لـيـس معنيا الـشـاعـر عـقـل الـعـويـط في «كتاب الغرفة» الذي صدر له حديثا عن «دار نوفل» في بيروت، لا بالتسميات ولا بالأنواع الأدبـــــيـــــة. هــــو يـــكـــتـــب نـــصـــا يـــشـــبـــهـــه. «ســــرد مفتوح»، تتداخل فيه الأزمنة والشخصيات والـــذكـــريـــات الــتــي يـسـتـدعـي واحـــدهـــا الآخـــر، ويـبـقـى المـــحـــور هـــو الــغــرفــة الــتــي قـــد تصبح البيت برمته، أو الرحم الدافئ لشاعر اختار أن يتعاطى مع العالم على طريقته: «لا أبحث عن المـال، ولا الشهرة، ولا العلاقات الاجتماعية، ولا المجاملات، ولا مـآدب الأكـل، ولا الشراب، ولا الترف، ولا الجاه، ولا المقامات الزائلة... أنـــا هـنـا مَــلــك غـــنـــيٌّ، فـمـن مـــثـــلـــي؟!». ذلـــك لأن كاتبنا في غرفته التي اختارها مقاماً، يعيش حالة من الانخطاف، أو استبدال بكل ما هو خارجي كونه الذاتي الذي يستكمل حضوره بــالــقــراءة والـكـتـابـة والـتـفـكّــر. «بــمــقــدوري أن أُمــــضــــي أيــــامــــا مــتــتــالــيــة بــلــيــالــيــهــا فــــي هـــذه الغرفة، دون أن أشعر بالرغبة في مغادرتها إلا لسد جوع وعطش». خيار العزلة وجوديٌّ، مــن فـضـائـلـه حـمـايـة الـــــذات، وإشـــعـــال جــذوة الـنـبـش فـــي حــنــايــاهــا، حـيـث صـحـبـة الكتب والحبر والــورق وأصـدقـاء القلب، تحمي من مــصــادقــة الانــتــهــازيــن والمــــرائــــن ومـاسـحـي الجوخ ومقبّلي الأحذية، والمرتشين وبائعي الـضـمـيـر. «أنــظــر إلـــى هـــذا الــعــالــم الـخـارجـي المقيت وأبصق». السرير الأيقونة مــــن مـــحـــطـــة شـــــــراء الـــســـريـــر الـــحـــديـــدي الــقــديــم الــــذي سـيـتـحـول إلـــى أيــقــونــة الـغـرفـة ومحورها تبدأ الرحلة، التي ظنها الكاتب، بـــضـــع صــــفــــحــــات، فــــــــإذا بـــهـــا تـــتـــنـــاســـل، فـي انـــســـكـــاب لــــلــــتــــذكــــارات، يــجــعــلــك تــشــعــر بـــأن الـحـواجـز هُــدمــت، والمـــوانـــع انـكـسـرت، وحــان وقت الحقيقة، لأن تتجلى كما هي. نـثـر شـــعـــري، أو شــعــري نــثــري لا فـــرق، يـمـر بــك فــي طـرابـلـس حــن كـــان فــي المــدرســة الثانوية، ثـم الانتقال إلـى بـيـروت للالتحاق بكلية التربية حيث كـانـت فــورة استثنائية وحركة تشكل الوعي المجتمعي والسياسي. ثم بدء التفتح على الحياة في منزل الشقيقة الـــكـــبـــرى بـــعـــد زواجـــــهـــــا، ومـــشـــاركـــة ولــيــدهــا غرفته وتربيته، والمغامرات الشبابية الأولى في اكتشاف الجسد، وإطلاق العنان للهوى، قـــبـــل أن تــــصــــاب الـــشـــقـــيـــقـــة بــــمــــرض عـــضـــال وتفارق الحياة، ويغيب السند. يـــخـــبـــرنـــا الـــكـــاتـــب بـــــأن ديــــــــوان «مـــقـــام الــســروة»، كـان مرافقة شعرية لمـوت شقيقته يــومــا بــيــوم ولـحـظـة بـلـحـظـة، «مــعــرّيــا المــوت نفسه مــن رائـحـتـه الـعـفـنـة، مضيفا عليه ما يجعل الحياة باللغة بديلا عن الحياة». الانتقال إلى غرفة في شارع الحمرا عند جـــدة أحـــد الأصـــدقـــاء هـــي المـحـطـة الـوسـطـيـة التي سننتقل بعدها إلـى الشقة المشتراة أو الغرفة الأساس، وموطن كل الكتابات اللاحقة لـكـاتـبـنـا فـــي صـحـيـفـة «الـــنـــهـــار» مـــن مـقـالات ونصوص وأبحاث، بعد إقامة خمس سنوات في قبرص مع وكالة الصحافة الفرنسية. في هذا البيت الجديد سيكتب العويط كل نتاجه: «افتحي الأيـام لأختفي وراءهــا»، و«ســـــــــراح الـــقـــتـــيـــل»، و«إنــــجــــيــــل شــخــصــي»، و«وثـــيـــقـــة ولادة»، و«ســكــايــبــيــنــغ»، ومــــا لم ينشره بـعـد، وكـذلـك «كـتـاب الـغـرفـة الأخـيـر» الــذي بين أيدينا؛ هـذا المـؤلّــف الــذي به يتوِّج الــشــاعــر آخــــر كــتــابــاتــه فـــي هــــذا المـــكـــان الـــذي سكنه ســنــوات طـــوال مــطــا عـلـى الـبـحـر، في يـــســـوع المـــلـــك شـــمـــال بــــيــــروت. فـــتـــرة خـصـبـة يــزيــدهــا أهـمـيـة كـتـابـه الــبــوحــي هــــذا، كأنما هو عصارة تلك الإقامة التأملية، وماهيتها، وشجونها، وجنوحها. فـأنـت تـقـرأ خلاصة مرحلة، وماؤها الزلال، ورحيقها. القبض على الزمن لـهـذا فــإن «كـتـاب الـغـرفـة» بالنسبة إلى مؤلفه يشبه سجلا توثيقيا وجدانياً، لمرحلة يـريـد أن يقبض عليها، قـبـل أن تـتـسـرب من بـن أصـابـعـه، وتـتـاشـى. وهــو أيـضـا فسحة للتعبير عن السخط، كما للاعتراف بالشغف والتعبير عــن الامــتــنــان، للغة الـعـربـيـة التي هي أداة القول والجمال، والتجلي في الكتابة عـــن صــــوت فـــيـــروز الـــــ«بــــركــــة» والـــــ«مــــنــــارة»، حـيـث خـصـص لــه صـفـحـات مــن الـعـشـق ورد للجميل. وثمة عــودة إلـى العائلة الحاضنة الـــدافـــئـــة الـــتـــي تــتــحــول إلــــى حـــصـــن، والـكـتـب بـمـا تمثله مــن امـــتـــداد لـفـلـسـفـات أصحابها ورؤاهـــم، ثم الموسيقى ومفعولها السحري. مكونات الغرفة الجمالية من كتب ولوحات وأسطوانات ووثائق، تجعلها عالما متكاملاً، يحقق المـتـعـة والاســتــغــنــاء، إذ بهما يكتمل العيش؛ «فمَن تسكنه الأشياء لا يحتاج في الـــضـــرورة إلـــى الـبـقـاء المـلـمـوس فــي الأشــيــاء، لكي تظل تسكنه الأشياء». جدران الغرفة مرايا الذات وانعكاساتها، حـيـث يــأتــي الــســرد كـفـيـض مـتـاحـق، كأنما سُكب مرة واحــدة: بـوح، واعترافات، وجـرأة، وذهـــاب إلـى الأقـصـى، وفـي الغضب والـفـرح، وتــشــريــح الــــــذات، ونـــقـــد الآخــــــر، والـــغـــرق في الحب واكتشاف الأبوّة. غرف الأدباء فــالــغــرفــة لـيـسـت مـنـقـطـعـة عـــن الــعــالــم، بـل هـي الحبل الــسُّــرِّي الـــذي يسهّل فهم هذا الـغـائـب، وهـــي أيـضـا تحيل إلـــى غـــرف أدبـــاء مـشـاهـيـر، مــثــل: فرجينيا وولــــف، وكـولـيـت، وإرنــــــســــــت هــــمــــنــــغــــواي، ومـــحـــمـــد المـــــاغـــــوط، ومـــحـــمـــود درويـــــــش، وآخــــريــــن. لـكـنـهـا غـرفـة عــقــل الــعــويــط الــخــاصــة الــتــي لا تـشـبـه غـرفـا أخرى، فهو جمعها قطعة بعد أخرى، لتأتي على مذاقه، إذ إن أهم ما فيها خصوصيتها وذاتيتها، وفرادتها، حيث تصلح لأن تتحول إلى نص، له عمق وجودي، ولغة متحررة من قيودها، وعربية تليق بها. فالعويط في تعاطيه مع العربية، يعبّر عن حب يرتفع إلـى مستوى الشراكة، لا؛ بل الذوبان. «عشت وحيداً، هذا صحيح للغاية. لكنني أقيم في اللغة العربية. هي بالأحرى تقيم فــيّ؛ فكيف أكــون وحــيــداً؟!». فهي لغته الــــتــــي يـــكـــتـــب بـــهـــا ويـــفـــكـــر ويــــقــــرأ ويــتــبــتــل، مــمــا يـتـيـح لـــه وهــــو يـــــذوب فـــي حــنــايــاهــا أن يضع نفسه «فــي مـصـاف العشاق الزاهدين المتواضعين» الذين لا يحبون الاستعراض. عشق نحت الكلمات حب اللغة جاءه من خاله الشاعر، الذي كــان يصطحبه مراهقا إلــى السينما، يجول بـــه فـــي صــــالات الــشــمــال الـلـبـنـانـي الجبلية؛ مــــن حــــــدث الـــجـــبـــة إلــــــى حــــصــــرون وبــــشــــري. الـــخـــال هـــو قــــارئ تــجــاربــه الـكـتـابـيـة الأولــــى، وهو الذي علَّمه العَروض والأوزان، وتقطيع الشعر. وهـو أيضا حلقة في سلسلة عائلية كان لها فضل التكوين المتوازن، الحامي من العواصف التالية. يـنـتـهـي الــكــتــاب بـتـحـضـيـرات الانــتــقــال إلـى غرفة أو بيت جديد فـي بـيـروت، بعد أن كــتــب الـــنـــص الــــوداعــــي فـــي الـــغـــرفـــة الأســــاس الـــتـــي هـــي مـــحـــور الـــنـــص ومـــــــداره. وتـتـحـول الإقـامـة فـي العاصمة، إلــى اختبار جـديـد به ينتهي السرد، لكنه يفتح أفقا على تساؤلات شتى. فالكاتب لـم يـغـادر بـيـروت يـومـا، لأنه كـــــان يـــأتـــيـــهـــا ويــعــيــشــهــا ويــــازمــــهــــا بـشـكـل شبه يومي، لكنه الآن سيصبح مقيما فيها ومتورطا في تفاصيلها. فالغرفة انتقلت إلى هـنـا. و«فـــي المـكـان الغريب هـــذا، أســـأل ذاتــي: هـــل سـأتـمـكـن أنــــا هــــو، هــــذا الــشــخــص المــائــل الآن وراء الـــزجـــاج، الـــراغـــب بــقــوة هـائـلـة في تأسيس عـاقـات شعرية وروائــيــة وفلسفية مـع عـالمـي الـجـديـد... هـل سأتمكن مـن كتابة ذاتي المنقولة إلى مكاني الغريب الذي هنا؟». مونولوج شعري الـــــنـــــص يـــشـــبـــه مــــونــــولــــوجــــا شـــعـــريـــا، ومـــراجـــعـــة ذاتـــيـــة لـعـمـر انــقــضــى، ومــحــاولــة اســـتـــكـــشـــاف مـــامـــح مـــرحـــلـــة مــقــبــلــة، اخـــتـــار لها الـكـاتـب شـروطـهـا وجغرافيتها، بعد أن امتلك شجاعة نقل مملكته الخاصة بكتبها ودفــــاتــــرهــــا وذكـــريـــاتـــهـــا إلـــــى مـــكـــان جـــديـــد، يـحـتـاج إلـــى بــنــاء ألــفــة ومـــــودة. هــكــذا تغلَق الصفحات على تـسـاؤلات حــول مـا ستكونه الحياة البيروتية، في مدينة «مـا بقي منها هو مقبرة ذكـريـات... محفوظة في الطبقات الجريحة والخلاقة» من حياته السابقة. أما الوحدة التي هي خيار الكاتب، في مختلف الأمكنة التي انتقل إليها، وجعلته غنيا بذاته، فهي خيار وجودي بحيث يبقى الآخر «زائـرا غير مقيم». هذا لا يتعارض مع الـــصـــات الـعـشـقـيـة، والـــصـــداقـــات الـحـمـيـمـة، والـــعـــاقـــات المــخــلــصــة. فـــالـــوحـــدة هـــي الـتـي تجعل الـــفـــرادة مـمـكـنـة، والـتـجـربـة مختلفة. والمُقام في الغرفة أو البيت ليس عزلة بالمعنى المــؤلــم بــل هــو مـتـعـة مــا دام بصحبة أشـيـاء المتحف الـخـاص الــذي جمع فيه صاحبه ما كان يحلم بالإقامة معه من أعمال فنية، تضخ في صاحبها دفق الحياة. «صرت أنا نفسي امــتــدادا لـهـذه المكتبة الـتـي تمدني بالشغف والأمل، وتجعلني من سكان المطلق». مصالحة ما لا يُصالَح المتناقضات جــزء أسـاسـي مـن السيرة، لا؛ بــــــل ثــــمــــة ســــعــــي دائـــــــــــم إلــــــــى مـــصـــالـــحـــة المتباينات، بحيث تصبح جـــزءا مـن طبيعة الـسـيـرة نـفـسـهـا. «يـجـتـمـع فــي مــا لا يجتمع الـــيـــأس والأمــــــل، الـــجـــدار والــحــلــم، الـهـشـاشـة والقوة، الهزيمة والفوز». سيرة عقل العويط، تبدو للوهلة الأولى حـــكـــايـــة شـــعـــريـــة لــشــخــصــيــة هـــشـــة ســريــعــة العطب، فيها خروج على التقليدي والمعتاد، لكن الميزان الشخصي يعود ويجد بوصلته بفضل الحصانة الـروحـيـة المتأتية مـن بيت العائلة والوالدين اللذين صنعا معا بالخبز والزيتون والرضا والأنفة، عالما لا يشبه في معاييره الأخلاقية والقيمية الزمن الراهن. ســـــيـــــرة شــــعــــريــــة تــــأمــــلــــيــــة، تـــــمـــــزج بــن الــتــوثــيــق الــــذاتــــي والــتــفــســيــر الـفـلـسـفـي مما يـجـعـلـهـا نـصـا حـــرا مـتـخـفـفـا مـــن كـــل قـيـد إلا الرغبة في البوح. «كتاب الغرفة» بالنسبة إلى مؤلفه يشبه سجلا توثيقيا وجدانيا لمرحلة يريد أن يقبض عليها قبل أن تتسرب من بين أصابعه وتتلاشى الثقافة CULTURE 18 Issue 17226 - العدد Monday - 2026/1/26 الاثنين طلال فيصل يطرح إشكاليته في «جنون مصري قديم» التاريخ حين يصبح عاجزا عن احتواء الذعر الإنساني فـــــي روايــــــتــــــه «جـــــنـــــون مــــصــــري قـــديـــم» يضع الــروائــي المـصـري طــال فيصل المـرويّــة التاريخية في مختبر سردي بوصفها مادة فنية مرنة تتشكّل داخل بناء تخييلي جديد، حيث تصبح النصوص التاريخية القديمة جزءا من النسيج الحكائي المعاصر، وشريكا في تساؤلاته وحيرته إزاء كتابة التاريخ. فـــي الــــروايــــة، الــــصــــادرة أخـــيـــرا عـــن دار «ديــــوان» للنشر بـالـقـاهـرة، تنطلق الحكاية مـــن عـتـبـة أســـتـــاذ تـــاريـــخ أكــاديــمــي مُــتـقـاعـد، تـقـوده حزمة أوراق لمــؤرخ مملوكي مجهول يُدعى جلال الساعي إلى مغامرة تحويل تلك الأوراق وصوت صاحبها إلى رواية، مغامرة تجعله يجلس على مقعد الـروائـي لأول مرة في حياته، بعد سنوات طويلة من التعامل مع التاريخ بوصفه علما صـارمـا، ليكتشف داخــل نفسه دافعا وجـوديـا للكتابة: «غرقت في الكتابة وأنــا لا أعــرف حتى هـذه اللحظة لــــم أكـتـبـهـا روايــــــة. لـعـلـي أســـلّـــي نـفـسـي وقــد خرجت على المعاش، ولعلي أجرب حظي في شيء جديد ربما ينفعني بما لم ينفعني به التاريخ». تعلن الـــروايـــة انـحـيـازهـا الـصـريـح لفن الــحــكــايــة، فـــي مــواجــهــة إقـــصـــاء المــشــاعــر من ســرد الـوقـائـع. فـالـتـاريـخ -كـمـا يـــراه الـــراوي- عاجز عن احتواء الخوف والذعر والانكسار الإنـــســـانـــي: «لـــســـوء الـــحـــظ، يـهـمـل المـــؤرخـــون تماما أمــر المشاعر وهــم يـدونـون لنا أحــداث ما جرى». بهذا المعنى، لا تتحوّل الرواية إلى مجرّد استعادة لسيرة «الأشــرف برسباي»، أحــــد أبـــــرز ســـاطـــن دولـــــة المــمــالــيــك، بـــل إلــى مـسـاءلـة جـذريـة لطبيعة المـعـرفـة التاريخية نفسها، وحدودها الموضوعية، وكيف يُعاد إنــــــتــــــاج الـــــوقـــــائـــــع داخــــــل خــــطــــاب ســـــــردي يــعــتــرف بـــــتـــــدخّـــــلـــــه وتــــــأويــــــاتــــــه وشططه. لعبة الاسم لا يـــــكـــــتـــــفـــــي طــــــال فــيــصــل بـــرســـم شـخـصـيـة راو متقاعد يحوّل أوراقـا تـاريـخـيـة إلـــى روايــــــة، بل يبدأ لعبته السردية منذ اللحظة الأولى حين يُطلق اسمه الحقيقي على اسم بـــطـــلـــه الـــــــروائـــــــي نـــفـــســـه، ليحمل أسـتـاذ الـتـاريـخ المُــتـقـاعـد اســم «طـال فـــيـــصـــل»، فــــي تـــطـــابـــق مـــقـــصـــود بــــن المـــؤلـــف وشــخــصــيــتــه الــــروائــــيــــة، بـــمـــا يـــضـــع الـــقـــارئ مــبــاشــرة داخــــل منطقة ملتبسة بــن الـكـاتـب والراوي، وبين من يكتب ومن يُكتب عنه. لا يـعـمـل هــــذا الــتــطــابــق بــوصــفــه حيلة شكلية، بل بوصفه تقنية سردية تنتمي إلى تقاليد التخييل الــذاتــي والمـيـتـا ســـرد، حيث يـــتـــحـــوّل فــعــل الــكــتــابــة نــفــســه إلــــى مــوضــوع لـلـحـكـي، ويـتـقـمّــص المــؤلــف شخصية داخــل عمله، لا بوصفه مؤرخا يمتلك سلطة المعرفة، بـــل بــوصــفــه راويـــــا مــرهــقــا، مــتــقــاعــداً، يكتب لـيـقـتـل الـــوقـــت، ولـيـسـلّــي نـفـسـه فـــي وحــدتــه، وفنيا فإن حضور الكاتب باسمه داخل النص لا يهدف إلــى ترسيخ سلطة المـــؤرخ، بـل إلى تفكيكها، وتحويل السرد إلى مساحة نقدية يـتـجـاور فيها البحث والتخييل، والوثيقة والــشــك، فـي صيغة روايـــة تعيد التفكير في الماضي أكثر مما تكتفي باستعادته. لا تـــســـتـــدعـــي الــــــروايــــــة زمــــــن المـــمـــالـــيـــك بــوصــفــه زمــنــا غـــابـــرا يُـــــروى مـــن مــســافــة، بل بـــوصـــفـــه نـــمـــوذجـــا أولــــيــــا لـــجـــنـــون الــســلــطــة حين يتحوّل الحكم إلـى «لعبة» لا تخلو من مشاهد هزلية وســوداويــة مـعـا، مثل مشهد تنصيب سلطان «رضيع» على رأس السلطة، فـي إشـــارة إلــى عـالـم يحكمه الـعـبـث: «يشير ططر للأمير ببغا المظفري، أكبر المماليك سنا ومقاماً، أن يجاور السلطان أثناء تنصيبه، وتظهر مشكلة بسيطة حين يحاولون وضع عمامة السلطنة على رأسـه فيفاجئهم صغر رأس الصغير وهي تغطس في العمامة». طبقات الصوت تـنـهـض الـــروايـــة عـلـى مـعـمـار أسـلـوبـي مركّب يقوم على تبادل الأصـــوات السردية؛ هناك أولا صـوت المــؤرخ التاريخي المُعايش لــزمــن المــمــالــيــك، الــــذي يـكـتـب مـــن قـلـب زمـنـه وبمنطق الشاهد لا المعلِّق اللاحق، فتتحرّك لغته فـي أفــق يـومـي مـألـوف مـا بـن الأمـــراء، والمــــــؤامــــــرات والأســـــــــــواق، والـــبـــيـــمـــارســـتـــان، وأبواب القاهرة، في تسجيل وقائعي ينشغل بمنطق التدوين بلغة المخطوطات القديمة، بما في ذلك الدعاء الذي يُذيّل أوراق المؤرخين القدامى: «ولعل الله يغفر له بحسن صنيعه مع بركة». إلــــى جـــــوار هــــذا الـــصـــوت، يـــبـــرز صــوت البطل العليم المـتـدخّــل، الـــذي يُــعـلّــق ويفكك ويــؤوِّل بسخرية هادئة وهـو يكتب روايته، بـــمـــا لا يــخــلــو مــــن تــحــلــيــل نــفــســي وتـفـكـيـك مـنـطـقـي لــلــمــرويــة الــتــاريــخــيــة، يــضــاف إلــى هــذيــن الـصـوتـن طـبـقـة ثـالـثـة تـعـمـل كجسر بـــيـــنـــهـــمـــا، وهـــــــو صـــــــوت شـــــيـــــوخ الــــتــــدويــــن ومـــؤرخـــي الـعـصـر المـمـلـوكـي أنـفـسـهـم، عبر تـوظـيـف مـقـاطـع مقتبسة مــن كـتـب الـتـاريـخ للمقريزي وابـــن إيـــاس وبـــدر الـديـن العيني وابن تغري بردي، وكتبهم التي تُعد في علم التاريخ مصادر أولية لفهم ذلك الزمن. لا تُـــــــــدرج تـــلـــك الــــنــــصــــوص بــوصــفــهــا إحـالات علمية، بل بوصفها أصواتا سردية مــســتــقــلــة تـــضـــع الـــــقـــــارئ داخــــــــل المـــنـــظـــومـــة المـــعـــرفـــيـــة الـــخـــاصـــة لـــزمـــن المـــمـــالـــيـــك، حـيـث تـــخـــتـــلـــط الـــســـيـــاســـة بـــالـــغـــيـــبـــي، والـــســـلـــطـــة بالتأويل، والوقائع بالكرامات والنبوءات. يخلق هــذا الـتـراكـب الصوتي مساحة تـبـادلـيـة بــن كــل مــن خـطـاب المــــؤرخ الـقـديـم، وخطاب الراوي التاريخي المعايش، وخطاب الــــراوي المـعـاصـر الـنـاقـد، بـمـا يـقـدم الـتـاريـخ كـــنـــص مـــفـــتـــوح يـــعـــيـــد مـــســـاءلـــتـــه بـــــــدلا مـن تكريسه. ولا يـكـتـفـي الــــراوي بـالمـعـايـشـة أو التعليق، بـــــل يـــتـــحـــكـــم فـــــي الـــســـرد بـــوصـــفـــه صـــانـــع حـبـكـة، فـهـو، على سبيل المـثـال، حين يتحدث عن صعود «بـــدر الـعـيـنـي» فــي بـاط «بـــــــرســـــــبـــــــاي»، لا يــــقــــدّم الـــوقـــائـــع دفـــعـــة واحــــــدة، بـل يصنع تـوتـرا سرديا مــــقــــصــــوداً: «لـــــم يـجـتـمـع مـــجـــلـــس مــــشــــورة واحــــد فـــــي زمــــــن بــــرســــبــــاي، إلا وكـــــــــان الــــــرجــــــل حــــاضــــرا فيه حتى حــدث مـا حــدث مما سنأتي على ذكـــره لاحــقــا». وهـــو أســلــوب ســـردي يتحكم فــي الإيـــقـــاع، ويــؤجّــل الــحــدث عــمــداً، ويعيد توزيعه على الزمن الحكائي، ويتحوّل «بدر الـعـيـنـي» مــن شخصية تـاريـخـيـة إلـــى بطل فـي حبكة روائــيــة لـه صـعـود ونـفـوذ وذروة وانكسار مؤجّل. العدالة التاريخية يــــقــــود الــــســــرد إلــــــى مـــســـاءلـــة الــــذاكــــرة الــثــقــافــيــة، فـــلـــمـــاذا بــقــي المـــقـــريـــزي حــيــا في الوعي العام، بينما تراجع بدر العيني؟ ومن يصنع قانون المؤرخين؟ ومن يقرّر من يبقى ومـن يُنسى؟ في ظل سـؤال مفتوح حـول ما إذا كان التاريخ علما مُحايدا أم فنا سرديا مــحــكــومــا بـــالاخـــتـــيـــار والـــــرؤيـــــة. أمـــــا جـــال الــســاعــي، كــاتــب الأوراق المــجــهــول، فيحمل رمـزا فنيا لمن سقطوا من الـذاكـرة الرسمية، فقد عاش الطاعون، ورصد الجنون، وشهد شـطـط الـسـلـطـة، ثــم اخـتـفـى اســمــه مــن كتب التاريخ الكبرى، وكأن الرواية كلها محاولة إنقاذ أثر إنسان محذوف من السجلات. غير أن «الجنون» يظل الثيمة المركزية الــــتــــي تــنــتــظــم حــــــول الــــــروايــــــة كـــلـــهـــا، لـيـس بوصفه توصيفا نفسيا فـرديـا، بـل معيارا سياسيا وأخـاقـيـا، مـن «المــؤيــد شـيـخ» إلى «برسباي»، ومن رجال البلاط إلى المحتالين و«البهلوان»، فتدور السلطة في فلك فقدان الـرشـد، ويتحوّل الجنون إلـى مبدأ بنيوي لفهم الـسـيـاسـة، بما تـوحـي بـه عـبـارة على لــســان الـشـخـصـيـة الـــروائـــيـــة الــتــي تتقمص «المــــقــــريــــزي»، وتـــلـــخّـــص رؤيـــتـــهـــا الــــســــوداء للسلطة: «أظنهم جميعا مجانين يا خالي، غير أن جنون هذا باهظ التكاليف». القاهرة: منى أبو النصر متلازمة العشق والموت تـــهـــيـــمـــن أجـــــــــــواء الــــشــــجــــن والـــــفـــــقـــــدان والـــــحـــــنـــــن عــــلــــى أحـــــــــدث مــــجــــمــــوعــــة ولـــيـــد خــيــري الـقـصـصـيـة، المـعـنـونـة «المـــنـــزل» -دار «الــعــن» بـالـقـاهـرة- حيث فــضــاءات الـذاكـرة الـــتـــي يـسـتـعـيـد فــيــهــا الــــــــراوي مـــشـــاهـــد مـن الطفولة والمراهقة وسنوات الشباب الأولى فـــي أجـــــواء عـائـلـيـة حـمـيـمـة تـعـكـس جـوهـر الـــحـــيـــاة بــبــســاطــتــهــا ونـــقـــائـــهـــا حــــن كــانــت الأمــــور محملة بـالـرقـة بـالمـعـانـي خـالـيـة من الصراعات الزائفة واللهاث. تـطـل ثـنـائـيـة الـعـشـق والمــــوت مـتـازمـة تـحـاصـر أبــطــال المـجـمـوعـة؛ فــالمــوت يلاحق الجميع مــن أم وأب وجــــدة، كــل مــن نسجوا علاقات حميمة مع الراوي/الطفل، مصيرهم الـرحـيـل فــي فــضــاءات قــد تـأتـي مـوجـعـة، أو شفافة تطبع قبلة حانية على الروح لتخفف من ألم الفراق، أما العشق فهو الوجه الآخر الذي يثبت عمليا أن مصير البشر معلق بين الشقاء والسعادة، وما الحياة سوى ركض لاهث نحو أي منهما. على هذه الخلفية، لا نندهش إذا لاحظ الراوي أنه «في اليوم الذي ماتت فيه جدته، لم يتغير في الغرفة شيء سوى أنها غادرت فــراشــهــا لـــأبـــد»، أو أن يـتـم اســتــدعــاء الأب الراحل عبر طقوس صغيرة مثلما في قوله: «كـلـمـا جــمّــرت الـخـبـز عـلـى نـــار الـبـوتـاجـاز، ظهر أبــي وأعـــد لنا الإفــطــار»، وبالتالي من الــطــبــيــعــي أن يــعــيــد اكـــتـــشـــاف غـــرفـــتـــه بـعـد رحيله قائلاً: «الغرفة الضيقة كانت صغيرة، لكنها حملت موت أبي وبداية روايتي». جـــاء الـبـنـاء الـفـنـي لقصص المجموعة مــعــتــمــدا عــلــى الـتـكـثـيـف الـــشـــديـــد، ضــربــات فــرشــاة سـريـعـة تـرسـم مـامـح الألـــم وتـحـدد بؤرته القصوى في أقل عدد من الكلمات عبر لغة رشيقة، سلسلة ومتدفقة رغـم طابعها المقتصد، ثم سرعان ما تأتي النهاية محمَّلة بـالمـفـارقـة الـتـي قــد تـرسـم ابـتـسـامـة سـاخـرة على الشفاه بقدر مـا توجع الـــروح وتشعل لهب الحنين. ومـــن أجــــواء المـجـمـوعـة نــقــرأ مــن قصة «هل يمكنك أن تأخذني إلى حلمي»: «أشرت إلى سيارة أجرة، وقلت لقائدها حـيـنـمـا تـــوقـــف: هـــل يـمـكـن أن تــأخــذنــي إلـى حلمي؟»، هز رأسه بالموافقة دون أن يتكلم، وضغط زر تشغيل الـعـداد. أفقت بعد قليل عــلـى صــــوت صــــراخ مــكــابـح الــتــاكــســي، فقد كــاد يـدهـس امـــرأة غاضبة اعـتـرضـت طريق حلمي. أمعنت النظر في العابرة التي أعادت لملمة روحــهــا، قـبـل أن تـحـدق فـــي ساخطة، كــانــت معلمة الـــدراســـات الاجـتـمـاعـيـة التي سحبت مني فنجان التفوق الـذي سلمتني إياه معلمة اللغة العربية. قالت لي في بساطة مُذلة ذبحتني: «لا تستحقه»، ثـم منحته بكل أريحية لصباح محيي الدين زميلة الصف الرابع الابتدائي بــمــدرســة الـــفـــيـــروز الابـــتـــدائـــيـــة المــشــتــركــة... طلبت من السائق أن يستكمل طريقه حتى ناصية مراهقتي، فتطلع في المـــرآة، وأومــأ. طـــوال الـطـريـق تحاشيت أن أختلس النظر إلــى لـوحـة الـعـداد مخافة أن يظنني بخيلا يحسبها، مجرد عدم النظر يمنحه شعورا أني سأجزل له العطاء، ويكمل رحلة الأحلام دون تأفف». القاهرة: «الشرق الأوسط» عقل العويط يتخفف من كل قيد إلا الرغبة في البوح «كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات بيروت: سوسن الأبطح
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky