issue17229

Issue 17229 - العدد Thursday - 2026/1/29 اخلميس OPINION الرأي 14 السودان... الهدنة الهشة ال تعني السالم! ترمب األول وترمب الثاني هل يمكن لألصولية أن تستغل الفلسفة؟! اليوم الذي تتوقف فيه الحرب سيكون يومًا سعيدًا على الـسـودان وأهـلـه. فـأن تنتهي الحرب هو ما يتمناه كل سـودانـي، هـذا أمـر ال خـ ف حوله. الخالف هو كيف تتوقف الحرب، وبأي شروط، وإلى أي أفق؟ هـنـاك تــصــورات عــديــدة عــن وقـــف الــحــرب، وشـــروط تحقيق ذلك. الحكومة السودانية عرضت خريطة طريق أودعــتــهــا لـــدى األمــــم املــتــحــدة، مـقـابـل مــا كـــان مـعـروضـ مــن «الــربــاعــيــة». ومـــع مــا يشبه الـجـمـود حـالـيـ فــي هـذه املــــســــارات، فـــإن أكــثــر مـــا يُـــتـــداول فـــي الـــخـــارج الـــيـــوم هو الحديث عن هدنة إنسانية، وأحيانًا عن مالذات آمنة. االعتقاد بأن الحل يمكن أن يتمثل في هدنة قصيرة أو طـــويـــلـــة، هـــو تـــصـــور خـــاطـــئ فـــي جــــوهــــره. فــالــهــدنــة، وبـحـكـم تـعـريـفـهـا وطـبـيـعـتـهـا، ال تـعـنـي حـــ نـهـائـيـ أو شامالً، بل تعني وقفًا مؤقتًا للقتال، وتجميدًا لألوضاع العسكرية امليدانية، على أمـل أن يفضي ذلـك إلـى توافق على ترتيبات عسكرية وسياسية تنهي األزمة. فـي خطة «الـربـاعـيـة» كــان املعلن أن تستمر الهدنة اإلنــــســــانــــيــــة ثــــ ثــــة أشــــهــــر «مــــبــــدئــــيــــ » لــتــيــســيــر وصـــــول املـسـاعـدات اإلغاثية إلـى جميع أنـحـاء الــســودان، على أن تُفضي هذه الهدنة إلى وقف دائـم إلطـ ق النار، لكن من دون تقديم أي توضيحات عملية حــول آلـيـات تطبيقها على األرض. ووفقًا لبيان «الرباعية» الصادر في سبتمبر يُفترض أن تنطلق أيضًا عملية انتقالية 2025 ) (أيــلــول شاملة تختتم في غضون تسعة أشهر لتحقيق تشكيل حكومة مدنية مستقلة «تتمتع بشرعية واسعة، وتخضع للمساء لة». وبـــغـــض الــنــظــر عـــن أن مــصــيــر «الـــربـــاعـــيـــة» نفسه بــات غير واضـــح فـي ظــل الـتـطـورات الـتـي شهدها امللف السوداني أخيرًا، فإن العموميات التي طبعت هذه الخطة ما كـان لها، حتى لو كتب لها االستمرار، أن تقدم الحل املنشود فـي ظـل التعقيدات والتشابكات العميقة لهذه الحرب. عـــنـــدمـــا يـــتـــكـــرر الـــــكـــــ م عـــــن هــــدنــــة قـــصـــيـــرة تـــبـــرز مشكلتان: األولـى تتمثل في الرهان على النيات، وعلى أن تـجـمـيـد الــوضــع الـعـسـكـري لــن يـسـتـغـل مــن أي طـرف اللـــتـــقـــاط األنــــفــــاس وإعـــــــادة الــتــســلــح والـــتـــمـــوضـــع لـشـن هجمات الحقة. فقياسًا على التجربة الوحيدة املاثلة، ثبت أن «قوات الدعم السريع» لم تلتزم بمخرجات منبر جدة، بل شنت خالل تلك الفترة أكبر الهجمات، وتمددت في واليات الوسط والجنوب الشرقي. وال يوجد ما يدل عـلـى أن أي هُـــدن قـصـيـرة جــديــدة لــن تُستغل بالطريقة ذاتها، وتكون مجرد استراحة مؤقتة اللتقاط األنفاس وشن هجمات الحقة. أما املشكلة الثانية، وهي األعمق واألخطر، فتتعلق بأن كل األحاديث عن هدنة إنسانية تقوم، ضمنيًا أو صراحة، على فرضية تثبيت دور «قوات الدعم السريع» في املشهد. وهذه فرضية ستواجه رفضًا قاطعًا من قيادة الجيش ومن قطاعات واسـعـة مـن الـسـودانـيـن بعد مـا شـهـدوه وعـانـوه مــن مــمــارســات هـــذه الـــقـــوات، واالنــتــهــاكــات الــواســعــة التي ارتكبتها، والدمار الواسع الذي ألحقته بالبالد. فـي كـل األحـــوال، الهدنة شــيء، والـسـ م شــيء آخـر. وما يحتاجه السودان هو السالم، ال الهُدن، سواء كانت لثالثة أشهر أو لتسعة أشهر. بل يمكن القول إن الهُدن القصيرة ال تخدم السالم، وال تقود بالضرورة إلى وقف الـحـرب بشكل كـامـل ونـهـائـي، وإنـمـا قـد تهيئ لعودتها بصورة أكثر شـراسـة، في ظل انـعـدام الثقة، والتدخالت الخارجية، وانتشار السالح. أمـا إيصال املساعدات اإلنسانية فهو ممكن حتى في ظل استمرار املعارك، لو توفرت اإلرادة، كما توضح تــجــربــة الــفــاشــر، الــتــي وصــلــت إلــيــهــا قــافــلــة مــســاعــدات بعد سقوطها، وهو ما يثبت أن «قـوات الدعم السريع» كانت املعرقل األسـاسـي لـدخـول املـسـاعـدات، إذ رفضت باستمرار وصولها إلـى املــدن التي حاصرتها. وهناك تــجــارب فــي حـــروب أخـــرى تـؤكـد أن إيــصــال املـسـاعـدات ممكن من دون وجـود هُــدن رسمية بالضرورة، إذ يُلزم الـــقـــانـــون اإلنـــســـانـــي الــــدولــــي جــمــيــع األطــــــراف بتيسير مرورها وعدم عرقلتها. لكن ما دام هناك أطراف ال تلتزم بالقانون الدولي، يصعب تصور أنها ستلتزم بأي هُدن إنسانية شكلية. الحقيقة أن أي سـ م مستدام في الـسـودان يتطلب، بالضرورة، تفكيك «قوات الدعم السريع»، وحل ودمج كل الحركات املسلحة، وجمع السالح بحيث ال تكون هناك أي بندقية خــارج سيطرة الـدولـة، التي يجب أن تحتكر وحــدهــا الـعـنـف املـــشـــروع. وقـــد أثـبـتـت تـجـربـة الـحـركـات املسلحة تكلفتها الباهظة على الــدولــة، ال فـي الـسـودان وحــده، بل في املنطقة بأكملها. فالفوضى التي يثيرها الـسـ ح املنفلت ال تتوقف عند حـــدود الــدولــة، بـل تمتد إلى محيطها املجاور لتتحول إلى تهديد لألمن والسالم اإلقليميي، ومـدخـل لـتـدخـ ت أطـــراف تستغل الـظـروف لتنفيذ مخططات تؤدي إلى مزيد من عدم االستقرار. أبعد من ذلك، فإن السودان يحتاج إلى سالم شامل، وخريطة طريق واضـحـة، إلنـهـاء الـصـراع الصفري على الـسـلـطـة، والـــتـــوافـــق عـلـى مـــشـــروع وطــنــي جــامــع يعالج قضايا الحكم، والتداول السلمي الديمقراطي، والتنمية املتوازنة، والتعايش الذي يثري التنوع الثقافي والعرقي، وينزع جذور مشاعر الغنب، بدل التركيز على هُدن هشة تؤجل االنفجار وال تمنعه. لسبب ال أعــرفــه، بـــدا الـعـالـم أمــامــي، وهـــو ال يعرف كيف يتعامل مع الرئيس األميركي دونالد تــرمــب، كـأنـه قـــوم مـوسـى (عـلـيـه الـــســـ م) عندما اســتــبــد بــهــم الـــيـــأس واخــتــلــط مـــع الــــرجــــاء. فلقد غـادرهـم سيدنا موسى إلـى لقاء ربـه فـي الــوادي املـقـدس طُـــوى، فلما عــاد إليهم فـوجـئ بأنهم قد اتــخــذوا عـجـ يـعـبـدونـه، وحـــن تـبـن لـهـم حجم ما ارتكبوه من خطأ، وقعوا في حالة هي العجز وقلة الحيلة معًا، وكـانـت بتعبير الـقـرآن الكريم كالتالي: «وملّا سُقط في أيديهم». وال مــعــنــى لـــهـــذه الـــعـــبـــارة فـــي الــلــغــة ســوى العجز عن التصرف، وانعدام الحيلة في الخروج مـن مـوقـف يجد الشخص أنــه وقــع فـيـه، وال فرق في األمـر طبعًا بي الشخص واملجموع، فالعجز يصيبه بمثل ما يصيبهم. والـسـؤال في حالة الرئيس ترمب مع العالم من حوله، لم يعد عن اللحظة التي يمكن أن يرجع فـيـهـا الــرجــل عـمـا يــمــارســه مــن ســيــاســات، ولكن الــســؤال أصـبـح عما إذا كــان مـا يـمـارسـه مرتبطًا بــه هــو شخصيًا، وينتهي بـالـتـالـي عـنـد رحيله مـن البيت األبـيـض؟ أم أنــه حـالـة أميركية تجلّت مع ترمب، وسـوف تستمر من بعده، سـواء أجاء رئيس جمهوري في مكانه أم ديمقراطي؟ هـذا هـو الـسـؤال الــذي يـــردده العالم ســـرًّا، أو يعلنه عـلـى املـــ أمــــام الـــنـــاس، ولــســان حــالــه هو لسان حال قوم موسى: «سُقط في أيديهم». لقد أطلق ترمب تصريحًا ذات يوم يقول فيه ما معناه، إنه إذا لم ينجح في البقاء لفترة ثالثة في البيت األبيض فسوف يكون هناك مَــن يمكن أن يأتي في مكانه في املكتب البيضاوي، وأشار من طرف خفي إلى ماركو روبيو، وزير خارجيته. ثم أضــاف أن ماركو إذا لم يستطع املـجـيء، فمن املمكن أن يكون البديل هو جيه دي فانس، نائب الرئيس، الذي يظل بديله الطبيعي والتلقائي إذا خال املكان أو أصاب الرئيس سوء. وقد عرفت الواليات املتحدة هذا السيناريو الـدسـتـوري مـرتـن فـي تاريخها الـقـريـب، فكانت إحـــداهـــمـــا حـــن اغــتــيــل جــــون كـــيـــنـــدي، فـــجـــاء في مكانه تلقائيًا نائبه ليندون جـونـسـون، وكانت الـثـانـيـة عـنـدمـا اسـتـقـال ريـتـشـارد نيكسون بعد فـضـيـحـة ووتــرغــيــت الــشــهــيــرة، فــجــاء فـــي مكانه نائبه جيرالد فورد. لكن الـسـؤال يظل عما إذا كانت هـذه الحالة غير املسبوقة التي أحدثها، ويحدثها، الرئيس ترمب فـي شتى أركـــان األرض، هـي حالة خاصة بـــه، وبـــإدارتـــه، وفــريــق عـمـلـه، ورئـاسـتـه الثانية، وفقط، أم أنها ممتدة، ومتمددة من بعده، حتى لـو كـان الديمقراطيون هـم الـذيـن سيحكمون في السباق الرئاسي املقبل؟ فـــــي اإلجـــــابـــــة عـــــن الـــــســـــؤال ســــــوف تـخـتـلـف وجـهـات النظر، ولـكـن سياسات الـرجـل منذ بدء فـتـرتـه الــثــانــيــة، تــقــول إن مـــا يــقــوم بـــه، ويـقـولـه، ويــــردده، ويطبقه، هـو شُــغـل دولـــة فـي مجملها، وليس مجرد توجه لـدى إدارة مثل إدارة ترمب، أو مجرد نـزوة سياسية من نـزواتـه التي اشتهر بها في دنيا السياسة منذ بـدأ واليته الرئاسية الثانية. فـــاملـــقـــارنـــة بـــن رئـــاســـتـــه الــثــانــيــة ورئــاســتــه األولــى تقول إنـه في املـرة األولــى التي امتدت من ، لــم يـكـن عـلـى شـــيء مـمـا نعرفه 2020 إلـــى 2016 عـلـيـه مـنـذ بـــدء الــرئــاســة الــثــانــيــة، وإلــــى الــدرجــة التي يمكن معها الحديث عن «ترمب األول» في تلك السنوات األربع، ثم عن «ترمب الثاني» الذي نعرفه وسنعرفه أكثر في سنواته األربع الحالية، والذي ال صلة من أي نوع بينه وبي ما كان عليه هو نفسه في الفترة األولى. العقل ال يقول، وال املنطق يقول، إن الشخص الواحد يمكن أن يتباين بي حالتي إلى هذا الحد. ففي النهاية هناك طبيعة للشخص تبقى حاكمة في شخصيته حتى لو حاول التطبع بغيرها، وال يمكن أن تصل وجـــوه التباين داخـــل الشخصية الواحدة إلى هذا املدى الذي فوجئ به العالم في حالة ترمب، الذي نتابعه بتفاصيله املدهشة على طول السنة األولى. الـذيـن عـاشـوا أيـــام رئـاسـتـه األولـــى يـذكـرون أنــه لـم يكن مطلقًا على مـا هـو عليه فـي رئاسته الــراهــنــة، وال تفسير لــذلــك إال أن «بــرنــامــج عمل أميركيًا» جـرى وضعه خـ ل سـنـوات جـو بايدن األربـــع، ليعمل عليه الرئيس التالي لـبـايـدن، أيًا كان اسمه، وأيًا كان حزبه، وأيًا كان توجهه. وهنا نجد أنفسنا أمـام سـؤال آخـر: هل برنامج العمل هــــذا، مــع افـــتـــراض وجــــوده بـالـفـعـل، هــو بـرنـامـج عـمـل جـمـهـوري منسجم مــع تـوجـهـات تــرمــب، أم أنه برنامج عمل ديمقراطي، أم أنه ال هذا وال ذاك، وإنما هو أميركي عابر فوق الحزبي؟ الـــغـــالـــب هـــو االحـــتـــمـــال الـــثـــالـــث، ألن «مــبــدأ مونرو» الذي يتبناه ترمب في سياساته، ويتخذه بوصلة سياسية في حركته، ينتسب إلى الرئيس األمــيــركــي جيمس مــونــرو، الـــذي حـكـم فــي الـربـع األول مــن الــقــرن الـتـاسـع عــشــر، قـبـل أن يتأسس الـــحـــزب الــجــمــهــوري أصـــــ ً. كـــان مـــونـــرو خـامـس رؤســـــاء الـــواليـــات املــتــحــدة، وكــــان مـــن بـــن اآلبـــاء املؤسسي للواليات املتحدة، أو أن هناك مَن يراه كذلك، وهو بهذه الصفة أميركي أكثر منه انتماء إلـــى أي مــن الـحـزبـن الـجـمـهـوري والـديـمـقـراطـي، وكـذلـك الـحـال على األرجـــح مـع مـا يأخذ ويتبنى السيد ترمب من قرارات وسياسات. قــــد يـــكـــون الــــســــؤال الــــــذي وضـعـتـه عـــنـــوانـــ لــلــمــقــال صــــادمــــ ؛ ولـــكـــنـــه مــلــح للغاية فـي عصرنا الحديث، فالظاهرة األصولية كعادتها تجيد املكر وتتفنن بــالــتــمــوضــع مــــع املــــوجــــات الــعــلــمــيــة أو التنموية، وما كانت هذه بدعة جديدة، بـل لــدى األصـولـيـن تـاريـخ فـي محاولة انـتـزاع املفاهيم الفلسفية واستعمالها ملشاريعهم اآليديولوجية ولـهـذا أمثلة كـثـيـرة سـبـق الـتـطـرّق إلـيـهـا فــي مـقـاالت سابقة. اآلن وبـــعـــد طــــول ضـــــرب وتـشـويـه للفلسفة مـن قبلهم عبر الـتـاريـخ نراهم ينغمسون فيها بغية الظفر بمفاهيمها وإلـــــغـــــاء الــــــــدور الـــوظـــيـــفـــي الـــــــذي يـجـب أن تــقــوم بـــه، مستعملي مـجـمـوعـة من كــتــب املـــفـــكّـــريـــن الـــذيـــن يـعـجـبـونـهـم إمــا مــــن الـــيـــســـاريـــن أو الـــنـــاقـــديـــن لــلــغــرب، أو مـــمـــن يـــجـــامـــل األصــــولــــيــــن بــحــجــج سياسية واهية، وهذه الطريقة سبق أن استعملوها عبر التاريخ. ولكن السؤال كـــيـــف يـــمـــكـــن لـــ صـــولـــيـــة أن تـسـتـثـمـر بالفلسفة؟! أجيب عن ذلك ببضع نقاط: أوالً: وفـــــــــق مـــــــا نـــــــقـــــــرأه لـــــهـــــم مـــن أطـــروحـــات مـتـلـفـزة أو مـكـتـوبـة نجدهم يتجهون نـحـو الـنـمـط الفلسفي القديم املــــعــــادي لـلـتـفـكـيـر الــفــلــســفــي الــحــديـــث، وأذكّـــــــــر هـــنـــا بـــمـــا قـــالـــه الـــــراحـــــل جــــورج طرابيشي: «تمامًا كما كان األصوليون القدامى يقولون إنه ال يجوز ملجتهد أن يجتهد إال وفـقـ ملـثـال سـبـق، كـذلـك فـإن املتفلسف العربي ـ وال نقول الفيلسوف ـ يــجــد نـفـسـه الـــيـــوم فـــي وضــعــيــة مـــن ال يــســتــطــيــع أن يــتــفــلــســف إال وفـــــق مــثــال ســبــق. ولــكــن مـــع هـــذا الـــفـــارق: فـمـا كـان األصـــــولـــــيـــــون يـــضـــعـــونـــه فـــــي املــــاضــــي، يلقاه املتفلسف الـعـربـي مسقطًا أمامه في املستقبل. فسبق الغرب إلى اجتراح مأثرة الحداثة قد جعل كل ما يمكن أن يفكر به امللتحقون بركب الحداثة مفكّرًا به مسبقًا». وهـذا ما يفعله األصوليون املتفلسفون اليوم. ثـــانـــيـــ: إن األصــــولــــيــــة عــــبــــارة عـن تــنــظــيــم شـــامـــل وســـريـــع لـفـهـم املـــوجـــات والتقاطها؛ وحي صارت الفلسفة جزءًا من األفكار التنموية الحيوية الصاعدة في اإلقليم أدرك قادتها أن هـذه الكعكة ال بــــد أن يـــنـــالـــوا نــصــيــبــهــم مــنــهــا قـبـل أن يـسـتـحـوذ عـلـيـهـا «الــلــيــبــرالــيــون» أو «الــعــلــمــانــيــون» كــمــا يـــقـــولـــون، ومــــن ثــم فإن قراءة أقرب موسوعة وحفظ بضعة مفاهيم تجعالنهم قادرين على مزاحمة أولــــئــــك بــغــيــة هــزيــمــتــهــم أو عـــلـــى األقــــل منافستهم أو تحييدهم وهـــذا مــن أهـم األســــبــــاب الـــتـــي جـعـلـتـهـم يــقــبــلــون على املـجـال الفلسفي بعد أن كـانـوا يكفّرون مـــن يـــقـــرأ الـفـلـسـفـة ويــــعــــادون مـــن يبيع الكتب الفكرية والعلمية. ثالثًا: نعلم أن األصولية ال تعتمد عـــلـــى الـــنـــقـــد والــــــحــــــوار كـــمـــا هـــــو شـــرط الـــفـــلـــســـفـــة؛ وإنـــــمـــــا تـــتـــعـــامـــل مـــــع اآلخـــــر بـالـنـفـي، ومــن ثــم فـإن املـفـهـوم الفلسفي شـــكّـــل عــنــصــر إحـــــــراج كـــبـــيـــرٍ، مـــا عـــادت األجيال الحاليّة الفتيّة تتقبل الخطاب األصــولــي الـقـديـم املـبـنـي عـلـى الــصــراخ، فـمـا مــن مــنــاص بـالـنـسـبـة إلـيـهـم إال في صـــهـــر املـــعـــنـــى الــفــلــســفــي مــــع الـــخـــطـــاب اآليـــديـــولـــوجـــي بـغـيـة إعــــــادة الـتـمـوضـع والــتــمــكّــن مـــن تــرتــيــب نــفــوذهــم الـفـكـري في املجال العام، وقد نجح بعضهم في ذلـك حيث الـدخـول إلـى املـجـال الفلسفي عبر الدراسات واألوراق و«البودكاست» بـشـكـل خــــاص. مـفـهـوم الـفـلـسـفـة منبعه الــــــســــــؤال ال الـــــــجـــــــواب، ولــــــذلــــــك فـــإنـــهـــم يحاولون تدمير األسئلة عبر اإلجابات الــســريــعــة مـسـتـعـمـلـن مـــقـــوالت لبعض املفكرين الـذيـن يـروقـون لهم فـي الشرق والـغـرب وذلــك بغية تفريغ الفلسفة من مضمونها العلمي. الــخــ صــة؛ إن الــظــاهــرة األصـولـيـة أدركــــت وبـــقـــوّة أن املــجــال الفلسفي بـات عنصر جذب لألجيال الصاعدة، وأرادت وخـــطـــطـــت وعـــــن عـــمـــد أن تــــخــــوض هـــذا املــجــال مــن أجـــل تـبـويـب آيديولوجيتها ضـــمـــن الــــتــــغــــيّــــرات الـــتـــنـــمـــويّـــة الــكــبــيــرة وأســـاســـهـــا الـــتـــطـــوّر فـــي نــمــط الـتـعـلـيـم، لقد حاربوا الحداثة كمفهوم بسيط في اإلطــــار الـفـلـسـفـي، ولـكـنـهـم اآلن يغشون ندوات الفلسفة ويحاضرون فيها. وهذا ليس مفاجئًا بل جزء أصيل من التكوين العملي لديهم حيث التعامل مع الظواهر الحديثة بشكل مصلحي بحت، فغاياتهم تـبـرر لـهـم كــل الــوســائــل، الفلسفة فضاء حــر مناخه الــســؤال والـنـقـاش ومحاولة الفهم، وهذا ما يزعج األصولية القائمة على األجوبة املطقّمة والجاهزة. فهد سليمان الشقيران عثمان ميرغني سليمان جودة

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==