لا يتعامل الفيلم الوثائقي الأميركي «من قتل أليكس عودة؟» مع جريمة اغتيال وقعت في منتصف الثمانينات بوصفها حادثة منتهية، بل يعيد فتحها باعتبارها جرحا أخلاقيا وسياسيا لا يزال ينزف في الوعي الأميركي. الجريمة الـتـي أودت بحياة الناشط الفلسطيني - الأميركي أليكس عــودة إثر انفجار عبوة ناسفة داخل مكتبه في ولاية ، ظلت طـــوال أربعة 1985 كاليفورنيا عــام عـــقـــود بــــا مــحــاســبــة واضــــحــــة، لـتـتـحـول مـــن واقـــعـــة جـنـائـيـة إلــــى عــامــة فـــارقـــة في عـــاقـــة الـــســـيـــاســـة بـــالـــعـــدالـــة، وفـــــي حــــدود قــــدرة المــؤســســات عـلـى حـمـايـة مواطنيها حــــــن يــــتــــقــــاطــــع الــــــقــــــانــــــون مــــــع المــــصــــالــــح الآيديولوجية. الفيلم لا يكتفي بإعادة سرد الوقائع، بـــل يــضــع المـــشـــاهـــد داخـــــل مـــســـار تحقيق مـــتـــصـــاعـــد، يــكــشــف طـــبـــقـــات مــــن الــصــمــت المــؤســســي، والإهـــمـــال المــتــراكــم، والـتـواطـؤ غــيــر المــعــلــن، عــبــر بـنـيـة ســـرديـــة مـــشـــدودة تـشـبـه أفــــام الـتـحـقـيـق، يـتـنـقّــل الـعـمـل بين الأرشــــيــــف، والـــشـــهـــادات الــحــيــة، والـبـحـث الميداني، ليحول الجريمة من ذكرى بعيدة إلـــــى ســــــؤال راهـــــــن، مــــــاذا يــعــنــي أن تـبـقـى جريمة سياسية بلا عقاب في دولة تُفاخر بسيادة القانون؟ يقف خلف الفيلم مخرجان ينتميان إلـــى خلفيتين ثـقـافـيـتـن مختلفتين، هما ويـــلـــيـــام يــــومــــانــــز، الـــبـــاحـــث الـفـلـسـطـيـنـي الأمـــيـــركـــي المـتـخـصـص فـــي تـــاريـــخ الــعــرب الأمـــيـــركـــيـــن، وجـــيـــســـون أوســـــــدر، المــخــرج الأمـــيـــركـــي المــــعــــروف بـــأفـــامـــه الــوثــائــقــيــة ذات الــحــس الـتـحـقـيـقـي؛ هـــذا الـتـاقـي بين مــنــظــوريــن مـخـتـلـفـن مــنــح الـفـيـلـم تــوازنــا دقـــيـــقـــا بــــن الـــبـــحـــث الأكــــاديــــمــــي الــــصــــارم والـــــــرؤيـــــــة الـــســـيـــنـــمـــائـــيـــة الـــديـــنـــامـــيـــكـــيـــة، فـيـمـا بــــدأت رحــلــة الـفـيـلـم مــع المـهـرجـانـات مــــن مـــهـــرجـــان «صــــنــــدانــــس الــســيــنــمــائــي» بنسخته الـحـالـيـة، قـبـل أن يُــعــرض للمرة الثانية ضمن الـــدورة المقبلة مـن مهرجان «بـرلـن السينمائي»، مـا يمنحه حضورا دولـــيـــا مــبــكــرا ويــضــعــه فـــي قــلــب الــنــقــاش العالمي حول السينما السياسية والذاكرة والعدالة. فــــي المــــشــــاهــــدة، يـــبـــدو الــفــيــلــم وكـــأنـــه تحقيق حي يُكتب أمام أعيننا، الكاميرا لا تكتفي باستعادة الماضي، بل تلاحق أثره في الحاضر، وتعيد تركيب المشهد قطعة قطعة، تسجيلات قديمة التقطها أصدقاء ألـــيـــكـــس، مــــــواد إعـــامـــيـــة مــحــلــيــة نــــــادرة، شـــهـــادات عـائـلـيـة مـــؤلمـــة، ووثـــائـــق تكشف هشاشة التحقيق الرسمي. الـصـورة تحمل ملمسا خاماً، أحيانا غير مصقول تقنياً، لكنها شديدة الصدق والتأثير، وكـأن الأرشيف نفسه يرفض أن يجمل أو يعاد ترتيبه وفق رواية مريحة. يــــقــــول ويــــلــــيــــام يــــومــــانــــز لـــــ«الــــشــــرق الأوســـــط» إن «الـقـصـة ليست غـريـبـة عنه، بل نشأ وهو يسمع اسم أليكس في محيط عـائـلـتـه المــنــخــرط فـــي الــنــشــاط الـسـيـاسـي العربي الأميركي، فكانت الحكاية تُستعاد بوصفها رمــزا للشهادة والتحذير فـي آن واحــــد، ورغـــم حــضــوره الــدائــم فــي الــذاكــرة الجمعية لــم يـكـن ذلـــك مـصـحـوبـا بمعرفة دقـــيـــقـــة بــتــفــاصــيــل حـــيـــاتـــه أو مـــابـــســـات اغتياله، وهــو مـا دفـعـه لاحـقـا إلــى البحث فيما تم طمسه أو تجاهله عبر السنوات». وأوضــــــح أن «انـــخـــراطـــه الأوســــــع في المـــــجـــــال الـــــعـــــام جـــعـــلـــه يـــســـمـــع تـــحـــذيـــرات متكررة من خطورة النشاط السياسي في الـــولايـــات المــتــحــدة، وكــــان اغــتــيــال أليكس يُــسـتَــخـدم مــثــالا عـلـى هـــذه المــخــاطــر، ومـع الــــوقــــت، تـــحـــولـــت الـــرغـــبـــة فــــي الـــفـــهـــم إلـــى مشروع بحثي طويل، ثم إلى فيلم يسعى إلى مساءلة الرواية الرسمية بدل الاكتفاء بتكرارها». وعـــن انــطــاق المـــشـــروع، أشـــار إلـــى أن «لــــقــــاءه بـــالمـــخـــرج جــيــســون أوســــــدر شـكّــل نــقــطــة الــــتــــحــــوّل، حـــيـــث وجـــــد فــــي خـبـرتـه الـسـيـنـمـائـيـة شــريــكــا قــــــادرا عــلــى تـحـويـل البحث الأكاديمي إلى لغة بصرية مؤثرة، فلم يكن يعتبر نفسه صانع أفلام محترفاً، بل يعد نفسه باحثا تعلّم أدوات السينما عبر التجربة، فالعمل استغرق سنوات من البحث والـتـقـصّــي، خصوصا أن القضية كانت قديمة ومعظم خيوطها مبعثرة». ولفت يومانز إلى أن «العمل على فيلم يتناول قضية فلسطينية داخــل الولايات المــــتــــحــــدة يـــــواجـــــه بـــطـــبـــيـــعـــتـــه صـــعـــوبـــات تمويلية، لكن بعض الجهات أبدت انفتاحا ودعمت المشروع»، مشيرا إلى أنهم «كانوا يظنون أن الفيلم بات جاهزا للعرض قبل فــتــرة قـصـيـرة مــن انــــدلاع الــحــرب الأخــيــرة عـلـى غـــزة، غـيـر أن المــنــاخ الـسـيـاسـي جعل فرص القبول في المهرجانات أكثر تعقيداً، مــــا فــــــرض مـــرحـــلـــة طـــويـــلـــة مــــن الانـــتـــظـــار والمراجعة وإعادة الصياغة الفنية». مواد أرشيفية في الجانب التوثيقي، يشير يومانز إلـــى أن «الــحــصــول عـلـى المــــواد الأرشـيـفـيـة كان تحديا حقيقياً، بسبب ضعف الأرشفة في المؤسسات الإعلامية الكبرى، ما اضطر الفريق للاعتماد على تسجيلات شخصية احـتـفـظ بـهـا أصــدقــاء ألـيـكـس، إضــافــة إلـى مواد من محطات محلية غير منظمة، فهذه الفوضى الأرشيفية تحولت داخــل الفيلم إلـــى عـنـصـر جـمـالـي يمنحه حـسـا واقـعـيـا وصدقا بصريا نادراً». أمـــــا الـــتـــصـــويـــر فــــي فـــلـــســـطـــن، فــكــان مـحـفـوفـا بــالــتــوتــر، ســـــواء بـسـبـب الـقـيـود الأمـــنـــيـــة أو بـسـبـب هـــويـــة الـــفـــريـــق نـفـسـه، وفــــق تــأكــيــدات المـــخـــرج الـسـيـنـمـائـي الـــذي يشير إلـى أن «شريكه تـولّــى الـجـزء الأكبر مـن التصوير هناك بحكم سهولة حركته نسبياً، بينما واجه هو صعوبات مرتبطة بــاســمــه وجــــــذوره الـفـلـسـطـيـنـيـة، مـــا جعل التجربة جزءا من المعنى السياسي للفيلم نفسه». عـــلـــى مـــســـتـــوى المــــضــــمــــون، لا يــذهــب الفيلم إلى اتهام قاطع، لكنه يطرح أسئلة محرجة حول تقاعس المؤسسات عن إعادة فتح الملف بجدية، وحول فشل التحقيقات فـي الـوصـول إلــى نتيجة رغــم تـوفـر قرائن واضــــــحــــــة، ويــــــــرى يــــومــــانــــز أن «تـــصـــاعـــد الاهتمام الجماهيري بالقضية قد يشكل ضغطا سياسيا يـدفـع الـجـهـات الرسمية إلــى إعـــادة النظر فـي تعاملها مـع المـلـف». مؤكدا أن «الفريق التزم بمعايير التحقق الصحافي، واستبعد أي معلومات لا يمكن التأكد منها، وحـرص على إتاحة الفرصة لجميع الأطراف للرد أو النفي، حفاظا على النزاهة المهنية وعـدم الانــزلاق إلـى خطاب دعائي أو تحريضي». واعـتـبـر أن الأمـــر الأهـــم مرتبط بكون الفيلم «لا يتوقف عند حدود الجريمة، بل يربطها بتحولات أوسع في بنية التطرف الـسـيـاسـي»، مـشـيـرا إلـــى أن «الأفـــكـــار التي غذّت العنف في الثمانينات لم تختفِ، بل أعـادت إنتاج نفسها بأشكال جديدة أكثر حضورا في المجال العام». ســـرد بـصـري وسـمـعـي لمــراحــل حياة الأمـــــيـــــر ثـــنـــيـــان بـــــن ســـــعـــــود، الـــــــذي عُـــــرف بــرجــاحــة فــكــره وعــمــق حـكـمـتـه، واسـتـمـر فـي طلب العلم ودعــم العلماء والمتعلمين رغم فقدانه البصر، إذ امتلك مكتبة كبيرة وأوقف كتبه للدارسين، وكان يُقرأ عليه في المجالس العلمية. وضـــمـــن أكـــثـــر مــــواقــــع حــــي الــطــريــف الـتـاريـخـي رسـوخــا فـي الــذاكــرة الوطنية، يـفـتـح قـصـر الأمـــيـــر ثـنـيـان بـــن ســعــود بن مــحــمــد بــــن مـــقـــرن أبــــوابــــه لـــــــزوار «مـــوســـم » عـــبـــر تـــجـــربـــة ثــقــافــيــة 26/25 الــــدرعــــيــــة تفاعلية تسلط الـضـوء على مكانة العلم والمـــعـــرفـــة فـــي الـــدولـــة الــســعــوديــة الأولــــى، ضمن برنامج «هل القصور»، مستحضرة سيرة أمير جمع بـن رجـاحـة الفكر وقـوة الأثر رغم فقدانه البصر. وتــــأخــــذ الـــتـــجـــربـــة الـــــزائـــــر فــــي رحــلــة بصرية وسمعية عبر مراحل حياة الأمير ثنيان، الذي عُرف بدعمه للعلماء وحرصه على طلب المعرفة، إذ امتلك مكتبة كبيرة وأوقـــف كتبه لـلـدارسـن، وكـــان يُــقـرأ عليه في المجالس العلمية، وتعتمد الجولة على تـوظـيـف الــضــوء والـــصـــوت والـــظـــل، حيث تعرض الـغـرف الـثـاث الأولـــى بإسقاطات فـنـيـة تـجـسـد نـشـأتـه الـعـلـمـيـة ودوره في المـــشـــورة، فيما تُــخـصـص الـغـرفـة الـرابـعـة لـعـمـل تـركـيـبـي يـعـبّــر عــن فـقـدانـه الـبـصـر، وتُختتم الجولة في الغرفة الخامسة بعمل فني يحاكي صـمـود القصر بعد رحيله، مدعوما ببيئة صوتية تبدأ بتلاوة آيات قرآنية وأصـــوات تقليب صفحات الكتب، وتنتهي بـأصـوات المـدافـع الـتـي تـرمـز إلى الـــتـــحـــديـــات الـــتـــي واجـــهـــهـــا الـــقـــصـــر عـبـر تاريخه. ويــقــع الــقــصــر فـــي الــجــهــة الـجـنـوبـيـة الـــغـــربـــيـــة مــــن حــــي الــــطــــريــــف، مـــطـــا عـلـى شـعـيـب حـبـيـكـر المــتــصــل بــــــوادي حـنـيـفـة، ويعد من أكبر وأضخم قصور الحي الملكي الذي أُديـرت منه شؤون الدولة السعودية الأولــــى. ويـعـود القصر إلــى الأمـيـر ثنيان بن سعود، شقيق الإمام محمد بن سعود، ،1727 الــــذي عــاصــر تـأسـيـس الـــدولـــة عـــام وكــــان أحــــد أبــــرز مــســتــشــاريــه، كــمــا تشير الروايات التاريخية، إلى دوره في مؤازرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عند قدومه إلى الدرعية. ويـــتـــمـــيـــز الـــقـــصـــر بـــــطـــــرازه الـــنـــجـــدي التقليدي الذي يجمع بين المتانة الدفاعية والـــراحـــة المـعـيـشـيـة، ويـتـكـون مــن طابقين وفـــنـــاء داخـــلـــي (الـــــحـــــويّ) واســــــع، ويـضـم مــــــداخــــــل رئــــيــــســــيــــة وفـــــرعـــــيـــــة تــــطــــل عــلــى الشعيب، وقـد استخدمت في بنائه مواد مــحــلــيــة شــمــلــت الـــلـــن والــــطــــن والــحــجــر وأخـــــشـــــاب الأثــــــــل، مــــع اعـــتـــمـــاد الــــجــــدران الـحـامـلـة كـنـظـام إنـشـائـي، كـمـا بـــرزت فيه التشكيلات الزخرفية الهندسية الدقيقة، والفتحات المثلثة التي تعد من العناصر المعمارية المميزة لقصور الطريف، إضافة إلى تعدد الغرف العالية التي تبدو كأنها أبراج مراقبة داخل الحصن الكبير. وقـال منصور الشويعر، الباحث في تــاريــخ الــدرعــيــة، لـــ«الــشــرق الأوســـــط» عن القصر: «منشأة مهيبة تجمع بين الدفاع والـراحـة، ويعد من أضخم وأعظم قصور حـــي الـــطـــريـــف الـــتـــاريـــخـــي، حــيــث تتجلى فيه قــوة البناء وجـمـال الـعـمـارة النجدية العريقة»، مشيرا إلى أن القصر كان جزءا مــن منظومة التحصينات عـنـد مهاجمة هـ من قوات إبراهيم باشا، 1233 الحي عام إذ وُضــعــت فــي جــــداره الـجـنـوبـي الـغـربـي فـتـحـة مـخـصـصـة لمـــدفـــع لــصــد الـهـجـمـات القادمة من جهة الشعيب. وأضـــاف الشويعر أن «الأمــيــر ثنيان عُـــرف بـرجـاحـة عقله وعـمـق تـفـكـيـره، ولـم يـمـنـعـه فـــقـــدان الـبـصـر مـــن الاســـتـــمـــرار في البحث والمعرفة، إذ امتلك مكتبة ضخمة داخــــــــل الــــقــــصــــر، وكــــــــان داعـــــمـــــا لــلــعــلــمــاء والمتعلمين ومهتما بمختلف العلوم، مما جعل القصر مركزا علميا إلى جانب كونه منشأة سكنية ودفاعية». يأتي إدراج قصر الأمير ثنيان ضمن فـعـالـيـات مــوســم الــدرعــيــة فــي إطــــار إبـــراز الدرعية بوصفها مهد الـدولـة السعودية ومــنــصــة ثــقــافــيــة مـــســتــدامــة، عــبــر بــرامــج تجمع بــن الأصــالــة والأســلــوب المعاصر، وتنسجم مع مستهدفات «رؤية السعودية » فــــي تـــعـــزيـــز المـــشـــهـــديـــن الــثــقــافــي 2030 والسياحي، وإعادة تقديم التراث الوطني بأساليب تفاعلية معاصرة. يوميات الشرق يتميز القصر بطرازه النجدي التقليدي الذي يجمع بين المتانة الدفاعية والراحة المعيشية عبر بنية سردية مشدودة يتنقّل الفيلم بين الأرشيف، والشهادات الحية، والبحث الميداني، ليحول الجريمة من ذكرى بعيدة إلى سؤال راهن ASHARQ DAILY 22 Issue 17228 - العدد Wednesday - 2026/1/28 الأربعاء يعيد قضية اغتيال الناشط الفلسطيني للواجهة «من قتل أليكس عودة؟»... وثائقي يعرض للمرة الأولى في مهرجان «صندانس» القاهرة: أحمد عدلي يحاول الفيلم البحث في قضية الاغتيال بعمق (الشركة المنتجة) عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «صندانس» (الشركة المنتجة) ويليام يومانز (الشرق الأوسط) الباحث في تاريخ الدرعية منصور الشويعر (الباحث) مدخل قصر الأمير ثنيان بن سعود بن محمد بن مقرن في حي طريف التاريخي (موسم الدرعية) : القصر منظومة دفاعية ضمن تحصينات حي الطريف الشويعر لـ قصر الأمير ثنيان بن سعود في الدرعية... شاهد تاريخي على رعاية العلماء الرياض: فاطمة القحطاني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky