11 تحقيق FEATURES Issue 17228 - العدد Wednesday - 2026/1/28 الأربعاء ASHARQ AL-AWSAT «آيس»... مواجهة مفتوحة بين «دولة ترمب» والمجتمع الأميركي ، فـــي سـيـاق 2003 تـأسـسـت «أيـــــس» عـــام إعـــــــــــادة هـــيـــكـــلـــة شــــامــــلــــة لــــأجــــهــــزة الأمـــنـــيـــة سبتمبر (أيلول)، 11 الأميركية عقب هجمات حـن ســـادت داخـــل واشـنـطـن قناعة بــأن تفكك الــصــاحــيــات بـــن أجـــهـــزة الــهــجــرة والــجــمــارك يخلق ثـغـرات أمنية خطيرة. قبل ذلـــك، كانت مــــهــــام الــــهــــجــــرة مــــوزعــــة بــــن دائــــــــرة الـــهـــجـــرة والتجنيس والجمارك الأميركية، في نموذج عُــد بيروقراطيا وغـيـر قــادر على التعامل مع الـــتـــهـــديـــدات الـــجـــديـــدة، فـــجـــاء قـــــرار دمــــج هــذه الصلاحيات في وكالة واحــدة، أُلحقت بـوزارة الأمــن الداخلي المستحدثة، لتعكس عقلية ما بـعـد الـهـجـمـات، حـيـث بـاتـت الـهـجـرة تُــقــرأ من زاويــــة الأمـــن الـقـومـي بـقـدر مــا تُــقــرأ مــن زاويـــة القانون. ومنذ لحظة تأسيسها، حملت «آيس» في بنيتها الداخلية توترا بنيوياً: هل هي جهاز مـدنـي لإدارة مـلـف قـانـونـي وإنـسـانـي معقّد؟ أم أداة أمنية هدفها حماية الدولة من أخطار محتملة؟ هـذا السؤال لم يكن نظريا فقط، بل انعكس في ثقافة الوكالة، وفي طريقة تدريب عـــنـــاصـــرهـــا، وفـــــي أســــلــــوب عــمــلــهــا المـــيـــدانـــي، خصوصا مع توسع صلاحياتها التدريجي. وتـعـمـل «آيــــس» عـبـر ذراعــــن رئيسيتين مختلفتين جــذريــا فــي طبيعة المـــهـــام. الــــذراع الأولــى هي إدارة الإنفاذ والترحيل، المسؤولة عـــــن تـــوقـــيـــف المــــهــــاجــــريــــن غـــيـــر الـــنـــظـــامـــيـــن، واحتجازهم، وتنفيذ قـــرارات الترحيل. وهي الذراع الأكثر احتكاكا بالجمهور، والأكثر إثارة لـلـجـدل، لأنـهـا تعمل داخـــل الأحـــيـــاء السكنية وأماكن العمل وحول المحاكم والمدارس. أما الـذراع الثانية فهي إدارة التحقيقات فــــي الأمــــــن الــــداخــــلــــي؛ وهـــــي جـــهـــاز تـحـقـيـقـي يتعامل مع ملفات تهريب البشر والمـخـدرات، والـــــجـــــرائـــــم المــــالــــيــــة، والإرهــــــــــــــاب، والــــجــــرائــــم السيبرانية، وغالبا ما تحظى بتقدير حتى من منتقدي الوكالة. غـيـر أن الـــــرأي الـــعـــام لا يـمـيـز كـثـيـرا بين هاتين الوظيفتين؛ فالصورة الذهنية لـ«آيس» تـــشـــكـــلـــت أســـــاســـــا مـــــن مــــشــــاهــــد المـــــداهـــــمـــــات، والاعـــتـــقـــالات المــفــاجــئــة، والــعــنــاصــر المسلحة بملابس تكتيكية، وهي صور ارتبطت حصرا تــقــريــبــا بــــــــإدارة الإنــــفــــاذ والـــتـــرحـــيـــل. ويـــقـــول مـسـؤول أمـنـي أمـيـركـي سـابـق عمل فـي وزارة الأمــن الـداخـلـي، إن المشكلة ليست فـي طبيعة الـتـحـقـيـقـات الــتــي تــقــوم بـهـا الـــوكـــالـــة؛ بـــل في الطريقة التي تُنفذ بها عمليات الترحيل داخل بيئات مدنية حساسة، حيث يكون أي خطأ أو سوء تقدير قابلا للتحول إلى أزمة سياسية. مـــنـــذ تـــأســـيـــســـهـــا، عــمــلــت «آيــــــــس» تـحـت إدارات ديمقراطية وجمهورية على حد سواء، لـكـن حـجـم دورهــــا وطبيعة تفويضها تغيّرا بــشــكــل واضـــــح تــبــعــا لــلــتــوجــه الــســيــاســي في البيت الأبيض. في عهد الرئيس باراك أوباما، حـاولـت الإدارة نظريا فــرض أولــويــات لإنفاذ قوانين الهجرة، تركز على ترحيل من يشكلون خطرا أمنيا أو جنائياً. غير أن هذه السياسة لم تمنع تسجيل أرقام ترحيل مرتفعة، ما دفع ناشطين إلى اتهام أوباما بأنه «رحّل أكثر من أي رئيس آخر»، رغم خطابه الأكثر تصالحية. توسيع الصلاحيات الــتــحــول الـــجـــذري جــــاء مـــع إدارة تـرمـب الأولــــى، حــن أُلــغــي معظم الـقـيـود، وتوسعت صــــاحــــيــــات «آيـــــــــس» عـــمـــلـــيـــا لـــتـــشـــمـــل جـمـيـع المـهـاجـريـن غير النظاميين، بغض النظر عن سجلاتهم أو ظروفهم. ومـع عــودة ترمب إلى الـحـكـم فــي ولايــتــه الـثـانـيـة، مـدعـومـا بخطاب ســيــاســي يـــربـــط الــهــجــرة بــالــجــريــمــة، ويـمـنـح الــــوكــــالــــة غــــطــــاء ســيــاســيــا واســـــعـــــا، عـــــاد هـــذا الـــنـــهـــج بــــقــــوة أكــــبــــر، خـــصـــوصـــا مــــع تــوســيــع نشاطها داخــل الـولايـات غير الـحـدوديـة؛ مثل مـيـنـيـسـوتـا، وإلـــيـــنـــوي، ونـــيـــويـــورك، وتـعـزيـز تـــعـــاونـــهـــا مــــع الـــشـــرطـــة المـــحـــلـــيـــة، مــــا جـعـلـهـا حـــاضـــرة فـــي مــــدن لـــم تــكــن مــعــتــادة عــلــى هــذا النوع من العمليات الفيدرالية المكثفة. وهو ما فُسّر من قبل منتقدي الوكالة بوصفه تصعيدا فــــي تـــوظـــيـــف الــــقــــوة الــتــنــفــيــذيــة، وعــــجــــزا فـي التفريق بين إنفاذ القانون وتنفيذ سياسات الهجرة بطرق متشددة. وفـي أحـد خطاباته، قال ترمب إن الدولة لا يمكن أن تكون دولة بلا حـدود، ولا يمكن للقانون أن يكون قانونا إذا لـم يُــنـفـذ، وهــي عــبــارات تحولت إلــى مرجعية سياسية لعمل «آيس». كما هدّد ترمب باستعمال قانون التمرد ، حين 1992 الـــذي لـم يتم استخدامه منذ عــام استعمله الرئيس الأسبق جورج بوش الأب في لوس أنجليس، بعد مقتل الأميركي من أصول أفــريــقــيــة رودنــــــي كــيــنــغ، عــلــى أيـــــدي عـنـاصـر مــن الـشـرطـة. ويـعـطـي هـــذا الـقـانـون الحكومة الـــفـــيـــدرالـــيـــة صـــاحـــيـــات تــتــخــطــى الــســلــطــات المحلية، ويُمكّن الرئيس من نشر قوات مسلحة في الولاية، كما ينقل سلطة التحكم بالحرس الوطني فيها من الحاكم إلى البيت الأبيض. الموارد البشرية ومشكلة «المتعاقدين» ألف 20 يبلغ عـدد موظفي الوكالة نحو موظف، موزعين بين ضباط تنفيذ، ومحققين فـيـدرالـيـن، ومحللي اســتــخــبــارات، وموظفي احـــتـــجـــاز، وكــــــوادر إداريـــــــة. ويـــأتـــي هــــؤلاء من خـــلـــفـــيـــات مـــتـــنـــوعـــة تــشــمــل الـــشـــرطـــة المـحـلـيـة والــــولائــــيــــة، والـــجـــيـــش الأمـــيـــركـــي، خـصـوصـا قــدامــى المــحــاربــن، ووكــــالات فـيـدرالـيـة أخـــرى، إضافة إلى خريجي جامعات في تخصصات الــقـانــون والأمــــن. ويتلقى المـنـتـسـبـون تدريبا فيدراليا متخصصا يركز على قوانين الهجرة، والإجـــــــــــراءات الــجــنــائــيــة، واســــتــــخــــدام الـــقـــوة، والــســامــة المــيــدانــيــة، لـكـنـه يـبـقـى أقــصــر وأقــل شمولا من التدريب العسكري، ما فتح الباب أمام انتقادات تتعلق بجاهزية بعض العناصر للعمل داخل مجتمعات مدنية متوترة. أحـــــد أكـــثـــر المـــلـــفـــات حــســاســيــة فــــي عـمـل «آيــــــس» يـتـمـثـل فـــي اعـــتـــمـــادهـــا الــــواســــع على متعاقدين مــن الـقـطـاع الــخــاص، لا سيما في تشغيل مــراكــز الاحــتــجــاز ونــقــل المـحـتـجـزيـن. هـــــــؤلاء المــــتــــعــــاقــــدون لا يـــتـــمـــتـــعـــون بــالــصــفــة نفسها لـلـمـوظـف الــفــيــدرالــي، ولا يخضعون دائما للمعايير الصارمة ذاتها في التوظيف والمساءلة. ووثقت تقارير حقوقية وإعلامية خـال السنوات الماضية، حـالات سـوء معاملة وإهــمــال طـبـي واســتــخــدام مـفـرط لـلـقـوة داخــل مـــــراكـــــز احــــتــــجــــاز تــــديــــرهــــا شـــــركـــــات خـــاصـــة. ويــــــــرى مــــنــــتــــقــــدون أن خـــصـــخـــصـــة جـــــــزء مــن منظومة الاحـتـجـاز خلقت حـوافـز مالية غير مــبــاشــرة لـتـوسـيـع عـمـلـيـات الــتــوقــيــف، حيث تُحتسب قيمة بعض العقود على أساس عدد المحتجزين. ولا يوجد داخــل «آيـــس» برنامج رسمي يـمـنـح المـهـاجـريـن غـيـر الـنـظـامـيـن الإقـــامـــة أو الجنسية مقابل العمل مـع الـوكـالـة، كما هي الحال في الجيش الأميركي. لكن عملياً، تعتمد الوكالة على مخبرين وشـهـود متعاونين في قـضـايـا تـهـريـب الـبـشـر أو الـجـريـمـة المـنـظـمـة، وقـــــد يــحــصــل بـــعـــض هــــــؤلاء عـــلـــى تـسـهـيـات قـــانـــونـــيـــة مـــثـــل تــــأشــــيــــرات خــــاصــــة لــضــحــايــا الـجـرائـم أو الاتــجــار بالبشر. ويـــرى محامون أن هذه المساحة الرمادية تثير أسئلة أخلاقية جدية، خصوصا عندما يكون الشخص مهددا بالترحيل، ويُطلب منه التعاون تحت ضغط الخوف. مينيسوتا: مواجهات مفتوحة بلغ الجدل حـول «آيــس» ذروتــه في ولاية ،2025 مينيسوتا، التي شهدت منذ أواخر عام انتشارا واسعا لعناصر الوكالة ضمن ما عُرف بــ«عـمـلـيـة زيـــــادة سـعـة المـــتـــرو»، الــتــي وُصـفـت بـأنـهـا أكــبــر عـمـلـيـة إنـــفـــاذ لـلـهـجـرة فـــي تـاريـخ الـــولايـــة، وتـــركـــزت فــي مـديـنـتـي مينيابوليس وســانــت بـــول، حـيـث تعيش جـالـيـة صومالية كبيرة. السلطات الفيدرالية أعلنت أن العملية اســتــهــدفــت «مـــجـــرمـــن خـــطـــريـــن» و«مــخــالــفــن للقانون»، وأنها أسفرت عن آلاف الاعتقالات، مـؤكـدة أنـهـا تعيد فــرض سـيـادة الـقـانـون بعد سنوات من تراخي الإدارات المحلية. كما أعلنت أنها ستستأنف التقييدات القضائية المفروضة على تعاملها مع المتظاهرين، معتبرة أن مثل هذه القواعد قد تعيق تنفيذ مهامها الأمنية. لــكــن مـــا جــــرى عــلــى الأرض رســــم صـــورة مختلفة فـي نظر كثيرين؛ ففي يناير (كانون ، قُتلت رينيه نيكول غـود، وهي 2026 ) الثاني عـامـا، خــال عملية 37 مـواطـنـة أميركية تبلغ نفذها عناصر مـن «آيـــس» فـي مينيابوليس. وتضاربت الـروايـات حـول ملابسات الحادثة، لكن حقيقة واحدة بقيت ثابتة: الضحية ليست مـهـاجـرة غـيـر نـظـامـيـة؛ بــل مـواطـنـة أمـيـركـيـة، وهـو مـا أدى إلـى تفجر موجة غضب واسعة، تـحـولـت إلـــى شــــرارة أشـعـلـت احـتـجـاجـات غير مسبوقة في الولاية. وفـــي أحـــد الـــتـــطـــورات المــلــحــوظــة، أعلنت الشرطة المحلية أن احتجاجين توقفا بعد أن قام متظاهرون بإعاقة قداس في كنيسة بولاية مينيسوتا احتجاجا على أن أحـد القساوسة يعمل مع «أيـس»، ما أثار تحقيق وزارة العدل حول ما إذا كانت تلك الاعتراضات قد انتهكت قوانين خاصة بالأماكن الدينية، أم لا. المجتمع ساحة اشتباك عـمـدة مينيابوليس جـاكـوب فـــري، الـذي وصف الحملة بأنها «تهدد قدرة شرطة الولاية عـلـى حـمـايـة الـــســـكـــان»، وجـعـلـت مـــن المجتمع «سـاحـة اشـتـبـاك» بـن قـــوات فيدرالية وسكان مدنيين، قال حينها إن ما حدث ليس الطريقة التي ينبغي أن تُنفذ بها القوانين في مدينته، داعيا إلى تحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين. وســـــرعـــــان مــــا اتـــســـعـــت رقـــعـــة الاحـــتـــجـــاجـــات، لـتـشـمـل مــســيــرات واعــتــصــامــات ودعـــــوات إلـى عصيان مدني اقتصادي، فيما رفعت سلطات مــحــلــيــة دعــــــــاوى قـــضـــائـــيـــة ضــــد وزارة الأمــــن الداخلي، متهمة «آيـس» بتجاوز صلاحياتها وانـتـهـاك الحقوق الـدسـتـوريـة، لا سيما حرية التجمع والحماية من الاعتقال غير المبرر. بيد أن الأحداث لم تتوقف عند وفاة غود؛ فقد تسببت التحركات الميدانية لـــ«آيــس» في يناير الحالي، 14 سلسلة مـن المـواجـهـات. فـي أُبلغ عن إطلاق نار على رجل من أصل فنزويلي فـــي ســاقــه بــواســطــة عـنـصـر مـــن «آيـــــس» أثـنـاء محاولة توقيفه، ما أثار احتجاجات جديدة في شمال مينيابوليس. كما تم تداول فيديوهات على وسائل التواصل أظهرت رجلا أميركيا في ملابسه الداخلية في طقس شتوي قارس بعد اقتحام منزله دون أمــر قضائي واضـــح، وهو مــا أثـــار غضبا واســعــا حـــول أسـالـيـب التنفيذ نفسها. كما أفـادت تقارير محامين بأن بعض الأشـــــخـــــاص المــعــتــقــلــن حــــرمــــوا مــــن الاتـــصـــال بمحامين، أو الحصول على حقوقهم القانونية الأساسية. وبـلـغـت «الـكـومـيـديـا الـــســـوداء» حــد نشر فـــيـــديـــوهـــات وصــــــور عـــلـــى وســــائــــل الـــتـــواصـــل الاجتماعي، تظهر عرض جواز السفر مع العلم الأميركي وبطاقة الضمان الاجتماعي وقبعة «مــاغــا» الـحـمـراء (لنجعل أمـيـركـا عظيمة مرة أخـــرى) على لوحة القيادة الأمامية للسيارة، لتجنب الاعتقال العشوائي. مأزق «المدينة الملاذ» دخـــــل الـــقـــضـــاء الـــفـــيـــدرالـــي عـــلـــى الـــخـــط، وأصـــــــــدر قــــــــاض أمــــــــرا يـــقـــيـــد تـــعـــامـــل عــنــاصــر الهجرة مـع المتظاهرين السلميين، معتبرا أن بــعــض المـــمـــارســـات تـخـتـبـر حـــــدود الـتـعـديـلـن الأول والــرابــع فـي الـدسـتـور الأمـيـركـي. الإدارة الفيدرالية ردت بالقول إن هــذه القيود تعيق إنفاذ القانون، وأعلنت نيتها استئناف القرار، في مواجهة قانونية عكست حجم التوتر بين السلطتين التنفيذية والقضائية. يطرح هذا التصعيد سؤالا جوهريا حول حدود السلطة الفيدرالية داخل الولايات؛ ففيما يُعرف بـ«المدن المـاذ»، ترفض الشرطة المحلية التعاون مع «آيـس» لمنع تحويل ضباطها إلى أدوات لتنفيذ قوانين الهجرة، ما يثير غضب الإدارة الفيدرالية التي ترى في ذلك تمردا على الـقـانـون. وفــي دلالـــة على تصاعد الـتـوتـر بين سلطات الولايات والإدارة الفيدرالية، أصدرت الديمقراطية أبيغيل سبانبرغر، حاكمة ولاية فيرجينيا الجديدة، أمـرا تنفيذيا قضى بعدم تـــعـــاون قـــــوات إنـــفـــاذ الـــقـــانـــون فـــي الـــولايـــة مع وكالة «آيـــس»، وذلــك في اليوم الأول لتسلمها من الشهر الحالي. 17 منصبها في الـ ومــن الناحية الـقـانـونـيـة، لا تُــعـد «آيــس» ميليشيا، فهي وكالة فيدرالية تعمل بموجب قوانين أقرها الكونغرس الذي يمتلك صلاحية إعــادة هيكلتها، أو حتى حلها ودمـج مهامها فــي أجــهــزة أخــــرى. وقـــد طُــرحــت بالفعل أفـكـار لـفـصـل ذراع الـتـحـقـيـقـات الـجـنـائـيـة عـــن مـهـام الــــتــــرحــــيــــل، وإخـــــــضـــــــاع عــــمــــلــــيــــات الـــتـــوقـــيـــف لـرقـابـة قضائية أشـــد. لـكـن عملياً، تـبـدو هـذه الـسـيـنـاريـوهـات بـعـيـدة المــنــال فــي ظــل الإدارة الحالية التي جعلت مـن «القبضة الحديدية» في ملف الهجرة ركيزة أساسية لسياساتها، خصوصا مع تصاعد الخطاب الأمني، وتحول الـــهـــجـــرة إلـــــى مـــلـــف انـــتـــخـــابـــي حــــاســــم. ويــــرى منتقدوها أن اتـسـاع صلاحياتها، محدودية الــشــفــافــيــة، والـــطـــابـــع شــبــه الــعــســكــري لبعض عملياتها، جعلها أقرب إلى قوة أمنية داخلية ذات استقلالية مفرطة؛ فعناصر الوكالة غالبا مـــا يـــرتـــدون مــابــس تـكـتـيـكـيـة، ويـسـتـخـدمـون سيارات غير مميزة، وينفذون عمليات سريعة ومـفـاجـئـة ومــداهــمــات «فــجــريــة» داخــــل أحـيـاء سكنية، وهــي سـمـات زادت مـن الـتـوتـر وسـوء التقدير، وأحيانا من احتمالات العنف. ويــــرى بــاحــثــون أن المـشـكـلـة لا تـكـمـن في وجــــود «آيــــس» بـحـد ذاتــــه؛ بــل فــي «تسييس» عملها وربــطــه بـخـطـاب أمـنـي مـتـشـدد، يـحـوّل إنفاذ القانون إلـى أداة صدامية بـدل أن يكون ممارسة مؤسسية خاضعة للرقابة. هل يمكن إصلاح الوكالة؟ تـــتـــراوح الــســيــنــاريــوهــات المــطــروحــة بين توسيع دور الوكالة وترسيخه، أو إخضاعها لإصـــــاحـــــات هــيــكــلــيــة تـــقـــلـــص صـــاحـــيـــاتـــهـــا، أو حـتـى الـــدعـــوة إلـــى تفكيكها أو دمـجـهـا مع أجهزة أخرى. لكن المؤكد أن «آيس» ستظل، في المستقبل المـنـظـور، فـي قلب النقاش الأميركي حـــول الــهــجــرة، والـــســـيـــادة، وحــــدود اسـتـخـدام القوة داخـل المجتمع. إذ لم تعد «آيــس» مجرد قـــصـــة جـــهـــاز أمـــنـــي يــطــبــق الــــقــــانــــون؛ بــــل هـي صـراع على هوية أميركا: هل هي دولـة تُعرف بـــحـــدودهـــا الـــصـــارمـــة وقـبـضـتـهـا الأمـــنـــيـــة؟ أم مـجـتـمـع يـحـمـي الـــحـــريـــات الـــفـــرديـــة بـوصـفـهـا أولـويـة مطلقة؟ مـا جــرى فـي مينيسوتا قـد لا يكون استثناءً، بل قد يكون نموذجا مرشحا للتكرار في ولايــات أخــرى، مع توسع عمليات «آيــس» داخـل المـدن الكبرى. وفـي هـذا السياق، تــتــحــول الـــوكـــالـــة إلــــى مـــــرآة لانـــقـــســـام أمــيــركــا: دولـــة تسعى إلـــى فـــرض الـقـانـون بـاسـم الأمـــن، ومجتمع يخشى أن يـدفـع ثمن هــذا الأمـــن من حرياته وثقته بالمؤسسات. يناير (أ.ف.ب) 25 متظاهرون ضد «آيس» يرفعون شعارات تطالب الكونغرس باستعادة صلاحياته في مينيابوليس بمينيسوتا في منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبـيـض فـي ولايـتـه الـثـانـيـة، لـم تعد الـهـجـرة ملفا إداريـــا خـافـيـا يطفو عـلـى الـسـطـح فــي مــواســم الانـتـخـابـات ثم يــتــراجــع؛ بــل تـحـولـت إلـــى مــحــور صــــدام مـفـتـوح يعكس انـقـسـامـا عميقا داخـــل الــدولــة الأمـيـركـيـة نفسها. وفـي قلب هذا الصدام تقف وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (آيس)، لا بوصفها جهازا تنفيذيا فحسب؛ بل باعتبارها رمزا لنهج سياسي وأمني متشدد، وعنوانا لصراع أوسع حول معنى الأمـن، وحـدود السلطة، وطبيعة العلاقة بين الــدولــة والمـجـتـمـع المــدنــي. وخـــال الأشــهــر المـاضـيـة، بـات اســـم «آيـــــس» حـــاضـــرا فـــي نـــشـــرات الأخـــبـــار، وســاحــات القضاء، وميادين الاحتجاج، مع توسع عملياتها داخل المـدن الكبرى، وازديــاد الاحتكاك المباشر بين عناصرها والــســكــان. الــوكــالــة الـتـي أُنـشـئـت فــي الأصـــل فــي أعـقـاب ، لمواجهة التهديدات 2001 ) سبتمبر (أيلول 11 هجمات الـعـابـرة لـلـحـدود، تـواجـه الـيـوم اتـهـامـات بأنها تـجـاوزت دورها التنفيذي، لتتحول إلى قوة أمنية داخلية ذات طابع شبه عسكري، تعمل في قلب الأحياء السكنية، وتختبر عمليا حـدود الدستور الأميركي. بينما يؤكد أنصارها أنها تمارس صلاحيات قانونية ضرورية لحماية الأمن القومي وتطبيق قوانين الهجرة. نمت في الهوامش الرمادية للقوانين وكسرت أسوار «المدينة الملاذ» واشنطن: إيلي يوسف المتعاقدون مع «آيس» لا يخضعون لمعايير صارمة في التوظيف والمساءلة عناصر من «آيس» يحرسون مدخل فندق قبيل مظاهرة مناهضة لهم في مينيابوليس الأحد الماضي (أ.ب) (أ.ب) 2026 يناير 15 قوات «آيس» تعتقل متظاهرا بمينيابوليس في
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky