لــــم يـــكـــن خـــطـــاب الـــرئـــيـــس الأمـــيـــركـــي دونـــالـــد تـــرمـــب فـــي دافـــــوس مـــجـــرّد حلقة أخـــرى فـي أسلوبه الاسـتـفـزازي المـعـروف، ولا واقعة يمكن ردّها إلى سمات شخصية لرئيس غير تقليدي. ما جرى في المنتدى الاقـتـصـادي الـعـالمـي هــذا الـعـام كــان أقـرب إلى لحظة كاشفة، تُعلن -بهدوء قاسٍ- أن الـنـظـام الـــدولـــي الــــذي تـشـكّــل بـعـد الـحـرب الـــــبـــــاردة لــــم يـــعـــد يــعــمــل وفـــــق مــســلّــمــاتــه الـــقـــديـــمـــة، وأن شــبــكــة الـــتـــحـــالـــفـــات الــتــي حكمت علاقة الولايات المتحدة بحلفائها تمر بمرحلة إعادة تعريف عميقة. مـنـذ نـهـايـة الــحــرب الـعـالمـيـة الثانية، لـــم تــقــم الـــقـــيـــادة الأمــيــركــيــة عــلــى الـتـفـوق الـعـسـكـري وحـــــده، بـــل عـلـى مــعــادلــة أكـثـر تركيباً: قوة صلبة كبيرة، محاطة بشرعية ســـيـــاســـيـــة، ومــــؤطــــرة بــشــبــكــة مــؤســســات وتحالفات تُشعر الشركاء بأنهم جزء من نــظــام لا مــجــرد أطـــــراف خـاضـعـة لـــه. هـذا الـــنـــمـــوذج ســمــح بـتـأجـيـل مـنـطـق «تــــوازن القوى» الكلاسيكي، لأن الهيمنة الأميركية بـــدت -فـــي نـظـر كـثـيـريـن- مــقــيّــدة، ويمكن التنبؤ بها، وأقل تهديدا من بدائلها. 2026 مــا كـشـف عـنـه مـنـتـدى دافــــوس هـو أن هــذه المـعـادلـة لـم تعد مُسلَّما بها. فحين يـطـرح الرئيس الأمـيـركـي، مـن على مـنـصـة دولـــيـــة، فــكــرة «مـــفـــاوضـــات فـوريـة لــاســتــحــواذ عــلــى غــريــنــانــد»، ويُــقـرنـهـا بلغة تلميحية عن الامتنان أو «التذكّر»، فــــإن الإشـــــــارة لا تــتــعــلّــق بـــالـــجـــزيـــرة بحد ذاتـهـا، بـل بالتصور الجديد للعلاقة بين الـــقـــوة والـــســـيـــادة. هـنـا لا تــعــود الـسـيـادة مبدأ ثابتاً، بل متغيرا تفاوضيا خاضعا لميزان القوة. الأهـمـيـة التحليلية لـهـذه الـلـحـظـة لا تـكـمـن فـــي جـــــرأة الـــطـــرح، بـــل فـــي الـسـيـاق الذي قُدِّم فيه. فدافوس تقليديا هو فضاء الــطــمــأنــة: حــيــث تُـــــدار الـــخـــافـــات الـكـبـرى بلغة محسوبة، وتُــخـفَّــف الـصـدمـات عبر الخطاب المؤسسي. أن يتحوّل هذا الفضاء إلـى مسرح اختبار علني لـقـدرة الـولايـات المتحدة على الضغط على أقرب حلفائها، فـــذلـــك يــعــكــس تــــحــــوّلا أعـــمـــق فــــي فـلـسـفـة القيادة، لا مجرد تكتيك تفاوضي عابر. مــــن مـــنـــظـــور نــــظــــري، يــمــكــن فـــهـــم مـا يحدث عبر ثلاث عدسات متداخلة: الأولى هــــي عـــدســـة «تــــآكــــل الـــشـــرعـــيـــة». فـــالـــقـــوة، وفـــــق الــتــقــلــيــد الـــواقـــعـــي الـــكـــاســـيـــكـــي، لا تكون مُــهــدِّدة فقط بحجمها، بـل بطريقة استخدامها. ما يقلق الحلفاء اليوم ليس أن الولايات المتحدة قوية، بل أن هذه القوة بــاتــت تُـــمـــارَس مــن دون الإطــــار الأخــاقــي والمــؤســســي الــــذي اعـــتـــادوا عـلـيـه. هـــذا ما يفسّر الصدمة الأوروبـيـة: فالتصريحات المتعلقة بحلف شمال الأطلسي، والتشكيك في منطق التضامن المتبادل، تضرب في صـمـيـم الافـــتـــراض الــــذي بُــنــي عـلـيـه الأمــن الأوروبي لعقود. الـــعـــدســـة الــثــانــيــة هـــي «الـــتـــحـــول من الـقـيـادة إلــى المـعـامـات». كما يشير فريد زكريا في قراءاته، فإن النموذج الأميركي التاريخي قام على جعل الآخرين يرغبون فــــي الـــعـــمـــل مــــع واشـــنـــطـــن. أمـــــا الـــنـــمـــوذج الجديد، فيميل إلـى اخـتـزال العلاقات في حسابات تكلفة وعوائد فورية: مَــن يدفع أكــثــر؟ مَـــن يستفيد أكــثــر؟ هـــذا المـنـطـق قد يـكـون فــعــالا فــي صـفـقـات قـصـيـرة الأجـــل، لـكـنـه يُــضـعـف الـثـقـة الـــازمـــة لـبـنـاء نـفـوذ طـويـل المـــدى، ويــحــوّل الامـتـثـال إلــى حالة مؤقتة لا شراكة مستدامة. أما العدسة الثالثة فهي «عودة منطق تــوازن التهديد». في هـذا الإطـــار، لا تعيد الــــــــدول حـــســـابـــاتـــهـــا فـــقـــط عـــنـــدمـــا تـتـغـيـر موازين القوة، بل عندما تتغير تصورات الــــنــــيّــــات. أوروبــــــــــا، وكـــــنـــــدا، وحـــتـــى قـــوى متوسطة أخــرى، لا تتحرك ضد الولايات المتحدة، لكنها بدأت تفكّر بكيفية تقليص الاعـتـمـاد الأحــــادي عليها. هـــذا مــا يفسّر الـلـغـة الـجـديـدة الـتـي ظـهـرت فــي دافـــوس، سواء في الخطاب الأوروبي الحذر، أو في الطرح الكندي الذي دعا إلى بناء تحالفات مرنة، قضية بقضية، بدل الارتهان لمسار واحد. خـطـاب رئـيـس الــــوزراء الـكـنـدي مـارك كـارنـي جــاء هنا بوصفه تعبيرا عـن هذا التحول، لا بوصفه محور الحدث. فجوهر خــطــابــه لـــم يــكــن مـــواجـــهـــة واشـــنـــطـــن، بل الإقـــرار بـأن «النظام القائم على القواعد» لـم يكن يوما مثالياً، لكنه كــان يعمل لأن الجميع التزم -ولو جزئياً- بصيانته. ومع تــراجــع هـــذا الالـــتـــزام، يصبح عـلـى الـقـوى المـتـوسـطـة أن تـبـحـث عـــن أشـــكـــال جـديـدة من التعاون تحمي مصالحها من دون أن تنزلق إلى عالم «الحصون المغلقة». الأهــم أن هـذا النقاش لا يقتصر على أوروبـــــا وشــمــال الأطــلــســي. دلالاتــــه تمتد بـوضـوح إلــى الـشـرق الأوســــط. فالمنطقة، الــــتــــي خــــبــــرت لــــعــــقــــود نـــمـــطـــا ثــــابــــتــــا مــن الــحــضــور الأمـــيـــركـــي، تـجـد نـفـسـهـا الـيـوم أمـــام مـعـادلـة مختلفة: الـــولايـــات المتحدة حاضرة بقوتها، لكنها أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر ميلا إلى الربط المباشر بين النفوذ والمــكــاســب الآنـــيّـــة. هـــذا يــفــرض عـلـى دول المــنــطــقــة مـــقـــاربـــة أكـــثـــر بــراغــمــاتــيــة وأقـــل اعتمادا على الضمانات التقليدية. بالنسبة إلى الشرق الأوسط، لا يعني ذلــك القطيعة مـع واشـنـطـن، ولا استبدال تــحــالــف بـــآخـــر، بـــل إدراك أن الــعــاقــة مع قـــوة عظمى تـمـر بمرحلة إعــــادة تعريف. التعامل مع إدارة تتبنى منطق الصفقات يـتـطـلـب تـنـويـع الـــشـــراكـــات، وبـــنـــاء أوراق قـــــوة ذاتــــيــــة، وتـــوســـيـــع هـــامـــش المــــنــــاورة الدبلوماسية. فـالـدرس الــذي استخلصه الأوروبيون في دافوس -وهو أن الاعتماد الأحــــــادي يـخـلـق هــشــاشــة اسـتـراتـيـجـيـة- ينطبق على المنطقة بدرجات متفاوتة. بهذا المعنى، خطاب ترمب في دافوس لــم يـكـن إنـــــذارا بــاضــطــراب سـبـبـه شخص واحـــــد، بـــل عــامــة عــلــى مــرحــلــة تـاريـخـيـة تـــتـــراجـــع فــيــهــا الــيــقــيــنــيــات الــلــيــبــرالــيــة. الـتـحـدي الحقيقي أمـــام الـــدول الـيـوم -في أوروبـــــا والـــشـــرق الأوســــط والــعــالــم- ليس كيفية التعامل مع خطاب بعينه، بل كيفية التكيّف مع نظام دولي يُعاد تشكيله أمام أعــيــنــنــا، حــيــث لـــم تــعــد الـــقـــواعـــد الـقـديـمـة كـافـيـة، ولا الثقة المــوروثــة مضمونة، في عـالـم يمضي بخطى ثابتة نحو تعددية أكثر تنافسا وأقل طمأنة. مــؤخــراً، بـعـدمـا حَــضَــر مـــوت المـشـروعـات الــصــغــيــرة فـــي حـــضـــرمـــوتَ، أمـــكـــن لـلـشـرعـيـة الـيـمـنـيـة بــتــعــاون الــتــحــالــف الــعــربــي بـقـيـادة المـمـلـكـة الـعـربـيـة الــســعــوديــة أن تـفـتـح بــوابــة أمــــل يـمـنـي جـــديـــدة، دخــــل مـــن خــالــهــا عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت الأستاذ سالم أحمد الخنبشي إلى محافظتِه يطبّع الأوضاع فيها، قبل عودته إلى الرياض لتيسير تـحـضـيـرات مـؤتـمـر حــــوار المـكـونـات اليمنية من المحافظات الجنوبية، والاجتماع مع رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي. بـالـنـظـر إلــــى الــنــشــاط المُـــشِـــع والــحــضــور الـــفـــاعـــل لـلـخـنـبـشـي، وســــط زخــــم كـبـيـر يجب اسـتـثـمـاره جــيــداً، يــجــدر الــتــجــوال فــي تـاريـخ حضرموت ليتسنى تفهم خصوصية فريدة تميز أوسـع قطاع جغرافي يمني، يمتد على مـــدى الـــشـــرق الـيـمـنـي مـــن الـــربـــع الــخــالــي إلـى البحر العربي. قــــديــــمــــا فــــــي حــــضــــرمــــوت حَــــــضَــــــر مــــــوت صــــراعــــات وثــــــــارات تـــاريـــخـــيـــة، حـــســـب كــتــاب »1953-1933 «إحــــال الــســام فــي حـضـرمـوت للسفير عبد العزيز بن علي القعيطي، يكشف عن تلك الخصائص بدءا من: - «جـــغـــرافـــيـــا» تَـــبـــسُـــط تــفــســيــرا لطبيعة الشعب هـنـاك، وتُهيئ مـسـارح صــراع طويلة الـذيـول استوجبت بترها بقوة السلطة ولين الحوار. - ثـــم «الـــتـــراتـــب الاجــتــمــاعــي» الــــذي يُميز المـجـتـمـع الـحـضـرمـي، وجـعـلـه يـتـغـلَّــب بحَمَل السلام على حمل السلاح. - شــيــوع ظـــاهـــرة «الــهــجــرة الـحـضـرمـيـة» وإســــهــــام المــهـــاجــريــن فـــي إنـــهـــاء الـــصـــراعـــات، مصبوغين بدمائها نتيجة تأثير فكري. - فـــضـــا عــــن خـــاصـــيـــة حــضــرمــيــة رابـــعـــة تمثلت فـي «قــيــادات مستنيرة» تصدت لتلك الصراعات الداخلية. - كـــــذلـــــك أنــــــــه «لــــــــم يـــــدخـــــل الاســــتــــعــــمــــار الـــبـــريـــطـــانـــي بـــحـــد الـــســـيـــف لاخــــتــــاف وضـــع حـــضـــرمـــوت عــــن بـــاقـــي مــســتــعــمــرات جـنـوبـي اليمن». جريا على مـا درجــت عليه بريطانيا من «إرســــــال مـــنـــدوب لــهــا إلــــى الـــبـــاد الـــتــي تـريـد الـــدخـــول فـيـهـا لينير لـهـا الـسـبـل والمــســالــك»، انـــــتـــــدبـــــت مــــســــتــــشــــارهــــا فــــــي عــــــــدن هـــــارولـــــد انـــجـــرامـــس، الـــــذي كــتــب تـــقـــريـــرا «عــــن الـحـالـة » شكل أرضـــا صلبة وقــف عليها 1935-1934 لاحقا ليلعب دورا حاسما في إنهاء الصراع القبلي، الذي جعل حكام حضرموت يطلبون عونا هولنديا لحسم صراعهم، لكن مندوب هولندا في السعودية فان دير ميولين عرض واقـع أنه «لا يمكن دخول الهولنديين في تلك المسألة دون إذن البريطانيين»، وأخذ ينصح الحكام الحضارم باتباع «الحل الوحيد؛ وهو التعاون مع السلطات البريطانية في عدن». بـفـهـم واقـــعـــي لمــجــريــات الأمـــــور «وصــــولا إلــى حـل حـاسـم لتنازع يـكـاد يـــؤدي إلــى فشل المـــجـــتـــمـــع وذهـــــــــاب ريـــــحـــــه»، حـــســـب الــســفــيــر القعيطي، أحدث دخول البريطانيين «من دون آلة عسكرية انسجاما مع الحضارم» جعلهما «يــلــتــقــيــان عــنــد نــقــطــة وجـــــوب الـــقـــضـــاء على الــصــراع». فكان دخــول بريطانيا حضرموت من دون قوة «باتفاق مع حكامها»، فتلمسوا حاجة الناس إلى دولة مركزية تَحُد من هيمنة الــقــبــائــل، كـونـهـا ضـــــرورة تـفـرضـهـا تــطــورات الـحـيـاة أمــــام صــــراع مستفحل يـنـاطـح حركة التاريخ الصاعدة على حد تعبير عبد العزيز القعيطي، ويحتاج إلى جهد جهيد متواصل، لا إلـــى عـصـا سـحـريـة لـلـقـضـاء عـلـى الــصــراع الدائر في حضرموت يومذاك. مع التماس «عجز الناس عن العيش في بــادهــم مــن دون اخـتـصـام، نتيجة صراعهم المــــزمــــن، وانــــعــــكــــاس ذلـــــك عـــلـــى حـــالـــة الأمـــــن» حـسـب المـسـتـشـار الـبـريـطـانـي الـسـيـد هـارولـد انجرامس، بدأ يخوض معركة معقدة وطويلة النَّفَس، بفعل صعاب راسخة مع ما نسجته تقاليد الحياة الاجتماعية، لكنها تلازمت مع تـوافـر مـنـاخ مهيأ للتصدي لتلك الصراعات بوجود سلطة مركزية تستطيع -وإن لم تفعل كـثـيـرا آنـــــذاك- فـــرض قبضتها عـلـى مـجـريـات الأمـــــور. نـظـم انــجــرامــس مـؤتـمـرا فــي سيئون لعقد صلح لتحقيق الـسـام، وتنظيم البلاد، وتشكيل «لجنة أمان حضرموت»، وفق البيان الـرسـمـي لمــا سـمـي «صــلــح انــجــرامــس» المـبـرم ديسمبر 14 هــــ، المـوافـق 1355 رمضان 29 يـوم م، «مما مكن بريطانيا من 1936 ) (كانون الأول المشاركة في تحقيق السلام خدمة لمصالحها الــبــعــيــدة... كـونـهـا لا تــديــر جـمـعـيـة خـيـريـة» حـسـب الـسـفـيـر الـقـعـيـطـي؛ وتـنـفـيـذا لــ«صـلـح 1400 انـــجـــرامـــس» اســـتـــلـــزم تــوقــيــع الــقــبــائــل معاهدة ترعاها سلطة مركزية قوية الدعائم «تستعرض القوة حتى لا يتعين استعمالها» إلا لـــردع الــصــراع بالعنف أحـيـانـا، كــي تنعم الـــبـــاد بـــدرجـــة مـــن الاســـتـــقـــرار وتــعــزيــز هيبة الدولة. مــمــا لــيــس فــيــه شـــك أن تـفـعـيـل سـلـطـات الــــدولــــة لــقــوتــهــا يــجــعــل الــعــنــاصــر الـجـانـحـة إلـى مواقيت وحلفاء غير مناسبين، تـدرك أن الـدولـة لا تتوعد بتهديدات جوفاء يستحيل تـــنـــفـــيـــذهـــا، مــثــلــمــا تـــلـــتـــزم بــتــبــديــد الــوحــشــة المتبادلة بين كل الأطراف بتفعيل مؤسساتها واحتوائهم فيها، دونما حاجة إلى اجتماعات ومؤتمرات تنتهي دون اتفاق. «الــصــراع المعقد لا يُحل بالقوة وحدها، إنــمــا بـالـسـيـاسـة المــدعــومــة بـسـلـطـة الـــدولـــة»، تلك خلاصة حضرموت قديما وحديثاً... لأن الصلح خير، والاتــحــاد قــوة، والــحــوار عـاج، وفــــي تـفـهـم الـــواقـــع وإدراك حــقــائــق الــتــاريــخ والـــــتـــــزام الـــقـــانـــون تـــفـــاديـــا لــــشــــرور الــفــوضــى والــتــوهــم والـجـهـل والــخــصــام والــتــفــرق. ومـن يعي هذا لن تذهب ريحه. Issue 17227 - العدد Tuesday - 2026/1/27 الثلاثاء مروّعة هي دلالات انهيار مبنى متهالك في طرابلس يوم الحالي فوق رؤوس أهله الذين اختاروا البقاء في خرابة لأن 24 البديل رميهم في الشارع، بعدما تخلى المفترض بهم حمايتهم عن الحد الأدنــى من واجبهم. وصــادم هو مشهد العجز ليوم بطوله عن انتشال الضحايا، ارتسمت من خلاله صورة سلطة متداعية، تداعت معها رهانات واسعة بأنه مع قيام السلطة الجديدة قبل أكثر من عام ستطوى صفحات بؤس ومعاناة! الـتـحـدي الأبــــرز بـعـد مـــرور عـــام عـلـى بـــدء ولايـــة الرئيس جوزيف عون ما زال إنقاذ أرواح اللبنانيين، ودرء خطر بقاء الاحـــتـــال الــــذي يــهــدد الـــوجـــود قــائــمــا. كـمـا تحقيق شـــيء من الـعـدالـة بعد عـقـود مـن سـيـادة زمــن «الإفـــات مـن الـعـقـاب»، ما يرسي شيئا من الطمأنينة للمواطنين، وقد بات من الصعب بـمـكـان، المـضـي بمقولة إن طـاقـم السلطة الـجـديـد، نقيض ما سبقه من أداء تسلط منظومة فساد تسببت في إرســال البلد إلـى الجحيم، عندما غطت المنظومة تغول الدويلة والتزمت مقاعد المتفرجين يـوم أخـذ «حـزب الله» لبنان إلـى نكبة حرب «الإسناد». لافـــتـــة ثـــاثـــيـــة رئـــيـــس الـــجـــمـــهـــوريـــة الـــتـــي تـــقـــوم عـلـى «الــــســــيــــادة الإصـــــــاح والـــــســـــام». وقـــــد اســتــتــبــعــت بـــإعـــان يكون 1969 رئـيـس الـحـكـومـة أنَّـــه «لـلـمـرة الأولــــى مـنـذ عـــام للدولة اللبنانية وحـدهـا السيطرة العملانية على جنوب الليطاني». ليعود سلام ويعلن من باريس: «إذا لم يتوافر الأمـــــن والأمــــــان فــلــن تـــأتـــي الاســـتـــثـــمـــارات، وإذا لـــم يحصل إصلاح في القطاع المصرفي فلن تأتي الاستثمارات أيضاً». لكن الحقيقة تشير إلـى هـوة بين الخطاب والممارسة، هوة بين مضامين خطاب القسم والبيان الــوزاري وأداء السلطة بعد مرور سنة كاملة. يــومــا عـلـى اتـــفـــاق وقـــف الـــنـــار الــــذي فـــاوض 427 بـعـد بشأنه الثنائي رئيس المجلس النيابي نبيه بري وأمين عام «حـــزب الـلـه» نعيم قـاسـم وأبـرمـتـه حكومة نجيب ميقاتي، لــم يـعـد كـافـيـا تــــرداد مــا تــم جــنــوب الـلـيـطـانـي وهـــو إنـجـاز للجيش. فلبنان لا يملك تــرف الـوقـت فيما الثابت أن نزع الــســاح بـالـكـامـل قــد يــعــدل نسبيا شــــروط المـنـتـصـر، الــذي أسقط الإشارة إلى عودة المهجرين وتحرير الأسرى وفرض التسليم بمنحه «الحق» باستباحة دائمة للبلد (...) وحدث ذلك قبل سقوط النظام السوري يوم كانت خطوط إمداد هذه الميليشيا مفتوحة. لـم يعد مقبولا الـتـراخـي حيال انقلاب «الحزب» على اتفاق بصم عليه، فيعلن رفضه نزع سلاحه من شمال الليطاني، علما أن خروجه من جنوبه إعلان بأن دوره المزعوم بقتال العدو الإسرائيلي قد انتهى، فلماذا يريد بقاء السلاح مع عجز مطلق عن الرد على اعتداءات يومية تدمر وتقتل وتصطاد عناصره؟ أليس مطلوبا من السلطة جدية في خطوات تطمئن المواطن لأمنه بإسقاط الكانتونات المحمية بـهـذا الـسـاح زمــن التسلط بالقوة على الاجتماع الشيعي لضمان بعض استمرارية الأجندة الإيرانية؟ السيادة منقوصة، ليس فقط باحتلال النقاط الخمس وإقـامـة إسرائيل حـزامـا أمنيا خاليا مـن الحياة على تخوم الـبـلـدات المــدمــرة، ومنقوصة بأبعادها العسكرية المرتبطة ببقاء سلاح لا شرعي، بل وأيضا بإغفال المحاسبة وتعليق الـعـدالـة بـعـدم المــســاس بـالـجـوانـب الإصـاحـيـة الاقـتـصـاديـة والاجتماعية، ما جعل الدولة بعيدة عن القدرة على ترجمة خطابها إلـى واقــع فعلي. فتوافر «الأمــن والأمـــان» يفترض، إلى أهمية نزع السلاح بشكل حثيث، كف يد منظومة الفساد عـن المفاصل الاقتصادية والمالية والإداريــــة والثقافية التي تنتج واقعا من الـــولاءات ما فـوق الـدولـة، فيما التحدي هو إعادة بناء الدولة بوصفها مرجعية وحيدة للشرعية وللثقة والانتماء لسيادة البلد. عرف البلد سابقا سرديات عاش وهمها مثل «أوهن من بيت العنكبوت» و«بشرتكم بالنصر» ولمن النصر (...) فكانت الـحـصـيـلـة الـسـقـوط الــحــر فــي كــارثــة «الإســــنــــاد»، الــتــي قضت على قوة «حزب الله» المتوهمة وألحقت بالبلد هزيمة مروعة. والـيـوم يـراد للبنانيين التعايش مع سـرديـات تسوِّق الأوهـام بكلام منمق. عـــمـــومـــا أعـــــــادت الــتــعــيــيــنــات إنــــتــــاج نـــظـــام المــحــاصــصــة الغنائمي الذي لا يمت بصلة إلى أولوية إنقاذ البلد والناس. الانهيار لم يوقفه تغيير بعض الوجوه فهو يتفاقم، وكل يوم يمر من دون بـدء المحاسبة سيفضي إلـى تآكل إضافي للثقة وتحميل الـنـاس المـزيـد مـن أوزار المنهبة. لقد بــات «التدقيق الجنائي» مفتاح الإصـاح المالي والمصرفي ويجب أن يشمل، إلى مغاور الفساد الرسمي، المصارف التجارية، وما عدا ذلك إصرار على المقامرة بالبلد. إن كشف سلام عن تحفظ صندوق النقد على مشروع قـــانـــون «الـــفـــجـــوة» المــالــيــة يـحـتـم ســحــب المـــشـــروع وتـقـديـم المحاسبة، والـكـف عـن استبدال يكاد يكون متعمدا ببدعة «الــفــجــوة» حـمـايـة للمرتكبين. فـمـاحـظـات صــنــدوق النقد شككت فـي أســس المــشــروع وبـالـقـدرة المـالـيـة على التنفيذ، وانتهت بطلب إضافة نص يسمح بتسييل الذهب في حال تعذر تسديد السندات. ما ترجمته إفقاد لبنان كل إمكانية للتعافي، وتاليا عدم توفر الضمانة لإعادة الحقوق مع بقاء هذه المنظومة. فـي هــذا التوقيت يعتبر الإيــغــال بنظام الـضـرائـب غير المباشرة أمـرا كارثياً. كما لا يكون الإنـقـاذ باقتطاع معاشات التقاعد بعد «هـيـركـات» لا قـانـونـي على الــودائــع. ولا انتقال بالبلد بتدوير فاسدين ومدعى عليهم بتفجير المرفأ، بل بقبع الأسـبـاب التي مكّنت «سلبطة» السلاح وأفضت إلـى الانهيار والانكسار! لم تعد القواعد القديمة كافية في عالم يمضي بخطى ثابتة نحو تعددية أكثر تنافسا وأقل طمأنة أعادت التعيينات إنتاج نظام المحاصصة الغنائمي الذي لا يمت بصلة إلى أولوية إنقاذ البلد والناس حنا صالح يوسف الديني نعمانلطفي فؤاد OPINION الرأي 14 ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر ٌتشويه الإصلاح مقامرة بلبنان! في حضرموت حَضَر موت
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky