issue17229

Issue 17229 - العدد Thursday - 2026/1/29 اخلميس كتب BOOKS 17 سيرة العرب األندلسيين في أيامهم األخيرة محمود الضبع يكتب عن «مراوغة التاريخ... في اآلداب والفنون البصرية» يحضر التاريخ في «ثالثية غرناطة» للكاتبة املصرية الراحلة رضوى عاشور، لـيـس بـوصـفـه مــجــرد حـــدث يـعـتـمـد عليه الــــــســــــرد ويــــنــــطــــلــــق مــــنــــه مــــؤســــســــا عــلــيــه ومستعينا بــه، بـل بوصفه نقطة درامـيـة مشحونة باملشاعر وهـى تجسد التحول ومـــــــرارة الــفــقــد إثــــر ســـقـــوط األنــــدلــــس في لحظة تمتزج فيها املتناقضات بني ما هو جميل وما هو واقعي وما هو متخيل. هــذا مـا يـذهـب إلـيـه الناقد والباحث املصري الدكتور محمود الضبع في كتابه «مـــراوغـــة الــتــاريــخ – فـي اآلداب والـفـنـون الـبـصـريـة» الـــصـــادر أخــيــرًا عــن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، مشيرًا إلـى أن سقوط األنــــدلــــس لــــم يـــكـــن يــعــنــي انـــتـــهـــاء تـــاريـــخ وحـــضـــارة فــقــط، إنــمــا كـــان يـعـنـي سـقـوط اإلنسان العربي وتقهقر حياته إلى الوراء. تأكد ذلك بخاصة مع أولئك الذين عايشوا سـنـوات الـتـحـول ولحظاته هـنـالـك، حيث الــحــيــاة مــغــامــرة غـيـر مـحـسـوبـة ال يمكن للمرء أن يتصور ماذا يمكن أن يؤول إليه الحال في اللحظة املقبلة، فربما يموت أو يُسجن أو يُــحـرق أو يُجبر على الرحيل، وإن لــم يـكـن ذلـــك مـصـيـره هـــو، فـقـد يكون مصير أحد أفـراد أسرته أو أحد أقاربه أو جيرانه أو أبناء حيه. وحـــســـب الــــنــــص، فـــــإن كــــل شـــــيء فـي غــــرنــــاطــــة يـــحـــكـــي تـــــاريـــــخ هــــــذا الـــتـــحـــول: الـــــــحـــــــارات الـــــتـــــي ألـــفـــت ســــاكــــنــــيــــهــــا، وأشـــــجـــــار الـــزيـــتـــون الـــتـــي صنعت حـــــيـــــاتـــــهـــــم، والـــــبـــــيـــــوت الـــقـــديـــمـــة الــــتــــي زيَّـــنـــهـــا أهلوها بالخط العربي الــجــمــيــل، والــصــنــاعــات والـــــحـــــرف الــــتــــي نــشــأت متأثرة بحضارة الشام ومصر واملغرب، واللغة الـتـي ارتــبــطــت بــالــقــرآن والـسـنـة، والثقافة التي تــــكــــونــــت عــــبــــر أجـــــيـــــال، والــــــديــــــن الــــــــذي آنـــســـتـــه القلوب وأنـمـاط الحياة والــــــــبــــــــشــــــــر، كــــــــل شــــــيء يتحول في اتجاه واحد ال يـــحـــيـــد عـــنـــه فـيـتـخـذ مــــســــاره نـــحـــو الـتـقـهـقـر والـــــــــتـــــــــراجـــــــــع والـــــفـــــقـــــد واملرارة. مــــــــــن يـــــــــرحـــــــــل عــــن غـــــرنـــــاطـــــة طـــــواعـــــيـــــة ال يـعـود، ومــن يُلقى عليه الــقــبــض ال يـــعـــود، ومــن يــــعــــبّــــر عــــــن أي مــظــهــر يـــــــدل عــــلــــى عــــروبــــتــــه ال يعود، ومن يرفع صوته باآلذان ومن يقرأ القرآن ومــــــن يـــتـــحـــدث بــالــلــغــة الـتـي نـشـأ عليها وعـبّــر عـــــــن حـــــبـــــه ومـــــشـــــاعـــــره وحاجاته، كل من يفعل ذلك يرحل فال يعود. تـــــــــبـــــــــدأ الــــــــــروايــــــــــة بـــرســـم مـشـهـد سـريـالـي بــ الــواقــعــي واملتخيل يــــخــــالــــه «أبـــــــــو جـــعـــفـــر» حـــلـــمـــا، لـــكـــنـــه فـــــي حـــقـــيـــقـــتـــه هـــــو املــشــهــد االفــــتــــتــــاحــــي الــــــــذي يـــلـــخـــص عـــبـــر الـــرمـــز والــــداللــــة أحـــــداث الــــروايــــة ويـــحـــدد املــســار الـذي سيتخذه التاريخ منذ تلك اللحظة. رأى «أبو جعفر» امرأة تنحدر في اتجاهه مـن أعـلـى الـشـارع كأنها تقصده. اقتربت املـــرأة أكثر فأيقن أنها لـم تكن ماجنة وال مـــخـــمـــورة، كـــانـــت صـبـيـة بــالــغــة الـحـسـن، ميادة القد، وشعرها األسود مرسل يغطي كتفيها، وعـيـنـاهـا الـواسـعـتـان يزيدهما الحزن اتساعا في وجه شديد الشحوب. وملا كان الشارع مهجورًا والحوانيت لــــم تـــــزل مــغــلــقــة وضــــــوء الـــنـــهـــار لــــم يــبــدد بنفسج السحر بـعـدـ فقد بــدا ألبــي جعفر أن ما شاهده رؤيا من رؤى الخيال، حدّق وتحقق ثـم غـالـب دهشته وقـــام إلــى املــرأة وخلع ملفه الصوفي وأحـــاط بـه جسدها ليغطيه، وسألها عن اسمها ودارهــا، فلم يبد أنها رأتــه أو سمعته. تركها تواصل طــريــقــهــا وظــــل يــتــابــع مـشـيـتـهـا الــوئــيــدة وحركة خلخاليها الذهبيني حول كاحلني لوثهما وحـل طريق تخوض فيه قدماها الحافيتان. ورغــــم الـــبـــرد الـــقـــارس وصـفـيـر ريـــاح تـعـصـف بــأشــجــار الــجــوز املــغــروســة على جانبي الـطـريـق، بقي «أبـــو جعفر» واقفا بــــبــــاب حــــانــــوتــــه حـــتـــى أرســـــلـــــت الــشــمــس خـــيـــوطـــا صـــــفـــــراء واهـــــيـــــة حـــــــددت مــعــالــم الــــــشــــــارع. كــــــان املـــشـــهـــد إشـــــــــارة رمــــزيــــة، فـــاألنـــدلـــس كــأنــهــا تــتــعــرى شــيــئــا فشيئا وتـرحـل بـ رجـعـة، ساهمة ذاهـلـة حافية الـقـدمـ وئــيــدة، كما أن األمـــل فـي الـثـورة والــــحــــرب وانـــتـــظـــار مــــدد مـــن بــــ د الــعــرب أصبح حلما أيضا بال رجعة، فماذا تبقي من غرناطة واألندلس للبكاء؟ لــم يـتـبـق ســـوى بـعـض أولــئــك الـذيـن يصارعون من أجـل بقائهم أحياء، فضال عــن بـعـض املـخـطـوطـات والـكـتـب الــتــي تم إنقاذها من الحرق وبعض الظالل الوارفة التي هربت من أشعة الشمس القشتالية. هـل يمكن الـعـودة إلــى الـظـ م بعد الـنـور، وهل تنطوي هكذا صفحات التاريخ على أجــيــال تغلغلت جــذورهــا ونـمـت فروعها فطالت أعنان السماء؟ تــــحــــكــــي الــــــــــروايــــــــــة ســــــيــــــرة الـــــعـــــرب األنـــدلـــســـيـــ «املـــورســـكـــيـــ » فــــي أيــامــهــم األخـــيـــرة عــبــر ثــ ثــة أجــــزاء، هـــي «غـــرنـــاطـــة» و«مـــريـــمـــة» و«الـــــرحـــــيـــــل»، تـــغـــطـــي قــرنــا وستة عشر عاما من الزمان بــدءًا من اجتماع «الحمراء» وتوقيع آخر ملوك األندلس املسلمني أبو عبد الله محمد الصغير على اتفاقية تسليم .1492 البالد عام فـــــــــــي الـــــــــــجـــــــــــزء األول «غــــرنــــاطــــة»، تـــبـــدو الــحــيــاة هــــــادئــــــة ال يـــــكـــــدر صـــفـــوهـــا إال أخــــبــــار ســــقــــوط املـــمـــالـــك املــــــــــــجــــــــــــاورة، مــــــثــــــل مــــالــــقــــة وبـــلـــنـــســـيـــة وهـــــــــروب بـعـض الـــــــصـــــــغـــــــار إلـــــــــــى غـــــرنـــــاطـــــة فـــيـــســـتـــقـــبـــلـــهـــم أبــــــــو جــعــفــر الـذي يعمل خطاطا ويمتلك حانوتا فـي حـي «الـوراقـ » ويـــســـكـــن حــــي «الـــبـــيـــازيـــ » مـع زوجـتـه وحفيديه حسن وسليمة اللذين مات أبوهما شابا. ويحكى الـجـزء الثاني تــاريــخ «مــريــمــة» أم الـبـنـات الـ ئـي تـزوجـن ورحـلـن إلى مـــمـــالـــك أخــــــــرى، و«هــــشــــام» الذي يتزوج عائشة وينجب «عـــــــلـــــــي» ويـــــعـــــمـــــل قــــاطــــعــــا لــلــطــريــق عــلــى الـقـشـتـالـيـ ويختفي وتـمـوت «عائشة» ويـــبـــقـــى «عــــلــــي» فــــي حــــوزة جــــــدتــــــه «مــــــريــــــمــــــة» وجـــــــده «حـــــــــســـــــــن» الــــــــــــــذي يـــعـــلـــمـــه الـعـربـيـة فـيـكـون آخـــر قـــارئ لها فـي األنـدلـس، ثـم يموت الــــــجــــــد وتـــــكـــــمـــــل «مـــــريـــــمـــــة» املـــــســـــيـــــرة لــــتــــرصــــد تــــاريــــخ التحول في غرناطة واملدن املحيطة. ويــحــكــي الـــجـــزء الـــثـــالـــث «الـــرحـــيـــل» قـصـة رحـيـل عـلـي إلـــى بلنسية بحثا عن عماته، ويقوده البحث إلى قرية تتبعها اسـمـهـا الـجـعـفـريـة فيلتقي شيخها عمر الـشـاطـبـي ويـخـبـره أن عـمـاتـه رحـلـن منذ عامني إلى املغرب العربي ويعرض عليه الــــبــــقــــاء؛ فــيــبــقــى األمــــــل فــــي املــــــدد وطــلــب املعونة باالتصال باألمراء الثوار. وهــــكــــذا، لـــم تــكــن «ثـــ ثـــيـــة غــرنــاطــة» على هذا النحو مجرد رواية ترصد تاريخ سقوط أجمل مـدن األندلس فقط، ولكنها وثيقة تعيد إلى الذاكرة العربية تاريخها وماضيها وتـدفـع املخيلة إلـى استشراف أفــــق املـسـتـقـبـل فـــي ظـــل تـــحـــوالت جــديــدة، وتاريخ موغل في القدم. القاهرة: رشا أحمد الذكاء االصطناعي في زمن الطب الرقمي... تحوالت أخالقية صـــــــدر حــــديــــثــــا عــــــن دار نــــشــــر أمـــــــــازون ) كـتـاب جـديـد للدكتور Amazon Publishing( عميد خـالـد عبد الحميد، بعنوان أخالقيات الــــذكــــاء االصـــطـــنـــاعـــي فــــي الـــرعـــايـــة الـصـحـيـة Ethics of Artificial Intelligence in( )، وهـو عمل فكري يناقش واحـدة Healthcare من أكثر القضايا إلحاحا في الطب املعاصر، املتعلقة بالتحوالت األخالقية التي يفرضها االسـتـخـدام املتسارع للذكاء االصطناعي في الرعاية الصحية. ويـــــقـــــدّم املـــــؤلـــــف، وهـــــو طـــبـــيـــب وبـــاحـــث أكـــاديـــمـــي عـــراقـــي-بـــريـــطـــانـــي، وأحـــــد الــكــتّــاب املـسـاهـمـ فــي صـفـحـة «عــلــوم» فــي صحيفة «الـــشـــرق األوســـــــط»، قـــــراءة تـحـلـيـلـيـة عميقة لـلـعـ قـة املــعــقــدة بـــ الـــخـــوارزمـــيـــات الـطـبـيـة والــــــقــــــرار الــــســــريــــري، مـــســـلـــطـــا الــــضــــوء عـلـى الـتـحـديـات األخـ قـيـة املرتبطة بالتشخيص املــــــدعــــــوم بـــــالـــــذكـــــاء االصـــــطـــــنـــــاعـــــي، وإدارة الـبـيـانـات الصحية، وحـــدود املـسـؤولـيـة عند وقوع الخطأ. يــنــطــلــق الـــكـــتـــاب مــــن جــــــذور تــاريــخــيــة ألخالقيات الـطـب، تبدأ مـن مسلّة حمورابي الــتــي أرســــت مــبــدأ مــســاءلــة الـطـبـيـب، مـــرورًا بــحــكــمــة ابـــــن ســيــنــا وفــلــســفــة ابـــــن رشـــــد فـي ربـط املعرفة الطبية باملسؤولية األخالقية، وصوال إلى األسئلة املعاصرة التي تطرحها أنــظــمــة الـــذكـــاء االصــطــنــاعــي فـــي زمــــن الـطـب الرقمي. ويــنــاقــش الــكــتــاب مـــحـــاور أســاســيــة، من بينها: دور وحدود الذكاء االصطناعي في اتخاذ القرار الطبي، والشفافية واملساءلة القانونية واألخـــــ قـــــيـــــة، والــــعــــدالــــة الـــصـــحـــيـــة والــتــحــيــز الــــخــــوارزمــــي، وخــصــوصــيــة ومــلــكــيــة بـيـانـات املــــرضــــى، ومـسـتـقـبـل دور الـطـبـيـب فـــي عصر الرعاية الصحية الذكية. ويــــرى املـــؤلـــف فـــي هــــذا الـعـمـل أن الــذكــاء االصطناعي، مهما بلغ من تطوّر، ال يمكن أن يكون بديال عن ضمير الطبيب أو إنسانيته، بل أداة ينبغي توجيهها أخالقيا لخدمة اإلنسان ال اختزاله في بيانات. كان الكتاب قد صدر باللغة اإلنجليزية، على أن تصدر الطبعة العربية قريبا، ضمن مـــشـــروع يـــهـــدف إلــــى إغـــنـــاء املـكـتـبـة الـعـربـيـة بــــأدبــــيــــات أخــــ قــــيــــات الـــــذكـــــاء االصـــطـــنـــاعـــي الطبي. لندن: «الشرق األوسط» لم يتبق في غرناطة سوى بعض أولئك الذين يصارعون من أجل بقائهم أحياء، فضال عن بعض المخطوطات والكتب التي تم إنقاذها من الحرق علي حسين يحاول مغالبة نظام «الموضة» الفلسفية بقراءة مختلفة «برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية في «برميل سارتر: مغامرات الوجودية من اإلخوة كارامازوف إلى الالمنتمي» - دار - للكاتب الصحافي 2025 ، الرافدين: بغداد الـــعـــراقـــي عــلــي حـسـ ، نـكـون إزاء تـأويـلـ أســـاســـيـــ ألحـــــد أهـــــم الــــتــــيــــارات الــثــقــافــيــة الـفـكـريـة الــعــاملــيــة، وهـــي الـــوجـــوديـــة. األول، تــمــثِّــلــه صـــــورة ســـارتـــر وبــرمــيــلــه املــضــخــم، عربيا وعـراقـيـا. والـثـانـي، الـتـأويـل املعرفي - الفلسفي للوجودية فـي سياقها العاملي. هــل ثـمـة فـــارق بــ الـسـيـاقـ ؟ ال شـــك؛ فهذا من نافلة الـقـول، سـوى أن «سـارتـر» كـان في الطليعة فـي الحالتني! وهـــذا أحــد كشوفات العنوان، املعلنة سلفا، أو سواها. فـ«برميل سـارتـر» ذو قصدية فائقة؛ بانطوائها على دالالت مــخــتــلــفــة، وربــــمــــا مـــتـــعـــارضـــة. فـفـي لــحــظــة تــشــيــيــع «ســـــارتـــــر» تـسـتـعـيـد رفـيـقـة دربه سيمون دي بوفوار أحد خطب رفيقها الــراحــل، وقــد صعد على «بـرمـيـل» ليتحدث أمــــام حـشـد مـــن الـطـلـبـة والــعــمــال عـــن الـــدور املـفـتـرض للمثقف، فـهـو «مـنـحـاز» للشعب. وعليه، من ثـمَّ، أن يعرف أزمنة «البيانات»، و«الـــنـــدوات» الـصـاخـبـة، ومثلها «املــقــاالت» املــــنــــشــــورة بـــالـــصـــحـــف «اإلصـــــ حـــــيـــــة»، كـل هــــذا «قــــد ولَّـــــــى». هــــذا مـــحـــدد رئـــيـــس لــداللــة «الـبـرمـيـل» وصـاحـبـه «ســارتــر»، وال ينبغي تـركـه يمضي فـي سبيله مـن دون «ضـبـط»؛ وهكذا فعل علي حسني ذاته بعنوان كتابه، ثــم بـاسـتـعـادة مـشـهـد صــــورة ســارتــر واقـفـا عـلـى الـبـرمـيـل ذاتـــــه، فـكـانـت الـــصـــورة عتبة أساسية توطئ للكتاب وتعيد توجيهه. سارتر أم الوجودية؟ أفـكـر أن هـنـاك «صــــورة» مسبقة أعــدت باحترافية عـن الفيلسوف الــوجــودي، وعن الـوجـوديـة كلها، كما أتــصــوَّر. وقــد أفترض أن روافــــــــد كـــثـــيـــرة قــــد تـــضـــافـــرت مـــعـــا عـلـى تكوينها، في املقدمة منها املنطق الشعبي بأصوله الفولكلورية؛ حيث «البرميل» بديال عـن «منصة» الجامعة أو الـقـاعـات الفخمة، حـتـى املـقـهـى الـشـهـيـر. ولـقـد أحـسـن الكاتب عـلـي حـسـ اخـتـيـار عــنــوان كـتـابـه، بــل كـان مـوفـقـا فـــي «اســتــعــادتــه» مـشـهـد الــوجــوديــة فـــي أصــولــهــا الــعــاملــيــة، وبــظــ لــهــا الـعـربـيـة والعراقية املميزة. ال أحـــــد مــــن فـــ ســـفـــة الــــقــــرن الــعــشــريــن الـــكـــثـــيـــريـــن، وهـــــو الــــقــــرن األشــــهــــر بـــأحـــداثـــه املـــتـــفـــجِّـــرة وكـــــوارثـــــه الـــكـــبـــرى، يــمــكــن لــــه أن يــمــثّــل «الـــــوجـــــود» وفـلـسـفـتـه ســــوى ســارتــر ورفــيــقــة دربــــه «ســيــمــون دي بــــوفــــوار». وقـد أجــزم أن أي مــؤرخ سينحاز، مجبرًا، ملنطق سارتر وبرميله. وكأننا، هنا، إزاء قدرية ال مـفـر منها تـرغـم الجميع عـلـى هـــذا الـتـأويـل والــــتــــاريــــخ املــــعــــد ســـلـــفـــا، بـــانـــتـــظـــام عـجـيـب. ولـــكـــن ملـــــاذا «ســــارتــــر» وحــــــده؛ «كــــامــــو»، أو «كــيــركــغــارد»، حـتـى نـيـتـشـه، وغـيـرهـم ممن حقَّقوا شهرة عريضة، وأنـجـزوا منظومات فـلـسـفـيـة فـكـريـة كــبــرى تـتـفـوق كــثــيــرًا، ربـمـا على «فلسفة» سارتر وبرميله، شأن األملاني هــــايــــدجــــر، ال تُــــذكــــر أســــمــــاؤهــــم فــــي ســيــاق التأسيس للفلسفة األكثر تأثيرًا في السياق الــعــاملــي بـعـيـد الـــحـــرب الــعــاملــيــة الــثــانــيــة! ال ينشغل كـتـاب «برميل ســارتــر»، وال مؤلفه، بهذا الـجـدل، فهما معنيان بـالـداللـة األولــى لـلـعـنـوان، مثلما أنـهـمـا، كـمـا يظهر لـنـا من الـــكـــتـــاب نـــفـــســـه، مـــشـــغـــوالن بــتــتــبُّــع ورصــــد التحوالت الكبرى التي أحدثتها الوجودية بصفتيها: الفلسفية - املعرفية والسياسية. وتبدو القيمة الفلسفية مترسِّخة وذات قيمة أساسية، وهـي ما يهتم بها الكتاب، بينما تــــتــــوارى الــقــيــمــة الــســيــاســيــة خــلــف مـظـاهـر التفلسف. في تقديم الكتاب ذي العنوان االتهامي، ربما: «أنت املسؤول عن قراءة هذا الكتاب»، ال يشرح لنا علي حسني الكثير عن صاحبنا سارتر، وال عن الوجودية. إنما يمضي في تلمُّس العذر له، أوالً؛ ألنه عاكف على قراءة كتب فالسفة الوجودية، بقصد تأليف كتاب «متأخر»، وال شـك، عن الوجودية، الفلسفة األكـــثـــر صــخــبــا، بــعــد املــاركــســيــة وأحـــزابـــهـــا الــســيــاســيــة، ويـــتـــرك األمـــــر بـــرمـــتـــه، مـــن ثـــمّ، لـــلـــقـــارئ بــــأن يــلــقــي عــلــى عــاتــقــه مـسـؤولـيـة الـــــقـــــراءة والـــفـــهـــم، وربــــمــــا تـــقـــديـــر إشــكــالــيــة الــكــتــابــة، مـــجـــددًا، عـــن «فـلـسـفـة» صــــارت من املاضي «املجيد» في عصر الذكاء الصناعي. فــهــل هــــذا األمــــر كــــاف لـتـسـويـغ الــكــتــابــة عن الـوجـوديـة وفالسفتها بعيدًا عـن حاضرها الـتـاريـخـي؟ هـــذا الـــســـؤال، فــي حقيقة األمـــر، ال قـــيـــمـــة لــــه فــــي ســــيــــاق الـــكـــتـــابـــة الــســيــريــة النقدية لشخصية فلسفية كبرى، أو لفلسفة أساسية كما هو شأن كتاب «برميل سارتر». وهذا مما نجد صداه في تقديم علي حسني لــكــتــابــه، لـكـنـه يـــعـــرف أن املــــــزاج الـشـخـصـي للمثقفني الــعــراقــيــ ، وهـــل يـخـتـلـف الـعـرب هنا! تتحكم به «املوضة» املنهجية والفكرية، وقــد مضى زمــن الـوجـوديـة وموضتها، فال يـحـفـل كـثـيـرًا بــاعــتــراضــات بـعـض مثقفينا املشبعني بمنطق املوضة الثقافية. الوجودية، هنا، ليست محض «فلسفة» أو «اتـــجـــاه» فــكــري وســيــاســي ســـاد ثــم بــاد، إنما هي بعض ماضي املؤلف ذاته، فالكتاب ليس عرضا ثقافيا لفلسفة معينة فحسب، إنـــمـــا هــــو «ســــيــــرة» مـــضـــمـــرة لــلــكــاتــب عـلـي حسني نفسه. في األقل تتحدَّث عن «قراءات» املــؤلــف لكتب الـفـ سـفـة الــوجــوديــ . ولعل هـذا املنطق السيري، ربما ســوَّغ للكاتب أن يــخــوض بـاألسـئـلـة الــكــبــرى الــتــي واجهتها الـوجـوديـة بنسختها الـعـربـيـة، وقــد ظهرت بمناخ «ثقافي» تآمري يعتاش على أسئلة املـؤامـرة والـشـك. فمن هـو الــوجــودي؟ سـؤال بصيغة عاملية وال شـك، يندر أن تخلو منه ثقافة عاملية، لكنه يصطدم عندنا بإشكاالت الـــوجـــود كـلـه، وبــالــصــدارة منها اإلشـكـالـيـة السياسية. وبرغم ذلك، يظل سؤال الوجود ذا مــنــطــق مـــتـــفـــرد وإشــــكــــالــــي. فـــالـــوجـــودي يُفهم، كما يـجـادل الكاتب ذاتــه فـي مواضع مختلفة من كتابه، على أنه «العبثي»، وهو «امللحد»، وربما هو «املنحل» أخالقيا، مثلما قـد يـكـون ردًا مـتـأخـرًا على تقديم «املـاهـيـة» على الـوجـود، كما يُفهم مـن مقولة ديكارت الـشـهـيـرة: «أنـــا أفـكـر إذن أنـــا مـــوجـــود»، بما جــرى لها على يـد األب الــروحــي للوجودية الفيلسوف الدنماركي «كيركغارد» بتبريز الــــوجــــود عــلــى املـــاهـــيـــة؛ بـــقـــولـــه: «أنـــــا أفــكــر، فـأنـا إذن لـسـت مـــوجـــودًا». وال أدري ملـــاذا ال أستعيد، هنا، مقولة الكاتب ذاتـــه، فـي ردِّه عــلــى املــعــتــرضــ عــلــى راهــنــيــة الـــوجـــوديـــة؛ لتسويغ الكتابة عنها؛ فهو يرى أن الرفض الحالي للوجودية بوصفها فلسفة هو بذاته موقف وجــودي؛ ملـاذا؟ ألن الرفض يعبر عن االخـتـيـار، وهـــذا واقـــع فـي «صـمـيـم» الـسـؤال الفلسفي للوجودية. الوجودية تستعيد آباءها لـــكـــن الـــبـــحـــث عــــن املــــســــوغــــات الــــ زمــــة لــتــأمــل الـــوجـــوديـــة بــوصــفــهــا فـلـسـفـة كـبـرى هـــو بـــذاتـــه مــســوغ كــــاف لـلـبـحـث فـــي األصـــل الـفـلـسـفـي لـــلـــوجـــوديـــة. وال مـــســـوِّغ ألمــــر ما أصلح من «اختراع» تاريخ له. هكذا سيجد علي حسني أن ســـؤال الـوجـود يـفـرض عليه بصفته مؤرخ الوجودية الحالي، أو األخير، البحث في األصول األولى للوجودية؛ ملاذا ال أقــول إن الـتـاريـخ، هنا، ليس سـوى محاولة أولـــــــى لــلــبــحــث عــــن األب املـــــؤســـــس؟ واألب األول هــو بــروتــاغــوراس الـيـونـانـي، املـولـود في أسـرة فقيرة في جزيرة «أيـديـرا»، إحدى الـجـزر اليونانية، وقـد كـانـت، وقـتـذاك، مقرًا لـــديـــمـــقـــريـــطـــس، مـــؤســـس املــــدرســــة الــــذريــــة. وبروتاغوراس ذاته صاحب مقولة «اإلنسان مـقـيـاس كــل شــــيء»، وهـــي املــقــولــة املنفتحة عـــلـــى إرث الــســفــســطــائــيــ ، الــــذيــــن يـعـدهـم بـعـض املـــؤرخـــ اآلبــــاء األوائـــــل املؤسسيني لـــــلـــــوجـــــوديـــــة، وال ســــيَّــــمــــا بــــــروتــــــاغــــــوراس وســــقــــراط. وســيــكــتــب كـــيـــركـــغـــارد الحـــقـــا أن بــــروتــــاغــــورس هـــو «أول مـــن تـفـلـسـف حــول اإلنسان، وأن الفلسفة التي انبثقت عنه هي فلسفة للحياة». وسيغدو «التفلسف» حول اإلنسان، أو ما سُمي الحقا بفلسفة الوجود وســـؤالـــهـــا املـــتـــفـــرِّد، هـــو الـنـقـيـض الفلسفي ملـنـطـق الـفـلـسـفـة األول وأسـئـلـتـهـا الـخـاصـة بـاملـيـتـافـيـزيـقـيـا والـــظـــواهـــر املــــجــــاورة. وهـو ما نهضت به الصياغات األساسية الكبرى لفالسفة الـوجـوديـة، كما عـرض لها الكاتب علي حسني في كتابه. وقـــد يــكــون مــن املـنـاسـب حــقــا، أن نقف عــنــد قـضـيـتـ أســاســيــتــ . تـتـعـلَّــق األولــــى بـــاإلحـــاطـــة املـــوســـعـــة الـــتـــي يــجــدهــا الـــقـــارئ متجسِّدة في كتابة السير املوجزة للفالسفة الــكــثــيــريــن الـــذيـــن عــــرض املـــؤلـــف لـحـيـاتـهـم ومساهمتهم في الفلسفة الـوجـوديـة. وهذا أمر يُحسب كثيرًا لعلي حسني؛ فقد تضمن 25 كتابه عرضا لحياة ومساهمة أكثر مـن فيلسوفا وكاتبا أساسيا ممن أسهموا في صــيــاغــة الـفـلـسـفـة الــــوجــــوديــــة. ويـــدخـــل في صـمـيـم هــــذه اإلجــــــادة مـــا نــجــده مـــن إفــاضــة وتوسع في ذكـر املصادر بأصولها العاملية وترجماتها العربية املختلفة. وللكتاب سمة أو قضية ثانية ال ينبغي إغفالها، وهـي أن الكتاب يقترح مساهمة عربية أساسية في الفلسفة الوجودية، وهذا مما ال نجده، ربما منفردًا بفصل أو فقرة خاصة لدى غيره ممن كتبوا عن الوجودية وفالسفتها األساسيني. نـتـحـدث عـمـا أورده املــؤلــف عــن الفيلسوف املـــــصـــــري الـــــدكـــــتـــــور عــــبــــد الــــرحــــمــــن بـــــدوي ومساهمته الفاعلة فـي التأسيس للفلسفة الـوجـوديـة فـي العالم العربي. وقـد يعنيني كثيرًا، في هذا املقام، أن أطمح بأن أقرأ، قريبا، كتابا مماثال من تأليف الكاتب نفسه، لنقل جزءًا متمما ثانيا لبرميل سارتر، موضوعه الصياغة العربية للوجودية، لنسميها األثر الـــوجـــودي فــي الـثـقـافـة الـعـربـيـة، وال سيَّما الــعــراق، الـبـ د الـتـي شـهـدت تـجـذُّرًا مختلفا لليسار السياسي. وأزعم أن العرب قد قدموا فهما مختلفا عن الوجودية. واآلن؛ ملاذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذريا عن عصرها الذهبي؟ أفكر أن هـــذا مــن نافلة الــقــول، وكــتــاب برميل سارتر يــــفــــارق مــنــطــق «املـــــوضـــــة» فــــي ســـيـــاق الـفـكـر العربي وما يسود فيه من اتجاهات ومقوالت فـكـريـة. األصـــــل، كـمـا يــقــول لـنـا عـلـي حسني، وكــمــا نـفـتـرض مــعــه، أن ســــؤال الـــوجـــود هو سـؤال اإلنسان في مخاضاته املختلفة. وهو سؤال تاريخي يكرره اإلنسان كلما استجده لديه جـديـد. وأزعـــم أننا فـي هـذه املنطقة من العالم بحاجة ماسة ألن نتخلص من سلطان «املــــوضــــة» وســرديــاتــهــا املـنـهـجـيـة الـثـقـافـيـة املكرَّرة، وهي سلطة تجعل من املعرفة العلمية ومـنـاهـجـهـا املـخـتـلـفـة سـلـعـة تُــسـتـبـدل كلما جد فيها جديد. وهـذا بعض ما يفعله كتاب برميل سارتر بتقديم قـــراءة جديدة لفلسفة شـغـلـت الــعــالــم لــعــقــود مـــتـــعـــدِّدة. وحـــبـــذا لو سعى آخــــرون إلضــــاءة آلــيــات اشـتـغـال الفكر العربي وخطاباته فـي ضــوء أنظمة املوضة املنهجية األخرى، مثل البنيوية أو التفكيكية حتى خطاب ما بعد االستعمار. حقا؛ إنه عمل مفيد، بل متفرد، يكسر دورة املوضة ويبطئ من فاعلية سردياتها املدمِّرة. حمزة عليوي لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذريا عن عصرها الذهبي؟

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==