الثقافة CULTURE 17 Issue 17225 - العدد Sunday - 2026/1/25 الأحد أحمد عبد المعطي حجازي هذا الماضي... ليته حاضر! حـن أعـــود مـائـة عــام إلــى الــــوراء وأرى كيف كـانـت ثقافتنا العربية أتمنى لها فـي الـوقـت الحاضر أن تـكـون مثلما كـانـت بـن أواســـط القرن الأسبق وأواسط القرن العشرين. في هذه المرحلة التي تبلغ نحو مائة عام خرجنا من عصر الظلمات الـذي استولى فيه الأتــراك العثمانيون على بلادنا، وصـــادروا حرياتنا، وفرضوا لغتهم علينا فلم يعد للثقافة العربية في تلك القرون المظلمة إلا مجالات محدودة فقيرة غلب فيها التقليد وانقطع التجديد. ونحن نقرأ الآن ما كتب عما كانت عليه ثقافة بعض المشتغلين بعلوم اللغة والدين في القرن الثامن عشر فنرى أول ما نـرى لغة بائسة لا تخلو من أخطاء نحوية، ومن خلط بين العامية والفصحى. وبإمكاننا أن نعرف من هذه اللغة المريضة نـوع الثقافة التي كُتبت بها ولـم تكن في الشعر أكثر من تقليد عاجز، وفي العلم لا شيء، ولم تكن في التاريخ أكثر من خرافات. صحيح أنه كانت هناك استثناءات نــادرة. بعض الشعر في بعض القصائد، وبعض التاريخ في «عجائب الآثار» للجبرتي، وبعض الجهود التي بُذلت لمحاربة العجمة وإعادة الروح إلى الفصحى، وأهمها المعجم الذي أنجزه مرتضى الزبيدي وسمّاه «تاج العروس من جواهر القاموس». والزبيدي صاحب هذا القاموس يمني ولد في ثلاثينات القرن الثامن عشر، وخرج من اليمن وهو في الثانية والعشرين من عمره ليجد نفسه في مصر يطلب العلم ويجتهد في طلبه بالطرق التي كانت متبعة في عصور الازدهــــار، ويحقق فـي ذلـك نجاحا لـم يتحقق لغيره، لا فـي مـيـدان واحـد فحسب، بل في ميادين متعددة. فهو لغوي، وفقيه، ومـحـدّث، ومــؤرخ، وشاعر. وهو يعرف التركية والفارسية. وهو كما يصفه الجبرتي رجل نحيف، ذهبي البشرة، أنيق الثياب يتنقل بثقة بـن المـعـارف والأسـمـاء والتواريخ، ويلقى الإقبال والإعجاب من علماء عصره وأمرائه الذين كانوا يسمعون دروسـه ويجزلون له العطاء. ويتجاوز صيته الحدود ويصل إلى رجال الدولة في إسلامبول، وإلى السلطان محمد سلطان المغرب. لكن هذه الشهرة لم تصرفه عن إنجاز عمله الأساسي وهو المعجم الذي عبّر به عن إدراكه للدور الذي تؤديه الفصحى في الثقافة العربية الإسلامية، كما تؤديه اللغات في كافة الثقافات. وهكذا أتم عمله في أربعة عشر مجلدا واحتل مكانه وأدى دوره إلى جانب أصحاب المعاجم الأخـرى التي ظلت تتتابع في القرون الماضية، ابتداء من معجم «العين» الـذي ألّفه الخليل بن أحمد، مـرورا بـ«لسان العرب» لابن منظور، و«الصحاح» للجوهري، و«الـقـامـوس المحيط» للفيروز آبـــادي، حتى وصلنا إلـى «تــاج العروس» الذي ظهر في مرحلة توالت فيه أحداث وتطورات صدقت نبوءته، وأحلته مكانه الذي احتله في النهضة الثقافية التي تحول بها المعجم إلى أدب، وعلم، وتأليف، وترجمة، وثقافة جديدة خرجنا بها من ظلمات القرن التي مضت ودخلنا هذه العصور الحديثة. *** فـي هــذه الـعـصـور الحديثة فــرض علينا أن نـدخـل حـربـن فـي وقت واحـد، كما فرض علينا أن نكسبهما معا في وقت واحـد. لأن النصر في إحداهما لا يتحقق إلا إذا كان مصحوبا بالنصر في الأخرى. وهذا يحتاج لتوضيح. نعم، نحن فـي هذين القرنين الأخيرين دخلنا الـحـرب مـع خصمين نقيضين، لــدى كـل منهما مـا يصلنا بـه ويفصلنا عنه، وإذن فنحن في حـــرب مـعـهـمـا، لأن كـــا مـنـهـمـا يــريــد أن يـنـفـرد بـنـا ويـسـتـولـي عـلـى كل مقدراتنا. ونحن نريد أن نتخلص من الاثنين معاً، لأن خلاصنا من واحد يوقعنا في قبضة الآخر. لكننا كنا من ناحية أخرى مطالبين في صراعنا مع كل منهما بأن نميز بين ما نرفضه عنده وبين ما نقبله. نحن نحارب طغيان العثمانيين وتخلفهم، لكننا نقف معهم لندافع عن عقيدتنا المشتركة إذا مسها أحـد بسوء. ونحن نحارب المستعمرين الـغـربـيـن، لكننا نحتاج لعلمهم وعقلانيتهم. ومــن هنا يمتد الـصـراع لندخله مـع أنفسنا، فنحن لسنا تـيـارا واحـــداً، إنما نحن أكثر مـن تيار. فينا من يريد أن يحبسنا في الماضي. وفينا من يتنكر لتاريخه ويقلد المستعمرين. وفينا من يعرف للماضي حقه وللمستقبل حقه ويدافع عن التطور والتجديد، وهو الفريق الذي استجاب له الواقع وكتب لمشروعه الـنـجـاح الـــذي نهضت بـه الثقافة العربية فـي الأعــــوام المـائـة الـتـي أشـرت إليها مـن قبل، ولــم تكن مجرد نهضة بالمعنى اللغوي الــذي نفهمه من هذه الكلمة. لم تكن مجرد نهوض يستأنف به القاعد نشاطه الـذي كان يؤديه قبل أن يركن للراحة، وإنما كانت تحوّلا وانتقالا من حياة إلى حياة أخـرى، وهذا هو المعنى الذي فهمه الأوروبيون مما حققوه حين انتقلوا من العصور الوسطى إلى عصر جديد سمّوه «الرينسانس» أي «الميلاد الجديد». *** وربـمـا كنا نحن أحــق بـهـذا الاســـم مـن الأوروبـــيـــن، أو كنا أصحاب حق معهم، فالنهضة الأوروبية لم تكن مجرد انتقال من عصر إلى عصر جـديـد، وإنـمـا كـانـت خلقا جـديـدا أو تـاريـخـا جـديـدا تغيرت فيه أوروبـــا بصورة كاملة. ويكفي أن نقارن ما تحقق في لغتنا بما تحقق في اللغات الأوروبية. اللغات الأوروبية التي نشأت في بدايات النهضة الأوروبية وأصبحت لغات قومية كالإيطالية والفرنسية والإنجليزية والألمانية لم تعد مجرد طور جديد من أطوار اللاتينية أو غيرها من اللغات التي كان الأوروبيون يتكلمونها أو يتفاهمون بها فـي الـعـصـور الـتـي سبقت النهضة، إنما أصبحت لغات أخــرى انفصلت عن أصولها الأولــى ونشأت بها ثقافات جديدة، ومجتمعات جديدة. وهذا ما لم يحدث للغتنا العربية التي كانت نهضتها إحياء نقلها من عصر إلى عصر لكنه لم يستبدل بها لهجة من لهجاتنا الدارجة، كما حدث في اللغات الأوروبية. وهذا هو الميلاد الجديد الذي تحقق عندنا في الشعر والنثر ولا يزال متحققا فيهما حتى الآن. صحيح أن أشكالا جديدة دخلت الأدب العربي ولم تكن فيه من قبل كالقصة والرواية والمسرحية، لكن اللغة التي كتبت بها هذه الأشكال ظلت هـي الفصحى بمعجمها، ونـحـوهـا، وصـرفـهـا. وهـنـاك مـن دعــوا لإحـال العامية محل الفصحى كما فعل الأوروبيون، لكن هذه الدعوة لم تجد إلا استجابة محدودة ولم تزل مرفوضة حتى الآن. مكتبة متنوعة في أدب الطفل يــركــز الـبـاحـث الــدكــتــور مـحـمـد فتحي فــــرج فـــي كــتــابــه «كـــامـــل كـــيـــانـــي»، الــصــادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، على الــدور المؤسس لرائد ادب الأطـفـال في مصر والعالم العربي الذي عاش في الفترة ، حيث أسهم في وضع 1959 حتى 1897 من اللبنات الأولى لهذا اللون شديد الأهمية من الإبداع، عبر أعماله التي تنوعت بين القصة والشعر والترجمة. ويؤكد المؤلف أنه لا أحد ينكر الجهود المضنية الـتـي بذلها الـــرواد فـي مـجـال أدب الـطـفـل مـنـذ مــا يـزيـد عـلـى قـــرن ونـصـف من الــزمــان، منذ المــحــاولات الأولـــى الـتـي وضع لـبـنـاتـهـا رائــــد الـنـهـضـة الـثـقـافـيـة الـحـديـثـة الشيخ رفاعة رافـع الطهطاوي ومـن جـاءوا بــعــده لـيـعـبـدوا الـطـريـق ويــمــهــدوا السبيل لـأجـيـال الـتـالـيـة، لـكـن حينما يـكـرس المــرء كــــل جــــهــــوده فــــي إنــــجــــاز مــــشــــروع مـتـكـامـل يجعل منه رسالته ثم يحاول إنجازه بهذا القدر من الاهتمام والتفاني والاستمرارية طـــوال ثـاثـن عـامـا متصلة، فـالأمـر يتعلق هنا بدور تأسيسي ينبغي الوقوف طويلا أمامه. مــــن هـــنـــا تـــأتـــي أهـــمـــيـــة قـــصـــص كــامــل كيلاني الـذي كـان من أعماله المبكرة تعليم الـــصـــغـــار الأرقـــــــام والـــعـــد فـــي قـــالـــب شـعـري محبب ومبسط، كما في قوله: ِ الأعداد العشرة «واحد اثنانِ.. أتى من البستان ثلاثة وأربعة.. أحضر تفاحا معه» نضج أدب الطفل على يـد كـيـانـي، إذ استطاع من خلال منهجية مدروسة وذكاء فـطـري ومـوهـبـة إبــداعــيــة مــع مــقــدرة عالية على التخيل واستعداد متوفر لبذل الجهد المـــتـــواصـــل فـــي ظـــل ثــقــافــة عـمـيـقـة روافـــدهـــا علوم النفس والفلسفة والتربية والاجتماع والــلــغــة، ســــواء الـوطـنـيـة أو الأجــنــبــيــة، مع إلمـــــام واســـــع بــكــنــوز الــــتــــراث الـــعـــربـــي، وكــل هذه الإمكانيات والمؤهلات، أن يقدم مكتبة متكاملة ومـنـوعـة فــي أدب الـطـفـل تخاطب المراحل العمرية المختلفة، سواء على هيئة قـصـص خـيـالـي مــؤلــف أو قـصـص مترجم مـلـخـص أو مـقـتـبـس مـــعـــرّب مـــع تـــنـــوع في الشكل والقالب من نثر إلى شعر ومن قصة إلــى مسرحية إلــى مـقـالات بـن دفـتـي كتاب تناسب الأطفال والناشئة والمراهقين. أكـــتـــوبـــر 20 ولــــــد كــــامــــل كـــيـــانـــي فـــــي بــــحــــي «الـــقـــلـــعـــة» 1897 ) (تــــشــــريــــن الأول بالقاهرة وهو فضاء شعبي تاريخي يعج بالآثار المصرية الإسلامية التي تثير خيال الأطفال وتنتشر فيه الحكايات والأساطير الـــتـــي تــبــعــث عـــلـــى الـــتـــأمـــل والـــتـــخـــيـــل. أتـــم تعليمه قـبـل الـجـامـعـي بـمـدرسـة «الـقـاهـرة الثانوية» ونال فيها «شهادة البكالوريا»، وكــــان خـــال هـــذه المــــدة يـعـكـف عـلـى دراســـة الأدب الإنجليزي كما تعلم اللغة الفرنسية ومبادئ اللغة الإيطالية. انــتــســب إلــــى الــجــامــعــة المـــصـــريـــة سنة كــــمــــا حــــضــــر دروســــــــــا بــــــالأزهــــــر فــي 1917 النحو والــصــرف والمـنـطـق، كما التحق في أثـنـاء دراســتــه الجامعية بـمـدرسـة «دانـتـي ألـيـجـيـري» لــدراســة الأدب الإيـطـالـي ليطلع على آثار الحضارة الرومانية ويتعرف إلى بعض كنوزها الأدبية. كان في الحي الذي نشأ فيه شاعر ربابة اسـمـه «عــبــده الــشــاعــر» ينشد عـلـى ربابته أقــاصــيــص الــبــطــولــة وكــــان الــطــفــل كـيـانـي يـذهـب للاستماع إلـيـه كـل ليلة فـي «مـيـدان الــقــلــعــة» بـمـنـطـقـة «ســـــوق الـــعـــصـــر». وكـــان لـكـثـرة سـمـاعـه قـصـص الــبــطــولات العربية وغـــيـــرهـــا مـــمـــا يـــــرد فــــي أســـاطـــيـــر الـــيـــونـــان وحـــوادث الأبـطـال مـن شـاعـر الـربـابـة تأثير كبير في تكوين شخصيته القصصية. أعــــــجــــــب بــــقــــصــــة «ســــــيــــــف بــــــــن يــــــــزن» وكثيرا ما كـان يعقد المقارنات بينها وبين «الإلياذة» و«الأوديسا» لهوميروس، فأبدع نـــمـــاذج تـسـتـلـهـم هــــذه المـــاحـــم فـــي عــشــرات الأجـزاء، كما تأثر بقصص الفارس العربي الـــشـــاعـــر عـــنـــتـــرة بــــن شـــــــداد، وفــــيــــروز شـــاه وحـمـزة الـبـهـلـوان والـظـاهـر بـيـبـرس، وكـان يقارنها بقصص شعبية شهيرة في الغرب «روبنسون كروزو» و«رحلات جاليفر». جمعت أعـمـالـه بــن الـعـمـق والبساطة والـــطـــابـــع الــــجــــذاب المـــشـــوق وهــــو مـــا جعل وزارة التربية والتعليم بمصر تقرر بعض قــصــصــه عـــلـــى طـــــاب المـــرحـــلـــة الابـــتـــدائـــيـــة ومنها «شجرة الحياة»، «الأمير المسحور»، «بــســاط الـــريـــح»، «مــغــامــرات لـــولـــو»، «عــاء الدين». وعــلــى صـعـيـد الــتــرجــمــة، قــــام كـيـانـي بانتقاء مجموعة مـن القصص والــروايــات فـــي الأدب الإنــجــلــيــزي بـعـضـهـا مـــن تأليف ولـــيـــام شـكـسـبـيـر وبـعـضـهـا الآخــــر للكاتب الــــــروائــــــي جــــونــــاثــــان ســــويــــفــــت، حـــيـــث قـــام بتلخيصها وترجمتها؛ ومنها: «يوليوس قيصر»، «تاجر البندقية»، «جاليفر في بلاد العمالقة»، «جاليفر في بلاد الأقزام». من أبـرز نماذج أعماله «مصباح علاء الـديـن وشـــهـــرزاد»، «نــــوادر جحا وحكايات بــــهــــلــــول»، «الــــحــــمــــار الـــــقـــــارئ والــعــنــكــبــوت الحزين»، «الملك عجيب»، «ذات الجناحين»، «الأميرة القاسية»، «نشيد النيل». القاهرة: «الشرق الأوسط» الكاتب لا يسرد عالما خياليا بل يرسم مستقبلا مخيفا رواية فرنسية عن بيع جزيرة غرينلاند في مزاد علني فـــــي قــــالــــب تـــشـــويـــقـــي وحـــبـــكـــة روائــــيــــة مــتــســارعــة تـــطـــرح روايــــــة «غـــريـــنـــانـــد، الـبـلـد الـــذي لــم يـكـن للبيع» الــصــادرة عــن دار نشر «لامـرتـنـيـيـر» لـلـكـاتـب الـفـرنـسـي «مـــو مـالـو» (الاســـم المستعار لفريديريك مـــارس) أسئلة صـعـبـة تــجــد صــــدى قــويــا فـــي هــــذه الــفــتــرات المــتــوتــرة الــتــي يعيشها الــعــالــم: هــل للوطن ثــمــن؟ هـــل يـمـكـن اخـــتـــزال شــعــب وثــقــافــة في أرقـام مالية؟ ومـاذا تبقى من الإنسانية حين تتحول الجغرافيا إلى سلعة؟ تدور أحداث الرواية في مستقبل قريب، حيث نالت جزيرة غرينلاند استقلالها عن الدنمارك منذ عام واحد فقط. رئيس الوزراء فريدريك كارلسن، البطل الذي قاد بلاده نحو الحرية، يجد نفسه في موقف لا يُحسد عليه: مكبّلا بالأصفاد أمام شاشة كمبيوتر، مجبرا على إدارة مـــزاد علني لبيع وطـنـه. السبب؟ عـصـابـة مجهولة اختطفت زوجــتــه وابـنـتـه، وعلقتهما بحبل فولاذي فوق جرف جليدي. الـتـهـديـد واضــــح ومــبــاشــر: إمـــا بـيـع الــوطــن، وإما موت العائلة. المـــهـــلـــة المـــــحـــــدّدة خـــمـــس ســــاعــــات فــقــط. خمس ساعات لبيع دولـة بكاملها، وخمس ســـاعـــات لإنـــقـــاذ حــيــاتــهــمــا. فـــي هــــذا الإطــــار الـزمـنـي الـضـيـق، تتنافس أربـــع قــوى عالمية عـلـى امـــتـــاك غــريــنــانــد: الـــولايـــات المـتـحـدة، الــــصــــن، روســــيــــا، والــــدنــــمــــارك. المـــــــزاد يُــبــث مـبـاشـرة على الــهــواء، ومـلـيـارات المشاهدين حول العالم يتابعون هذا المشهد المروع على أكبر القنوات الإخـبـاريـة العالمية بمزيج من الــرعــب والــفــضــول. فــي الــوقــت ذاتــــه، يـحـاول رئيس الشرطة الإنويتي «أبوتيكو كالاكيك» وزميلته المحققة «إلس أدريانسن» فك شفرة الاختطاف وإيقاف هذا المزاد الكارثي. البناء الـــسّـــردي يعتمد عـلـى الـتـوتـر المـتـصـاعـد؛ إذ تتناوب الفصول بين المزاد المباشر والتحقيق البوليسي، في سباق محموم مع الزمن. تــتــجــلــى الــــقــــوة الــــدرامــــيــــة فــــي الــــروايــــة مــن خـــال طابعها الـديـسـتـوبـي الـــســـوداوي؛ فـالـكـاتـب لا يـسـرد عـالمـا مــن الـخـيـال العلمي البعيد، بل يرسم «مستقبلا قريباً» مخيفاً، حـــيـــث يـــتـــم تـــجـــريـــد الـــــدولـــــة مــــن قــدســيــتــهــا لتصبح مجرد «أصول مالية». الكابوس هنا ليس فـي دمـــار نـــووي، بـل فـي مشهد رئيس وزراء مكبل بالأصفاد، مُرغم على مشاهدة بـاده وهـي تُباع في مـزاد رقمي لا يستغرق أكثر من خمس سـاعـات، حيث نقرأ في أحد مقاطع الـروايـة ما يلي: «كــان العالم يشاهد عـــبـــر الــــشــــاشــــات تــــحــــول (نــــــــوك) مــــن مــوطــن لــإنــويــت إلــــى أرقــــــام فـــي بـــورصـــة المــصــالــح. لــم يـكـن المــــزاد عـلـى الأرض فـحـسـب، بــل كـان مــزادا على ذاكــرة الصيادين، وعلى حكايات الجدات في خيام الفراء، وعلى حق شعب في أن يظل سيد نفسه». هذه الديستوبيا تعكس القلق الوجودي مـن تـحـول الديمقراطيات إلــى كيانات هشّة يــمــكــن تـصـفـيـتـهـا بـضـغـطـة زر، مــمــا يمنح النص بُعدا نبوئيا مقلقاً. الكاتب الفرنسي برع في تصوير هذا البلد الجليدي كساحة صـــــراع لــلــقــوى الــعــظــمــى. لــيــس فــقــط بسبب مــوقــعــه الاســـتـــراتـــيـــجـــي، بـــل أيـــضـــا لــثــرواتــه الطبيعية الهائلة: البترول، المعادن النادرة، احتياطيات المياه العذبة، والممرات البحرية الـجـديـدة الـتـي يفتحها ذوبـــان الجليد، لكن القيمة الحقيقية لـلـروايـة تكمن فــي بُعدها الإنساني والثقافي. فغرينلاند ليست مجرد أرض غنية بالموارد الطبيعية، بل هي موطن لشعب الإنـــويـــت وثـقـافـتـه الـعـريـقـة، وهـــو ما يـظـهـر فـــي هــــذه الــــروايــــة الـــتـــي تــتــنــاول هــذه الثقافة القائمة على التعايش مـع الطبيعة واحـتـرامـهـا، وكـيـف تـتـعـرض للسحق تحت أقــــدام الـطـمـع الــرأســمــالــي، علما بـــأن الكاتب الـفـرنـسـي «مـــو مـــالـــو» لـيـس غـريـبـا عـــن هـذه الــبــيــئــة، فــهــو يــعــيــش فـــي الــقــطــب الـشـمـالـي مــنــذ ســــنــــوات، ومــــعــــروف بـسـلـسـلـة روايـــاتـــه البوليسية حول المحقق «كاناك أدريانسن»، والـــتـــي تــــدور أحــداثــهــا فـــي هـــذه المـنـطـقـة من الـــعـــالـــم، وكــــانــــت قــــد حــقــقــت نــجــاحــا كــبــيــراً؛ ألــف نسخة، كما 300 إذ بِــيـع منها أكـثـر مـن ترجمت إلى لغات عـدة، ونالت جوائز أدبية مثل جائزة «بــوان بـار بـــوان»، وجـائـزة «مين نوار» لأدب التشويق والإثارة. في روايته الجديدة، يضع «مالو» الثقافة الإنــويــتــيــة فـــي صـمـيـم الــــسّــــرد، حــيــث يُــظـهـر كـيـف أن مـفـهـوم «المــلــكــيــة» أو الــعــقّــار غـريـب عن عقلية الإنويت السكان الأصليين للقطب الشمالي، فهم يرون الأرض كـ«هبة مشتركة» بـن الجميع وليست سلعة تُــبـاع وتُــشـتـرى. هــذا التناقض الـجـذري بـن العقلية الغربية الــقــائــمــة عــلــى الـــربـــح والـــخـــســـارة، والـعـقـلـيـة الإنويتية القائمة على الانسجام مع الطبيعة، يشكل العمود الفقري للرواية. يصف الكاتب شعب الإنويت بأنه شعب «الصمود»، حيث استطاع البقاء فـي أقـسـى الـظـروف المناخية عـــلـــى وجــــــه الأرض لآلاف الــــســــنــــن. لـغـتـهـم تـحـتـوي عـلـى عــشــرات المـصـطـلـحـات لوصف أنـــــواع الــثــلــج والــجــلــيــد والــــريــــاح، مـــا يعكس ارتباطا حسيا دقيقا بالبيئة. في هذا المقطع مــثــا يــشــرح الــكــاتــب فـلـسـفـة شـعـب الإنــويــت التي لا تفرق بين الفرد وبيئته، فالإنسان لا «يــســكــن» الأرض، بــل «هــــو» الأرض فيكتب: «أنا مياه المحيطات الملوثة بالمعادن الثقيلة، أنا الجليد الذي يذوب أسرع بثلاث مرات من أي مكان آخر في العالم، أنا التربة الصقيعية الحاملة لبكتيريا قـديـمـة، وأنـــا البحر الـذي يرتفع مستواه في كل لحظة». كما تـطـرق الـكـاتـب إلــى سمة «الصمت» المميزة لشعب الإنويت، والتي يفسرها الغرب خــطــأ بــأنــهــا سـلـبـيـة، بـيـنـمـا هـــي فـــي الــواقــع احترام لجلال الطبيعة، فيكتب: «تعلّم شعب الإنـــويـــت مــن الـجـلـيـد أن الـكـلـمـات قــد تنكسر كالهشيم فـي هـذا الـبـرد الـقـارس، لـذا صانوا لغتهم في قلوبهم، وتـركـوا أفعالهم تتحدث في مواجهة العواصف». بالنسبة لـ«مالو»، ضياع هـذه الثقافة يعني ضياع «موسوعة إنسانية» نادرة لفهم كوكب الأرض. الـــروايـــة اسـتُــقـبـلـت بـاهـتـمـام واســــع في الأوساط الأدبية والصحافية الفرنكوفونية، ربما بسبب ارتباطها بالتوترات السياسية الـــراهـــنـــة. مـجـلـة «لــــوبــــوان» وصـــفـــت الـــروايـــة بـــأنـــهـــا «درس بــلــيــغ فــــي الــجــيــوســيــاســيــة»، مـشـيـدة بــقــدرة الــكــاتــب عـلـى تـحـويـل الأرقــــام الاقتصادية الصمّاء إلى مادة روائية مثيرة، ورأت صحيفة «لوفيغارو» أن العمل «تحذير بـيـئـي وســيــاســي صـــــارخ»، مـعـتـبـرة أن مـالـو نجح في تجسيد القلق العالمي تجاه القطب الـــشـــمـــالـــي، أمــــــا المـــــدونـــــة الأدبـــــيـــــة الــشــهــيــرة «كوليكتيف بولار»، فقد أشادت بقدرة الكاتب على تحويل موضوع جيوسياسي معقد إلى حكاية مشّوقة، ووصفته بأنه «درس بليغ في الجغرافيا السياسية». مجلة «بنزين» الثقافية اعتبرت العمل «تـذكـيـرا ضــروريــا» بــأن الـــدول ليست للبيع، مشيرة إلى أن «مو مالو» لا يكتفي بالتشويق، بل يُثقّف القارئ حول الأهمية الاستراتيجية لمنطقة القطب الشمالي. في «بابيليو»، الموقع الأدبـي الفرنسي الشهير، تراوحت الآراء بين الإعجاب الشديد والتحّفظ، حيث أشـاد عدد من القراء بالبعد الإنساني والتوتر السردي، واصــــفــــن الـــــروايـــــة بـــأنـــهـــا «حـــكـــايـــة ســـاخـــرة مخيفة» تنجح فــي إثــــارة الـقـلـق رغـــم طولها الـقـصـيـر. لـكـن بـعـض الــنــقــاد أشـــــاروا إلـــى أن النهاية جـاءت سريعة ومفاجئة، وأن بعض الخيوط الثانوية لم تنل حقها من التطوير. باريس: أنيسة مخالدي الكاتب الفرنسي «مو مالو» التناقض الجذري بين العقلية الغربية القائمة على الربح والخسارة، و«الإنويتية» القائمة على الانسجام مع الطبيعة، يشكل العمود الفقري للرواية
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky