issue17227

الثقافة CULTURE 18 Issue 17227 - العدد Tuesday - 2026/1/27 الثلاثاء مُنجزه الفني أساس لفهم سيكولوجيا العمل في الغرب الرأسمالي رحيل سكوت آدامز... التراث المُلتبس لمبدع «ديلبرت» رحـــل أخــيــرا رســـام الكوميكس الأمـيـركـي ) عن عالمنا، 2026 - 1957( الشهير سكوت آدامز تـــاركـــا خــلــفــه إرثـــــا انــقــســم بـــحـــدة بـــن عـبـقـريـة الـــســـخـــريـــة مــــن عـــالـــم ذوي الـــيـــاقـــات الــبــيــض، ونهايات وسمها الجدل والعزلة. ولفظ الفنان مبتدع شخصية «ديلبرت» أنفاسه الأخيرة في منزله بمدينة بليسانتون بكاليفورنيا، بعد صـــراع مـع سـرطـان الـبـروسـتـاتـا، ليبقى اسمه مقترنا بـأعـمـال وثـقـت بـــؤس الـحـيـاة المكتبية المعاصرة، وبتحولات فكرية حادة قادته نحو الهامش في سنواته الأخيرة. مــنــجــزه الــفــنــي يــعــد الـــيـــوم ســـجـــا فــريــدا وأســاســا لفهم سيكولوجيا العمل فـي الغرب الـــرأســـمـــالـــي المـــعـــاصـــر خــــال الــنــصــف الــثــانــي من القرن العشرين، مستمدا رؤاه من تجاربه الشخصية المباشرة كموظف في بنك «كروكر الوطني» وشركة «باسيفيك بيل»، حيث عاش الرتابة والبيروقراطية. معاناته اليومية تلك حولها عبر رسوم الكوميكس إلى منتج ثقافي عالمي، متجاوزا حدود السخرية التي يمكن أن يحملها الكاريكاتير الـيـومـي ليطرح تفكيكا فلسفيا لاذعــــا لبنية الــشــركــات الـحـديـثـة. لقد أدرك مبكرا أن المـوظـف المـعـاصـر يعيش حالة من الاغتراب المكاني والذهني، محاصرا داخل «مكعب» مكتب العمل؛ ذلك الحيز الضيق الذي يـرمـز إلــى تـدجـن الـــروح البشرية، وتحويلها إلى ترس في آلة عملاقة مفتقرة إلى المعنى. تـــمـــحـــور مـــشـــروعـــه الـــفـــكـــري حـــــول ثـيـمـة العبث المؤسسي في بيئة الشركات. ففي عالم «ديـلـبـرت»، تغيب الكفاءة وتسيطر الحماقة. وصـاغ لاحقا ما عُــرف بـ«مبدأ ديلبرت»، وهو أطــــروحــــة ســوســيــولــوجــيــة ســاخــطــة تـــؤكـــد أن المـــؤســـســـات تـمـيـل بـشـكـل مـنـهـجـي إلــــى تـرقـيـة أقل الموظفين كفاءة إلى مناصب إداريــة، وذلك ببساطة لإبعادهم عن مسار العمل الإنتاجي الفعلي حيث يمكنهم إحداث ضرر أكبر. عكس هــــذا المـــبـــدأ انــقــابــا فـــي فــهــم الـــهـــرم الـوظـيـفـي؛ فالصعود إلـى الأعـلـى يعني زيـــادة فـي العجز الـفـنـي وابـتـعـادا عـن الــواقــع التشغيلي. جسّد هـذا المفهوم فـي رسوماته مـن خـال شخصية «المدير ذي الشعر المدبب»، الذي يمثل السلطة الغاشمة والجاهلة في آن واحــد؛ تلك السلطة التي تصدر أوامر مستحيلة، وتتبنى شعارات فارغة، وتدير الموارد البشرية بمنطق القطيع. لــــقــــد فــــهــــم مــــبــــكــــرا أن «الــــحــــقــــيــــقــــة» فــي بـيـئـة الــعــمــل الــحــديــثــة تــظــل مـفـهـومـا زئـبـقـيـا. فالاجتماعات المتواصلة، والعروض التقديمية الــــجــــوفــــاء، ولـــغـــة الـــشـــركـــات الـــــرنـــــانـــــة... كـلـهـا أدوات لطمس الـواقـع واسـتـبـدال وهْــم الإنجاز بــه. واعـتـبـر أن المـوظـف الــذكــي، مثل شخصية «ديلبرت» المهندس، يظل محاصرا بين قرارات إداريــــــة تـــصـــدر عـــن جــهــل مــطــبــق، وطــمــوحــات «الأنــــا» المتضخمة الـتـي تحكم سـلـوك الـزمـاء خلف أقنعة الوداعة المهنية - كما في شخصية «الكلب دوجبرت». لقد تجاوز نقده الإضــاءة على المفارقات ليلامس جوهر الوجود الإنساني داخل النظام الرأسمالي. فصوّر الموظفين ككائنات مرهقة، تــبــحــث عـــن مـــهـــرب عــبــر الــســخــريــة أو الـكـسـل المقنع، في مواجهة نظام يطلب الــولاء المطلق مــقــابــل الـــفـــتـــات. وشــخــصــيــاتــه كـــانـــت تـعـبـيـرا عـن أنـمـاط بشرية ثـابـتـة: «ألــيــس» الـتـي تمثل الكفاءة المـهـدورة والغضب المكبوت، و«والــي» الذي يجسّد فن التملص من العمل والانتهازية الـــبـــاردة... هــؤلاء جميعا يتحركون فـي فضاء يفتقر إلى العدالة المنطقية؛ إذ الثواب والعقاب يخضعان لأهواء الإدارة وعشوائية الظروف. شـــهـــدت ســـنـــوات آدامــــــز الأخــــيــــرة تــحــولا جذريا في مساره العام؛ إذ انتقل من نقد عبثية الــشــركــات إلـــى الـــخـــوض فـــي وحـــل الــصــراعــات الثقافية والسياسية، وقد آمن بقوة «الإقناع» كـــأداة تفوق الحقائق أهمية، وتجلى ذلــك في )؛ إذ حلّل Win Bigly( » كـتـابـه «الــفــوز بـبـراعـة صـــعـــود الـــرئـــيـــس دونــــالــــد تـــرمـــب مــــن مـنـظـور تـقـنـيـات الإقـــنـــاع الـنـفـسـي، مـعـتـبـرا أن الــواقــع يــظــل ذاتـــيـــا، والــحــقــائــق المــوضــوعــيــة تـتـراجـع أمام سطوة السردية المؤثرة. قاده هذا الإيمان بمرونة الحقيقة إلى تبني مواقف وتصريحات وضــعــتــه فـــي مــواجــهــة مــبــاشــرة مـــع الــتــيــارات السائدة في المجتمع الأميركي. بلغت هـذه المواجهة ذروتها في فبراير ، حـــن أدلـــــى بـتـعـلـيـقـات 2023 (شــــبــــاط) عــــام صُنفت «عنصرية» صريحة خـال برنامجه «قهوة حقيقية مع سكوت آدامز»، مستندا إلى استطلاع رأي أجرته مؤسسة «راسموسن»، وخـلـص مـنـه إلـــى وصـــف الأمـيـركـيـن الـسـود بــــــ«جـــــمـــــاعـــــة كــــــراهــــــيــــــة»، نــــاصــــحــــا الـــبـــيـــض بالابتعاد عنهم. تسببت هــذه التصريحات فــي انـهـيـار فـــوري لإمـبـراطـوريـتـه الإعـامـيـة؛ فقد ألغت مئات الصحف، بما فيها «واشنطن بــوســت» و«نــيــويــورك تـايـمـز»، نـشـر قصصه المصورة، وفسخ ناشرو كتبه عقودهم معه، ليجد نفسه مـعـزولا عـن المنصات التقليدية الـــتـــي احــتــضــنــتــه لـــعـــقـــود، لــكــنــه اســـتـــمـــر فـي التمسك بموقفه، معتبرا نفسه ضحية لثقافة «الإلــــــغــــــاء»، ومــــؤكــــدا أن تــصــريــحــاتــه كــانــت تحليلا استراتيجيا ومبالغة بيانية وليست تـعـبـيـرا عـــن كــراهــيــة. وقـــد لـجـأ إلـــى منصات بــديــلــة مــثــل «لـــوكـــالـــز» لـيـطـلـق «ديـــلـــبـــرت من جـديـد» حيث أصبحت سخريته أكـثـر مــرارة ومباشرة في نقد ما رآه هيمنة للحساسية الاجتماعية والسياسات التقدمية. فـي هذه المـرحـلـة، ذابـــت الــحــدود الـفـاصـلـة بــن الفنان وشــخــصــيــاتــه؛ فــقــد تــحــول آدامـــــز نـفـسـه إلــى شخصية «ديلبرتية» تصرخ في وجـه نظام تراه مختلاً، لكنها هذه المرة كانت تصرخ من خــارج الأســـوار، منبوذة من المؤسسات التي طالما انتقدتها. واجـــــــه مــــرضــــه الـــعـــضـــال بـــــــذات الـعـقـلـيـة التحليلية الــــبــــاردة. تــحــدث عــن اقـــتـــراب أجـلـه بــــوضــــوح، وطـــلـــب المـــســـاعـــدة الــعــلــنــيــة لـتـأمـن عـــاجـــات مـتـقـدمـة، مـسـتـمـرا فـــي الــتــواصــل مع جـمـهـوره المتبقي حـتـى أيــامــه الأخـــيـــرة. وجــاء رحــيــلــه تــذكــيــرا بــمــفــارقــة كـــبـــرى: الـــرجـــل الـــذي بـــرع فــي تشخيص الـغـبـاء الـجـمـاعـي وسـلـوك القطيع داخل المكاتب، انتهى به المطاف ضحية لقناعاته الخاصة، وتفسيره المتطرف لآليات المجتمع المعاصر. يبقى إرثـــه حــاضــرا بـقـوة ذلـــك التناقض الــــــذي حـــمـــلـــه، وســـتـــظـــل رســــومــــات «ديـــلـــبـــرت» الأولـــــى وثــيــقــة تــاريــخــيــة وفــنــيــة تـلـتـقـط بـدقـة مــتــنــاهــيــة تــــحــــولات الـــعـــمـــل فــــي أواخـــــــر الـــقـــرن الـــعـــشـــريـــن. وســـيـــذكـــر الـــتـــاريـــخ حــتــمــا قـــدرتـــه الفذّة على اختزال تعقيدات البيروقراطية في بضعة مـربـعـات مـرسـومـة، وكـيـف منح صوتا للملايين من الموظفين الصامتين خلف شاشات الـــحـــواســـيـــب. وفــــي المـــقـــابـــل، سـيـبـقـى سـقـوطـه الأخـيـر درســا حــول حــدود «الإقــنــاع» ومخاطر الانفصال عن المشتركات الاجتماعية. غــــادر آدامـــــز تـــاركـــا «ديـــلـــبـــرت» يـتـيـمـا في مـكـعـبـه، وشـــاهـــدا أبـــديـــا عــلــى عــصــر سـيـطـرت فيه التكنولوجيا والبيروقراطية، وتراجعت الحكمة أمـــام سـطـوة الـبـيـانـات الــبــاردة وغلبة الغباء المؤسسي. لندن: ندى حطيط يتعامل معها كما يتعامل الصياد مع بندقية الصيد ترمب وحبائل اللغة تـــجـــلَّـــت حـــبـــائـــل الـــلـــغـــة فــــي الـــعـــاقـــات المــتــشــابــكــة بــــن تـــرمـــب والأوروبــــــيــــــن، بـن رجـــــل مـــاهـــر فـــي ألاعـــيـــب الــلــغــة ومـجـمـوعـة مـن أحـفـاد الإمـبـراطـوريـات الأوروبـــيـــة التي كــانــت عـظـمـى وفـــقـــدت عـظـمـتـهـا، غـيـر أنـهـا لمّــا تــزل تتوهم أنـهـا عظيمة وإن عـرفـت في سرها أنها ليست عظيمةً، على الأقــل أمـام أمريكا. وهذا القوي الضعيف في آن، لا يجد ســاحــا يــواجــه بــه تــرمــب غـيـر ســـاح اللغة ولكن الورطة أن لغتهم لها حــدود، وأخطر حـــدودهـــا أن الأوروبــــيــــن يــكــبــرون أنفسهم ويردمون ضعفهم بواسطة اللغة وليس لهم من سلاح غيرها. وفاتَهُم أن اللغة هي لعبة ترمب المفضلة، وهو أكثر منهم مهارةً، حيث يتحدث بلا تحفظ فيما هم يمشون في حقل ألـــغـــام مـقـيـديـن بـحـبـائـل الــلــغــة، ولـــم يتعلم الأوروبيون ما تعلمه زيلينسكي ومادورو، وقــد دفــع كـل منهما ثمنا لغلطته اللغوية حـــســـب درجـــــــة فـــــداحـــــة ومــــغــــبــــات الـــغـــلـــطـــة. والاثـنـان معا كانا ضحيتَي لغتيهما التي تـبـعـثـرت أمــــام تــرمــب وكــانــت فــرصــة ترمب عظيمة حين وقف على منصة دافـوس، تلك الــوقــفــة الــتــي وصـفـتـهـا قــنــاة «ســــي إن إن» بقولها: «ترمب هـادئ والحضور في حالة ذهـول»، رغم أن ترمب يستخدم لغة أصلها أوروبي، وهو نفسه أوروبي الجذور ويتكلم من منبر أوروبي، ومع ذلك نطق دون تحفظ وصمتوا كلهم دون رفة جفن. خطاب ترمب فـي دافـــوس كـان كاشفا ثقافيا بين القوة التي تملك قدراتها مقابل مـــن يــتــوهــم الـــقـــوة فـــي حـــن هـــو ضـعـيـف. عــلــى أن وصــــف الــقــنــاة لــلــحــال بــــأن تـرمـب هادئ والحضور في حالة ذهول هي جملة تترجم الكثير عن وظيفة اللغة في صناعة شـخـصـيـة تـــرمـــب، والــــهــــدوء الـــــذي أشــــارت إلـــيـــه الـــقـــنـــاة لــــم يـــكـــن هـــــــدوءا عــــاديــــا، فـهـو يـنـطـوي عـلـى قـــوة صـنـعـهـا تــرمــب لنفسه على مـدى سـنـوات، فهو يتعامل مـع اللغة كما يتعامل الصياد مع بندقية الصيد؛ إذ لا يسير إلا بـهـا، ويـسـيـر لـوظـيـفـة مـحـددة فـــي أن يـصـوِّبـهـا لـحـظـة ظــهــور هــــدف كـان يتحرَّاه ويترقبه. وترمب حين يتكلم في كل عاداته يبدا هادئا ورزيناً، وما إن يعترضه عــارض حتى يستل لسانه ويصوِّبه نحو المـعـتـرض، وهـــو مـاهـر فــي تصيد أهــدافــه؛ فـحـن وقـــع زيلينسكي فــي غـلـطـة بسيطة فـــي ظــنــه تــحــولــت غـلـطـتـه إلــــى هــــدف رائـــع لـتـرمـب الـــذي أطـلـق وابـــل كلماته عليه في مشهد إعـامـي عـالمـي، على أن زيلينسكي تـعـلـم مـــن تـلـك الـفـاجـعـة كـيـف يـتـعـامـل مع تـرمـب، على نقيض مــــادورو الـــذي ظـن أنه سيبتز الصياد ليستعمل سلاحه اللغوي إيــاه، ومــارس لغة خشنة مع رجــل يـرى أن الخشونة اللغوية له وحده، وويل لمن تجرأ وخــطــف مـنـه ســـاحـــه. وهــنــا كــانــت نهاية مادورو المخزية التي شهدها العالم كله. فـــــي المــــقــــابــــل فــــــإن الأوروبـــــــيـــــــن ظـــنـــوا بـأنـفـسـهـم الـــقـــوة أو تــظــاهــروا بــالــقــوة رغـم وعـيـهـم الـــتـــام بـأنـهـم لـيـسـوا أقـــويـــاء وأنـهـم ضـعـفـاء لأمــريــكــا فـــي كـــل أمـــرهـــم الـسـيـاسـي والاقتصادي والعسكري، وغرَّتهم بقية من مـجـد قـديـم لمَّــا تــزل تعشعش فـي رؤوسـهـم، مـــمـــا جــعــلــهــم يــــحــــاولــــون الـــتـــســـلـــح بــالــلــغــة لمواجهة هيمنة ترمب، غير أنه تربص بهم ليوم يجتمعون فيه أمامه ليحبس أنفاسهم لساعة كاملة بدا فيها هادئا ومرتاحا كأنه «آس يجس عليلاً» كما وصف المتنبي وطأة الأســد على الأرض وهـو يتربص بالصيد. وتـرمـب يفعل فعل ذاك الأســـد الـشـعـري؛ إذ يــتــحــن فـــرصـــة مــــع الــــطــــريــــدة، حـــيـــث شـــرع يـفـتـرسـهـا ويــخــطــب لــســاعــة كــامــلــة وجـعـل القاعة مسمَّرة لا حيلة لهم غير أن ينتظروا لـــحـــظـــة الـــــصـــــعـــــداء كـــــي تـــتـــنـــفـــس عـــروقـــهـــم المعطوبة. وجاءت اللحظة بعد ساعة كاملة حــــن دخـــــل تـــرمـــب فــــي حـــديـــث عــــن الـــداخـــل الأمريكي فبدأ بعض الحضور في الخروج مـــن الـــقـــاعـــة. وهـــــذا انــعــكــس عــلــى حــــال لغة ترمب، حيث تراجع صوته وخفتت كلماته، فـأنـهـى خطبته فــجــاءة وأطــلــق كـلـمـة تبدو إنهاء للكلام؛ إذ قال: «سأراكم لاحقاً»، وختم خطبته. على أن جملة الختام لم تكن ختاما بـــل هـــي وعــيــد ٌوتــهــديــد لـلـمـغـادريـن بـأنـي «وراءكـم وراءكــم». وهذه اللغة الخشنة هي ما سيظلون تحت سياطها إلى أن يتعلموا ما تعلمه زيلينسكي ولم يتعلمه مادورو. وهـــنـــا تــتــكــشــف أســـلـــوبـــيـــات الــخــطــاب الذي لا يتعالى إلا بالخشونة ويهبط ساعة اللين ليس عنده فقط بل لدى ضحاياه قبله الـــذيـــن لـــم يـتـعـلـمـوا بــعــد أن أســلــحــة تـرمـب ليست فقط فـي فــرض الـضـرائـب، بـل أيضا فـي فــرض الــذهــول والــذعــر تحت أي منصة يـعـتـلـيـهـا ويــمــطــرهــا بـلـغـتـه الـخـشـنـة الـتـي لا تــلــن إلا مـــع الأقــــويــــاء. وقــــد رأيـــنـــا لغته مـــع الأمـــيـــر مـحـمـد بـــن ســلــمــان، وكــيــف كــان تــرمــب تـرحـيـبـيـا وبــشــوشــا عـلـى غـيـر لغته فـــي دافـــــوس مـــع قــــادة أوروبــــــا، مـمـا يكشف عــــن أنـــــه يـــحـــتـــرم الــــقــــوي ويــــكــــره الــضــعــفــاء ويـسـخـر مـنـهـم، فـقـط لأنـهـم يـحـتـاجـون إلـى درس قــــاس يُــذكِّــرهــم بضعفهم وحاجتهم إلــى أمـريـكـا وأنـهـم لـم يــعــودوا أقــويــاء. وإن كـان أجـدادهـم يستعمرون الأرض كلها بما في ذلك أمريكا، فإن ترمب ابن أوروبا؛ عرقا وسلالةً، عاد لها ليقول كم هو أوروبــي في دمائه، ولكنه أمريكي في لغته الخشنة على المتطاول. وكـان لا بد له من قاعة مثل قاعة دافـــوس حيث يقف هـو فـي المجلس الأعلى وهـــم أمــامــه جــلــوس يـتـقـرفـصـون ويتلقون كلماته دون أي قدرة على إظهار الامتعاض أو التصفير أو الـخـروج قبل أن يكمل وابل لغته عليهم، وحـن التفت لشؤون أمريكية داخـلـيـة تنفسوا الـصـعـداء فـخـرج بعضهم ليشم هواء يرد لهم أنفاسهم. ‏ومـــن حـبـائـل لـغـة تـرمـب تـنـاقـضـه كأنه فعلا شخصية شكسبيرية تتحلى بشروط الأسلوبية السردية التي تأخذ بخصائص سيميولوجية (علاماتية)، ومن شرط العلامة كي تكون علامة أن تدل على الشيء ونقيضه، حسب تعريف عبد القاهر الجرجاني، وأبرز عـامـاتـيـة تـرمـب جملته الـشـهـيـرة «سـأُنـهـي الحروب في العالم»، ويتبعها بجملة نقيضة حيث يقول «القوة الحقيقية أن تجعل غيرك يخاف منك». وهذا التناقض شرط للسردية، وقد وقفت عليها مطولا في كتابي «ماذا لو كنت مخطئاً؟» حيث طرحت فكرة أن ترمب كـــائـــن ســــردي يـتـنـاقـض ولا يــبــالــي، ويمهد في توظيف لغة الجسد مع لعبه بالأساليب والـــتـــعـــبـــيـــرات خــــــارج شــــــروط الـــبـــروتـــوكـــول الــلــغــوي والاجـــتـــمـــاعـــي. ولــقــد أصــبــح تـرمـب بطل اللغة كـأنـه شخصية هـربـت مـن إحـدى مـسـرحـيـات شكسبير لـتـمـارس دورهــــا على مسرح العالم، ولا تحترم غير القوي لكنها تــفــتــك بـــمـــن يـــتـــوهـــم أنـــــه قـــــوي فــــي حــــن أنـــه ضعيف ولا حيلة له. * ناقد ثقافي ترمب يتحدث في منتدى دافوس (د.ب.أ) *د. عبد الله الغذامي خطاب ترمب في دافوس كان كاشفا ثقافيا بين القوة التي تملك قدراتها مقابل من يتوهم القوة في حين هو ضعيف سكوت آدامز... أعمال وثّقت بؤس الحياة المكتبية المعاصرة (غيتي) جغرافية اللذة ومفهوم السعادة الـــلـــذة حــســيــة مـــاديـــة واضــــحــــة، لا يمكن التشكيك فـي وجــودهــا؛ لأنها تُــعـاش مباشرة قـــبـــل أي تــفــســيــر أو حـــكـــم، وتـــعـــمـــل بـوصـفـهـا مـحـركـا خـفـيـا لـلـسـلـوك، حـتـى قـيـل إن حـركـات الإنـــســـان كـلـهـا جـبـريـة تحكمها الـــلـــذة والألــــم. والـــلـــذة لـيـسـت مــحــصــورة فـــي الأكـــــل والـــشـــرب والــجــنــس، كـمـا درج الــخــطــاب الأخـــاقـــي على اخــتــزالــهــا، بـــل تـتـخـلـل الـجـسـد كــلــه، وتتشكل وفق خريطة دقيقة من الاستجابات العصبية والـتـوتـرات والانـفـراجـات. وهــذه المـلـذات، وكـذا الآلام، تـتـفـاوت فــي الـــقـــوة. لـنـا أن نتخيل لـذة نيوتن عندما اكتشف قانون الجاذبية. ولنا أن نتذكر أنك عندما تنظف أذنك، لا تكون المسألة مجرد إزالة للشمع، بل هناك لذة حقيقية، ذات قوة، تدعو الإنسان إلى تكرار الفعل، حتى بعد تحقق الغاية الوظيفية. هـذه المـلـذات، كبيرها وصغيرها لا تحتاج إلى تبرير، ولا إلى خطاب أخلاقي؛ لأنها ببساطة تحدث. جــغــرافــيــة الـــلـــذة تــمــتــد لمـــســـاحـــات أوســـع بكثير مما يتصور العجلان. وبإمكان القارئ أن يستكشف هـــذه الـتـضـاريـس ويــتــوســع في دراستها. فاللذة، في معناها الجوهري، ليست بـالـضـرورة نـشـوة عالية أو إثـــارة قـصـوى، بل غالبا ما تكون إحساسا دقيقا بــزوال اختلال، أو بــعــودة الـجـسـد إلـــى الـــراحـــة. ولــهــذا السبب نغيّر المِرفق الذي نتكئ عليه بمجرد أن نشعر بأدنى انزعاج. لا ننتظر ألما حقيقياً، ولا نفكر في القرار، بل تتحرك أجسادنا كالآلات لتجنّب الألم، ولو كان في بدايته. هذا السلوك اليومي البسيط يؤكد أن حياتنا تُـــدار، فـي مستواها الأعـــــمـــــق، وفـــــق مــــيــــزان الــــلــــذة والألـــــــــم، لا وفـــق المفاهيم الكبرى التي تخترعها عقولنا لاحقاً. هنا يبرز سؤال السعادة. إذا كانت اللذة بهذا الـوضـوح والحضور، فما السعادة إذن؟ وهــل هـي شــيء نعيشه فـعـاً؟ حـن نـزعـم أننا ســـعـــداء، فـإنـنـا لا نـصـف تـجـربـة حـــاضـــرة، بل نــصــدر حـكـمـا عــامــا عــلــى فــتــرة أو عــلــى حـيـاة كاملة. لكننا في الواقع لا نلتقي بشيء اسمه الـــســـعـــادة فـــي الــــشــــارع. مـــا نـعـيـشـه دائـــمـــا هو لحظات، لـذة وراحــة وانـشـراح وزوال توتر، أو على العكس ألم وضيق وحزن. السعادة ليست إحساسا نشعر به، بل تلك هي اللذة. السعادة بناء ذهني، أشبه بعنوان يُوضع على سلسلة من الوقائع بعد مرورها، وقد يكون وهماً. ولا بـــد مـــن الــتــفــريــق بـــن الـــلـــذة الحسية واللذة العقلية ضرورياً. اللذة الحسية قصيرة العمر، مرتبطة بالجسد واستجابته المباشرة، لا يـمـكـن للطعم أن يــــدوم ســـاعـــات، ولا للمس أن يـبـقـى مـتـوهـجـا إلـــى مـــا لا نــهــايــة، فجميع المـلـذات الحسية لا تتجاوز الدقائق المـعـدودة. أمــــا الـــلـــذة الـعـقـلـيـة فــهــي أبـــطـــأ وأطــــــول نـفـسـا؛ لأنـــهـــا لــــذة المــعــنــى والـــحـــديـــث والـــــذاكـــــرة. حين نقول إننا قضينا ساعات ممتعة على العشاء مع أصدقاء، فإن اللذة الحسية للطعام انتهت فـي وقــت قصير، ومــا استمر هـو لــذة النقاش والـــضـــحـــك واســــتــــعــــادة الــــذكــــريــــات والـــشـــعـــور بالقرب الإنساني. من هنا يمكن القول إن اللذة هي الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن إنـكـارهـا؛ لأنها تُعاش دائما في الحاضر. أما السعادة فليست سوى مفهوم اخـتـرعـه الإنــســان ليمنح حياته شكلا كلياً، وليحكي عنها قصة متماسكة. الحياة، كما تُعاش فعلاً، ليست سعيدة ولا تعيسة، ولا ذنب لها في إنشاء تلك المفاهيم الحالمة، بل هي سلسلة من الاستجابات الدقيقة للذة والألم. مــا نسميه ســعــادة لـيـس إلا الاســــم الــذي نطلقه، بعد مـرور الـوقـت، على تتابع لحظات لـــذة غـلـب فـيـهـا الانــســجــام عـلـى الاخـــتـــال. في هـــذا الـسـيـاق، يظهر تـصـور أرســطــو للسعادة بوصفه المـثـال الأوضـــح على تحويل الـلـذة من حـقـيـقـة مـعـيـشـة إلــــى عـنـصـر ثـــانـــوي. أرســطــو لا يـنـكـر الـــلـــذة، لـكـنـه يــرفــض أن تــكــون أســـاس الحياة الجيدة، ويعرّف السعادة بأنها «نشاط النفس وفقا للفضيلة في حياة تامة». غير أن هذا التعريف ينقل معيار الحياة من مستوى التجربة المَعيشة إلـى مستوى الحكم العقلي، وهذا ديدن أرسطو في كل حقل. الإنــــســــان لا يــشــعــر بـــمـــا يــســمــى «نـــشـــاط الــنــفــس»، ولا يـخـتـبـر «الـفـضـيـلـة» بوصفهما إحساسين مباشرين. ما يعيشه فعلا هو لذة أو ألـــم، راحـــة أو تــوتــر، انــشــراح أو ضـيـق. أمـا الفضيلة والنشاط فليستا كيفيتين حسيّتين، بل تسميتان ذهنيتان تُستخلصان بعد الفعل، حـــن يُـــعـــاد تــرتــيــب مـــا عِـــيـــش، ووضـــعـــه تحت عـنـوان أخـاقـي عـــام. كما أن اشــتــراط «الحياة التامة» يكشف الطابع النظري والسردي لهذا الـتـصـور. لا أحــد يعيش حياته بوصفها كُــا مكتملاً، بل يعيشها لحظة بلحظة، في توازن هـــش. الــســعــادة، بـهـذا المـعـنـى، ليست تجربة، بل قصة تُــروى عن حياة بعد مـرورهـا. ومـا لا يُــعـاش فـي الحاضر لا يمكن أن يكون موجها فعليا للسلوك. إن الـزعـم بــأن الـلـذة مـجـرد نتيجة تابعة للفعل وليست غايته يتعارض مع ما نعيشه يـومـيـا. فـالأفـعـال لا تستمر إلا بـقـدر مـا تمنح صاحبها نصيبا من الـلـذة، مهما كـان ضئيلا أو مــؤجــاً. وحــن تغيب الــلــذة، ينهار الـدافـع، مهما بـدا الفعل نبيلا فـي الخطاب الأخـاقـي. فاللذة ليست زينة تُضاف إلى الفعل، بل شرط بقائه واستمراره. بــهــذا المـعـنـى، يـتـضـح أن جـغـرافـيـة الـلـذة لــيــســت مـــوضـــوعـــا ثــــانــــويــــا، بــــل مـــفـــتـــاح لـفـهـم الإنسان كما هو، لا كما يـراد أن يُــرى في المرآة الأخـاقـيـة. الـسـعـادة، إن كــان لها معنى، فهي ليست شيئا نبحث عـنـه، بـل تقرير عـن مهمة بعد انتهائها. بينما اللذة هي الشيء الوحيد الذي نعيشه حقاً، هنا والآن. الـــحـــديـــث عـــن مـــركـــزيـــة الـــلـــذة فـــي تـوجـيـه السلوك يصطدم بالحس الأخلاقي التقليدي؛ لأنــه لا يـصـوّر الإنــســان كما ينبغي أن يكون، بـــل كــمــا هـــو فـــي واقــــعــــه. فـــالإنـــســـان لا يعيش وفق مخطط مثالي، ولا يسير موجَّها بصورة ذهنية عن «الحياة الجيدة»، بل يتحرك داخل شبكة دقيقة من الاستجابات الحسية، يختار فيها مـا يخفف تـوتـره، ويـؤجـل ألمــه، ويمنحه قدرا من الراحة، حتى وإن غلّف كل ذلك بأغلفة من المفاهيم الفلسفية التي لا تنتهي. خالد الغنامي أرسطو

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky