيــة (اســتــراتــيــجــيــة الأمـــن القومي)، والثانية من وزارة الحرب الأميركية (اســـتـــراتـــيـــجـــيـــة الـــــدفـــــاع الــــوطــــنــــي)، وشــــرع المـحـلـلـون فـــي الـنـظـر إلـــى هــاتــن الـوثـيـقـتـن. وكــثــيــر مـــن هــــؤلاء المـحـلـلـن رأى أن ذلــــك من إنتاج الإدارة الأميركية الحالية المتشددة. أستأذن بالاختلاف، فهاتان الوثيقتان نـــتـــاج تـفـكـيـر ســـابـــق فـــي الإدارة الأمــيــركــيــة، وربــمــا لـعـقـود كـــان أصـلـهـا حـــرب الـكـوريـتـن فــي مطلع خمسينات الــقــرن المــاضــي، مـــرورا بفيتنام والـصـومـال، ومـن ثم الـعـراق وأخيرا أفغانستان، الدولة العميقة قرأت تلك الأحداث وخزَّنت كثيرا من الدروس، ربما الاختلاف في (الإخــــراج) الــذي صــادف فترة رجـل بعيد عن عالم الدبلوماسية، لذلك ظهرت تلك القرارات وكـأنـهـا (مـفـاجـئـة)، الحقيقة أن خلفها رأيــا وطنيا عاما عنوانه «فــض الاشـتـبـاك»، وهو انـعـطـاف كـامـل وجــــذري عـمـا سـبـق معرفته، وبوادره ظهرت في أيام باراك أوباما. الـــتـــغـــيـــيـــر الــــــجــــــذري هــــــذا ربــــمــــا صـــــادم للبعض، ولـكـنَّــه بالنسبة لـلـولايـات المتحدة طبيعي، بل قد آن أوانه. في الوثيقة الدفاعية الأميركية الجديدة الصادرة عن وزارة الحرب، لا نقرأ أنها مجرد تحديث في العقيدة العسكرية الأميركية، بل هـي إعــان سياسي - استراتيجي عـن نهاية مرحلة، وبـدايـة أخـــرى. فـي الوثيقة السابقة الـــتـــي صـــــدرت فـــي بـــدايـــة ديــســمــبــر المـــاضـــي، وُضِــــعَــــت فـــي ســـيـــاق الـــخـــاف الاسـتـراتـيـجـي مـع كـل مـن الصين وروســيــا. الوثيقة الثانية وضعته فـي خانة «الـتـنـافـس»، فالتغير هنا ليس مـعـزولاً، بل هو جـزء من إعــادة هندسة أوسع للنظام الدولي الذي استقر لعقود. الوثيقة الأميركية الأولــى، التي صدرت فــي ســيــاق أكــثــر تــوتــرا دولـــيـــا، كــانــت لا تــزال تعكس قــدرا من الـتـزام النهج التقليدي، وإن كــانــت بـلـهـجـة أكــثــر حـــــذراً. فــقــد تــحــدثــت عن تقاسم الأعـبـاء مـع الحلفاء، لكنها لـم تذهب بعيدا في تحميلهم مسؤولية الدفاع الذاتي. كـــمـــا حـــافـــظـــت عـــلـــى خـــطـــاب الـــــــردع المـــتـــقـــدم، خصوصا في أوروبا وشرق آسيا، واستمرت في توصيف الصين باعتبارها تهديدا مركباً، اقتصاديا وعسكريا وتقنياً، مع إبقاء الشرق الأوسط في خانة المناطق غير المستقرة أمنياً. أمــــا الــوثــيــقــة الـــجـــديـــدة لــــــوزارة الــحــرب، فـــهـــي أكـــثـــر صــــراحــــة وأقــــــل مـــــواربـــــة. فـــهـــي لا تكتفي بالدعوة إلى تقاسم الأعباء، بل تنقل الـــعـــبء نــفــســه إلــــى الـــحـــلـــفـــاء. وكـــــام صـريـح عـن وقــف تـوسّــع «الــنــاتــو»، وتحميل أوروبـــا مسؤولية الـدفـاع عـن أمنها، وإعـــادة تعريف الـدور الأميركي من «شرطي العالم» إلى قوة تركز على مجالها الحيوي المباشر، (أي بناء قـلـعـتـهـا)، وكـلـهـا عـنـاصـر لـــم تـكـن مـطـروحـة بهذه الحدة في الوثيقة السابقة. الجديد هنا ليس فقط في اللغة، بل في الفلسفة، الولايات المــتــحــدة لـــم تــعــد تــــرى فـــي الانـــتـــشـــار الـعـالمـي شرطا لأمنها، بل تعده عبئا عليها. هــــــــذا الـــــتـــــحـــــول يــــصــــبــــح أوضــــــــــح عــنــد مــقــارنــة الاسـتـراتـيـجـيـة الأمــيــركــيــة الـجـديـدة بــاســتــراتــيــجــيــات الـــقـــوى الـــكـــبـــرى المــنــافــســة. فـالـصـن، عـلـى سبيل المــثــال، تعتمد مقاربة مختلفة جــذريــا. استراتيجيتها تـقـوم على الـتـمـدد الاقـتـصـادي أولاً، وبـنـاء الـنـفـوذ عبر التجارة، وسلاسل الإمداد، والبنية التحتية، والـــتـــكـــنـــولـــوجـــيـــا. بـــكـــن لا تــســعــى إلـــــى دور «شرطي العالم»، بل إلى إعادة تشكيل قواعده بـــهـــدوء. فـهـي تــرفــض الـتـحـالـفـات العسكرية الصلبة، وتفضل الشراكات المرنة، وتستثمر في إضعاف الهيمنة الأميركية دون الدخول في مواجهة مباشرة. ولهذا أعـادت واشنطن تــوصــيــف الــصــن مـــن «خـــطـــر» إلــــى «مـنـافـس اقتصادي استراتيجي»، في اعتراف ضمني بــــأن الـــصـــراع مـعـهـا طــويــل الأمــــد، ولــكــن غير عسكري في جوهره. أمـــا روســـيـــا، فتمثل الــنــمــوذج النقيض تقريباً. استراتيجيتها دفاعية - هجومية في آن واحد، تقوم على استخدام القوة الصلبة، وفـــــرض الـــوقـــائـــع الـجـيـوسـيـاسـيـة، واعــتــبــار المجال الحيوي المباشر خطا أحمر لا يُسمح بتجاوزه. موسكو لا تسعى إلى نظام عالمي مفتوح، بل إلى مناطق نفوذ مغلقة، وتتعامل مع الأمـن باعتباره لعبة صفرية. الحرب في أوكــرانــيــا، ومـــا سبقها مــن تــدخــات، تعكس هـــــذه الـــفـــلـــســـفـــة. ومـــــن هـــنـــا يــمــكــن فـــهـــم لمــــاذا تــــرى واشــنــطــن أن اســتــنــزافــهــا فـــي مـواجـهـة روســـيـــا مـكـلـف دون طـــائـــل، وتـسـعـى لإطـفـاء حــرب أوكــرانــيــا، حتى مـع التضحية ببعض الأراضي. بــــن هـــــذه المــــقــــاربــــات، تــعــيــد الــــولايــــات المتحدة تموضعها. فهي لا ترغب في هزيمة روسـيـا، ولا تستطيع منافسة الـصـن. لذلك تــخــتــار الانـــكـــفـــاء الــنــســبــي، وتــركــيــز المـــــوارد، وتـحـمـيـل الــحــلــفــاء مــســؤولــيــة أكـــبـــر. هــــذا ما يفسر نقل عبء الدفاع عن تايوان إلى اليابان وكوريا الجنوبية. فـــــي هــــــذا الــــســــيــــاق، يـــكـــتـــســـب الـــتـــاحـــم الخليجي أهمية مضاعفة. فالتحول الأميركي لا يعني انـسـحـابـا، لكنه يعني أن الـفـراغـات الأمـــنـــيـــة لـــن تُـــمـــأ تــلــقــائــيــا. ودول الـخـلـيـج، الـتـي تعيش فـي بيئة إقليمية مضطربة، لا تـسـتـطـيـع الاعـــتـــمـــاد عــلــى مــــعــــادلات قــديــمــة. الــــدفــــاع الــخــلــيــجــي المـــشـــتـــرك لــــم يـــعـــد خـــيـــارا سـيـاسـيـا مـــؤجـــاً، بــل ضــــرورة استراتيجية تفرضها بنية النظام الدولي الجديد. بـــنـــاء اســتــراتــيــجــيــة دفـــاعـــيـــة خـلـيـجـيـة فاعلة بل وعربية، يتطلب أكثر من التنسيق الـــظـــرفـــي. إنـــــه يـــحـــتـــاج إلـــــى تـــوحـــيـــد الـــرؤيـــة تـجـاه مــصــادر الـتـهـديـد، وتـكـامـل منظومات الدفاع الجوي والبحري، وتطوير الصناعات العسكرية، وتعزيز الأمـن السيبراني، وبناء قدرة ردع جماعية حقيقية. وتصفير الملفات الــثــانــويــة، فــفــي عــالــم يــتَّــجــه نــحــو الـتـكـتـات الإقليمية، لا مكان للقدرات المجزأة. آخـــــــر الــــــكــــــام: يــــتــــوجَّــــب الانـــــتـــــقـــــال مــن الاطمئنان إلى الاستعداد. محمد الرميحي عبد الحق عزوزي إميل أمين
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky