issue17229

الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani األمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel لم تـأت كلمة رئيس الـــوزراء الكندي مـارك كارني في دافوس بوصفها خطابًا اعتياديًا في منتدى اعتاد منذ سنوات طويلة لغة التهدئة والـتـوازنـات الحذرة؛ بــل بـــدت أقـــرب إلـــى إعـــان سـيـاسـي صـريـح يـخـرج عن تقاليد املنتدى نفسه. ففي قاعة لطاملا امتألت بعبارات الثقة بالعوملة وبـ«النظام القائم على القواعد»، اختار كارني أن يقول بوضوح إن العالم لم يعد يعيش مرحلة انتقالية؛ بل قطيعة فعلية مع نظام دولي لم يعد يعمل، ال أخلقيًا وال عمليًا. الــــرســــالــــة املــــركــــزيــــة فــــي الـــخـــطـــاب ال تـــقـــوم عـلـى توصيف أزمة عابرة؛ بل على تشخيص انهيار بنيوي. فالنظام الــذي افترض أن التكامل االقتصادي سيحد من الصراعات، وأن القواعد الدولية ستُحترم تلقائيًا، تحوّل إلى أداة انتقائية تُستخدم عندما تخدم مصالح األقوياء، وتُهمَل عندما تعيقهم. هنا، لم يكتف كارني بوصف الخلل؛ بل أعلن أن الحنني إلى هذا النظام لم يعد سياسة، وأن التمسك به على هذا النحو ليس دفاعًا عن االستقرار؛ بل هو إنكار متعمّد للواقع. لكن اللفت في الكلمة أن النقد لم يُوجَّه إلى القوى الكبرى وحدها؛ بل إلى الدول املتوسطة التي واصلت التصرّف وكأن النظام ما زال قائمًا. هذه الدول -حسب كـــارنـــي- ســاهــمــت فـــي اســـتـــمـــرار الـــوهـــم عــبــر الـتـظـاهـر بالتصديق، وعبر تـرديـد خطاب «النظام القائم على القواعد» حتى بعد أن أصبح تطبيقه انتقائيًا وفاقدًا للمصداقية. فـي هـذا السياق، استحضر فكرة «العيش داخـل الـــكـــذبـــة»، لـيـشـيـر إلــــى أن الـــنـــظـــام ال يـسـتـمـر بــالــقــوة وحـــدهـــا؛ بـــل بــمــشــاركــة اآلخـــريـــن فـــي طـــقـــوس اإلنـــكـــار الجماعي. حني قال إن الوقت حان «إلنزال اللفتات»، لم يكن يستخدم استعارة أدبية؛ بل يطلق دعوة سياسية مـبـاشـرة للتوقف عــن تــرديــد شــعــارات لــم تـعـد تحمي أحدًا. الرسالة هنا حادّة: االستمرار في استخدام اللغة القديمة يساهم في إدامة نظام غير عادل، ويمنح القوى املهيمنة غطاء أخلقيًا زائفًا ملمارساتها. الصراحة -في نظره- لم تعد ترفًا فكريًا؛ بل صارت شرطًا ألي سياسة واقعية في عالم يتجه نحو مزيد من الفوضى املقنَّعة. ويـــتـــعـــمَّـــد كــــارنــــي فــــي خـــطـــابـــه كـــســـر فـــكـــرة طــاملــا رافقت النقاشات الدولية، مفادها أن الـدول املتوسطة محكومة بلعب دور الـوسـيـط أو املــــوازن بــ الـكـبـار. على الـعـكـس، يـقـدّم تـصـورًا يعتبر فيه أن هــذه الــدول -إذا تصرَّفت جماعيًا وبوعي استراتيجي- قادرة على التأثير فـي شكل الـنـظـام الــدولــي الـجـديـد، ال االكتفاء بالتكيُّف معه. فاملشكلة -في منطقه- ليست في الحجم؛ بـل فـي االسـتـعـداد لتحمُّل تكلفة الـقـرار، والـخـروج من منطقة الراحة التي وفَّرها النظام القديم. ويــذهــب الـخـطـاب أبـعـد مــن ذلـــك، حــ يـلـمِّــح إلـى أن أخطر ما في املرحلة الراهنة ليس استخدام القوة العسكرية أو االقتصادية فحسب؛ بل تآكل فكرة الردع األخلقي نفسها. فعندما تُطبَّق القواعد على الخصوم وتُـــعـــلَّـــق عــنــد الــحــلــفــاء، يــتــحــوَّل الـــقـــانـــون الـــدولـــي من مرجعية إلى أداة، وتفقد القيم قدرتها على اإلقناع. هنا تبدو دعوته إلى معيار واحـد في الحكم على السلوك الدولي تحدِّيًا مباشرًا الزدواجـيـة لطاملا شكَّلت نقطة ضعف بنيوية في الخطاب الغربي. انطلقًا من هذا التشخيص، قدَّم كارني ما سمَّاه «الــواقــعــيــة الــقــائــمــة عــلــى الـــقـــيـــم»، فـــي مــحــاولــة لكسر الثنائية الزائفة بني املثالية والبراغماتية. فهو ال يدعو إلـى التخلي عن املـبـادئ، ولكنه يرفض التعامل معها كبديل عن القوة. الـقـيَــم -كـمـا قـــال بــوضــوح- ال تحمي نفسها، وال تمنع االبتزاز، وال تصمد أمام الضغوط الجيوسياسية ما لم تُدعَم بقدرة فعلية على الصمود. هنا يبلغ الخطاب ذروتــه السياسية حني ينتقل مـن الـحـديـث عـن «قـــوة الـقـيَــم» إلــى «قيمة الــقــوة». هذا الـــتـــحـــول يــعــلــن نــهــايــة مــرحــلــة اكــتــفــى فــيــهــا كــثــيــرون بالخطاب األخلقي، وافترضوا أنه يشكِّل درعًا واقية. الـقـوة املـقـصـودة ليست عسكرية فـقـط؛ بـل اقتصادية وصـــنـــاعـــيـــة وتـــكـــنـــولـــوجـــيـــة، أي قـــــــدرة الـــــدولـــــة عـلـى حماية سلسل إمــدادهــا، وتنويع شراكاتها، وتقليل هشاشتها أمام الضغوط. وفــي هــذا الـتـحـوُّل تـحـديـدًا، يـوجِّــه كـارنـي رسالة غير مباشرة إلـى العواصم التي مـا زالــت تـراهـن على الـوقـت أو الغموض. فمرحلة االكتفاء بـــإدارة املخاطر انـتـهـت، وحـــل مكانها زمــن الـخـيـارات الصعبة. مـن ال يستثمر الــيــوم فــي عـنـاصـر الــقــوة، سـيُــجـبَــر غـــدًا على تقديم تنازالت أشد تكلفة، وبشروط يضعها اآلخرون. في هذا اإلطار، يحذِّر كارني من وهم االعتقاد بأن املسايرة تشتري األمان. فاالنحناء أمام األقوى، برأيه، ال يــــؤدِّي إلـــى االســـتـــقـــرار؛ بــل يــزيــد الـقـابـلـيـة لـابـتـزاز فــي عـالـم تنافسي مـفـتـوح. الـبـديـل هــو بـنـاء استقلل استراتيجي، ليس بشكل فـردي؛ بل عبر تعاون الدول املتوسطة، وتقاسم تكلفة الحماية، بـدل مواجهة كل منهم الضغوط على حدة. كـــمـــا يــــربــــط كـــــارنـــــي بـــــ الـــســـيـــاســـة الـــخـــارجـــيـــة والـشـرعـيـة الـداخـلـيـة، معتبرًا أن فــقــدان الـصـدقـيـة في الــخــارج ينعكس حتمًا على الــداخــل. فاملجتمعات لم تـعـد تـقـبـل خــطــابــات أخــاقــيــة ال تـنـسـجـم مـــع الـــواقـــع، وال سياسات تُــدار باسم القيَم بينما تُــمـارَس بمنطق املــــصــــالــــح الـــضـــيـــقـــة. مــــن هـــنـــا تــــأتــــي أهـــمـــيـــة الـــصـــدق السياسي بوصفه شرطًا السـتـعـادة الثقة بـ الدولة ومــواطــنــيــهــا. أمـــا عـلـى مـسـتـوى الــنــظــام الـــدولـــي، فل يعلن كارني وفاة املؤسسات املتعددة األطـراف، ولكنه يعترف بعجزها املتزايد، ويدعو عمليًا إلى تحالفات مرنة تُبنى حسب القضايا ال حسب الـشـعـارات. إنها مقاربة تعكس إدراكـــ بــأن اإلجـمـاع العاملي بــات شبه مستحيل، وأن الفعل السياسي ينتقل تدريجيًا إلى شبكات تنسيق أكثر فاعلية. فـــي املـحـصـلـة، لـــم تـكـن كـلـمـة كـــارنـــي فـــي دافـــوس خطابًا اقـتـصـاديـ؛ بـل مـحـاولـة لكسر مُــحـرَّم سياسي طويل األمد. إنها دعوة إلى التوقف عن التظاهر، وإلى تسمية الواقع كما هو، وإلـى االعتراف بأن الدفاع عن القيم يبدأ من امتلك القدرة على حمايتها. وفـي عالم يتخلَّى سريعًا عن أوهـامـه، بـدت هذه الـصـراحـة -بـكـل حـدَّتـهـا- أقــل تكلفة مـن االسـتـمـرار في العيش داخل الكذبة. آن للعالم أن يخرج من كذبة يعيش فيها! اإلجــابــة عـن عـنـوان املـقـال نجدها على صفحة الرئيس األميركي دونالد ترمب على منصة «إكس»؛ فالخطوة آتية وال محالة نحوها، بعد أن أصبحت غرينلند قاب قوسني أو أدنى من السيطرة األميركية عليها؛ خصوصًا أن الجزيرة الغنية بـاملـوارد بقيت تـحـت الـحـكـم األوروبـــــي ســنــوات طــــواال وعـجـافـ ، من دون أن تُستثمر مـــواردهـــا بالشكل الصحيح حتى لصالح شعبها قليل العدد الـذي ال يتجاوز الستني الــفــ، رغـــم أن الـجـزيـرة بحجم قــــارة، ولعلها تصبح القارة السابعة. وقال ترمب: «نحن بحاجة إلى غرينلند... إنها ذات أهـمـيـة اسـتـراتـيـجـيـة بـالـغـة. فــي الــوقــت الـراهـن غـريـنـانـد مـحـاطـة بـسـفـن روســـيـــة وصـيـنـيـة فـــي كل مكان، ونحن بحاجة إلى غرينلند من ناحية األمن الــقــومــي، ولـــن تتمكن الــدنــمــارك مــن تــوفــيــره». وفـي حـ أن معظم سـكـان الـجـزيـرة يفضلون االستقلل عن الدنمارك، فإن استطلعات الرأي تُظهر معارضة واسعة لفكرة أن تصبح جـزءًا من الـواليـات املتحدة؛ األمـــر الـــذي دفــع تـرمـب إلــى «رشــــوة» سـكـان الجزيرة بـــتـــقـــديـــم مـــلـــيـــون دوالر لـــكـــل فـــــرد يــــصــــوت لــصــالــح االنضمام إلى الواليات املتحدة األميركية. صحيح أن غرينلند تشكِّل أهمية لألمن القومي األمـيـركـي وأيـضـ أهمية اقـتـصـاديـة، وتـرمـب عرض شراء الجزيرة، لكن الدنمارك التي تبعد عن الجزيرة كــيــلــومــتــر تـــصـــر عــلــى أحــقــيــتــهــا بحكم 4000 نــحــو الجزيرة التي استولت عليها، مع العلم بأنها ليست من ضمن أراضيها في املاضي. فغرينلند «أرض الناس»، بلغة شعب اإلنويت، وبالدنماركية: «األرض الخضراء»، ثاني أكبر جزيرة فـي الـعـالـم بعد أسـتـرالـيـا، تقع بـ املحيط املتجمد الشمالي واملحيط األطلسي، شرق كندا، وهي مأهولة على فترات زمنية ضاربة في التاريخ وما قبله، على األقـــل مـن قبل شـعـوب القطب الشمالي الـذيـن هاجر أسلفهم إلى هناك فيما يُعرف اآلن بكندا. في أوائل القرن السابع عشر، وصل الدنماركيون إلى غرينلند من خلل التجارة والنفوذ، وفي القرن العاشر وصل الـفـايـكـنـغ واالســكــنــدنــافــيــون حــتــى أكــــدت الــدنــمــارك السيادة على الجزيرة، وأصبحت غرينلند دنماركية ، ودُمجت بالكامل في الدولة الدنماركية 1814 في عام بـمـوجـب دســـتـــور الـــدنـــمـــارك، رغـــم أن 1953 فـــي عـــام كـيـلـومـتـر عن 3500 جـــزيـــرة غــريــنــانــد تـبـعـد نــحــو الدنمارك. ورغم حصول الجزيرة على الحكم الذاتي ، فــإن الـدفـاع عنها ال يــزال تحت السيطرة 1979 عــام الـدنـمـاركـيـة. فـي املـقـابـل، صـعَّــد تـرمـب موقفه بشأن االسـتـحـواذ على الجزيرة مـن خـال إعـانـه أن جيف النـدري، حاكم والية لويزيانا الجمهوري، سيصبح املـبـعـوث الــخــاص لـلـواليـات املـتـحـدة إلـــى غرينلند. وبــــدوره قــال النـــدري إنــه يـخـدم فـي منصب تطوعي لجعل غرينلند جزءًا من الواليات املتحدة. اســتــراتــيــجــيــة تـــرمـــب األخــــيــــرة لـــ مـــن الــقــومــي بـ«نصف الـكـرة الـغـربـي» (املنطقة التي تشمل كامل األميركتني) هي السيطرة على منابع النفط، ولعل ما حـدث في فنزويل أكبر مثال على مفهوم السيطرة، أي «األنا واآلخر». فمفهوم «األنـــا واآلخـــر» كــان واضـحـ مـن خلل دبـــلـــومـــاســـيـــة إحـــــراجـــــات دونــــالــــد تـــرمـــب لـــلـــرؤســـاء والضيوف، التي ال تنتهي، ولكن هل ستكون نهاية للترمبية السياسية فـي الـشـارع األميركي والحالة الشعبوية التي عززها ترمب، وهـذا ما جعله يذكّر األوروبــــيــــ بـــأن لـــوال أمــيــركــا لـكـانـت أوروبـــــا الـيـوم تتكلم لغة الفوهرر، اللغة األملانية، في إشارة للحرب الـعـاملـيـة الـثـانـيـة وتــمــدُّد أدولــــف هتلر نـحـو أوروبـــا وبريطانيا «الـعـظـمـى» الـتـي كـــادت تتكلم األملـانـيـة، لوال تدخل أميركا؟ وجاء هذا التذكير بعد أن قامت أوروبـــا بـإرسـال جنود بشكل رمــزي إلــى غرينلند، لــكــي تـــحـــرج تـــرمـــب وتـــقـــول إن أي احـــتـــال أمـيـركـي عسكري للجزيرة سوف يواجه بالقوة األوروبية. أزمـــــــــة الـــــهـــــويـــــة، وصـــــــــــراع «األنـــــــــــا واآلخـــــــــــر»، وشعبوية ترمب السياسية، كلها أمـور تدخل في صلب السياسة األميركية، خصوصًا الخارجية، وتخضع الستراتيجية مرسومة لسنوات، وليست رهـــيـــنـــة ألشــــخــــاص، وإن كـــانـــت تــــأثــــرت بــالــحــالــة الترمبية، إال أن مسارها ثابت أيًا كان ساكن البيت األبيض؛ فترتيب املصلحة واألولـويـات سيختلف بـــحـــكـــم املـــصـــلـــحـــة األمــــيــــركــــيــــة، فـــأمـــيـــركـــا خـطـهـا السياسي براغماتي باملطلق. ولـــكـــن يــبــقــى الــــســــؤال: هـــل سـيـسـتـطـيـع تـرمـب الـــســـيـــطـــرة عـــلـــى مـــلـــفـــات مـــعـــقـــدة كـــثـــيـــرة، مــنــهــا حـل الدولتني بني فلسطني وإسرائيل، وامللفات النووية فــي إيــــران وكـــوريـــا الـشـمـالـيـة، والـــصـــراع بــ الهند وبـــاكـــســـتـــان، والــــحــــرب فــــي أوكــــرانــــيــــا؟ فــــي حــــ أن جميعها ملفات ملتهبة ال يمكن تسويتها من خلل مفهوم «األنا واآلخر»، املنهج الذي يستخدمه ترمب حــالــيــ ، وهــــو مـــا قـــد يـتـسـبـب فـــي خــســائــر أمـيـركـيـة كبيرة؛ إذ ليس كل من زار البيت األبيض من الدول املطالبة لدعم أميركا لها فحسب، بل هناك شركاء حقيقيون يمكن أن يحققوا نفعًا ومصالح حيوية ألميركا. الــــســــؤال املـــفـــصـــلـــي: هــــل ســتــتــوقــف طــمــوحــات تـرمـب عند غرينلند فـقـط؟ أجـــاب البعض أن كندا هي الخطوة املقبلة ضمن طموحات ترمب املعلنة، وليست الخفية، فالجغرافيا تتغير، سـواء بالشراء باملال أو عبر األساطيل. ولم يعد ممكنًا وجود موارد وثــــروات مـخـبـأة تـحـت الـثـلـوج مــن دون الـعـمـل على اسـتـغـالـهـا، كـمـا هــو الــحــال فــي غـريـنـانـد، فــي ظل وجود من يستطيع إخراجها واالستفادة منها. ماذا بعد غرينالند؟ OPINION الرأي 13 Issue 17229 - العدد Thursday - 2026/1/29 اخلميس جبريل العبيدي هدى الحسيني

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==