يُحسب لخطاب مارك كارني، رئيس الوزراء الكندي، أنَّه لم يخل من نقد ذاتي. فقد قال صراحة إن الدول المتوسطة التي تنتمي إليها كندا رأت عيوب النّظام الـدولـي، وكانت واعية بالاستخدام الانتقائي لقواعدِه من قبل الدول الكبرى، لكنَّها اختارت تجاهل ذلك ما دامت كانت مستفيدة. وكـــــان أكـــثـــر تـخـصـيـصـا حـــن أشـــــار إلــــى أن هــــذه الــــدول المـتـوسـطـة تـنـافـسـت فـيـمـا بينها عـلـى رضـــا الــقــوى الـكـبـرى، وفضّلت الوصول الفردي إلى الطاولة على بناء طاولة بديلة. والـنـتـيـجـة، كـمـا قــــالَ، أن هـــذا الـسـلـوك لــم يجعلها أقــــوى، بل أضعف كل واحدة منها على حدة. حـتـى الـتـشـابـك الاقــتــصــادي، الـــذي رأت فـيـه هـــذه الـــدول حماية واستقراراً، تحوّل تدريجيا إلى أداة ضغط، ووسيلة عقاب انتقائي، وسلاح اقتصادي - سياسي. والمـــفـــهـــوم مـــن هــــذه المــقــدمــة أن رئـــيـــس الـــــــوزراء الـكـنـدي يقترح وعيا جديدا للدول المتوسطة، يؤسس لخطوات عملية تجعلها شريكا قادرا على وضع القواعد، وعلى الجلوس إلى الطاولة نداً. أو، حسب التعبير الذي استخدمه هو نفسه: «إن لم تكن على الطاولة، ستكون على قائمة الطعام». تعبيرات من هذا النوع جعلت الخطاب محل احتفاء في الـدوائـر الليبرالية التقدمية، التي رأت فيه صـدى لخطابات ثورية قديمة، بلغة تناسب قاموسَها الأخلاقي المعاصر؛ «لغة الجنوب»، وإن بلسان شمالي مبين. غـيـر أن الـخـطـاب، فــي جــوهــره، رســالــة شــريــك متضرر، يشكو تهديد نصيبه وموقعه. وبنظرة سلبية، يبدو أن ما يـريـده كـارنـي فـي العمق ليس الـعـدالـة للجميع كما يتصوَّر أنصار «الـجـنـوب»، بل الـعـودة إلـى نمط سياسي تشكّل بعد الإنـــــزال الــنــورمــانــدي: أن تــهــرع الـــولايـــات المـتـحـدة إلـــى إنـقـاذ أوروبــا، ثم يتشارك الجميع النصر، المستغيث والمغيث على قدم سواء. بعدها، تتبوأ أوروبا علياء أخلاقية تخاطب منها الــولايــات المتحدة مـن مـوقـع المنتقد، كما حــدث خــال حـروب الباسيفيك من الخمسينات وحتى نهاية حرب فيتنام. هـــذا الــنــمــط، الــــذي جـــرى تثبيته خـــال الـــحـــرب الــبـــاردة فـــي مــواجــهــة الـكـتـلـة الــشــرقــيــة، جــــرى فــيــه تــجــاهــل الطبيعة الـبـاسـيـفـيـكـيـة لـلـسـيـاسـة الأمــيــركــيــة، وحُـــصـــرت الأنـــظـــار في بعدها الأطلنطي. ومـع انهيار الاتحاد السوفياتي، وانتفاء الفائدة الأميركية الأبـــرز، استمر هـذا الـوضـع بقوة القصور الــذاتــي. وربـمـا كــان سيستمر أطـــول، لــولا الـصـعـود الصيني الذي أعاد إحياء العقيدة الباسيفيكية داخل الولايات المتحدة، وأعـاد طرح سـؤال التكلفة والجدوى؛ وهو السؤال الـذي عبّر عنه ترمب، بحدَّته المعهودة، قبل غيره. بـــرز هـــذا أكـثـر حــن «تـــأوربـــتِ» الـسـيـاسـة الأمـيـركـيـة في عهد أوبــامــا، على نحو تـجـاوز حـسـابـات المصلحة الصلبة، استراتيجيا وخـطـابـيـا. غــض طــرف عـن الـهـجـرة العشوائية وتـــســـلـــل تــــيــــارات مـــعـــاديـــة، والإقـــــــــدام عـــلـــى اســــتــــفــــزازات دون الاســـتـــعـــداد لـتـحـمـل عــواقــبــهــا، كــمــا فـــي الأزمـــــة الأوكـــرانـــيـــة - الروسية. وفي الشرق الأوســط، مكافأة إيـران وميليشياتها، والتساهل مـع المتطرفين وتمهيد طريقهم إلــى الحكم خلال فوضى الربيع الـعـربـي. وكشخص نشأ فـي مجتمع يسيطر المـتـطـرفـون على جــزء كبير مـن وعـيـه، ثـم رآهـــم ينتقلون إلى أوروبا ويتخذونها منصة أساسية للتجييش، أرى أثر ترمب فـي مواجهتهم، وفـي دفـع أوروبـــا نفسها إلـى تغيير نهجها تجاههم. قـــد يــظــن قـــــارئ هــــذا الـــكـــام أنَّـــــه مـــنـــاصـــرة لـنـهـج تـرمـب السياسي. وهو في الحقيقة ليس كذلك. المسألة هنا لا تتعلَّق بالتأييد أو المعارضة، بل بمحاولة فهم السياق الذي أفضى إلى خروج شخصية مثل ترمب من قلب النظام، لا من هامشه. في أي نظام قضائي، لا يمكن تقييم الفعل خارج سياقه، ولا إصدار حكم قبل اكتمال الصورة. كثير ممن لا يحملون موقفا سلبيا صارخا ضد ترمب يـــرون عـيـوبـه، بــل ومــخــاطــره، لكنَّهم يـنـظـرون إلـيـه عـلـى أنَّــه شخص في مهمة. ملخص هذه «المهمة»، إن صح التعبير، هو فك الكوابح كي تنكشف موازين القوى، ثم تعود لتتوازن في أوان مستطرقة. من يتعالى بلا مسوغ يُجبر على التواضع، ومن يستفز بلا قدرة على تحمل النتائج يخسر. لا أرى خــطــاب مـــارك كــارنــي خـــارج هـــذا الـسـيـاق. أسمع فيه إقـرارا واعترافاً، أما ما بعد ذلك فمتروك لاختبار الواقع. سنعرف حدود هذه الصحوة مع أول تلويح أميركي لحليف هنا أو هناك بتحسين وضعه، أو مع أول خطر يتهدد «الناتو». وللتذكير، فإن أول من اشتكى من «الغبن» في هذا النظام لم يكن رئيس وزراء كندا، بل رئيس الولايات المتحدة نفسه. كانت مرشحة لأن تكون سنة إيـران بفعل 2026 سنة اتـسـاع الاحتجاجات وتصاعد الضغط الـخـارجـي، مـع أن الـحـدث الإيــرانــي، على أهميته يبقى حدثا إقليميا تطول آثاره المباشرة المنطقة. ورغم فداحة مأساة غزة الإنسانية، فهي تتَّجه نحو مسارات تسوية، فيما تبدو أزمة فنزويلا محصورة بإبعاد نيكولاس مـــادورو وتكيّف السلطة مع واشنطن وفق رغبة دونالد ترمب. التحدي الأخطر اليوم يتجاوز هـذه الملفات جميعاً: غرينلاند، التي أعــاد ترمب التأكيد فـي خطابه بـدافـوس رغبته فـي امتلاكها، محولا إيـــاهـــا مـــن مـــجـــرد جـــزيـــرة بــعــيــدة إلــــى مـــؤشـــر عــلــى مـسـار أمــيــركــي جـــديـــد يـــهـــدد الــعــاقــة الــتــاريــخــيــة بـــن الـــولايـــات المتحدة وأوروبـــا، ويزعزع الأسـس التي قام عليها النظام عاما ً. 80 الدولي منذ هـل مـا نشهده سياسة أميركية ثابتة أم مجرد نهج «تـرمـبـي» ظـرفـي؟ كيف ينبغي للعالم، وبخاصة أوروبـــا، التعامل مـعـه، كسياسة عـابـرة أم كتحول أمـيـركـي طويل الأمد؟ هذه المعضلة معقدة، لأن أوروبا لا تستطيع بسهولة كسر علاقتها التاريخية العميقة بأميركا، في وقت تعاني أزمــات متراكمة تجعلها أقـل قــدرة على صياغة رد موحد وفعال. إلى ذلك هل بمقدور ترمب مواجهة العالم بأسره من الصين وروسيا والبرازيل والهند وإيران وكندا والمكسيك، والـيـوم أوروبـــا، ناهيك عمَّا يعتري علاقته بإسرائيل من تباينات معلنة ومستترة؟ بــالمــوازاة، الـداخـل الأمـيـركـي ليس خلفية ثـانـويـة، بل يكشف أن النزعة التوسعية في الخارج تترافق مع تشدّد هُــويَّــاتـي داخــلــي: تشديد الـهـجـرة، وبـنـاء الــدولــة الأمنية، والـــتـــدخـــل فــــي الـــقـــضـــاء والـــجـــامـــعـــات ومـــكـــاتـــب المـــحـــامـــاة واستهداف الناشطين. أنتج هذا المسار استقطابا داخليا غير مسبوق، في سياق إعادة تشكيل فكرة أميركا من دولة تقود نظاما دوليا وفق قواعد وسلم قيم، إلى دولة تتعامل مـع الـعـالـم كمساحة صـــراع ومــــوارد تحت شـعـار «الأقـــوى يقرر». فحين تتغير هوية الدولة داخلياً، تتغير السياسة الخارجية تلقائياً. بــات الـغـرب أمـــام ســـؤال مُــحــرِج: مـا الـــذي يميز الــدول الديمقراطية عن الأنظمة الاستبدادية والمشاريع التوسعية التي طالما أدانها؟ حين يبرر ترمب ضم غرينلاند باعتباره ضـــرورة أمنية، مـحـذرا مـن أن البديل هـو استيلاء روسيا أو الصين عليها، فهو لا يطرح حجة سياسية فحسب، بل يختبر حـدود النظام الدولي نفسه، ويضع «الناتو» أمام امتحان غير مسبوق، ويمتحن قــدرة أوروبـــا على الدفاع عن مفهوم السيادة عندما يأتي التهديد من داخـل البيت الغربي. هــنــا تـــفـــرض المـــقـــارنـــة مـــع فــاديــمــيــر بـــوتـــن نـفـسـهـا. فالعالم أدان روسيا لضمها القرم وغزوها أوكرانيا لأنَّها انتهكت السيادة وغيَّرت الحدود بالقوة. فإذا لوَّحت دولة ديمقراطية كبرى بضم أرض لا تخصّها، ولو عبر الابتزاز الاقـتـصـادي بــدل الــدبــابــات، فـبـأي معيار يمكن للغرب أن يطالب العالم بـاحـتـرام الـقـانـون الــدولــي؟ عندها لا يعود النقاش حول نيات ترمب فحسب، بل حول الفارق الأخلاقي والسياسي ومعنى الغرب نفسه. هل ما يزال الغرب يمثل منظومة تحكمها القواعد، أم أصبح نظاما برغماتيا يبدل المعايير تبعا للمصلحة؟ الخطر ليس فـي التشبيه بقدر ما هو في سقوط التفوّق القيمي الـذي استند إليه الغرب لتجريم الغزو الروسي، وفي ضرب مبدأ عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة أو بالتهديد، وهو ركن تأسيسي في ميثاق الأمم المتحدة. ضمن هـذا السياق، تصبح غرينلاند أكـثـر مـن أزمـة عـــابـــرة فـــي الـــعـــاقـــات الأوروبــــيــــة-الأمــــيــــركــــيــــة. فــــأوروبــــا، التي اعـتـادت النظر إلـى واشنطن بوصفها مظلة أمنية، تجد نفسَها أمــام إدارة تـمـارس الضغط على الحلفاء لا الــخــصــوم، وتـسـتـخـدم الأدوات الاقــتــصــاديــة والـحـمـائـيـة وسـائـل إكــــراه، مـن تـعـريـفـات وعـقـوبـات وتـحـكـم بـالمـمـرات والأسواق وسلاسل الإمداد. ترمب يعيد إنتاج إمبريالية ناعمة تفقد الدول استقلال قرارها بالتدريج تحت ضغط المــصــلــحــة والــــخــــوف، فــتــتــراجــع الـــشـــراكـــة لــصــالــح منطق الصفقة: مـن لا يساير يُــعـاقـب، ومـن يعترض يُــهـدَّد. هذا ما يجعل غرينلاند أخطر من مجرد عنوان، إنَّها نموذج لكيف يمكن تـفـريـغ الـسـيـادة مــن مضمونها دون إطــاق النار. الأخـطـر أن ذلــك يـحـدث فـي لحظة هشاشة أوروبــيــة، أزمـــات داخـلـيـة، وحــرب أوكـرانـيـا، وتـراجـع الاطمئنان إلى الضمانات الأميركية، مـا يفرض على الـقـارة التفكير في استقلال استراتيجي، لأن التهديد لا يطول علاقة ثنائية فقط، بل جوهر المنظومة الأمنية الغربية نفسها، إذ يُخشى تحول «الناتو» من مظلة ردع للخصوم إلى أداة ضغط على الحلفاء. هـــكـــذا، تـحـولـت غـريـنـانـد مـــن اخــتــبــار لأوروبــــــا، إلـى معيار لشرعية الـغـرب. فــإذا تهاوت فكرة السيادة وكانت أمـيـركـا الـطـرف المــهــدّد، فكيف سيقنع الـغـرب الـعـالـم بأنَّه يدافع عنها في أوكرانيا أو فلسطين أو في أي مكان آخر؟ الخطر ليس احتمال ضم غرينلاند، بل ضم مبدأ السيادة ذاتـه إلـى قائمة المبادئ القابلة للتفاوض. وهنا بالضبط تدفع أوروبــا لامتحان وجــودي، إذ لن تكون أمـام أزمـة مع ترمب فحسب، بل أمام لحظة تاريخية، إمَّا أن تبقى ملحقا استراتيجيا فـي عـالـم تُـــدار فيه التحالفات بالضغط، أو الـبـدء، ولــو مـتـأخـرة، ببناء استقلالها كـضـرورة وجودية لا كتطلع نــظــري. ويـبـقـى الـــســـؤال: هــل تـرجـع أمـيـركـا إلـى الـقـواعـد والقيم المـؤسـسـة، واسـتـيـاد رمـــوز تاريخية مثل روزفلت وترومان وأيزنهاور وكينيدي وبوش الأب؟ لمـــــاذا تـفـشـل «الـــحـــلـــول الــتــقــلــيــديــة» أمـــام «الـتـعـقـيـد الــبــنــيــوي» لمـشـكـات الـتـنـمـيـة الـتـي تـــواجـــهـــهـــا دول الــــجــــنــــوب؟ ولمــــــــاذا أصــبــحــت قضايا التنمية أكبر تعقيدا في عالم مترابط تــتــداخــل فـيـه عـــوامـــل اقــتــصــاديــة واجـتـمـاعـيـة وبيئية وسياسية يصعب فصلها أو تدبيرها بشكل قطاعي؟ لعل الـوقـت قـد حــان للانتقال مــن التفكير فــي «مـشـكـات قـابـلـة لـلـحـل» إلـى التعامل مع «إشكاليات معقدة» لا تستجيب لمنطق الوصفات الجاهزة. ولا نــعــنــي بــالــتــعــقــيــد هـــنـــا بـــالـــضـــرورة المعنى الفلسفي الـــذي يطرحه إدغـــار مـــوران، الذي يرى أن الواقع يتكوّن من أنظمة مترابطة يتفاعل فيها الكل مع الأجزاء في حركة دائمة، ولا يمكن فهمها عبر مقاربات اختزالية، بل من خلال تفكير منظومي متعدد التخصصات. ما نقصده هنا هو نـوع من الاستعصاء العملي الــــــذي يــجــعــل أدوات الـــســـيـــاســـات الــعـمــومــيــة الـتـقـلـيـديـة عـــاجـــزة عـــن إحـــــداث أثــــر مــســتــدام، ويحوّل كثيرا من تدخلات التنمية إلى جهود مكلِّفة لكن نتائجها مــحــدودة. مـن هنا تبرز أهمية مقاربة «المشكلات الشرسة» بوصفها إطارا تحليليا لفهم هذا النوع من التعقيد. «المـــشـــكـــات الـــشـــرســـة» نـــظـــريـــة صـاغـهـا ريـــتـــل وويـــبـــر فـــي سـبـعـيـنـات الـــقـــرن المـــاضـــي. وتنطلق هذه النظرية من أن كثيرا من مشكلات الـــســـيـــاســـات الـــعـــمـــومـــيـــة والـــتـــخـــطـــيـــط لـيـسـت مشكلات تقنية محضة قابلة للحل بأساليب تـدبـيـريـة أو تـكـنـوقـراطـيـة، بــل هــي «مـشـكـات شرسة» تتسم بالغموض، وتداخل الأسباب، وتَـــعـــارُض طـــرق تقييمها، وتـشـابـك المصالح المرتبطة بها. ولـــهـــذا؛ لا يمكن صـيـاغـة هـــذه المشكلات أو تـحـديـدهـا بـشـكـل نـهـائـي وصـــــارم؛ لأن كل مــحــاولــة لـحـلـهـا تــغــيّــر مـــن طـبـيـعـتـهـا وتـعـيـد تشكيلها، وقــد تزيد مـن درجــة تعقيدها بدل تقليصها. إن أفــضــل المـــقـــاربـــات لمـواجـهـتـهـا ليست وصـفـات جـاهـزة، بـل حكامة تـقـوم على حـوار مستدام بين مختلف الأطــراف المعنية، وتعلّم تدريجي، وآليات مؤسساتية لتدبير التعقيد والــــــخــــــاف. أمــــــا المـــــقـــــاربـــــات الـــتـــكـــنـــوقـــراطـــيـــة السريعة، فلا تُنتج في الغالب سوى الإحباط، وتـــــــؤدي إلـــــى تـــآكـــل الـــثـــقـــة، وضـــعـــف انـــخـــراط الفاعلين المعنيين. لهذا يصنَّف كثير من مشكلات التنمية المستعصية فـي بـلـدان الـجـنـوب - مثل الفقر، والتعليم، والصحة، وبطالة الشباب، وانعدام الأمــــــــن، والــــتــــحــــولات المـــنـــاخـــيـــة - ضـــمـــن فـئـة «المشكلات الشرسة»؛ لأنها تتداخل فيها أبعاد متعددة، ولأن تضارب مصالح الأطراف المعنية يجعل إرضاء الجميع أمرا بالغ الصعوبة، كما أن إيــجــاد حــلــول مـسـتـدامـة لـهـا يتطلب وقتا طويلا ومسارات تجريبية متدرجة. لكن الإشكال الأكبر هو أن هذه المشكلات تتطلب وقتا للحل، وفـي الـوقـت نفسه يتغير الـــــواقـــــع بــــاســــتــــمــــرار، وتـــتـــغـــيـــر مـــعـــه طـبـيـعـة المشكلات نفسها، فتغدو الحلول التي كانت مطروحة في البداية غير ملائمة لاحقاً. وهذه مــا يمكن تسميتها «مـفـارقـة الـحـلـول الثابتة والواقع المتغير». ومــــن ثــــم، فــــإن الــحــلــول نـفـسـهـا يــجــب أن تكون مرنة ومتغيرة، وهذا أمر بالغ الصعوبة، خصوصا في سياقات سياسية تتسم بمركزية الــــقــــرار وضـــعـــف الـــامـــركـــزيـــة. لــــذلــــك؛ يـصـبـح «تـمـكـن الـفـاعـلـن المـحـلـيـن ومـنـحـهـم المــــوارد والصلاحيات لتجريب الحلول وتعديلها أو التخلي عنها عند الضرورة» عنصرا حاسما في أي مقاربة ناجعة. فـي هـذا الإطـــار، يظل الـحـوار، والحكامة التشاركية، والتعلّم المؤسسي المستمر، ركائز أساسية للتعامل مع هذا النوع من المشكلات، بـدل البحث عن حلول سريعة توحي باليقين بينما الواقع بطبيعته غير يقيني. والمــشــكــل فـــي دول الــجــنــوب أن الـسـاسـة والبيروقراطيين ما زالـوا مهووسين بالحلول الـتـقـلـيـديـة الـخـطـيـة، المـبـنـيـة عـلـى تصنيفات مــتــجــاوزة لــلــواقــع، ولا تـنـبـثـق مـــن تشخيص تشاركي حقيقي. وفـــــي المـــقـــابـــل، يــلــجــأ بـــعـــض الـــــــدول إلـــى التكنوقراط بوصفهم حــا سحرياً، متوهّمة أن تـفـوقـهـم الـتـقـنـي أو الـتـدبـيـري فــي الـقـطـاع الــخــاص يمكن أن ينتقل بـسـاسـة إلـــى مجال السياسات العمومية، وهــو افـتـراض خاطئ. فـالـتـكـنـوقـراط قــد يُــحـسِّــنـون بـعـض الـجـوانـب الــتــقــنــيــة أو الـــتـــدبـــيـــريـــة، لـــكـــن قـــدرتـــهـــم عـلـى الــتــواصــل الـسـيـاسـي، وعــلــى تحليل مصالح ومـــــواقـــــف الأطــــــــــراف المـــعـــنـــيـــة، وعــــلــــى تــدبــيــر الزمنَين السياسي والتشريعي، وعلى تعبئة الـتـحـالـفـات الــضــروريــة لـــإصـــاح... تـظـل في الــغــالــب مـــحـــدودة، وقـــد تـتـحـول فـــي كـثـيـر من الــحــالات إلــى عـائـق بنيوي أمـــام إنـتـاج حلول قابلة للتنفيذ والاستدامة. لــــهــــذا؛ يــصــبــح مــــن الـــــضـــــروري الانـــتـــقـــال مــن «وهــــم الـسـيـطـرة» إلـــى «ذكــــاء الــتــكــيّــف»... فالتنمية ليست مشروعا تقنيا قــارّا ومغلقاً، بـل هـي مسار تفاوضي مستمر، يتشكّل عبر التفاعل بين الفاعلين، ويتأثر بتغيّر السياقات وتـــبـــدّل مـــوازيـــن الــقــوى والمــصــالــح. وتصميم السياسات العمومية يقتضي تواضعا معرفيا عـمـيـقـا، مــفــاده بـــأن الـسـاكـنـة غـالـبـا مــا تعرف تفاصيل واقعها أكثر مما يعرفه المسؤولون، وأن «أهـــل مكة أدرى بـشِــعـابـهـا»، وأن المعرفة نفسها ليست ثابتة، بل متحوّلة بتغيّر الواقع وتحوّل مصالح الفرقاء. وعــلــيــه؛ فــــإن كـــل مـــن يـهـمـه أمــــر التنمية مدعو إلـى الإقــرار بـأن «إدارة التعقيد» ليست ترفا فكريا ولا نقاشا فلسفيا مـجـرّداً، بل هي كــفــاءة اسـتـراتـيـجـيـة حـاسـمـة، يـتـوقـف عليها نــجــاح الــســيــاســات الـعـمـومـيـة وقــدرتــهــا على الاســـتـــجـــابـــة لـــلـــتـــحـــولات، وعـــلـــى تــحــقــيــق أثـــر حــقــيــقــي ومــــســــتــــدام. فــــــدون هـــــذا الـــتـــحـــول فـي طريقة التفكير، سنظل نعيد إنـتـاج الأدوات نفسها أمام واقع يتغير أسرع من قدرتنا على فهمه، فضلا عن تدبيره. OPINION الرأي 12 Issue 17226 - العدد Monday - 2026/1/26 الاثنين أزمة غرينلاند وتفريغ السيادة كارني شهد لترمب دون قصد نظرية «المشكلات الشرسة» في التنمية وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com لحسن حداد سام منسى خالد البري
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky