issue17226

لا تــقــل إن لـــديـــك حـــــاً. أنــــت لــســت مــهــنــدســا ولا صانعاً، وليس من حقّك أن تسرق بريق الشاشات، أو مـدائـح التَّعليقات والمــقــالات. قـــدرُك أن تقيم فـي الظّل، وأن تُــنـسـب الأشــيــاء لـغـيـرك. الــحــل يـأتـي مـبـاشـرة من النبع. مشاركتُك فـي طبخِه لا تعطيك حـق التَّملك أو حق الادعــاء. الحل جزء من مواهب السّيد الرَّئيس، لا ينازعُه أحد ولا يشاركُه أحدٌ. ولا تـــقـــل إن لـــديـــك فــــكــــرة مـــنـــقـــذة. الإنــــقــــاذ لـيـس مـــن مــهــامّــك ويـتـخـطَّــى مـوقـعـك وقــــدراتــــك. الإنـــقـــاذ من مسؤولية الرجل الجالس في نبع القرار. الرجل الذي اخـتـارتـه روح الأمـــة قـبـل أن تــصــادق الـصـنـاديـق على اخــتــيــاره. رجـــال المـنـعـطـفـات لا يـــولـــدون مــن صناديق الاقــتــراع. ينتدبهم الـقـدر لمهمات كـبـرى، ثـم يأتي دور المواطنين في الاقتراع والتصفيق. لا تــقــل إن الـــوضـــع صـــعـــب. قـــل دائـــمـــا إنَّـــــه تحت السيطرة، وإن مصير الأرزاق والأعناق في أيد أمينة، وإن الرجل المؤتمن على المصائر فنان في إدراك أحلام الأمة ومشاعرها وحاجاتها، وإن الشعب هو المسؤول في حال حصول سوء تفاهم لأنَّه لم ينجح في التقاط الأفكار الرائدة للسيد الرئيس. أنــــت مـــســـاعـــد الـــسَّـــيـــد الـــرَّئـــيـــس. أنــــت الــــصــــدَى لا الـــصـــوت. إيـــاك أن تــتــحــدَّث عــن الـقـلـق عـلـى المـصـيـر أو تـصـحـيـح المــــســــار. المــصــيــر مــســؤولــيــة المــنــقــذ وحــــده، والمـــــســـــار بــــاهــــر مـــهـــمـــا حـــــــاول الأعــــــــــداء والمــــغــــرضــــون الــــتــــشــــويــــش. وظـــيـــفـــتـــك الأولـــــــــى أن تـــحـــفـــظ مـــوقـــعـــك، وسلامتك، ورضى الممسك بمصيرك، وهذا يعني تحي الفرصة لإطلاق المديح وعبارات الإشادة والاستحسان. لا تـــقـــل إن الـــســـيـــد الـــرئـــيـــس يــمــشــي عـــلـــى خـطـى أســافــه. للسيد الـرئـيـس نـهـج لا يشبه أي نـهـج آخــر، ولــديــه أســلــوب مــن خـــارج المــألــوف والمـــعـــروف؛ لا يقلد أحدا ولا ينجح أحد في تقليده. ســألــت رجــــا عـمـل فـــي قـصـر صــــدام إن كـــان أحـد أعضاء القيادة القطرية لحزب «البعث» لمَّح أمام السيد الرئيس إلى أن قرار غزو الكويت كان كارثيا أو متسرعا أو مكلفاً. ولـــم يـكـن الــجــواب ســـرا أو مـجـهـولاً. قـــال إن طـارق عزيز تعذَّب طويلا في الجلسة التي أعلن فيها ضــم الـكـويـت وتحويلها محافظة عـراقـيـة. كــان يـدرك الأخـطـار، لكنَّه حين تفرَّس في الوجوه المتحلقة حول الرئيس فضَّل عدم المجاهرة برأيه. فـــي هـــافـــانـــا وعـــلـــى هـــامـــش قــمــة عــــدم الانـــحـــيـــاز، استقبل صدام حسين وزير الخارجية الإيراني صادق قطب زادة. كانت عبارات الوزير الإيراني مجاملة. بعد خروجه قـال مندوب العراق لـدى الأمـم المتحدة صلاح عمر العلي، إنَّــه يمكن البناء على الأجـــواء الإيجابية التي سادت اللقاء، فرد عليه السيد الرئيس: «لا تكرّر هــذه الـعـبـارة. سأكسّر رأس الإيـرانـيـن وأسـتـرجـع كل شــبــر اســـتـــولـــوا عــلــيــه». أدرك صــــاح صــعــوبــة تـقـديـم النصيحة لـ«القائد التاريخي». كان ذلك في دمشق. ذهبت لزيارة نائب الرئيس عـبـد الـحـلـيـم خـــــدام، وكــــان يــعــرف أنَّـــنـــي الـتـقـيـت قبله الـرئـيـس بـشـار الأســــد. سـألـت خـــدام لمـــاذا وقـــع الخيار على بشار لدى وفـاة والـده حافظ. كان خـدام يـدرك أن لـلـجـدران كـثـيـرا مــن الآذان. رد بمطالعة جـوهـرهـا أن الخيار طبيعيٌّ، فقد نشأ بشار في كنف والـده وتعلَّم فـي مـدرسـتـه، وبـالـتـالـي كـــان طبيعيا أن تتَّجه قيادة الحزب إلى من يكمل نهج الراحل. وبعد سنوات زرت خدام في باريس بعدما أعلن انشقاقَه وأعدت طرح السؤال عليه. حرص على القول إنَّه حين استدعي إلى منزل الأسد كان ما كُتب قد كُتب، وبالتَّالي فهو لا يتحمَّل أي مسؤولية في وصول بشار. قال إن بشار لا يصلح أصلا لمنصب بهذا الحجم، وإن هــذا الـتـوريـث فـي نـظـام بعثي خطأ فـــادحٌ، إذ ظهر أن الأسد الأب لم يجد غير نجله ليأتمنَه على البلاد. روى لــي الـدبـلـومـاسـي الـلـيـبـي عـلـي عـبـد الـسـام الـتـريـكـي، أنَّــــه غــطَّــى وجــهَــه خــجــا حــن حــــاول معمر الــقــذافــي مــن منبر الأمـــم المـتـحـدة تـمـزيـق ميثاقها ثم طرحَه أرضاً. اعترف بأنَّه لم يجرؤ على مطالبة القائد بالاختصار قليلا بعدمَا تخطَّى بكثير حــدود الوقت المتاح للزعيم المتحدث. والأكيد أن التريكي لم يعاتب السَّيد القائد بعد الحادثة - الفضيحة على ما فعل. هـل عـــاد الـعـالـم إلــى عصر الـرجـل الـقـوي الـــذي لا يعترف بأي حـدود، ولا يجرؤ مساعد أو مستشار أن يصارحَه بالحد الأدنى من الحقيقة؟ لا نملك المعلومات اللازمة ما إذا كان فلاديمير بوتين سأل وزير خارجيته سـيـرغـي لافــــروف قـبـل أن يــأمــر الـجـيـش بـالـتـوغـل في الأراضــي الأوكرانية، ولا نعرف مـاذا كـان رأي لافروف المجرّب في حال تمت استشارته. يصعب تصوّر أن مساعدا لترمب علَّق على خطف مــــادورو بالتذكير بـخـطـورة هـــذه الـسـابـقـة. ويصعب الاعتقاد بأن مساعدا صارحه بقسوة عبارته ومفادها أنَّه لولاه لذهب حلف «الناتو» إلى مزبلة التاريخ. ولا نعرف ما إذا كان معاون له حاول خفض اندفاعه إلى المطالبة بضم كندا أو الاسـتـحـواذ على غرينلاند، أو صـــرف الـنَّــظـر عــن انـتـقـاد الــنــظــارات الشمسية للرجل الجالس في قصر الإليزيه. ولا نعرف ما إذا كان أحد من المحيطين تمكَّن من مصارحة السيد الرئيس بأن حسن إدارة البيت الأبيض وموقع أميركا في العالم أهم من فوز سيد القصر بجائزة «نوبل» للسلام. لفتني قول دبلوماسي صديق إن مساعدي ترمب يكيلون له من المدائح ما يوحي بأنَّهم أعضاء في «القيادة القطرية» المتحلقة حول السيد الرئيس. أنهَى شي جينبينغ منذ سنوات قاعدة «القيادة الجماعية» الـتـي اعـتـمـدت فـي الـحـزب بعد غـيـاب ماو تسي تـونـغ وذيـــول «الــثــورة الثقافية» وويـاتـهـا. في تـاريـخ بــاده بــات يجلس على كـرسـي مشابه لكرسي مــــاو مـــع مــيــل إلــــى تـخـطـيـه. حــمــلــة الـتَّــطـهـيـر الـحـالـيـة أطـاحـت نائبَه فـي «اللجنة العسكرية» وهـي صاحبة القرار الأخير في البلاد. اللجنة لجنة الرئيس والفريق فـريـق الـرئـيـس. أغـلـب الـظَّــن أن أحـــدا لـم يـرفـع سبابتَه مـــعـــتـــرضـــا. وظـــيـــفـــة عـــضـــو الـــقـــيـــادة أن يــــكــــون سـلـسـا ومطيعاً، وأن يكون المعاون الأنيس للسيد الرَّئيس. لــفــتــرة طــويــلــة مـــن الـــزمـــن، اســـتـــولـــت الـفـصـائـل الفلسطينية على القرار السياسي، وكانت من خلال مـنـظـمـة الــتــحــريــر تـــحـــدّد الأولـــــويـــــات والــســيــاســات والأدوات، وكـــانـــت المـنـظـمـة وبــفــعــل الـــدعـــم الـعـربـي الـذي تطوَّر في القمم بالاعتراف بها ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، وكذلك بفعل اعترافات دولية وازنة بدورها كطرف جدير بالتحدث معه في الشأن الفلسطيني؛ امتلكت مقوّمات جدية لمكانتِها الفلسطينية والعربية والدولية، غير أن هذه المكانة لـــم تُــنــجــهــا مـــن دفــــع أثــــمــــان بــاهــظــة لـــقـــاء وجـــودهـــا ودورهــا، فكان أن خسرت الجغرافيا الثَّمينة، وهي الأردن أولاً، ثم سوريا ثانياً، ولبنان أخيراً. خسارة الجغرافيا الثمينة؛ حيث لا يفصل بين عملِها العسكري وساحة العدو سوى أسلاك شائكة، أدّت إلــــى اســـتـــعـــادة الأولــــويــــة الـــتـــي نـــشـــأت الـــثـــورة الفلسطينية مـــن أجــلــهــا، وهـــي الـعـمـل فـــي الـسـاحـة الأهم، أي الوطن، فتمّت تنحية أولوية الكفاح المسلح جـانـبـا لمـصـلـحـة تـــوجـــه جـمـاعـي مـتـفـق عـلـيـه، وهـو الانتفاضة الشعبية التي لا سلاح ناريا فيها، والتي سُميت «انـتـفـاضـة الـحـجـارة» ذات الـطـابـع الشعبي السلمي. وفي الزمن الذي كان فيه متشدّدون في إسرائيل يحكمون، فُتح في مدريد خط تفاوضي، كانت فيه منظمة التحرير العرّاب الذي يدير المفاوضات، دون جــلــوس عـلـى مـائـدتـهـا، ولأن ذلـــك لــم يُــــرض عـرفـات صاحب المكانة المتكرسة في قيادة الشأن الفلسطيني مـن ألفه إلــى يـائـه، افتُتح خــط تفاوضي مـــواز أنتج اتفاقات وتفاهمات أوسلو، التي أحدثت انقلابا أكثر وضوحا وعمقا في الأولويات. فإذا كان تجميد دور السلاح يتم في سياق تكتيكات تُقدِم عليها القيادة الـفـلـسـطـيـنـيـة، فــــإن إنـــهـــاء دوره تـــم بــاتــفــاق رسـمـي مباشر مع الإسرائيليين، وبرعاية إقليمية ودولية شاملة. لم يحسب الفلسطينيون بقدر كـاف من الدقة، أن الاتفاق الذي تم مع الإسرائيليين في أوسلو، كان من الضعف والهشاشة ما يجعله غير قابل للحياة، وذلك بحكم الانقسام الإسرائيلي عليه، وعدم وجود ضمانات أميركية تمنع أي تغيير في القيادة وصنع الـقـرار فـي إسـرائـيـل، مـن التراجع عنه وإلـغـاء كـل ما بُني عليه. حـــن بــــدا واضـــحـــا -بــــل ومـــحـــســـومـــا- أمــــر فشل أوســــــلــــــو، وُلــــــــد مـــــنـــــاخ ذهـــــــب فــــيــــه الــفــلــســطــيــنــيــون والإســــرائــــيــــلــــيــــون مــــن جــــديــــد إلـــــى الـــعـــمـــل المـــســـلـــح. وبالنسبة للفلسطينيين كانت الـعـودة إلـى السلاح كما قدّرت قيادتهم ضرورة لاستعادة المسار الأصلي لأوسلو؛ حيث الدولة الفلسطينية الموعودة يمكن أن تعود إلى الحياة، بينما الوضع الجديد في إسرائيل بقيادة شـارون- نتنياهو، وبعد تصفية رابـن، كان يسعى ويعمل لنسف التجربة من أساسها. رعـاة أوسلو الدوليون -وعلى رأسهم الإدارات الأمـــيـــركـــيـــة- لــــم يــســتــطــيــعــوا كـــبـــح جـــمـــاح شــــــارون- نتنياهو؛ بــل إنَّــهــم لــم يـبـذلـوا جـهـدا كـافـيـا فــي هـذا الاتـجـاه، ما أدّى إلـى دخـول تجربة السلام إلـى نفق مظلم لم تخرج منه حتى الآن. جـــــرت مـــــحـــــاولات جـــديـــة عــــديــــدة لإنــــقــــاذ الــحــل التفاوضي من الانهيار النهائي، وعُــقـدت فعاليات كبرى لهذا الـهـدف، أهمهما كامب ديفيد كلينتون، وبعدها أنابوليس بـــوش، وفــي السياق ذاتـــه تفرّغ وزيــــر الــخــارجــيــة الــديــمــقــراطــي جــــون كــيــري للعمل على مسار الإنـقـاذ؛ إذ لم يكن له من عمل غير هذا. وبـــعـــد ســـنـــة مــــن جــــــولات مــكــوكــيــة مـــتـــواصـــلـــة، بـن الفلسطينيين والإسرائيليين ومـن يلزم من العرب، أعـلـن الــرجــل إفـــاسَـــه، مـحـمّــا المـسـؤولـيـة لإسـرائـيـل التي لم تستجب لمساعيه. شكره الفلسطينيون على شهادته رغم أنَّها غير مجدية، لتتصدّر المشهد فيما بعد حركة «حماس»؛ حيث بنَت مسارا قتاليا على أنقاض مسار التسوية المنهار، وصار لدى الفلسطينيين خياران وشرعيتان وأولويتان. لــســت فــي هـــذه المـقـالـة أؤرخ لـتـفـاصـيـل مرحلة هـــي الأخـــطـــر والأدق والأفـــــــدح فـــي تـــاريـــخ الـقـضـيـة الفلسطينية، فهذا أمـر سيظل المحللون والمؤرخون يكتبون عنه على مدى عقود، ولكنّني أشير إلى أفدح انقلاب في الأولويات أصاب قطبَي الحياة السياسية الفلسطينية، وقد فُرض عليهما بقوة الطرف الآخر الـذي أجـاد استغلال الانقسام الفلسطيني والإفــادة منه للإجهاز على أجندات الطرفين. الــســلــطــة فـــي الــضــفــة بــعــد أن بــــدا أنَّـــهـــا وقـفـت على مرمى حجر من الـدولـة، تجاهد الآن بصعوبة بالغة للدخول إلـى اللعبة الجارية ولـو من أبوابها الخلفية. وسلطة الأمـــر الــواقــع فـي غــزة تـتـحـرّك في ممرات ضيقة للحصول على مخرجٍ، أقصاه الحفاظ على بعض دور فـي غــزة، وبعض ســاح لا يتجاوز البندقية والمسدس، وإن أمكن بعض ضمانات لنجاة القادة من الملاحقة والتصفية. بـعـد بــلــورة خـــاصـــات يقينية كــهــذه، وتــراجــع معترف ومـقـر بـه مـن قبل قطبَي الحياة السياسية الفلسطينية، فقد بقي مـا يُــراهَــن عليه حـقـا: الأول فلسطيني، وهـو حتمية تحييد فشل الفصائل في خياراتها وأولوياتها وأدواتها، وهذا يتطلَّب عودة الجميع إلى المكان الصحيح الذي ينتج قيادة جديرة وقـــــادرة، وهـــو الـشـعـب الفلسطيني. وكــذلــك الـرهـان على الجهد العربي والإسلامي والدولي الذي أجمع على حتمية قيام الدولة الفلسطينية. ولأن الشعوب المناضلة من أجـل حريتها واستقلالها بحاجة إلى قـيـادة تنبثق مـن داخـلـهـا، فـا مـنـاص مـن أن تكون الشعوب هي منتجة هذه القيادة. أخيراً... وبعد عقود من تجربة كفاحية غنية، ومـلـيـئـة بــالــنــجــاحــات والإخـــفـــاقـــات، فــقــد آن الأوان لاعتناق المبدأ الذي يقول: للفصائل وقت، وللشعوب وخياراتها كل الوقت. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17226 - العدد Monday - 2026/1/26 الاثنين غسان شربل نبيل عمرو فلسطين... للفصائل وقت وللشعب كل الوقت المعاون الأنيس للسيد الرئيس

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky