issue17228

قبل بضعة أيام أشارت صحيفة «غلوب آند ميل» الكندية إلى بلورة الجيش الكندي لسيناريو افتراضي، يقوم على فكرة غزو الولايات المتحدة عسكريا للأراضي الكندية. السيناريو إطــار مفاهيمي نـظـري، إذ لا يعتقد أحـد أن واشنطن يمكن أن تغزو أوتــاوا عسكرياً، انطلاقا من القاعدة الــكــاســيــكــيــة الــشــهــيــرة «الـــديـــمـــقـــراطـــيـــات لا تـــتـــحـــارب»، لكن النموذج قائم بالفعل. الكنديون أعلنوا أن الخطة تقوم على تبني التكتيكات الطالبانية في أفغانستان، سواء في كفاحهم ضد السوفيات .2001 أول الأمر، أو قتالهم ضد الأميركيين، بعد غزو عام تـبـدو الـسـطـور المتقدمة مثيرة لـلـجـدل، ومــدعــاة للتأمل في الحالة التي وصلت إليها العلاقات بين البلدين المرتبطين عــضــويــا، بـــوحـــدة الــجــغــرافــيــا، ومـــســـارات الـــتـــاريـــخ، والـــســـؤال المـــطـــروح عـلـى مـــوائـــد الــنــقــاش: هـــل حـــان وقـــت الـقـطـيـعـة مـرة وإلــــى الأبـــــد؟ عـقـب عـــودتـــه مـــن دافــــــوس، ألــقــى رئــيــس الـــــوزراء مارك كارني، خطابا للكنديين، عبر فيه عن توجه بلاده لعقد المـزيـد مـن الـشـراكـات مـع دول الـعـالـم، بـهـدف تنويع العلاقات الاقتصادية والأمنية، وبناء اقتصاد كندي قوي، أكثر استدامة واستقلالية، يعود بالنفع على الجميع. قــبــل دافــــــوس، أجــــرى كـــارنـــي زيـــــارة مــثــيــرة إلــــى الــصــن، وفــي بكين جــرت مياه جـديـدة فـي بحر الـعـاقـات الاقتصادية بـن أوتــــاوا وبـكـن، كــان مـن نتائجها زيـــادة نسبة الـسـيـارات الـكـهـربـائـيـة الــــــواردة مــن الــصــن إلـــى كــنــدا، وفـــي المـقـابـل فتح أسواق الصين للزيوت الكندية الشهيرة. أثارت الزيارة غضبا أميركياً، ولم يتوان الرئيس ترمب، ووزيــر تجارته هــوارد لوتنيك، عن التنديد بها، ولـوم أوتـاوا عليها، لا سيما أن مفاوضات التجارة الحرة لأميركا الشمالية، قاب قوسين أو أدنى من أن تبدأ من جديد، بعد أن تعطلت في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والسبب حديث ترمب عن ضم كندا إلى الأراضي الأميركية واعتبارها الولاية الأميركية الحادية والخمسين. لا يــبــدو الـديـالـكـتـيـك المـتـصـاعـد بـــن أوتــــــاوا وواشـنـطـن مؤطرا فقط بالقضايا الاقتصادية، بل يتجاوزها إلى أسئلة حيوية لا بد من الوقوف أمامها، وفي مقدمها: هل كندا دولة تابعة لأميركا؟ وكيف يمكن أن تتحول إلـى «دولـــة مـوازنـة»؟ يمكن القطع بأن كندا دولة تابعة لكنها ليست تبعية قسرية، بل نتيجة طبيعية لمعطيات الجغرافيا، وتفاعلات التاريخ. فـــي المـــائـــة من 70 بــاخــتــصــار غــيــر مـــخـــل، تــمــضــي نــحــو صـــادرات كندا إلـى الـولايـات المتحدة، كما أن سلاسل الإمــداد الكندية، من طاقة وسيارات، وغذاء، ومعادن، مندمجة بنيويا مع الاقتصاد الأميركي. مـــن جــهــة أخـــــرى يـعـتـبـر الـــــــدولار الـــكـــنـــدي ظــــا لـــلـــدولار الأميركي، يتحرك معه، ويتأثر مباشرة بسياسة «الفيدرالي» الأمـــيـــركـــي. أمــــا الـــشـــركـــات الــكــنــديــة، فــهــي مـشـتـبـكـة بـــقـــوة مع المـنـظـومـة المـالـيـة الأمـيـركـيـة. لـكـن فــي الــوقــت عـيـنـه، فـــإن فكرة «كندا الموازنة»، تتقاطع مع الكثير من الصعوبات، على الأقل في المديين الزمني القريب والمتوسط. لـكـي تنطلق كـنـدا بـقـوة محلقة فــي سـمـاء الاستقلالية المـطـلـقـة، تـحـتـاج إلـــى اسـتـقـال نـقـدي حـقـيـقـي، وإلـــى سياسة صناعية وزراعية منفتحة بقوة على بقية قـارات العالم، كما يعوزها تنويع عميق للأسواق، ما يتيح لها قدرة على تحمل الـعـقـوبـات أو الــوقــوف فـي وجــه الـضـغـوطـات الأمـيـركـيـة، حال رغب في ذلك سيد البيت الأبيض. والــشــاهــد أنـــه إذا خلينا الـقـضـايـا الاقــتــصــاديــة جـانـبـا، وركزنا على المشهد الأمني، فإن كندا تعتمد بشكل كامل حتى الساعة على منظومة «نــــوراد»، وهـي شبكة أميركية للإنذار المـبـكـر، تـشـمـل رادارات وأقـــمـــارا اصـطـنـاعـيـة، ومـــراكـــز قــيــادة، ومنظومة تحكم، وتكاملا قويا مع الدفاع الجوي الأميركي. مليون 9.9 تــبــدو ســـمـــاوات كــنــدا المــمــتــدة عـلـى مـسـاحـة كيلومتر مربع من دون هذه المنظومة الأميركية الدفاعية، خلوا مـن أي حماية لمنطقة القطب الـشـمـالـي، ونهبا لأي صـواريـخ إلى 15 باليستية تنطلق من شـرق آسيا، وتحتاج أوتــاوا من سنة، ومـئـات مليارات الــــدولارات وشـراكـات أممية صعبة 25 الوجود، لتعويض المظلة الأمنية الأميركية. لمــاذا مضى كـارنـي فـي دافـــوس، ومـن قبل فـي بكين، على هذا النحو؟ غــالــب الــظــن أن هــنــاك رؤيــــة كـنـديـة حـقـيـقـيـة، لا تسعى للتلاعب أو العزف على المتناقضات، لكن لبلورة عالم متعدد الأقــطــاب، قـائـم على الحياد الإيـجـابـي الـفـاعـل، وكـنـوع مـن رد الفعل المقبول والمعقول، على نهج ترمب العدائي جهة كندا. كندا ليست دولة مفلسة، وهذا ما تدركه واشنطن جيداً، ولديها الكثير مـن الاحتياطيات، لا سيما فـي قطاع الطاقة، والتكنولوجيا والموارد الحرجة المطلوبة أميركيا وعالمياً، كما فـي المـائـة جـمـارك على بضائعها، أمر 100 أن عقابها بفرض سيتسبب في ضرر بالغ للأسواق والمستهلكين الأميركيين. من هنا يبدو الخيار الأكثر عقلانية لكارني هو تنويع مــحــســوب دون قــطــيــعــة، ومــــوازنــــة نــاعــمــة مـــن دون مـواجـهـة مــبــاشــرة، أي الـلـعـب داخــــل المـنـظـومـة الأمــيــركــيــة، مــع توسيع الهامش لا كسر القواعد. مـن لـم يـقـرأ إعــان وفــاة «الـنـظـام» الـعـالمـي، المـــوروث ممَّا عــامــا، في 80 خلفته الــحــرب الـعـالمـيـة الـثـانـيـة عــن عـمـر نـاهـز مقالي السابق فليطلع على النَّعي الصَّادر للنظام الراحل في ». وكـــان مـن أبـــرز الـنـعـاة مـــارك كــارنــي، رئيس 2026 «دافــــوس وزراء كـــنـــدا، الــــذي حـشـد خـبـرتـه كــاقــتــصــادي حــــاذق لحصر مكتسبات بلده من النظام الراحل كإحدى البلدان المتقدمة. فقد نعمت هذه البلدان بما يُطلق عليه «النظام الدولي المبني على قواعد»، فشاركت في مؤسساته المتعددة الأطراف وساندت مبادئها وتمتعت بما وفرته من حماية لمصالحها السياسية والاقتصادية. لم يمنع ذلـك كارني من الإقــرار بأن قصة النظام المنقضي، التي وصفها بالجميلة، كانت معيبة جزئياً. فالأقوياء استطاعوا استثناء أنفسهم من القواعد كلما رأوا ذلك أكثر راحة لهم. كما أن القواعد كانت تطبق بانتقائية، على خلفية من هو الجاني ومن الضحية. عـلـى الـــرغـــم مـــن إدراك مـثـالـب الــنــظــام، إذا صـــح وصـفـه بالنظام أصلاً، فقد كان له قبول على علّته، ومن أهمها الهيمنة الأمـيـركـيـة، فيما يشبه الصفقة المـانـعـة لـلـوقـوع فـي «لحظة» مـن لحظات كيندلبرغر. وهــي تنسب للاقتصادي الأميركي تشارلز كيندلبرغر، أحد مهندسي «مشروع مارشال» الشهير لإعـــادة إعـمـار أوروبـــا بعد الـحـرب العالمية الثانية؛ إذ أكـد أن الانــتــعــاش المــرجــو لـاقـتـصـاد الـعـالمـي يتطلب قــيــادة تضمن استقرارا أمنياً. وبالتالي، فلحظة كيندلبرغر هي تلك التي تفشل فيها الـقـوة المهيمنة فـي توفير المنافع العامة للنظام الـــدولـــي كــالأمــن المـشـتـرك وفـــض المــنــازعــات، وتــأمــن مـسـارات الــتــجــارة، وتحقيق الاســتــقــرار المــالــي، والـتـعـامـل مــع أزمــاتــه. فهذه الصفقة كانت لها مزاياها الموصوفة، ولكنها تعطلت مع تمزق أوصـال النظام. فحلَّت بالعالم صدمات ومربكات منذ الأزمـــة المالية العالمية، وبعدها الجائحة، وتــزايــدت المخاطر الجيوسياسية، وتدهور المناخ، وعـادت الحمائية التجارية، وتعقدت سبل الاستثمارات وتسوية المعاملات النقدية بعد تسييسها وتسليحها. فــــإذا كـــان ســقــوط الـنـظـام الـقـديـم مـمـا يُــرثــى لــه فــي نظر كبار منتفعيه مثل كندا، فالمستضعفون سيعتبرونه مما لا يُــرثـى لـه بـحـال. وكيف لهم رثـــاؤه ومستويات معيشتهم في تدن واقتصاداتهم في تباعد عن قاطفي ثمار النظام الدانية والبعيدة معاً. ولتطلع على ما ينبئك به تقرير البنك الدولي عـــن الآفـــــاق الاقــتــصــاديــة الــعــالمــيــة؛ فـــــالأداء لا يـسـانـد تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي ستصل خط نهايتها مع حلول ، تراجعت متوسطات معدلات النمو 2020 . فمنذ عام 2030 عام بما لا يسمح بتخفيض مستويات الـفـقـر، أو زيـــادة الفرص للباحثين عن عمل. ومعدلات النمو المتدنية الحالية، لن تفلح في تخفيض الفقر، على عكس ما حدث من انتشال لما يقترب من مليار إنسان من هوة الفقر المدقع في مرحلة النمو المرتفع. ويـنـسـب الـبـنـك الـــدولـــي أكــثــر مــن نـصـف مــعــدلات النمو ،2019 المتحققة في متوسطات الدخول منذ الجائحة في عام فــي المـــائـــة، إلـــى أداء الــــدول الأغـنـى. 10 والــتــي تبلغ زيــادتــهــا سيكون متوسط دخــل الـفـرد فـي البلدان 2026 وبنهاية عــام فـي المـائـة فقط من 12 دولار، بما يـعـادل 6500 النامية نحو متوسط الدخل في البلدان الأعلى دخلاً، بينما متوسط دخل دولار، لن يتجاوز 700 الفرد في البلدان الأقل دخلاً، الذي يبلغ في المائة من متوسطات الدخل في البلدان المتقدمة. 1 لا شك أنه قد دار بخاطر المستمعين إلى حديث كارني من قادة عالم الجنوب كلمات ترددها بعض الأغاني العربية من نوع «أخيرا قالها»، أو «فات الميعاد». أخيرا قالها إذن، ليس أي شاهد من البلدان الغنية، بل ممثل كندا أحد الفاعلين في الممثلة للبلدان 77 مجموعة السبع الكبرى، وليس مجموعة الـ النامية، بأن النظام المنقضي سقط لأنه افتقد العدالة وكفاءة؛ وهي من الشكاوى القديمة للدول الأفقر. فلطالما اشتكت بلدان الجنوب، ولعشرات السنين، من افتقاد التوازن في المعاملات وخطورة الكيل بمكيالين، فجاءتها الـردود من سدنة النظام المنصرم بتعدد في المكاييل والمزيد من تعقيدها. لقد عجَّل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنهاية نظام، بـدأ في السقوط، في تقديري، بعد الأزمــة المالية العالمية في وتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية 2008 عام لمـا يقترب مـن عقدين. فلم يؤسس ترمب لحمائية قديمة أو جديدة. ولكن أساليب المربكات الترمبية تجعل أميركا اليوم أكثر وضوحاً، فرئيسها يُظهر ما كان يبطنه آخرون؛ فلتتابع حالة فنزويلا وأن الغرض منها هو النفط وليس الديمقراطية أو بـنـاء الأمــــم، أو شـــعـــارات غـيـرهـا غلفت بـهـا كــــوارث تـدخّــل وعـــدوان سابقة. كما هو يُظهر بأسلوب الصفقات أكثر مما يـبـطـن فــي أحــــوال كـثــيــرة، ولـتـتـابـع حــالــة غـريـنـانـد، فـهـو لم يحتلها ولم يغرم غرماءه الأوروبيين المعادين لمنهجه بشأنها بتعريفة عقابية، ولكن صار له ما أراد من سيطرة. مـع سـقـوط «الـنـظـام» الــدولــي تـلـوح فــرص كـبـرى للقوى الــصــاعــدة ولــيــس الـوسـطـى فــقــط، عـلـى الـنـحـو الــــذي ناقشته في مقال بعنوان «فن الممكن وفرص القوى الصاعدة» نشرته هــذه الصحيفة الـغـراء فـي شهر مــارس (آذار) المـاضـي. وهـذه الفرص تكمن في التجمعات الإقليمية الجديدة على طريقة تجمع «آسيان»، بأن تستشعر دول الجوار أنه لا قيام لها إلا معا كجمع متسق، يلتزم بمعايير منضبطة، لا استثناءات فيها، للعدالة والأمـن وتيسير المعاملات وتسوية المنازعات، ويتحرك كجسد واحــد فـي تـعـاون دولــي متكافئ الـفـرص مع الجديرين به من خارج التجمع. كما تكمن هذه الفرص بإتقان فن الممكن لتوطيد الأركان لدولة قوية بسياسات مرنة. كما لن يستقيم شأن هذا التجمع إلا بتوطين التنمية من أجل عموم الناس. فمن هنا نبدأ في عالم شديد التغير. أمــــــور كـــثـــيـــرة تـــغـــيّـــرت فــــي إيـــــــران عـبـر تـــاريـــخـــهـــا الـــحـــديـــث، لـــكـــن شــيــئــا واحـــــــدا لـم يتغيّر: إنّــه الوعي والنزوع الامبراطوريّان. إذ جُعل «إيران» 1935 فاسم البلاد تغيّر في 1979 بـعـدمـا كـــان «فــــــارس»، ثـــم أصــبــح فـــي «جــمــهــوريّــة إســـامـــيّـــة». وعــلــى امـــتـــداد تلك الــــســــنــــوات كــــانــــت مــــقــــاديــــر الآيـــديـــولـــوجـــيـــا الـــرســـمـــيّـــة تــتــغــيّــر بـــــدورهـــــا، مـــــــرّة لمـصـلـحـة الجرعة القوميّة على حساب جرعة الدين، خصوصا كما في عهد البهلوي رضـا خان ،1921 الذي أطاح القاجاريّين في انقلابه عام ومــرّة لمصلحة الجرعة الدينيّة على حساب القوميّة، كما مع الثورة الخمينيّة خصوصاً. بيد أن الـنـزوع الإمـبـراطـوري لـم يتعب، كما لم يتعب استخدامه للدين وللقوميّة سواء بسواء. فـفـي الـخـلـفـيّــة أن الــصــفــويّــن، مـنـذ أن ، ادّعــــوا الـتـحـدّر من 1501 شـيّــعـوا إيـــران فـي الأئــــمــــة. بـــيـــد أن الـــقـــاجـــاريّـــن مــــا لـــبـــثـــوا أن اعـتـبـروا أنفسهم حُــمـاة المـذهـب واستثمروا شـــعـــورا شــعــبــيّــا واســـعـــا مـــفـــاده أن انــهــيــار الحكم الصفوي مهّد لنكبة أنزلها بهم حكّام أفغانستان، وأن هـؤلاء الأخيرين لم يكتفوا باضطهاد الشعب والأمّة، بل اعتبروا مذهب بلاد فارس الديني أدنى من مذاهبهم هم. وفــــــي الـــــقـــــرن الــــتــــاســــع عــــشــــر، جُـــرحـــت الـكـرامـة الإيـرانـيّــة مـن جـــرّاء امـتـيـازات ماليّة وتـجـاريّــة أعطيت لـأجـانـب، لـكـن أيـضـا من جـــــرّاء الـــهـــزائـــم أمــــام الــــــروس. هــكــذا خـرجـت أرمينيا وأذربيجان وأراض أخرى من عباءة إيـــــــران، فــيــمــا صـــلّـــب الأفــــغــــان، إلــــى الـــشـــرق، سلطتهم المستفزّة على مدينة حيرات. وكان ما أسقط سلطة القاجاريّين أنّها لم تعد تليق بالنزوع الإمبراطوريّ. ذاك أنّها تتعايش مع تفتّت داخلي جعل زعماء المناطق والأقاليم يفوقونها قـوّة، كما تتعايش مع تقسيمها، ، إلــــــى مــنــطــقــتــي نــــفــــوذ روســــيّــــة 1907 فـــــي وبريطانيّة. لكن قبل أحد عشر عاماً، أي في ، شهد البلد حدثا هائل الضخامة هو 1896 اغـتـيـال الــشــاه الــقــاجــاري نـاصـر الــديــن. أمّــا منفّذ الاغتيال فكان واحدا من تلامذة جمال الـديـن الأفـغـانـي، صـاحـب نـظـريّــة «الجامعة الإســــــامــــــيّــــــة»، وهـــــــو مـــــا يــــوحــــي أن وعـــيـــا إمبراطوريّا اغتال وعيا إمبراطوريّا آخر. لكن الأبّهة الإمبراطوريّة المعزّزة بعوائد النفط، والمندفعة بعُظام الشاه محمّد رضا بـهـلـوي، ضـربـت ضربتها الأكــبــر حـتّــى ذاك الحين. فأوّلاً، ظهر طموح نوويّ، لبَّتْه شركة «سيمنس» الألمانيّة الغربيّة، مرفق بمشروع سخي للتسلّح وبـنـاء جيش جـــرّار. وثانياً، ، إمـبـراطـورا 1967 نـصّــب الــشــاه نـفـسـه، عـــام ونصّب زوجته فرح ديبا إمبراطورة. وثالثاً، كما بلغت 1971 أقيمت احتفالات باذخة في كلفتها مـئـات مـايـن الــــــدولارات، وذلـــك في مـــديـــنـــة بــيــرســيــبــولــيــس المَـــلـــكـــيّـــة الــقــديــمــة. سنة على 2500 وفـي هـذا التكريم لانقضاء تـأسـيـس إمــبــراطــوريّــة فــــارس، شـهـد الـعـالـم أكـــبـــر احـــتـــفـــال يــشــهــده حـــتّـــى ذاك الـــتـــاريـــخ، إذ دعــــا الـــشـــاه بــعــض حـــكّـــام المـــعـــمـــورة إلــى قلب الـصـحـراء حيث أطـلـق العنان لتباهيه ،1971 الطاووسيّ. أمّا رابعاً، فتم السطو، في على ثــاث جــزر عربيّة فـي الخليج، ثــم كان التدخّل لقمع انتفاضة، مدعومة من اليمن الجنوبي يومذاك، في ظفار بسلطنة عُمان. هــكــذا ظـهـر بـــن الـبـاحـثـن يـــومـــذاك مـــن سـك )sub imperialism( » تعبير «إمبرياليّة فرعيّة وصفا لإيران الشاهنشاهيّة. لــــكــــن الــــنــــظــــام الـــخـــمـــيـــنـــيّ، وكــــمــــا هـو مــــــعــــــروف جـــــــيّـــــــداً، ذهــــــــب بــــعــــيــــدا فــــــي تــلــك الــتــوجّــهــات الـشـاهـنـشـاهـيّــة كــلّــهــا، مضيفا إليها تطوير نـظـريّــة فـي «تـصـديـر الـثـورة» وإنـشـاء الميليشيات المسلّحة والاسـتـحـواذ عــلــى صــنــاعــة الــــقــــرار فـــي عــــدد مـــن الــبــلــدان العربيّة. وهــــــذه الاســــتــــمــــراريّــــة الإمــــبــــراطــــوريّــــة، العابرة للحقب والأنظمة وإن شابَها تقطّع وتـــضـــارب، هــي مــا يمكن أن نـــراه فــي بـلـدان أخـــرى ضـالـعـة فــي الإمـــبـــراطـــوريّـــات كتركيّا وروســـيـــا. فـمـع ســاطــن بـنـي عــثــمــان، ومـع كـمـال أتـــاتـــورك وعلمانيّيه وعـسـكـريّــيـه، ثـم مـع إسـامـيّــي رجــب طـيّــب إردوغـــــان، وكذلك مــع الـقـيـاصـرة الــــروس، ومـــع لينين وورثـتـه الشيوعيّين، ثم مع فلاديمير بوتين، يُلمس الــــنــــزوع الإمــــبــــراطــــوري الـــــذي يــجــد ذرائـــعـــه إمّــــــا فــــي ضـــــــــرورات اســـتـــراتـــيـــجـــيّـــة وأمـــنـــيّـــة تستدعيها مصالح الوطن، أو في نشر فكرة توصف بالصواب والتحرّر يستدعيها تقدّم البشريّة، أو في الأمرين معاً. لكن الوعي الإمبراطوري ينطوي دائما على حساسيّة متناقضة يمكن أن نسمّيها حـــســـاســـيّـــة الـــجـــســـد الـــضـــخـــم. فــالــضــخــامــة تخلق، من جهة، شعورا بالاستحقاق لكنّها، من جهة ثانية، تنبّه إلى أن تلبية الاستحقاق تتطلّب ما يفوق ضخامة الجسد، لا سيّما إذا بات الجسد هذا مصابا بالترهّل. وثــمّــة شـــيء آخـــر متناقض يــتــأدّى عن حــســاســيّــة الــجــســد الإمــــبــــراطــــوري الـضـخـم. فــــهــــو، مـــــن جــــهــــة، يــــحــــض الـــخـــاضـــعـــن لـــه، المغلوبين على أمـرهـم، لا سيّما في المناطق الــبــعــيــدة عـــن المـــركـــز، عــلــى الـــتـــعـــاون مـــع أي غـريـب ينتهك ذاك الـجـسـد. وهـــذا مـا رأيـنـاه بأوضح أشكاله إبّان الحرب العالميّة الثانية في تعاون الأطـراف السوفياتيّة الكثيرة مع النازيّين الألمان. وهو، من جهة أخرى، يفجّر كرامة ونرجسيّة مجروحتين تستيقظان في المــركــز وفـــي الـنـواحـي المــتــأثّــرة بــه وتجعلان الدفاع عن الوطن، كائنا ما كان نظامه، أشبه بالدفاع عن الـــروح. أمّــا البُعد الأوّل فيغري الـطـرف الأجـنـبـي بالتدخّل، أو بالمزيد منه، وأمّا البُعد الثاني فيردع عن التدخّل ويتذكّر ويــذكّــر بما فعلته حــرب صـــدّام حسين على إيـــران حـن عـــزّزت النظام الخميني وأهدته عـمـرا جــديــدا ومـــديـــداً. ومــــذّاك اخـتـلـط حابل المنطقة بنابلها ولا يزال مختلطاً. OPINION الرأي 12 Issue 17228 - العدد Wednesday - 2026/1/28 الأربعاء هذا العالم... «مرة أخرى» أوتاوا ــ واشنطن... توسيع الهامش لا كسر القواعد إيران وبعض أسئلة النزوع الإمبراطوري وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة محمود محيي الدين إميل أمين

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky