وأنـــا أتـابـع الاجـتـمـاع الـتـشـاوري الـــذي عقد في الــــريــــاض، والــــــذي جــمــع قــــيــــادات ومـــكـــونـــات المـشـهـد السياسي والاجتماعي في الجنوب اليمني، وما لحقه من زخم سياسي غير مسبوق تمهيدا لمؤتمر الحوار الـجـنـوبـي الــشــامــل، وفـــي مـسـعـى جـــاد لــبــلــورة رؤيــة سياسية جامعة تعالج القضية الجنوبية عبر مسار سياسي وأمني شامل، بعيدا عن العنف والتصعيد، وعــن إنـتـاج صــراعــات لا تـخـدم اليمن ولا مستقبله، استحضرت قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألـن قلوباً، الإيمان يمان والحكمة يمانية». فالحكمة اليمنية، عبر التاريخ، لم تكن مجرد وصـف أخلاقي، بل شكّلت ركيزة أصيلة فــي إدارة الـتـعـدد والـــخـــاف بــن المــكــونــات اليمنية، وقـــاعـــدة لـتـغـلـيـب المـصـلـحـة الــعــامــة عــلــى اعــتــبــارات اللحظة، والاصطفاف، والانفعال السياسي. ومن هنا يبرز الـحـوار الجنوبي – الجنوبي فـي هـذه اللحظة الإقليمية الدقيقة بعدّه مسارا يمنيّا – يمنيّا أصيلاً، ومـحـطـة مفصلية لإعــــادة صـيـاغـة مستقبل جنوب الــيــمــن، عـبـر تـرمـيـم الـثـقـة بــن المــكــونــات الـجـنـوبـيـة، ومنع الانقسام الـداخـلـي، وإعـــادة ترتيب الأولـويـات حول استقرار الجنوب بوصفه ركيزة لاستقرار اليمن ككل، وليس ساحة صراع جديدة. الــقــضــيــة الــجــنــوبــيــة قــضــيــة مــهــمــة وتــــعــــد مـن الـقـضـايـا الـوطـنـيـة الـجـوهـريـة فــي المـشـهـد اليمني، وقــد تـصـدرت المشهد السياسي فـي الآونـــة الأخـيـرة بوصفها واحـــدة مـن أكـثـر المـلـفـات حـضـورا وتأثيرا فــي مـعـادلـة الاســتــقــرار الـوطـنـي، فــي ظــل الـتـطـورات الــســيــاســيــة والأمـــنـــيـــة الـــتـــي شــهــدتــهــا المــحــافــظــات الـــجـــنـــوبـــيـــة، ولا ســيــمــا حـــضـــرمـــوت والمـــــهـــــرة، ومـــا استتبعها من تدخل لتحالف دعـم الشرعية بهدف حماية الاستقرار ومنع اتساع دائــرة التوتر. ومنذ ، لــم تـكـن القضية 2011 انــــدلاع الأزمــــة اليمنية عـــام الــجــنــوبــيــة مـلـفـا قـــابـــا لــلــتــجــاوز أو الاخـــــتـــــزال، بل ظلت حـاضـرة فـي صلب النقاش الوطني، وحظيت باهتمام واعتراف صريح بعدالتها ضمن مخرجات الحوار الوطني اليمني الشامل، بوصفها تعبيرا عن مطالب سياسية وحقوقية ومجتمعية متراكمة، لا يمكن التعامل معها كقضية هامشية، بل كاستحقاق وطني يتطلب معالجة شاملة ومـتـدرجـة. ويعكس قبول المكون الجنوبي بطرح هذه القضية ضمن إطار الحوار إدراكا سياسيا واعيا بأن معالجتها لا يمكن أن تتحقق عبر حلول جزئية أو منطق الغلبة، وإنما مـــن خـــال مــســار حـــــواري عـقـانـي ومـــتـــدرج، يعالج جــذور الإشـكـالـيـات، ويستوعب الـتـحـولات القائمة، ويــــــوازن بـــصـــورة مــســؤولــة بـــن الــحــقــوق المــشــروعــة لأبــــنــــاء الـــجـــنـــوب ومــتــطــلــبــات الاســــتــــقــــرار الــوطــنــي الــشــامــل، انـطـاقـا مــن تــوافــق وطـنـي جـنـوبـي شامل يعبر عن التطلعات الشعبية دون إقصاء أو تهميش. إن رعـــايـــة الــســعــوديــة لــهــذا الـــحـــوار بـطـلـب من رئـــيـــس مــجــلــس الـــقـــيـــادة الـــرئـــاســـي الــيــمــنــي، رشـــاد العليمي، تعد إعـادة اعتبار للدبلوماسية الوقائية كــــــأداة اســتــراتــيــجــيــة، لا بــوصــفــهــا إدارة لـــأزمـــات فـحـسـب، بــل بـوصـفـهـا منهجا لـبـنـائـهـا عـلـى أسـس مـسـتـدامـة. فـالـسـعـوديـة الـحـريـصـة عـلـى أمـــن اليمن واستقراره والتي خبرت تعقيدات الملف اليمني على مـــدى ســـنـــوات، بـحـكـم الـــجـــوار الـجـغـرافـي والامـــتـــداد الاجتماعي والتداخل الأمني والاقتصادي، أدركت أن أي تسوية دائمة لا يمكن أن تقوم على حلول أحادية مفروضة أو صفقات جزئية، وإنما على مسار حوار يمني – يمني أصـيـل، يتيح لكل المـكـونـات التعبير عن رؤاهـــا، ضمن إطــار جامع يحفظ وحــدة الصف، ويمنع انزلاق الجنوب إلى تنافس داخلي يستنزف طاقته السياسية والاجتماعية. كـمـا أن الـسـعـوديـة لــم تــطــرح نفسها طــرفــا في المـعـادلـة الـجـنـوبـيـة، بــل هــي وسـيـط ضــامــن، يسعى إلى تهيئة بيئة آمنة للحوار، وتوفير مظلة سياسية ودبـلـومـاسـيـة تـسـمـح لـــأطـــراف الـيـمـنـيـة بـالانـتـقـال من منطق الشك إلى منطق الشراكة، وهـذا ما أكدته تصريحات مسؤوليها وفـي مقدمتهم وزيــر الدفاع الأمير خالد بن سلمان، بأن دورها يقوم على رعاية التوافق لا فرض الخيارات، وعلى دعم حوار جنوبي مسؤول يفضي إلى شراكة حقيقية قادرة على إعادة بـــنـــاء الـــثـــقـــة، وصـــيـــاغـــة مـسـتـقـبـل مـسـتـقـر لـلـجـنـوب الـيـمـنـي ضـمـن إطــــار وطــنــي جــامــع. فــي وقـــت يـعـوّل فيه الـداخـل اليمني الجنوبي والأوســــاط الاقليمية والدولية على أن تشكل مخرجات هـذا المسار حجر الزاوية في رسم مستقبل جنوب اليمن، وفقا لرؤية يـقـررهـا أبــنــاء المـحـافـظـات الجنوبية أنـفـسـهـم، دون إقصاء أو تهميش، وعلى قاعدة الشراكة والتوافق الوطني. كما أن رعـايـة السعودية لهذا الـحـوار هي كـــذلـــك إدراك اســتــراتــيــجــي بــــأن اســـتـــقـــرار الــجــنــوب اليمني لـم يعد شأنا يمنيا داخليا فحسب، بـل هو عنصر توازن أساسي في معادلة الأمن الإقليمي، لما يمثله الجنوب من موقع جغرافي حيوي يتقاطع فيه أمن الخليج مع أمن البحر الأحمر، وخطوط الملاحة الدولية وممرات الطاقة والتجارة العالمية. ومـن ثم فــإن الـوسـاطـة السعودية لا تهدف إلــى تهدئة هشة ومؤقتة، بل إلى تأسيس مسار سياسي طويل الأمد، يعيد الاعتبار لمنطق الـدولـة اليمنية وقدرتها على إدارة خلافاتها من الداخل ضمن إطار وطني جامع، ويـمـنـح المـنـطـقـة فــرصــة لتثبيت مـعـادلـة الاسـتـقـرار بـعـد أعــــوام مــن الــفــوضــى وعــــدم الاســـتـــقـــرار. كـمـا أن التزام المملكة دعم وإدمـاج مخرجات مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل ضمن إطــار التسوية الشاملة أو الحوار الوطني اليمني الشامل يمنحه ثقلا سياسيا واستراتيجياً، ويجعل منه جزءا من معادلة الحل لا مسارا موازيا لها، ويعزز فرص ترسيخه كمرجعية سياسية قابلة للاعتراف الـدولـي والأمـمـي، وقــادرة على التفاعل مع مسارات الحل الأخــرى ضمن إطار وطني ودولي متكامل. لا شـــــك أن عـــقـــد مـــؤتـــمـــر الــــحــــوار الـــجـــنـــوبـــي – الـجـنـوبـي بــرعــايــة مــبــاشــرة مـــن الــســعــوديــة، فـرصـة تاريخية، إن أحسن الأشقاء في اليمن استثمارها، يـمـكـن أن تــتــحــول مـــن مـــبـــادرة سـيـاسـيـة إلــــى نقطة انــعــطــاف فـــي مــســار الأزمـــــة الـيـمـنـيـة، ومـــن مـحـاولـة لتجاوز الخلاف إلى أسـاس لبناء دولـة أكثر توازنا وعدالة واستقراراً، ليس لليمن وحــده، بل للمنطقة بــأســرهــا. ويـنـبـغـي الـتـعـويـل كـمـا ذُكــــر سـابـقـا على الحكمة اليمنية، وأن يتحول هــذا الإرث التاريخي الـعـريـق إلـــى مــشــروع وطـنـي جــامــع. فـاجـتـمـاع هـذه الخلطة الذهبية بين حكمة يمنية متجذرة، ومسار حـــواري جنوبي مــســؤول، ورعــايــة سـعـوديـة، سوف ينتج عنه بلا شك أفــق جديد لليمن، قوامه الحوار والتوافق والشراكة. Issue 17228 - العدد Wednesday - 2026/1/28 الأربعاء كـــــم الـــبـــيـــانـــات الـتـشـكـيـكـيـة بــــن ســيــاســات ونــيــات الـــولايـــات المـتـحـدة والــصــن وَلّــــد مناخا اقـــتـــصـــاديـــا مــســمــومــا عــلــى أقــــل وصــــف وأهــــون تقدير. فأميركا تعتقد أن الصين قد وصلت إلى حــد الـنـمـو الاقــتــصــادي الـقـيـاسـي، وأن وضعها سيتدهور بالتدريج؛ لأنها ليست لديها سوق مـحـلـيـة قــــــادرة عــلــى اســـتـــهـــاك فـــائـــض الإنـــتـــاج الصناعي للصين، وأن أسواق العالم تمر بركود ســيــؤدي حـتـمـا إلـــى إفــــاس كـثـيـر مــن الـشـركـات الـصـيـنـيـة، نـاهـيــك بـعــامــل آخــــر لا يــقــل خـطــورة وأهـــمـــيـــة؛ هــــو الـــعـــامـــل الـــديـــمـــوغـــرافـــي المـتـعـلـق بــانــخــفــاض مـــعـــدلات الــنــمــو الــســكــانــي وتــحــول المــجــتــمــع إلــــى مـجـتـمـع يــشــيــخ. أمـــيـــركـــا تــواجــه هـــي الأخـــــرى تــهــديــدا وجـــوديـــا لـلـعـمـود الـفـقـري لاقـتـصـادهـا، وتـحـديـدا الــــدولار الأمــيــركــي... كل ذلـــك وَلّــــد مـنـاخـا اقـتـصـاديـا مـسـمـومـا تـدهـورت فـيـه الـثـقـة، وتــحــول عــامــة المـهـتـمـن بـالاقـتـصـاد مـن الاستثمار فـي الشركات إلـى الاستثمار في السلع. يُــــعــــد صــــعــــود المـــــعـــــادن (الـــــذهـــــب والـــفـــضـــة والبلاتين والنحاس... وغيرها) مجتمعة في عام أحد أبرز المؤشرات على وجود «أزمة ثقة» 2026 بالنظام المالي التقليدي، لكن التفسير يختلف وفـــق نـــوع المــعــدن (ثمينا كـــان أم صـنـاعـيـا). في العرف الاقتصادي، عندما تتحرك هذه المعادن للأعلى في وقت واحد، فإن السوق ترسل رسائل معقدة بشأن الاستقرار العالمي. ففي حـــراك الـذهـب والـفـضـة، اللذين يـعـدّان «تـرمـومـتـر» الــخــوف والـتـحــوط - فهما المـــاذان الآمـــــنـــــان الـــتـــقـــلـــيـــديـــان - نـــجـــد أن صـــعــودهـــمـــا القياسي يعكس مـخـاوف عــدة، مثل تآكل قيمة الــــعــــمــــات. زيــــــــادة الـــطـــلـــب عــلــيــهــمــا تــشــيــر إلـــى قـلـق المستثمرين مــن «تــاشــي الـثـقـة» بــالــدولار والـعـمـات الــورقــيــة؛ نتيجة الــديــون الحكومية المــرتــفــعــة والــتــضــخــم المــســتــمــر... وأيـــضـــا الـقـلـق مـن الـتـوتـرات الجيوسياسية، فـالـصـراعـات في مــنــاطــق مــثــل فـــنـــزويـــا، والـــتـــوتـــرات بـــن الــقــوى الكبرى، تدفعان البنوك المركزية (خصوصا في الأســــواق الـنـاشـئـة) إلـــى زيــــادة احتياطاتها من الذهب بديلا للسندات. وهناك النحاس والبلاتين؛ فصراع «الندرة» والــــتــــحــــول الـــصـــنـــاعـــي عـــلـــى عـــكـــس الـــــذهـــــب... صعود النحاس والبلاتين لا يعكس «الخوف» بــــــالــــــضــــــرورة، بـــــل يـــعـــكـــس اضــــــطــــــراب ســـاســـل الإمـداد وسباق التحول الطاقي. النحاس يُلقب بــــ«الـــدكـــتـــور»: «دكـــتـــور نـــحـــاس»؛ لأنـــه يشخص صـحـة الاقــتــصــاد. صـــعـــوده، رغـــم تـبـاطـؤ النمو العالمي، يشير إلى «عجز هيكلي»؛ أي إن العرض لا يـكـفـي لـتـغـطـيـة احــتــيــاجــات الــطــاقــة النظيفة والـذكـاء الاصطناعي... وهـو ليس ضروريا لأن الاقتصاد العالمي منتعش. البلاتين هو أيضا معني، فهو يشهد طفرة مرتبطة بتقنيات الهيدروجين الأخضر. ارتفاعه يعكس تحول الاستثمارات من «الأصول الورقية» (الأســــهــــم) إلــــى «الأصـــــــول الـحـقـيـقـيـة» (المـــعـــادن الاســتــراتــيــجــيــة). والـــســـؤال الــــذي يــفــرض نفسه هـو: هل نحن أمـام انهيار أم تصحيح للمسار؟ يـنـقـسـمـون إلـــى مـدرسـتـن: 2026 المـحـلـلـون فــي مدرسة «أزمة الثقة» التي ترى أن هروب الأموال مـن الـسـنـدات والأســهــم نحو المــعــادن دلـيـل على أن المستثمرين يتوقعون «نظاما ماليا جديداً» تكون فيه السلع هـي المقياس الحقيقي للقيمة بـــدلا مـن الـديـون والـعـمـات المطبوعة. ومـدرسـة «الــدورة السلعية»: ترى أن ما يحدث هو مجرد «سوبر سايكل (دورة عظمى)» للسلع ناتجة عن نقص الاستثمار في المناجم خلال العقد الماضي، مع زيادة مفاجئة في الطلب الصناعي. صعود الذهب والفضة يؤكد تدهور الثقة بـالـسـيـاسـات الـنـقـديـة، بينما صــعــود الـنـحـاس والـبـاتـن يـؤكـد الارتــبــاك فـي الـنـظـام الإنتاجي الــعــالمــي. اجـتـمـاع الاثــنــن مـعـا يـعـنـي أن الـعـالـم يـــمـــر بــمــرحــلــة «انـــتـــقـــال تـــاريـــخـــي» يــعــيــد فـيـهـا المــســتــثــمــرون تــعــريــف الأمــــــان المـــالـــي بــعــيــدا من الـــشـــاشـــات والــــشــــركــــات، وبــــالــــعــــودة إلـــــى بـاطــن الأرض. يُــعـد توصيف الــولايــات المـتـحـدة بـأنَّــهـا «دولــة مؤسسات» من أكثر المسلَّمات حضورا في الأدبيات السياسية المقارنة. غير أن صعود الرئيس دونالد تـرمـب، ومــا رافـقـه مـن خطاب عـدائـي تجاه الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، والمؤسسات العميقة لـــلـــدولـــة، أعـــــاد طــــرح ســـــؤال جــــوهــــري: كــيــف يمكن لـرئـيـس فــي دولـــة مؤسسية راســخــة أن يـهـز شبكة الـتـحـالـفـات الـتـي بُــنـيـت عـبـر عــقــود؟ وهـــل مــا حـدث يُمثل خللا لمؤسساتها أم اختبارا لها؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولا من تحرير مـعـنـى «الـــدولـــة المــؤســســيــة». فـالمـؤسـسـيـة لا تعني غياب الانحراف أو استحالة الخطأ، ولا تفترض أن السياسات ثابتة لا تتغير بتغير الـقـادة والإدارات السياسية. بل تعني وجود قيود قانونية وإجرائية، وتــعــدد فــي مــراكــز الـــقـــرار، وآلــيــات تصحيح تجعل مـن الصعب تحويل الرغبات الفردية إلـى تحولات بنيوية دائـمـة مـن دون تـوافـق واســع داخــل النظام. وبهذا المعنى، لا تمنع الدولة المؤسسية الانحراف، لـكـنـهـا تـجـعـلـه مـكـلـفـا، ومـــؤقـــتـــا، وقـــابـــا لـــارتـــداد، والــــتــــراجــــع، لا ســيــمــا بـــعـــد تـــغـــيّـــر الإدارة وتـــبـــدّل مـوازيــن السلطة داخـــل المنظومة الحاكمة. ويُظهر مـسـار الـعـاقـات الأميركية مـع المملكة، عبر إدارات ديمقراطية وجمهورية متعاقبة، أن التحالف ظل قــائــمــا رغــــم اخـــتـــاف الــخــطــاب وتـــبـــدل الــــقــــادة، بما يعكس هيمنة المـنـطـق المـؤسـسـي عـلـى الاعــتــبــارات الـشـخـصـيـة والــظــرفــيــة. وضــمــن هـــذا الإطـــــار، يمكن فهم الـظـاهـرة الترمبية مـن خــال أربـعـة مستويات متداخلة. أولاً، يتمتع الرئيس الأميركي بهامش واسـع نسبيا في مجال السياسة الخارجية مقارنة ببقية السياسات العامة. فالسياسة الخارجية الأميركية تـــاريـــخـــيـــا هـــــي أقــــــل المـــــجـــــالات خـــضـــوعـــا لـلـتـقـيـيـد المـؤسـسـي المـبـاشـر، وأكـثـرهـا ارتـبـاطـا بصلاحيات السلطة التنفيذية. وهو ما أتاح لترمب تبنّي خطاب تصادمي تـجـاه الحلفاء، والانـسـحـاب مـن اتفاقات دولــيــة كـاتـفـاق بــاريــس لـلـمـنـاخ، والاتـــفـــاق الــنــووي مع إيــران، وفـرض رسـوم جمركية جديدة، وتشديد سياسات الهجرة، إلـى جانب الضغط على شركاء تقليديين داخل حلف الناتو. وهـــــــذا يـــقـــودنـــا إلـــــى المـــســـتـــوى الــــثــــانــــي، وهـــو التمييز الحاسم بين الخطاب والبنية. فعلى الرغم من حدّة خطاب ترمب وتصعيده تجاه الحلفاء، لم تتعرض البنية التحالفية الأميركية لانهيار فعلي. فلم يُحل حلف شمال الأطلسي، ولم تُغلق القواعد الـعـسـكـريـة الـــكـــبـــرى، ولــــم تُـــلـــغ الالـــتـــزامـــات الأمـنـيـة الجوهرية. التغيير الذي طرأ تمثل أساسا في النبرة وأسلوب إدارة التحالفات، لا في الأساس المؤسسي الــــذي تــقــوم عـلـيـه. وقـــد جـــرى تـوظـيـف هـــذا الـنـهـج، الـــذي يمكن توصيفه بـــ«الابــتــزاز الـسـيـاسـي»، أداة تفاوضية هدفت إلى تعظيم المكاسب الاستراتيجية للمؤسسات المرتبطة بالبيت الجمهوري، وتعزيز مــوقــع الــقــاعــدة الانـتـخـابـيـة لـلـحـزب مـسـتـقـبـاً، مع تـعـمـيـق نـــفـــوذ الـنـخـبـة الأولــيــغــارشــيــة داخـــــل بنية الــحــكــم، وبــمــا يـسـهـم فـــي تـثـبـيـت الإرث الـسـيـاسـي الشخصي لترمب بوصفه قائدا أعاد تشكيل قواعد الـلـعـبـة داخـــل الــحــزب والـــدولـــة. وتـكـمـن أهـمـيـة هـذا التمييز في أنه يبين أن المؤسسات سمحت بقدر من الاهتزاز والتوتر، لكنها في الوقت ذاته حالت دون تحوّله إلى انهيار بنيوي. ثـالـثـا، لا يمكن فهم تـرمـب بمعزل عـن السياق الاجــتــمــاعــي الـــداخـــلـــي. فــقــد مـــثّـــل صـــعـــوده تـعـبـيـرا عـن شعبوية احتجاجية داخــل المجتمع الأميركي، غذّتها تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة، من إرهـــاق العولمة إلــى تصاعد الاعـتـقـاد لــدى قطاعات واسعة بأن الحلفاء ينخرطون في سلوك «الركوب المــجــانــي» مـــن خـــال الاعــتــمــاد عـلـى المـظـلـة الأمـنـيـة الأميركية مـن دون مساهمة متكافئة فـي أعبائها. هـذا الخطاب، وإن كـان صداميا خارجياً، فإنه كان مربحا انتخابيا داخلياً. والمؤسسات الديمقراطية، بطبيعتها، لا تمنع هـذا النوع من الخطاب، لكنها تعمل لاحقا على تحجيم آثـــاره، وإلا لمـا كــان هناك فارق بنيوي بين الديمقراطيات والأنظمة الشمولية. أمــا المستوى الــرابــع، فيتعلق بكيفية اشتغال المـؤسـسـات نفسها خــال عهد تـرمـب. فالكونغرس 15 قيّد بعض قـراراتـه، والقضاء أوقـف أو عـدّل بين أمرا تنفيذيا أصدره، والبيروقراطية الفيدرالية 25 و عــطّــلــت أو أبـــطـــأت تـنـفـيـذ عــــدد مـــن تــوجــهــاتــه. كما أن الـحـلـفـاء أنفسهم تـعـامـلـوا مــع هــذه الديناميات خـال الـولايـة الأولــى لترمب بوصفها لحظة عابرة أكثر منها تحولا استراتيجيا دائماً، ففضلوا إدارة الـخـاف وانـتـظـار مـا بعد تـرمـب بــدل الانــخــراط في قـطـيـعـة اســتــراتــيــجــيــة مــفــتــوحــة. ومــــع انــتــهــاء تلك المـرحـلـة ووصــــول إدارة جــديــدة إلـــى الـحـكـم، عــادت السياسة الأميركية تدريجيا إلى مسارها التحالفي الــتــقــلــيــدي، بــمــا يــؤكــد أن مـــا جــــرى لـــم يــكــن تــحــولا بــنــيــويــا فـــي تــوجـــهـــات الــــدولــــة الأمـــيـــركـــيـــة، بـــل كــان انحرافا مؤقتا داخل مسار مؤسسي طويل الأمد. وفــــي تـــقـــديـــري، كــشــفــت تــجــربــة تـــرمـــب عـيـوب المؤسسية الأمـيـركـيـة، لكنها أكـــدت فـي الـوقـت ذاتـه أهميتها مــن خـــال صـمـود المـؤسـسـات أمـــام بعض قــــراراتــــه. فـمـن زاويـــــة المـؤسـسـيـة الــتــاريــخــيــة، تـبـدو التحالفات الأميركية نتاج مسارات طويلة يصعب كـــســـرهـــا بــــولايــــة واحـــــــــدة. ومـــــن زاويــــــــة المــؤســســيــة الاجتماعية، يمكن فهم ترمب بوصفه ممثلا لهوية احتجاجية داخــل المجتمع الأمـيـركـي. ومــن منظور الاختيار العقلاني، يمكن فهم سلوك ترمب بوصفه سعيا إلى تعظيم مكاسب سياسية داخلية قصيرة الأمـد، ورفـع سقف صيد المكاسب الجمهورية، عبر تقاطع مصالحه مع نخب أوليغارشية تكنولوجية - اقـــتـــصـــاديـــة، وبـــمـــا يـــخـــدم بـــنـــاء إرثــــــه الــســيــاســي الـشـخـصـي وتـرسـيـخ صــورتــه كـفـاعـل حـاسـم داخــل النظام السياسي، وهو ما انعكس في إعادة تشكيل مـــراكـــز الـــنـــفــوذ داخـــــل الــســلــطــة الـتـنـفـيـذيـة بـاتـجـاه نموذج أقرب إلى «حكومة الأغنياء». الـــخـــاصـــة، أن تــجــربــة تـــرمـــب لا تـنـقـض فـكـرة الدولة المؤسسية، بل تكشف عن عيوبها الحقيقية. فالولايات المتحدة دولة مؤسسات، لكن مؤسساتها لا تـــعـــمـــل كـــآلـــيـــة مـــنـــع فـــــــوري ومـــســـبـــق، بــــل كــآلــيــة تصحيح متأخر. تسمح بالانحراف المؤقت، لكنها تَــحـول دون تحوّله إلــى مسار دائـــم. وبـهـذا المعنى، هز ترمب السقف السياسي الأميركي، عبر الخطاب والـــــقـــــرارات الـتـنـفـيـذيـة الـتـكـتـيـكـيـة، لـكـنـه لـــم يـمـس الأســــاس الـبـنـيـوي لــلــدولــة، الــقــائــم عـلـى الــدســتــور، وتوازن السلطات، واستقلال القضاء، والانتخابات الحرة، وحيوية المجتمع المدني، والمنافسة الحزبية، فــضــا عـــن الـبـنـيـة الـتـحـالـفـيـة الـعـمـيـقـة. كـمـا تميل هـــــذه المـــنـــظـــومـــة المـــؤســـســـيـــة إلـــــى إدارة الـــخـــافـــات بمنطق الـتـفـاوض والـتـسـويـة، بما يجعل الانـــزلاق إلــــى صـــدامـــات مـفـتـوحـة أمــــرا نــــادر الــــحــــدوث. وفــي هـــذا الــســيــاق، يـمـكـن الـــقـــول إن الــخــطــاب الـشـعـبـوي الـتـرمـبـي ضَـــخَّـــم الــنــبــرة الـسـيـاسـيـة وأعـــــاد ترتيب الأولــويــات الخطابية، لكنه لـم يغيّر قـواعـد اللعبة الجيوسياسية الـتـي تنظمها الـهـيـاكـل المؤسسية العميقة. وهـو ما يميز دولـة مؤسسات قــادرة على امتصاص الانحراف المؤقت وتصحيح مساره، عن أنماط حكم تختلف في قدرتها المؤسسية على منع ترسخ الانحراف وتحويله إلى مسار طويل الأمد. تجربة ترمب لا تنقض فكرة الدولة المؤسسية بل تكشف عن عيوبها الحقيقية صعود الذهب والفضة يؤكد تدهور الثقة بالسياسات النقدية حسين شبكشي عبد الغني الكندي إبراهيم العثيمين OPINION الرأي 14 هل تحكم المؤسسات أميركا فعلاً؟ الانتقال من اقتصاد الشركات إلى اقتصاد السلع الحوار الجنوبي ــ الجنوبي: حكمة اليمن وبناء الاستقرار ينبغي التعويل على الحكمة اليمنية وأن يتحول هذا الإرث العريق إلى مشروع وطني جامع
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky