issue17227

OPINION الرأي 12 Issue 17227 - العدد Tuesday - 2026/1/27 الثلاثاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com كفاح محمود مأمون فندي جمعة بوكليب التفقير المُمنهج... اقتصاد يطحن الإنسان ليس الفقر دائـمـا نتيجة نـقـص فـي المـــوارد، ولا عجز طبيعي في قدرات الناس، ففي كثير من البلدان الغنية بثرواتها، أو الـقـادرة على إنتاج فرص العمل لو أحسنت إدارة اقتصادها، يتخذ الفقر شكلا آخر: يُصنع عندما تُغلق أبواب العمل أمـــام الــكــفــاءة، ويُــكـافـأ الـفـسـاد بـــدلا مــن الإنــتــاج، وتُدار الدولة بوصفها غنيمة لا مؤسسة، عندها لا يـــولـــد الـــفـــقـــر وحـــــــده؛ بــــل يُــــصــــاغ عـــمـــدا داخــــل منظومة تُحسن استثمار هشاشة الإنسان. تاريخياً، لم تكن السلطة تخشى الفقير لأنَّه ضعيف؛ بل تخشاه عندما يمتلك أدوات السؤال والتنظيم والمطالبة، لذلك كان التفقير - بوصفه سياسة لا صـدفـة - إحـــدى وسـائـل ضبط المجال العام، فالجائع الذي يُستنزف يومه بين الإيجار والــــــــدواء وقـــــوت الأطــــفــــال، يُـــدفـــع تــدريــجــيــا إلــى سياسة الـــضـــرورة: يطلب الـنـجـاة قبل الحقوق، ويقبل الـحـد الأدنـــى قبل الـكـرامـة، وهـنـا تتحول اللقمة إلـى أداة حكم، ويتحول الـخـوف مـن الغد إلى نظام طاعة. فـي النظم الشمولية، تتجلَّى صناعة الفقر عـبـر ثـــاث بــوابــات واضــحــة: احـتـكـار الاقـتـصـاد، وتــحــطــيــم المـــؤســـســـات، وإفــــقــــاد المــجــتــمــع أدوات الــــحــــمــــايــــة، حـــيـــنـــهـــا تـــصـــبـــح الـــوظـــيـــفـــة الـــعـــامـــة امتيازا سياسياً، والمـقـاولـة عقد ولاء، والتعيين جائزة انتخابية، فينهار مبدأ المنافسة ويغيب الاسـتـثـمـار الحقيقي، وحـــن تُــقــوَّض استقلالية القضاء وأجهزة الرقابة، يصبح نهب المال العام تكلفة سياسية بــا عـقـوبـة، أمـــا التعليم - الــذي يفترض أن يكون سلّما اجتماعيا - فيُكسر عمدا أو يُـــهـــمّـــش، حــتــى لا يـنـتـج مـــواطـــنـــا قــــــادرا على النقد والمحاسبة، عند هذه النقطة لا يعود الفقر مجرد دخل منخفض؛ بل يكون تراجعا في القوة الاجـتـمـاعـيـة: ضـعـف فــي المــعــرفــة، وفـــي الصحة، وفي الثقة، وفي القدرة على التخطيط للحياة. لكن الصورة لا تتوقف عند الشموليات، ففي الرأسمالية المنفلتة أو «المُلتقَطة» من قِبل جماعات المـصـالـح، يتخذ التفقير مـامـح أكـثـر أنـاقـة وأقـل صخباً، هنا لا تُغلق أبواب العمل بقرار سلطوي مباشر، بل تُغلق تدريجيا عبر قواعد سوق غير عادلة: احتكار، وتلاعب بالأسعار، وتفاوت هائل في الأجـور، وتآكل الحماية الاجتماعية، وتمركز الأربــاح لدى قلة، وحين تتحكم الشركات الكبرى - الصناعية والغذائية والنسيجية وغيرها - في ســاســل الإنـــتـــاج والـــتـــوزيـــع والإعــــــان والـضـغـط السياسي، تُعاد صياغة المجتمع بوصفها مساحة استهلاك لا مجال عدالة. قد يكون الاقتصاد ناميا على الـــورق، لكن نموه يصبح نموا بلا إنصاف: وظــائــف هـشـة، وعــقــود مـؤقـتـة، وأجــــور لا تـــوازي التضخم، وطبقات وسطى تتآكل بصمت، بهذا المعنى، قد يُنتَج الفقر في قلب المدن الحديثة كما يُنتَج في الأطراف المنسية، لكن بأدوات مختلفة. أمــا فـي النظم الاشـتـراكـيـة حـن تنحرف عن هــــدف الـــعـــدالـــة إلــــى بــيــروقــراطــيــة مـتـصـلـبـة، فـــإن التفقير يأتي من باب آخر: مساواة شكلية تُخفي عــجــزا إنــتــاجــيــا، واحـــتـــكـــار لــلــدولــة يـتـضـخـم بلا كفاءة، عندما تُدار الموارد بمنطق الإدارة لا بمنطق الابــتــكــار، وحـــن تُــصـبـح الــدولــة رب الـعـمـل شبه الوحيد، تُقمع روح المـبـادرة ويتراجع الاقتصاد الـحـقـيـقـي، فـتـتـحـول الــعــدالــة مــن مــشــروع تمكين إلى نظام توزيع محدود لا يصمد أمام الأزمـات، وتـظـهـر المــفــارقــة: تُــرفــع شــعــارات الإنـــصـــاف، لكن المـواطـن يفقد جــودة التعليم والـخـدمـات وفـرص التطور، فيبقى فقيرا (بالخيارات) حتى لو امتلك حدا أدنى من الدخل. حــــتــــى الــــديــــمــــقــــراطــــيــــات لـــيـــســـت مــحــصــنــة، فالديمقراطية - إن لم تُدعَم بمؤسسات مستقلة، وقضاء قوي، وإعلام مهني، وسياسات منافسة عـادلـة - قـد تتحول إلـى مـسـارح شعبوية: وعـود تُشترى بها الأصوات، ثم تُموَّل بالعجز والديون، أو تُغطّى بفساد محمي بشرعية الصندوق، وهنا يظهر وجه آخر لصناعة الفقر: تسليع السياسة، يصبح المواطن رقما انتخابياً، وتصبح حاجته الـيـومـيـة مـــــادة لــلــمــزايــدة، وتُــســتــبــدل بــالإصــاح العميق مسكنات قصيرة العمر لا تبني اقتصادا منتجاً، ولا تحمي المجتمع من الانحدار. يُــذكّــرنــا الاقــتــصــاد الـسـيـاسـي الـحـديـث بــأن الفقر لا يُــقـاس بالدخل وحـــده؛ بـل بـالـقـدرة على الـعـيـش بــكــرامــة: تـعـلـيـم جــيــد، وصـــحـــة، وسـكـن، وفـــــرص عـــمـــل، وأفــــــق يــمــكــن تـــوقـــعـــه، لـــهـــذا، فـــإن مـكـافـحـة الـفـقـر لـيـسـت حـمـلـة خـيـريـة ولا خطابا عـــاطـــفـــيـــا، بــــل هـــنـــدســـة عـــــدالـــــة: دولـــــــة قــــانــــون لا دولــــة امــتــيــاز، واقــتــصــاد تـنـافـسـي لا احــتــكــاري، ومـــؤســـســـات رقـــابـــة لا واجــــهــــات، وتـعـلـيـم يـحـرر الإنسان لا يروضه. والـخـاصـة أن الفقير لا يـحـتـاج شـفـقـة، لأن الشفقة تُبقيه تابعاً؛ يحتاج عدالة قابلة للقياس: مـحـاسـبـة الـــفـــاســـد، وحــمــايــة المــنــافــســة، وإعـــــادة الاعــتــبــار لـقـيـمـة الــعــمــل، واســتــثــمــار حـقـيـقـي في التعليم والصحة، وشبكات أمان اجتماعي تعالج الصدمة لا تُديمها، عندها فقط يتحول المجتمع مــن اقـتـصـاد جـائـع إلـــى دولـــة مــواطــن: يـسـأل عن الحق لأنه لم يعُد مهددا في لقمة عيشه، ويطالب بالإصلاح لأنَّه يرى في الغد وعدا لا فخاً. روح السعودية الجديدة تكمن في إدارة الحركة الأحــــــــداث الـــعـــالمـــيـــة تــتــشــكّــل فــــي مـنـتـدى دافوس في سويسرا، وهو ما يُغري أي كاتب سياسي بالانشغال به بوصفه الحدث الأبرز سنوياً. ومع ذلك اخترت أن أكتب عن تجربة المشي في طريق محمد بن سلمان في الرياض، أكـــتـــب عـــن الـــطـــريـــق والـــطـــريـــقـــة، والــتــقــاطــع لا الــقــطــيــعــة. فــهــل لـــهـــذا الاخـــتـــيـــار مـــبـــرر؟ وهــل فـي قـــراءة المــدن مـن شوارعها وأهلها وسيلة أفضل لقراءة مختلفة للمجتمعات كما كتبت فــي كـتـابـي «الــعــمــران والـسـيـاسـة»؟ وهـــل هـذا النوع من القراءة يجعل شارعا في مدينة أكثر أهمية من منتدى عالمي؟ المنتدى مهم، ولا غرو، لكنه لحظة عابرة فــي تـقـويـم عـالمـي مـتـكـرر. أمـــا الـطـريـق الممتد مــن الــدرعــيــة، بـمـا فيها مــن رمــزيــة التأسيس وبــدايــات الــدولــة، إلــى قـلـب الــريــاض، فيحمل دلالات لــتــحــولات أعـــمـــق، لا مـــن حـيـث الشكل الــعــمــرانــي، بـــل مـــن حـيـث تـبـعـاتـه الـسـيـاسـيـة والاجــتــمــاعــيــة داخــــل دولــــة ذات تـأثـيـر عـالمـي مـتـزايـد. الـطـريـق هنا ليس حـدثـا، بـل مسار، وليس مشروعا مؤقتاً، بل تعبير عن فلسفة حـكـم تتشكّل عـلـى مـهـل وسـيـاسـات خارجية وداخلية واضحة وضوح هذا الطريق. المنتدى مجرد محطة على هذا الطريق: ألم تستضف المملكة يوما ما سُمّي «دافوس الصحراء»؟ زرت الرياض للمرة الأولى 1997 في عام فــــي ســـيـــاق بــحــثــي عــــن المــمــلــكــة وتــحــولاتــهــا السياسية والاجتماعية. آنـــذاك، كنت أجـري مقابلاتي مع السعوديين في بيوتهم. لم يكن ذلـــك خـــيـــارا ثـقـافـيـا، بـــل ضـــــرورة اجـتـمـاعـيـة. الـبـيـوت كــانــت الـفـضـاء لـلـحـديـث عــن الأفــكــار والأسئلة والقلق من التحولات. لم يكن الناس بـا آراء، بـل كـان المـجـال الـعـام نفسه لـم يولد بعد. اليوم، بعد ما يقارب ثلاثة عقود، أجريت مقابلاتي في المقاهي، وفي الشوارع العامة، بلا همس ولا تحفّظ. هذا التحول، في ذاته، أهم من أي مؤشر اقتصادي أو تقرير دولي. إنه انتقال من مجتمع تُدار أفكاره في الداخل، إلــى مجتمع تُــنـاقَــش فيه الأفـكـار فـي الفضاء العام؛ من سياسة البيوت المغلقة إلى سياسة الشوارع المفتوحة. ومن هنا يصبح الطريق مدخلا ضروريا لفهم ما جرى. الـــريـــاض مـديـنـة لا تُــفـهـم مـــن أعـــلـــى، من الـخـرائـط والـــقـــرارات، بـل مـن أسـفـل، مـن أقــدام مــن يـمـشـون فــي شــوارعــهــا ويــعــيــدون إنـتـاج مـعـنـاهـا يـومـيـا. وطــريــق محمد بــن سلمان، فـــي قـلـبـهـا، لـيـس مــجــرد مــســار هــنــدســي، بل علامة ثقافية تُقرأ ضمن شبكة من الإشارات. ما يجري في الرياض ليس تحديثا عمرانيا فحسب، بل انتقال في فلسفة الحكم: من إدارة السكون إلـى إدارة الحركة والتقاطع الواعي مع التاريخ. لأكـــثـــر مــــن نـــصـــف قــــــرن، كـــانـــت شـــــوارع الـريـاض مـمـرات لا أمـاكـن، والمـشـي فيها فعل غـيـر مـتـوقَّــع. الــيــوم، وأنـــت تمشي فــي طريق مـحـمـد بـــن ســلــمــان، تــــدرك أن الأمــــر يـتـجـاوز اســـم شـــــارع. الــطــريــق يـتـقـاطـع مـــع الـشـرايـن الـــرئـــيـــســـيـــة لــــلــــريــــاض: طــــريــــق المــــلــــك خـــالـــد، الأمــيــر تـركـي الأول، المـلـك فـهـد، الـعـلـيـا، الملك عبد العزيز، الجنادرية، والمـلـك سلمان. هذا الـتـقـاطـع لـيـس تـفـصـيـا هـنـدسـيـا، بـــل دلالـــة رمزية. كأن الطريق الجديد يمر عبر الطبقات الجيولوجية للدولة السعودية نفسها، ويمد الحاضر بمسارات من سبقوه من الملوك، من المؤسس عبد العزيز إلى من جاء بعده. ويتقاطع الطريق أيضا مع طريقَي أبي بكر وعثمان، وفـي ذلـك رمزية بالغة الدلالة: الدين ما زال هو الصمغ، أو الأسمنت، الذي يحفظ تماسك مجتمع يتغيّر من دون أن يفقد مادته الرابطة. فالتحديث يجري ويستند إلى حضور الدين مرجعية أخلاقية واجتماعية، لا أداة إغـاقٍ. كما أن في شارع العليا رمزية دور الطبقة الوسطى في عملية التغيير. الطريق هنا سـرديـة سياسية بامتياز. لـــيـــس قــطــيــعــة مــــع المـــــاضـــــي، بــــل تــضــفــيــر لـه فـــي الــحــاضــر. طــريــق يـحـمـل اســـم مـحـمـد بن سـلـمـان، لكنه يعبر طـــرق المــلــوك الــذيــن بنوا الدولة. الرسالة واضحة: التغيير ليس إنكارا لـلـتـاريـخ، بــل إعــــادة قـــراءتـــه وتفعيله بـرؤيـة جديدة. الطريق هو الجغرافيا، أمـا الطريقة فهي الفلسفة. فــي مقهى قـالـت لــي سـيـدة سـعـوديـة في منتصف الـثـاثـيـنـات جملة تختصر جوهر مــا يــجــري: «مـحـمـد بــن سـلـمـان مــنــا». لــم تكن عــــبــــارة عـــاطـــفـــيـــة، بــــل كـــانـــت مــفــتــاحــا لـلـفـهـم. الرجل لم يأت من خارج التجربة الاجتماعية السعودية. عايش التقييد، ونشأ في الرياض، وتعلّم في مدارسها وجامعاتها. ولهذا لم يكن التغيير ضرورة للمجتمع وحده، بل ضرورة شخصية له أيضاً. كــــان بــإمــكــانــه أن يـنـفـتـح وحـــــده ويــتــرك المجتمع على حاله. لم يكن التغيير مفروضا عليه، لكنه اخـتـاره؛ لأن التغيير هنا لـم يكن ترفا سياسياً، بل كان شرطا للاستقرار طويل المدى. المشي في طريق محمد بن سلمان يكشف عـن هــذا الـتـحـول أكـثـر مـن أي خـطـاب رسمي. الأرصفة، المساحات المفتوحة، المقاهي، طريقة مشي النساء والعائلات والشباب، واستقامة الأجساد، كلها علامات على مدينة استعادت ثقتها بنفسها. الــدولــة الـجـديـدة لا تفترض أن الـحـيـاة خـطـر، بـل إن الخطر الحقيقي في كبتها. كثير مــن مـشـاريـع الـتـحـديـث فــي الـشـرق الأوســـــط فـشـلـت لأنــهــا تـعـامـلـت مـــع المجتمع كـعـقـبـة. مـــا يـمـيـز الـتـجـربـة الــســعــوديــة الـيـوم أن الـتـغـيـيـر جــــاء مـــن الــــداخــــل، لا قـطـيـعـة مع التاريخ، بل تقاطعا واعيا معه. لكن الـسـؤال تغيّر. لـم يعد: كيف نمنع؟ بـــل: كـيـف نُــمــكّــن؟ ولـــم يـعـد الـسـكـون فضيلة، بـل الفضيلة فـي الـحـركـة. ومــن هــذا المـنـظـور، يــصــبــح طـــريـــق مــحــمــد بــــن ســلــمــان أكــــثــــر مـن شـــــارع؛ يـصـبـح بـيـانـا سـيـاسـيـا هـــادئـــا يـقـول إن روح الـسـعـوديـة الـجـديـدة تكمن فــي إدارة الحركة، لا إدارة السكون. عن تقلّبات الطقس والسياسة تقلبات الأحوال الجوّية غير تقلبات السياسة. الأُولـــــى تُــقـبـل مــن الـــنـــاس، ولـــو عـلـى مــضــض، على اعتبار أنها أمـور من تدبير القدرة الإلهية وخارج الـسـيـطـرة الإنـسـانـيـة، وأضـــرارهـــا وخـسـائـرهـا في الأرواح والممتلكات يمكن تعويضها. الثانية لا تُقبل (الــحــروب مـثـاً) على اعتبار أنــهــا مـــن صـنـع الإنـــســـان، وخــســائــرهــا لا تـعـوض، وآثــارهــا السلبية قـد تطول أعـوامـا طويلة، وقــد لا تقتصر على أمة أو شعب أو فئة اجتماعية. القاسم المشترك بـن الاثـنـن، أن لا شعب أو أمــة فـي مأمن منهما، أو من إحداهما. فـي ليبيا، على سبيل المـثـال لا الـحـصـر، رغم مـــا حــبــاهــا الـــلـــه بـــه مـــن اعـــتـــدال فـــي الــطــقــس طيلة العام، فإنها ليست في مأمن من تقلباته وانقلاب أحــــوالــــه. فـــي الأيـــــام الأخــــيــــرة، وعــلــى غــيــر الـــعـــادة، هـبـت عـلـى الــبــاد عـاصـفـة رمـلـيـة شــديــدة فــي مـدن الساحل، خصوصا فـي المناطق الشرقية، حجبت الرؤية وحولت النهار ليلاً، واقتلعت الأشجار من جـذورهـا، واضـطـرت السلطات إلـى منع المواطنين من الخروج من بيوتهم. الـــعـــواصـــف الــرمــلــيــة عــلــى اخــتــافــهــا هــــي، في العادة، سمة البلدان المتاخمة للصحراء، وليبيا من ضمنها. الفرق في العاصفة الأخيرة أنها هبت على الـبـاد فـي وقـت ليس مألوفاً؛ إذ إن أغلبها، عـادة، يـهـب فـي أوقـــات مـا بـن تغير الـفـصـول، خصوصا مع اقتراب نهاية فصل الشتاء وقدوم فصل الربيع. ومثل غيرها من العواصف، جاءت وغادرت سريعاً، وأعقبها هطول مطر أفضى إلى التخلص من كل ما تركته معلقا في الجو من أتربة، واستعادت السماء صحوها. لكن فـي حـركـة الــواقــع الـيـومـي، بقيت تقلبات الأزمـــات السياسية على حالها، وازداد المواطنون اخــتــنــاقــا مـــن ســــوء الأحـــــــوال وتــــدهــــور الـــخـــدمـــات، ابــــتــــداء مـــن ازدحـــــــام الــــشــــوارع والـــطـــرقـــات بـحـركـة المــرور وإصابتها بالشلل، وانتهاء بالأزمة المالية الـتـي يـؤكـد خــبــراء اقـتـصـاديـون أنـهـا تـهـدد الـبـاد بـــالإفـــاس، والــلــجــوء إلـــى الاقـــتـــراض والاســتــدانــة. سـعـر الـــــدولار مـقـابـل الــديــنــار الـلـيـبـي تــجــاوز هـذه الأيام حاجز التسعة دنانير. التقلبات السياسية في مختلف قـارات العالم وما تفضي إليه من أزمـات دولية وحـروب، لا تزال تحول بين شعوب وأمم العالم وبين السلام. الحرب التي قادتها أميركا في بداية التسعينات من القرن المـاضـي ضـد الـعـراق مـثـاً، أدت إلــى اقـتـاع النظام البعثي من جــذوره بعد إعــدام رئيسه، لكن آثارها السلبية لا تزال باقية إلى يوم الناس هذا. والإعصار «الترمبي» في أميركا يكاد يكون مثالا نموذجيا لمــا تـحـدثـه الأعــاصــيــر والــعــواصــف الـسـيـاسـيـة من تغييرات في العالم. إحكام ربط أحزمة المقاعد لن يعصمنا من دوار التغيير أو خطر السقوط. الــــــافــــــت فــــــي الأمـــــــــر أن الــــتــــقــــلــــبــــات الـــجـــويـــة والسياسية على السواء تحظيان باهتمام الناس ووســـائـــل الإعــــام لـكـن لأســبــاب مختلفة. إذ يمكن تفادي الأولــى من خـال الحيطة والـحـذر المسبقين عبر تـحـذيـرات محطات الـرصـد الـجـوي. وتحرص وسائل الإعلام المختلفة على رصد ومراقبة الطقس في نشراتها والتنبؤ بتقلباتها مستندة إلى خبراء الطقس مـن علماء ومـا أبدعته التقنية مـن أجهزة متطورة، في حين يفشل خبراء السياسة في التنبؤ بــاتــجــاه الـــريـــاح فـــي الــســيــاســة، رغــــم اجـتـهـاداتـهـم وفــــق مـــا يــتــوفــر لــديــهــم مـــن مــعــطــيــات. لــعــل أفـضـل مـثـال يحضرنا فشلهم فـي التنبؤ بـمـدى التغيير المحتمل حدوثه في علاقة أميركا بالعالم عموماً، وبحلفائها خصوصاً، بعد وصول الرئيس الحالي ترمب إلى السلطة. ما نشهده يحدث يوميا في أميركا هذه الأيام يعد - في رأيي - ثورة بالمعنى الحرفي للكلمة. ثورة تهدف إلى جرف كل ما أرساه عبر مائتين وخمسين عاماً، الآباء المؤسسون الأميركيون من قيم ومبادئ ودسـتـور وتقاليد وفصل بين السلطات، ومكانها يتم ترسيخ قيم ومبادئ أخرى. وكل ذلك يتم وفق رؤيـة يمينية انعزالية، تحت شعار زئبقي يسمى «استعادة مجد أميركا».

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky