الثقافة CULTURE 18 Issue 17228 - العدد Wednesday - 2026/1/28 الأربعاء جدارياته متحف حي للفن التصويري الأموي المدني سيدة «قصير عمرة» يـــحـــوي مــتــحــف الـــفـــن الإســــامــــي بـبـرلـن مجموعة من القطع الأثـريـة الأمـويـة المتنوّعة، منها لـوحـة جـداريـة مـن الحجم الكبير، تمثّل امــرأة تقف في وضعية نصف جانبية. حسب البطاقة التعريفية، اقتنى المتحف هذه القطعة من الرسّام النمساوي ألفونس 1908 خلال عام لـــيـــوبـــولـــد مــيــلــيــخ، وهـــــو أحـــــد كـــبـــار الــفــنــانــن الـتـشـكـيـلـيـن المـسـتـشـرقـن، ومــصــدرهــا مـوقـع أمــــوي فـــي بـــاديـــة الأردن يُـــعـــرف بــاســم قصير عــــمــــرة، تـــشـــكّـــل جــــداريــــاتــــه مــتــحــفــا حـــيـــا لـلـفـن التصويري الأموي المدني. يقع قصير عـمـرة فـي وادي الـبُــطـم، شرق عـــمـــان، وهــــو مـنـتـجـع مـلـكـي يـجـمـع بـــن حــمّــام كـبـيـر مــؤلــف مـــن ثـــاث غــــرف، ومـجـلـس مـكـوّن من ثلاثة إيوانات معقودة. يتميّز هذا المنتجع بـرسـومـه الـجـداريـة الـتـي تـلـف جـــدران حجراته وسقوفها بمجموعة هائلة من الصور المتعدّدة المواضيع. يعود الفضل في اكتشاف هذا الموقع الاســتــثــنــائــي إلــــى الـــعـــالِـــم الــتــشــيــكــي ألــويــيــس إلى المشرق العربي 1898 موزيل الـذي قدم عام على رأس بعثة للآثار، بدعم فاعل من أكاديمية فيينا. وصل هذا العالِم إلى بادية الأردن خلال هـذه الحملة، وقــاده أهـل المنطقة من البدو إلى مبنى مهجور يُعرف محليا باسم قصير عمرة، وفوجئ بثراء حلله التشكيلية، فعاد إليه مرتين 1901 فـي فـتـرة وجــيــزة، ثــم زاره ثالثة فـي عــام لدراسته بشكل موسّع، واصطحب معه الرسّام ألفونس ليوبولد ميليخ، فأنجز مجموعة من الرسوم التوثيقية خلال فترة زمنية قصيرة، ثم أكملها في محترفه في فيينا. حـــمـــل الــــــرســــــام الــــنــــمــــســــاوي مـــعـــه عــيّــنــة صغيرة مـن هــذه الـحـلـل، نزعها عـن جـــدار من جـــــدران المـــوقـــع، ودخـــلـــت هــــذه الـعـيـنـة متحف كجدارية 1908 الفن الإسلامي ببرلين في عـام مستقلّة، وكـانـت فـي الأصــل تـزيّــن زاويـــة تعلو جنوب شمالي الإيـــوان الأوســـط، وتمثل امـرأة تقف منتصبة بـن عـمـوديـن يعلو كــا منهما تـــاج. يشكّل هـــذان الـعـمـودان الأبـيـضـان قاعدة لقبّة زرقاء زُيّنت بشبكة من المكعّبات الزرقاء، وتُشكّل هذه القبّة قوسا يُعرف في قاموس الفن اليوناني الكلاسيكي باسم «قوس المجد». ومن أسفل هذه القبة، تنسدل ستارة طويلة، حدّدت ثناياها بخطوط حمراء. وتنفتح في الوسط، وتــشــكّــل إطـــــارا فـــي وســطــه المـــــرأة فـــي وضـعـيـة نصف جانبية. تـــحـــنـــي هــــــذه المـــــــــرأة رأســـــهـــــا انـــحـــنـــاءة طفيفة، وتبدو ملامح وجهها جليّة. العينان لـــــوزيـــــتـــــان، يـــعـــلـــوهـــمـــا حــــاجــــبــــان عـــريـــضـــان منفصلان. الأنــف طـويـل، ومنخراه مـحـدّدان بدقة. الثغر محدّد بشكل مماثل، مع شق في الــوســط يفصل بــن شـفـتـيـه. الــذقــن عـريـض، وكـذلـك العنق. الـصـدر ممتلئ، ويعلوه عقد مـــن الـــحـــجـــارة الـــدائـــريـــة المـنـمـنـمـة الــحــمــراء، تتدلّى منه في الوسط قلادة عريضة تزيّنها ثلاثة فصوص بيضاء. تماثل هذا العقد من حيث الشكل عقود الياقوت الأحمر، ويشكّل جــزءا من الحلي التي تتزّين بها هـذه المــرأة. يعلو الـرأس شعر أسود كثيف، يكلّله بكتلة بيضاوية ســـوداء. وتعلو هـذه الكتلة شبكة مــكــوّنــة مـــن ســاســل مـــن الــحــجــارة الـلـؤلـؤيـة الـبـيـضـاء. تـرفـع المــــرأة بـيـدهـا الـيـمـنـى طـرف الستارة، وتشير بيدها اليسرى إلى الأسفل. يُزيّن كل من هاتين اليدين سوار خط باللون الأســـــود، كـمـا يــزّيــن كـــا مــن الـــذراعـــن ســوار مــــزدوج خـــط بـأسـلـوب مـمـاثـل، وتـظـهـر عند أعلى الحوض سلسلة مشابهة تنعقد حول الــــوســــط عـــلـــى شـــكـــل حــــــزام رفــــيــــع. الـــســـاقـــان مـــكـــتـــنـــزتـــان ومـــلـــتـــصـــقـــتـــان، وتـــكـــشـــف الـــقـــدم الـيـمـنـى عــن ســــوار إضــافــي يــأخــذ هـنـا شكل خلخال بسيط. تـــشـــكّـــل هــــــذه الـــــجـــــداريـــــة عـــيّـــنـــة بـسـيـطـة مـــن بـــرنـــامـــج واســــــع، يــصــعُــب تــحــديــد مجمل عناصره بـدقّــة. تجمع جــداريــات قصير عمرة بــن المـشـاهـد الآدمـــيـــة، الـحـيـوانـيـة والـنـبـاتـيـة، وتشكل امـتـدادا لمـا نــراه فـي سـوريـا الرومانية في العقود التي سبقت دخول الإسلام إلى بلاد الشام. تحتل هذه الرسوم مساحة كبيرة تمتد مترا مربعاً، وتشكّل 380 على مـدى ما يقارب أكبر برنامج إيقونوغرافي مدني معروف من الألفية الأولـــى فـي العالم المتوسطي بأقاليمه الوثنية والمسيحية والإسلامية، وهو ما يجعل منها مادة استثنائية لدراسة تطور فن الرسم التصويري في القرن الثامن للميلاد، ونشوء الفن التصويري الأموي. قــــدّم ألــويــيــس مـــوزيـــل قـــــراءة أولــــى لـهـذا في مجلّدَين، 1907 البرنامج في كتاب نُشر عام ضم أحدهما نص البحث، وضم الآخر الصور الـتـوثـيـقـيـة الـــتـــي أنـــجـــزهـــا ألـــفـــونـــس لـيـوبـولـد ميليخ. بعد فترة وجيزة، قام الكاهنان العالِان أنطونان جوسين ورافاييل سافينياك بزيارات ، والتقطا 1919 و 1909 متكررة لقصير عمرة بين مجموعة من الصور الفوتوغرافية، صدرت في ضمن دراســـة علمية تـنـاولـت ثلاثة 1922 عــام مـــواقـــع أمـــويـــة. فـــي تـلـك الــســنــة، أصــــدر الـعـالـم الــكــبــيــر ســـالـــومـــون رايـــنـــش مـــوســـوعـــة كـبـيـرة خــاصــة بـفـن الـتـصـويـر الــيــونــانــي والــرومــانــي رســـمـــا تـخـطـيـطـيـا، وحـــــوت هــذه 2720 ضــمــت الموسوعة رسوما لبعض من جداريات قصير عـــمـــرة، تـعـتـمـد عــلــى الـــلـــوحـــات الـــتـــي أنـجـزهـا ألفونس ميليخ، وبدت هذه الجداريات يومها كـأنـهـا آخـــر تــجــل لـفـنـون الـتـصـويـر فــي الـعـالـم الإسلامي الناشئ. بعد بضع سنوات، أسقطت الاكـــتـــشـــافـــات الأثـــريـــة هــــذه المـــقـــولـــة، وتـــبـــن أن جــداريــات قصير عـمـرة تمثّل تقليدا تشكيليا جـــامـــعـــا، تـحـضـر شــــواهــــده فـــي قـــصـــور أمــويــة مهجورة تقع في سوريا وفلسطين. حظيت جداريات القصير بشهرة واسعة منذ العشرينات، وجذبت بمواضيعها الشائكة كبار المختصّين، وتـوالـت الأبـحـاث التي سعت إلـــــى فـــــك ألــــغــــازهــــا، غـــيـــر أن هـــــذه الـــجـــداريـــات بقيت مهملة ومنسية في موطنها. في مطلع السبعينات، كلّفت دائـرة الآثـار الأردنية فريقا إسبانيا مهمة تدعيم بناء القصير وتنظيف جــداريــتــه، فـقـامـت هـــذه البعثة بـثـاث حملات كتاباً 1975 ، وأصدرت في عام 1974 و 1971 بين صورة لجدارياتها، التقطت بعد أعمال 59 ّ ضم الترميم. أعـاد هذا الكتاب الاعتبار إلى قصير تـــم إدراجــــــه فـــي قائمة 1985 عـــمـــرة، وفـــي عـــام مواقع التراث العالمي التي تعدّها اليونيسكو. ، عُهدت إلى «المعهد الفرنسي 1989 في عام لـلـشـرق الأدنـــــى» مهمة تـوثـيـق رســـوم القصير، فــتــولــى هــــذا الــعــمــل عــلــى مــــدى ســـنـــوات، ونـشـر كـتـابـا سـعـى فـيـه إلـــى تـحـديـد مجمل 2007 فـــي البرنامج التصويري الخاص بهذا الموقع. بعد ثــاث ســنــوات، بـاشـر فـريـق إيـطـالـي مـن «المعهد الــعــالــي لـلـحـفـظ والـــتـــرمـــيـــم» الــعــمــل فـــي المـــوقـــع، مـتـر مـربـع مــن مساحة 100 وقـــام بترميم نـحـو الجداريات، وكشف عن كتابة تحمل اسم صاحب المــجــمّــع، وبــــات مــن المــؤكــد أن المـبـنـى يــعــود إلـى الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، يوم كان وليا للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يتواصل استكشاف قصير عمرة اليوم، وتــــتــــواصــــل الــــــدراســــــات الـــخـــاصـــة بــبــرنــامــجــه التصويري الضخم. يبدو هذا البرنامج أشبه بـــكـــتـــاب ضـــخـــم مـــفـــتـــوح، وتـــحـــتـــاج كــــل لــوحــة مـن لـوحـاتـه الكبيرة إلــى قـــراءة مستقلة تلقي الضوء على مكوّناتها، وتكشف عن معانيها ودلالاتها المتعدّدة. محمود الزيباوي لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» عاشق نفسه الذي أغرقه التحديق في مياه جماله الأسطوري صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب إذا كانت الشعوب القديمة قد أطلقت العنان لمخيلاتها الجمعية، في ظل عجز العقل وقصوره، لتعثر في الأساطير على مـا تفسر بـه ظـواهـر الطبيعة، فـإن الحضارة اليونانية كـانـت واحـــدة مـن أكـثـر الـحـضـارات ابـتـكـارا لـأسـاطـيـر، وهي الـتـي نصبت آلـهـة أو أكـثـر لكل ظـاهـرة مـن الـظـواهـر المتصلة بـالـوجـود والمـسـيـرة الإنـسـانـيـة. إضـافـة بالطبع إلــى أنصاف الآلهة الذين يقعون في الوسط بين الأرضـي والسماوي، بين العادي والخارق، كما بين البشري وما بعد البشري. ومــــع أن المــيــثــولــوجــيــا الــيــونــانــيــة لـــم تـــولـــد فـــي عصر واحـــد ولــم تتشكل على صـــورة واحــــدة، بـل كـانـت مزيجا من ميثولوجيا الخليقة وأصــل العالم، وقصص اختلاط الآلهة والبشر، وسير الأبطال الملحميين، فـإن النماذج العليا التي وضعتها للحياة والموت، وللبطولة والحب، وللجمال والألم، باتت جزءا لا يتجزأ من الثقافة الغربية، والإنسانية على نحو عام. وحيث كـان على كل واحـد من الأبطال التراجيديين، أن يـدفـع غاليا ثمن سلوكياته وأفـعـالـه المـثـيـرة لغضب الآلـهـة، كما كانت حال بروميثيوس وسيزيف وأورفيوس وغيرهم، فقد كـان على نرسيس، الصياد الوسيم العاشق لنفسه، أن يدفع كالآخرين ثمن افتتانه المفرط بجماله، وهو الذي عاقبته الآلهة بأن دفعته إلى التحديق في انعكاس صورته في الماء، إلى أن قضى غرقا في المياه المظلمة للافتتان بالذات، قبل أن يتحول إلى زهرة جميلة تحمل اسمه. وقد اعتبر هربرت ماركوز في كتابه «الحب والحضارة»، أن الحضارة الغربية منذ سقراط وأفلاطون وحتى عصورها المـــتـــأخـــرة، قـــد وضـــعـــت الــعــقــل فـــي حـــالـــة مــواجــهــة دائـــمـــة مع الـغـريـزة، بحيث اسـتـخـدم الأول بوصفه أداة للقسر والقمع وكـــبـــح الأهــــــــواء، فـيـمـا نُـــظـــر إلــــى كـــل مـــا يـنـتـمـي إلــــى منطقة الغريزة واللذة بأنه خطر على العقل وقوانين الانتظام العام والسلامة الأخلاقية. وإذا كان بروميثيوس هو الرمز الثقافي للعمل الـبـاحـث عــن مــــردود ولـإنـتـاجـيـة والــتــقــدم عــن طريق القمع، فإن نرسيس وأورفيوس، الشبيهة صورتهما بصورة ديونيزيوس، كانا نموذجين للفرح والارتواء، وصوتهما «هو الصوت الذي لا يأمر أخلاقيا ولكنه يغنّي». أما على الصعيد الأدبـي، فقد تركت شخصية نرسيس أصــداء متلاحقة في الأدب والفن الغربيين. وقـد كـان الشاعر الـرومـانـي أوفــيــد، مـن أوائـــل الـذيـن أولـــوا شخصية نرسيس عـــنـــايـــة خـــــاصـــــة، حـــيـــث أفـــــــرد لـــــه صـــفـــحـــات عــــــدة مـــــن كـــتـــاب «التحولات»، متحدثا عن الطفل ذي الوسامة الفائقة الذي كان ثمرة علاقة عشق صاعق بين ليريوبي، ربة الماء الفاتنة والإله النهر كيفيزوس، وحيث وقع نرسيس منذ يفاعته في عشق نفسه، فقد قابل بالصدود كل الآلهات الشابات اللاتي عملن على إغـوائـه، بمن فيهن إيكو إلهة الغابة، التي كانت الآلهة الكبرى قد غضبت منها وحولتها إلى صدى. وبعد مطاردة عقيمة بـن الطرفين، قــررت إيكو انتقاما لحبها أن تتقمص انعكاس صـورة حبيبها في المياه العميقة. حتى إذا انحنى ليشرب أعجبت صـورتـه فـي المـــاء، فـأغـرق نفسه فيه، لتبكيه ّوفق رواية أوفيد، الآلهات جميعهن: وكانت إيكو ترجّع نواحهن وها هي تُهيَّأ المحرقة والمشاعل التي تُحرَّك في الأجواء غاب الجسم وفي مكانه نبتت زهرة بلون الزعفران تحيط بقلبها أوراق بيضاء ومـــع أن شـخـصـيـة دون جـــــوان، الــتــي ابـتـكـرهـا الـكـاتـب الإسباني تيرسو دي مولينا في بداية القرن السابع عشر، تـمـتـلـك كــثــيــرا مـــن الــــوجــــوه، الـــتـــي تــتــصــل بــالــســلــوك المــاجــن والتهافت الأبيقوري على اللذة ومفهوم الخطيئة والعقاب، والانـــقـــاب الاحــتــجــاجــي عـلـى الــتــزمــت الــديــنــي ورومـانـسـيـة الـقـرون الوسطى، فنحن لا نحتاج إلـى كثير من الجهد لكي نـكـتـشـف الـــجـــنـــوح الــنــرجــســي لـــهـــذه الــشــخــصــيــة، الـــتـــي وقــع صاحبها في عشق نفسه، جاعلا من إغواء النساء وطلب اللذة والمجون العابث ديدنه وهاجسه المستمر. ولـــم يــفُــت ولــيــم شكسبير أن يـتـخـذ مــن المــــآل المــأســاوي لجمال نرسيس، العبرة الملائمة لحمل الجمال على التخلي عن أنانيته القاتلة، عبر الاتحاد العميق بالآخر. وإذ يجعل مـــن حـــب الــــــذات «الــــوقــــود الــكــبــيــر الـــــذي يـــغـــذي شــعــلــة الــنــور الإنـسـانـي، يحث شـابـا وسيما مـأخـوذا بجماله ومكتفيا به على الإنجاب، لكي لا يكون الجمال مرادفا للعقم؛ بل للتجدد والخصب واستمرار النسل، ليضيف قائلاً: انظر في مرآتك وقل للوجه الذي تراه إن الوقت قد حان لينشئ ذلك الوجه وجها آخر وهكذا عبر نوافذ عمرك سترى رغم التجاعيد زمنك الذهبي وإلا مت وحيدا وماتت معك صورتك كـمـا بـــدا الــنــزوع الـنـرجـسـي واضــحــا لـــدى أنــدريــه جيد، الذي أظهر منذ مطالع صباه انهماما بالغا بالذات، واحتفاء باللذة، فضلا عن ميوله المثلية، ثم ما لبث في فترة نضجه أن تراجع عن جنوحه السلوكي، والعيش وفقا لما طاب له أن يسميه «نظام الطبيعة» القويم. أمـا كتاب «اتفاق نرسيس» الذي كتبه جيد في مطالع شبابه، فهو عبارة عن نص تأملي يستلهم فيه الكاتب أسطورة نرسيس، ليطرح أسئلة فلسفية حول الذات والهوية والجمال، حيث البطل الأسطوري يحاول دون جـــدوى أن يقبض عـلـى صــورتــه فــي مـــرآة المــــاء. وهـــو إذ ينحني فوق نهر الزمن، تمر فيه وعبره جميع الأشكال، قبل أن تلوذ بالفرار، ويهتف جيد بلسانه: أيتها الأشكال الإلهية الدائمة التدفق من ذا الذي لا يرتقب عودة السكون ثانية فالجنة يمكن إعادة صنعها على الدوام وحيث تغوص المياه الأكثر كثافة كل شيء يجهد ليبلغ شكله المفقود وفـــي قصيدته المـمـيـزة ذات الـلـغـة المـتـوهـجـة «نرسيس يتكلم»، يشير بول فاليري إلى أنه استلهم القصيدة من عبارة «إرضــاء لأرواح النرجس» المنقوشة على قبر نرسيسا، ابنة الشاعر الإنجليزي إدوارد يونغ، التي قضت نحبها في ريعان الصبا بعد أن ألــم بها مـرض داهـــم. وإذ يحرص فاليري في الوقت ذاته، على التحدث بلسان الشابة المتوفاة، التي تعدى تماثلها مع نرسيس إطار الاسم، ليصبح تماثلا في المصير، يكتب قائلاً: ها أنا ذا أهلك بالجمال أهلك لأنني اشتهيت نفسي في عريك لكَم آسف على بريقك الصافي المنهك أيها النبع الذي أحتضنه برقّة حيث شربت عيناي من لازورد الفناء ولــيــس صــدفــة بـالـطـبـع أن يـلـح فــالــيــري عـلـى الاحـتـفـاء بشخصية نـرسـيـس، إذ فــي هـــذا الاحـتـفـاء مــا يـتـعـدى جمال الـــوجـــه والـــجـــســـد، لـيـتـصـل بـالـلـغـة نـفـسـهـا، وهــــو الـــــذي كــان مساعدا لرائد المـدرسـة الرمزية ستيفان مالارميه، ومشاركا في حركة الصنعية الجمالية التي قادته بسبب ما تستلزمه من نمنمة زخرفية، إلى التخلي عن الكتابة لعقدين كاملين من الزمن. وفاليري الباحث عن الكمال المطلق، الـذي كان يعتقد بأن القصيدة الحقيقية لا تنتهي، وإنما تُترك فقط، هو الذي عاد في قصيدته «الملاك» ليكتب ما حرفيته: «الكائن الخالص الذي هو أنا، الذكاء الذي يمتص بسهولة كل الخليقة دون أن يؤثر فيه شيء أو يغيره شيء، لن يتعرف على نفسه في هذا الوجه الطافح بالحزن». يـصـعـب الـحـديـث أخــيــرا عــن أثـــر الـــنـــزوع الـنـرجـسـي في الشعر الغربي، دون التوقف قليلا عند تجربتي الشاعرتين الأميركيتين آن سكستون وسيلفيا بــاث، اللتين جمعتهما روابط كثيرة، بينها الولع بالشعر، وصداقة شخصية عكست نفسها فيما تبادلتاه من رسائل، إضافة إلى الوقوع في مرض الاكــتــئــاب إيــــاه، والـفـشـل فــي الـحـيـاة والـــحـــب. حـتـى إذا عجز الـشـعـر عــن إســكــات الأصــــوات الـــســـوداء المنبعثة مــن الأعـمـاق الجحيمية للشاعرتين المطعونتين بنصال الحياة، بدا الموت انــتــحــارا بـمـثـابـة المــــرآة الأخـــيـــرة الـتـي تلملم شـتـات ذاتيهما المنفصمتين، وتوحيدهما في صورة واحدة. وإذ تكتب سكستون من جـوف عالمها المشوش «مرآتي الساخرة، حبي المقلوب، صورتي الأولى، ذلك الرأس الحجري للموت الـذي تجاوزته وأنـا أتعفن على الجدار دوريــان غراي نفسي، وتـلـك المـــرآة المــزدوجــة الـتـي تـحـدق فـي نفسها كأنها مـتـحـجـرة فــي الـــزمـــن»، تــحــاول بـــاث فــي قـصـيـدتـهـا «المــــرآة» الاسـتـعـانـة بـهـذه الأخـــيـــرة، لـكـي تـرسـي ذاتــهــا المـتـحـولـة على شكل نهائي. حتى إذا زينت لها ذاتها النرسيسية المنفصمة، وهي تحدق في مياه بالغة الاضطراب، أنها الوجه والمرآة في وقت واحد، وأنها تنزلق بلا هوادة نحو مصيرها المأساوي، هـتـفـت قـائـلـة: «أنــــا الآن بـحـيـرة، وثــمــة امــــرأة تنحني فـوقـي، تبحث في أعماقي عما هي عليه حقاً، في غرقت فتاة صغيرة، وفـي تظهر امـرأة عجوز تتوجّه نحو مصيرها كل يـوم، مثل سمكة رهيبة». شوقي بزيع مفارقات ساخرة ومصائر موجعة بـــن الــســخــريــة والــــوجــــع، تمضي نصوص المجموعة القصصية الجديدة «جامع العملات القديمة»، الصادرة عن دار «بـتـانـة» بـالـقـاهـرة للكاتب شريف عبد المجيد، الذي راكم تجربة لافتة بين عاماً 25 ضفافها على مدار ما يقرب من أصدر فيها عدة أعمال، منها: «خدمات مـــا بــعــد الـــبـــيـــع»، و«تـــاكـــســـي أبـــيـــض»، و«صـــــــولـــــــو الــــخــــلــــيــــفــــة»، و«بــــالــــحــــجــــم العائلي»، و«جريمة كاملة». يتميز الـسـرد فـي المجموعة بعين تستطيع أن تلتقط المــفــارقــة الـدرامـيـة مـن ركـــام الــواقــع، وتـفـجّــرهـا فـي الوقت المـــنـــاســـب عـــبـــر إبـــــــراز المـــتـــنـــاقـــضـــات مـا بـــن الـــشـــعـــارات والمــــبــــادئ، ومـــا يـحـدث بالفعل على الأرض في حركة المجتمع أو الأفــــــراد، مـــن خـــال حــكــايــات سـاحـر قديم متقاعد، أو هجوم مفاجئ لجلطة تهاجم أحدهم، أو قصة نجاح لموظفة في بنك شهير... وتــــــعــــــد الــــــنــــــهــــــايــــــات المــــــأســــــاويــــــة والمصاير الموجعة للشخصيات واحدة من أبرز سمات المجموعة؛ فالشخصية تـــكـــافـــح بـــجـــد واجـــتـــهـــاد كــــي تـــجـــد لـهـا مـكـانـا تـحـت الـشـمـس بــشــرف وكــرامــة، غـيـر أن الــرحــلــة لا تـكـتـمـل، والمــفــاجــآت الـقـاسـيـة تـتـولـى كـتـابـة الــنــهــايــة. على هــــــذه الـــخـــلـــفـــيـــة، يـــكـــتـــشـــف مـــــن يـــهـــوى جـــمـــع الـــعـــمـــات الـــقـــديـــمـــة أن الأمـــــــر لا يخلو مــن عـبـث واحــتــيــال وخــــداع، أمـا الفنانة التشكيلية التي هربت من ذوق الجماهير التجاري فتلاحقها جريمة قـــتـــل، والـــعـــبـــقـــري الـــبـــاحـــث عـــن إضــافــة للبشرية ينتهي بــه الأمـــر فــي مصحّة للعلاج النفسي، ومن أرادت التحقق في مهنة صعبة تعوضها عـن الفشل في حياتها الشخصية لا تجد في النهاية ونـــيـــســـا ســــــوى إعـــــانـــــات عـــــن المـــقـــابـــر تحاصرها فـي كـل مـكـان، وكـــأن العالم يسرق منها حقها في الحياة... من أجواء المجموعة القصصية نقرأ: «جلست هنا في تلك المصحة طوال عشر سـنـوات أسجل أفـكـاري وأبحاثي، مـــتـــأمـــا الـــعـــالـــم مــــن حــــولــــي. أعــــــرف أن هناك من يراقبني، ربما يوجد في تلك الأشــجــار القليلة مـيـكـروفـونـات تسجل كل كلمة يقولها الناس، وكاميرات تنقل بالصورة والوقت كل همسة، وكل فكرة تخطر على بالي. أجلس في حديقة المصحة الواسعة بـــــجـــــوار شــــجــــرة الأكـــــاســـــيـــــا بــــزهــــورهــــا الـــصـــفـــراء؛ لأنــهــا تـشـبـهـنـي، فــأنــا أيـضـا أمـوت في بيئة طـاردة لا يعتني أي أحد بمشكلاتي، وأزهر رغم عدم العناية. أما تشابك زهـورهـا فيشبه حياتي المعقدة بكل ما فيها من آلام.. امتلأت الشوارع بالمجانين والباحثين عن المـال والشهرة والـفـقـراء الـذيـن لا يـجـدون قـوت يومهم. يـــمـــوت الــــنــــاس بــــا مــعــنــى فــــي حـــــوادث السيارات المسرعة وبالجلطات ومرض السرطان. يـضـحـكـون ويـبـتـسـمـون ويطلقون النكات، لكنك لا تعرف هل يضحكون من الخوف أم على أشياء مضحكة بالفعل؟ والحياة تسير والقتلة يمرحون في كل مـــكـــان. أكـــــاد أســـمـــع صــــوت ضـحـكـاتـهـم المــجــلــجــلــة وانـــتـــصـــارهـــم الــــــذي حـقـقـوه بالضربة القاضية، فكل شيء يسير بلا أمل ولا حلم ولا طموح. ولكني سأواصل أبـــــحـــــاثـــــي؛ حــــتــــى تــــغــــيــــر اكـــتـــشـــافـــاتـــي واخـتـراعـاتـي الـعـالـم مـن حـولـي، ولكني ســـأظـــل حــــــذرا وأهــــــــرب مــــن كــــل الـــشـــراك والعراقيل التي يضعونها أمامي». القاهرة: «الشرق الأوسط» تركت شخصية نرسيس أصداء متلاحقة في الأدب والفن الغربيين
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky