issue17225

مـا اعـتـبـره بـعـض مـجـرد خـــاف شخصي عابر بــــن الـــزعـــيـــم الـــبـــريـــطـــانـــي كـــيـــر ســـتـــارمـــر والـــرئـــيـــس الأميركي دونالد ترمب، يراه آخرون بداية تحوّل في طريقة نظر بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة إلى السياسة الدولية وموازين القوة. ســتــارمــر يـنـطـلـق مـــن عـقـلـيـة أوروبــــيــــة: تـعـدديـة، نـــــصـــــوص قـــــانـــــونـــــيـــــة، ومــــــؤســــــســــــات. فــــــي بــــروكــــســــل وكـوبـنـهـاغـن، تُــبـحـث غـريـنـانـد بـلـغـة الــســيــادة وحــق تـقـريـر المـصـيـر والاتــفــاقــيــات الــدولــيــة. وفـــي واشـنـطـن، يــدور النقاش حـول المـعـادن والمـمـرات البحرية والقوة الـــصـــلـــبـــة. ثـــقـــافـــتـــان اســـتـــراتـــيـــجـــيـــتـــان تـــتـــبـــاعـــدان عـن بعضهما. بريطانيا عـالـقـة فـي المنتصف منذ «بريكست»، تــحــاول إقــنــاع أوروبـــــا بــأنَّــهــا الــشــريــك الأمــنــي الأقـــرب لــهــا، وفـــي الـــوقـــت نـفـسِــه الـحـلـيـف الأكـــثـــر خـصـوصـيـة لواشنطن. غرينلاند كشفت عن صعوبة الحفاظ على هذا التوازن، فالأوروبيون لا يختلفون مع الأميركيين على الوسائل فحسب، بل على تعريف المصالح نفسها. الجزيرة تحتوي على أكبر نسبة من احتياطي الــكــوبــالــت الـــعـــالمـــي، مــعــدن أســـاســـي فـــي الـصـنـاعـات الأمـــيـــركـــيـــة الـــعـــســـكـــريـــة المـــتـــقـــدمـــة، مـــثـــل الـــصـــواريـــخ وأنظمة التوجيه. ذوبان الجليد في القطب الشمالي فتح مـمـرات بحرية جـديـدة تسهل وصــول الأسطول الـروسـي إلــى الأطـلـسـي؛ مما يفسر تحول غرينلاند إلى عقدة استراتيجية تمس أمن أوروبـا وبريطانيا مباشرة. بينما يقرأ ترمب خريطة العالم بلغة القوة، لا بلغة الدبلوماسية. مــــا يــقــلــق الأوروبـــــيـــــن اصــــطــــدام مــنــطــق تــرمــب بثقافة ما بعد الحرب الـبـاردة القائمة على القواعد والأعـــراف. لكن ناخبي ترمب يرونه رئيسا مستعدا للدفاع عن المصالح الأميركية بلا مواربة. هنا يكمن سوء الفهم المتبادل. فـي مناقشات داونـنـغ ستريت مـع الصحافيين بـدا الارتـبـاك واضـحـا حتى أول مـن أمـس (الجمعة)، يؤكدون أن الاتصالات مع البيت الأبيض «منتظمة». آخر مكالمة بين ستارمر وترمب كانت الأحد الماضي. ذهاب وزيرة الخارجية بدلا عنه إلى دافوس زاد من القلق. التفسير الرسمي ترتيب الأولــويــات، وفعليا خـشـي ســتــارمــر حــضــور المــنــتــدى ثـــم عـــدم الـحـصـول على لقاء مع ترمب. فالغياب أقل تكلفة، سياسياً، من التجاهل. في هذه الأثناء، أعلن ترمب عن تشكيل «مجلس الــســام». الاســـم جـــذاب، لكن جـوهـره تجميع النفوذ وصناعة العلاقات. بريطانيا ليست جزءا منه. توني بلير شخصية عالمية، في الهيئة التنفيذية لا ممثلا لبريطانيا. لندن خارج الغرفة، تراقب من الممر، فيما تُرسم الأولويات في الداخل. داوننغ ستريت تُكرر للصحافيين التأكيد على الـتـزام بريطانيا بالأمم المتحدة وميثاقها، ودورهــا في الدفع بتسوية في غزة. مواقف محترمة مبدئياً، لكنها تختلف عن رؤية أميركا للسياسة الدولية من مـنـظـور الـصـفـقـات والــضــغــط لا مــؤســســات الـقـانـون الدولي القائمة. ظــهــر الــتــنــاقــض فـــي جـلـسـة الـــبـــرلمـــان الأربـــعـــاء. بدا ستارمر حازما في ملف غرينلاند، ومتهربا من الإجابة عن سؤال عواقب قطيعة مع واشنطن. تنافس نــواب مـن أحـــزاب مختلفة على توجيه الإهانات لترمب، نائب عمالي وصفه بـ«البلطجي». ستارمر لم يناقضه، واكتفى بتكرار العبارات الآمنة عن التعاون الاستخباري والدفاعي مع أميركا. مــــا غـــــاب عــــن الـــخـــطـــاب هــــو الـــتـــاريـــخ المــشــتــرك، والحروب التي خاضتها بريطانيا والولايات المتحدة جـنـبـا إلــــى جـــنـــب. المــشــهــد ذكّـــــر بــخــطــاب سـيـنـمـائـي شهير لرئيس وزراء بريطاني خيالي يتحدى رئيسا أميركياً، الفارق أن خطاب ستارمر افتقر إلى العمق، بينما المخاطر حقيقية. مـــع اســـتـــمـــرار تــدنــي شـعـبـيـة ســتــارمــر وهــجــوم خـمـسـة أحــــــزاب بــرلمــانــيــة مـــعـــارضـــة مـخـتـلـفـة، بـاتـت الــســيــاســة الــخــارجــيــة مــســرحــا مــريــحــا لاســتــعــراض الـحـزم، بعيدا عـن أزمـــات الـداخـل. هـذا الخلل لـم يمر من دون استغلال. زعـيـمـة المــعــارضــة كـيـمـي بــيــدنــوك تـعـامـلـت مع المـلـف بــدهــاء. مـع الصحافيين دعــت إلــى الـتـريـث في الانضمام إلى «مجلس السلام»، وفي جلسة البرلمان كشفت عـن ازدواجــيــة معايير حكومة ستارمر: دعم حـق تقرير المصير لغرينلاند، وحـرمـان سكان جزر تشيغوس مـنـه. تجنبت الـدفـاع عـن تـرمـب، وكشفت عن غياب الوضوح في سياسة الحكومة. اتــــفــــاق جـــــزر تـــشـــيـــغـــوس مــــع مـــوريـــشـــيـــوس لـم يُحسم بعد، فالتصديق على المعاهدة لا يزال يتنقل بـن مجلسَي «الــلــوردات» و«الـعـمـوم»، فـــالأول يدخل تعديلات أهمها حـقـوق السكان الأصـلـيـن، وهــو ما ترفضه الحكومة. التأجيل يعمق صورة التردد. ،1956 التاريخ يقدم دروسـا. في أزمـة السويس افـــتـــرض الــزعــيــم الــبــريــطــانــي أنــتــونــي إيــــدن مـوافـقـة واشنطن. لكن تَــدخُــل الرئيس أيزنهاور حــوّل حملة عسكرية مضمونة إلى هزيمة سياسية أعـادت رسم موقع بريطانيا في العالم. مــن هـــذا المـنـظـور، قــد لا يـكـون تـرمـب اسـتـثـنـاءً، فــرؤيــتــه تـحـيـي مــبــدأ قــديــمــا: مــنــاطــق نـــفـــوذ، مــــوارد استراتيجية، رسـائـل لـآخـريـن بـعـدم الـتـدخـل. وإذا كانت تلك المقاربة تُستعاد اليوم، فالأصح أن نضعها فـي إطـــار «مــبــدأ» لا «عـقـيـدة» - كما عـرفـت السياسة الأميركية من قبل مبدأ مونرو ثم مبدأ ريغان. وهنا يبرز السؤال الذي تتجنب لندن مواجهته: ماذا لو لم تكن «الترمبية» مرحلة عابرة؟ ماذا لو كان شعار «أميركا أولاً» تعبيرا عن تحول دائم؟ ترمب لا يزال يحظى بتأييد واسع، وكثير من أفكاره أصبحت جزءا من التيار السائد في السياسة الأميركية. إذا كـــــان هـــــذا هــــو الاتـــــجـــــاه، فــــا يـــجـــب انــتــظــار عـــودة «الــوضــع الطبيعي»، بـل إعـــادة التموضع في عالم باتت فيه القوة أكثر صـراحـة، والعلاقات أكثر براغماتية. في هذا العالم، النوايا الحسنة لا تكفي، والمكانة تُقاس بالقدرة على التأثير لا بحسن السلوك. قـــد يـحـقـق ســتــارمــر مــكــاســب تـكـتـيـكـيـة هــنــا أو هــــنــــاك. لــكــن الاســتــراتــيــجــيــة لا تُــــقــــاس بــلــحــظــة، بـل بـــالمـــســـار. وإذا تــحــولــت «الــتــرمــبــيــة» إلــــى مــبــدأ مثل «مــــونــــرو»، فـسـتـحـتـاج بـريـطـانـيـا إلـــى أكــثــر مـــن لغة أوروبـــيـــة تـوافـقـيـة لـإجـابـة عــن ســـؤال يـفـرض نفسه على الحسابات الأطلسية: ماذا لو بقيت «الترمبية» بعد ترمب؟ Issue 17225 - العدد Sunday - 2026/1/25 الأحد تــعــبّــر الــحــالــة الـتـقـنـيـة عــبــر تــاريــخــهــا عن حــيــويّــتــهــا مــــن جـــهـــة، وعـــــن تــحــديــهــا لــإنــســان مـن جـهـة أخــــرى، إذ انـصـاعـت التقنية للإنسان وأفادتْه، ولو بقي أسيرا لها لأضرّته وأهلكتْه. المـعـيـار فــي ذلـــك الـتـجـربـة، فمنذ الـثـورتـن الـصـنـاعـيـتـن واكــتــشــاف الــكــهــربــاء والـتـلـغـراف ولـــيـــس انـــتـــهـــاء بـــالـــثـــورة الــرقــمــيــة الـــتـــي بلغت ذروتــهــا مــع شـيـوع «الإنــتــرنــت» وحـالـيـا الـذكـاء الاصــطــنــاعــي، بـقـي الإنـــســـان مستفيدا مــن هـذه الـنـقـات بـشـكـل متميز؛ إذ ســاعــدت الحكومات على صياغة نمط عملي يرتكز على أمرين: أولـهـمـا: سـرعـة تنفيذ الأعـمـال مـع الحفاظ عـــلـــى قــــــــوّة المـــــوظـــــف وتـــبـــويـــبـــه لــلــتــقــنــيــة الـــتـــي يـسـتـعـمـلـهـا مــمــا يـنـعـكـس إيــجــابــيــا عــلــى الأداء الـعـمـلـي وعــلــى مصلحة المـسـتـفـيـد بـشـكـل أوّلـــي وهذا هو الأهم وهو لب الطموح. ثانيهما: أن العمل الحكومي لم يتخوّف من ثورة الذكاء الاصطناعي الحاليّة، إنما استطاع أن يـــتـــحـــكّـــم بـــهـــا ويـــصـــهـــرهـــا ضـــمـــن المــصــلــحــة العامة. لقد أثبتت تجارب البشرية مع التقنية أن نـــمـــط رفـــضـــهـــا بـــــاء بـــالـــفـــشـــل، ومـــــا نـــجـــح إلا أسلوب التكيّف والتعامل المؤسسي معها ضمن المصلحة العامة. قبل أيـــام كتب الأســتــاذ بــدر الـخـريـف بهذه الجريدة مادة مهمة بعنوان: «عهد الملك سلمان والـتـحـول الـرقـمـي: مـن بـنـاء الـدولـة الرقمية إلى الــســيــادة فـــي الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي - الـسـعـوديـة تتحول من مستهلك للتقنية إلى منتج ومصدّر لها». من أبرز ما كتبه الزميل بدر أن السعودية «وفـــي سـيـاق ترسيخ البنية التحتية للذكاء الاصــطــنــاعــي جــــاء إعـــــان الـهـيـئـة الـسـعـوديـة للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) مطلع عن إطـاق وتشغيل مركز البيانات 2026 عام (هــــيــــكــــســــاجــــون) بـــوصـــفـــه أحــــــد أكــــبــــر مـــراكـــز الــبــيــانــات فـــي المــنــطــقــة، وأكـــبـــر مــركــز بـيـانـات حكومي في العالم، ليؤكد انتقال المملكة من مـرحـلـة تـبـنّــي الـتـقـنـيـة إلـــى مـرحـلـة امـتـاكـهـا وتوطينها». ،)2030 يـضـيـف: «ولـتـنـفـيـذ أهـــــداف (رؤيـــــة أُعيدت هيكلة الدولة عبر إنشاء مؤسسات جديدة تتمحور حــول الـبـيـانـات والــذكــاء الاصطناعي، في مقدمها، الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (ســدايــا)، وهــي الـركـيـزة المحورية؛ فهي جهة حكومية مستقلة تأسست بأمر ملكي وتـرتـبـط مـبـاشـرة 2019 ) أغـسـطـس (آب 30 فــي بـرئـيـس الـــــوزراء، إذ تـتـولـى (ســـدايـــا) مسؤولية إدارة وتشغيل كل ما يتصل بالبيانات والذكاء الاصـطـنـاعـي والــبــيــانــات الـضـخـمـة فــي المملكة، وتشرف على حماية البيانات الوطنية وتطوير الاســتــراتــيــجــيــات الــوطــنــيــة لــلــبــيــانــات والـــذكـــاء الاصطناعي». نـعـم؛ أرى أن التعامل مـع التقنية بطريقة مؤسسية سهّلت على الناس سبل دنياهم. لقد اكـتـشـف الإنــســان التقنية ولـــم تكتشف التقنية الإنسان، بالتالي فإنها وسيلة أساسية لتهيئة الـحـيـويّــة الـدنـيـويـة واخـتـصـار الــوقــت وتسريع المعاملات وتجويد الإنتاج. ثـمـة نـظـريّــتـان حــول التقنية؛ الأولــــى: تـرى أن الــتــقــنــيــة حـقـيـقـة وبـــالـــتـــالـــي فــإنــهــا تتضمن آيديولوجيا وأفكارا معيّنة، وهذه نظرية فاشلة ووُئــــــدت فـــي مــهــدهــا. حــــاول بــعــض الأصــولــيــن بعثها متكئين عـلـى نــظــريــات يـسـاريـة مـعـاديـة للغرب بيد أن التجربة الإنسانية أثبتت عكس ذلك. الـثـانـيـة: أن الـتـقـنـيـة وســيــلـة تــفــوّق بشري عــلــى الـــحـــالات الاعــتــيــاديــة الــتــي بــــوّب الإنــســان نفسه فيها، وهذه أدق. الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر - وهـو من أهـم من بصّر بعلاقة التقنية بالإنسان - رأى في الجزء الثاني الـذي خصص فيه فصلا كاملا عن التقنية ضمن مؤلفه «كتابات أساسية»، أن «انتماء التقنية إلى مجال الحقيقة يثير في البداية استغرابنا، وهذا يعود إلى أننا نكون - عــادة - مأخوذين بالتقنية إلـى حد أننا لا نهتم إلا بما هـو تقني، ومــا يهمنا عـــادة في التقنية هـو منفعتها ومـردوديـتـهـا، ووسائلها في الإنتاج وأساليبها في العمل والتنظيم، أما ماهيّة التقنية فلا نعبأ بها في العادة، إننا من شدة تعلقنا بالتقنية نُغفل السؤال عن ماهيّتها، والآن عندما تساءلنا عن ماهيّة التقنية وتابعنا الـتـسـاؤل خـطـوة خـطـوة وصلنا إلــى الأمــر الـذي أثار استغرابنا، وهو أن مجال ماهيّة التقنية هو الحقيقة». الـخـاصـة؛ أن استثمار التقنية فـي تقوية الــــجــــودة الـــدنـــيـــويـــة جــــاء ضــمــن رؤيــــــة فــاحــصــة ودقــيــقــة أســاســهــا تـــجـــاوز الـعـمـل الـتـقـلـيـدي في المــــعــــامــــات الـــحـــكـــومـــيـــة. لـــقـــد أثـــبـــتـــت الــتــجــربــة البشرية خلال القرن الماضي أن الإنسان استفاد من الكشوفات التقنية وطوّرها ثم تطوّر معها. كـــل الـــنـــذيـــر الـــــذي طـــرحـــه بــعــض المــفــكــريــن ضد التقنية لم يكن إلا إرجافاً. من دون التقنية لم يكن للإنسان أن يسعد؛ لــقــد جـــــاءت هــــذه الــكــشــوفــات المــتــمــيــزة فجعلت الــبــشــريــة فـــي حــــال رفـــاهـــيـــة لـــم يــتــوقــعــهــا على الإطلاق. لـقـد أثـبـتـت الـتـجـربـة الــســعــوديــة فـــي إدارة الـتـحـوّل الـرقـمـي أو بالتعامل الـعـام أن التقنية لن تتفوّق على الإنسان، كما حذّر هيدغر، بل إن الإنـسـان هـو الـــذي هيمن عليها، وهـــذا جــزء من الحيويّة الدنيوية الصاعدة التي نعيشها الآن. اخــــتــــار أنـــيـــس فـــريـــحـــة قـــولـــن مــــن كُـــتـــيـــب «أســــس الــنــهــوض الــقــومــي الــعــربــي» لأحــمــد كــمــال للاستشهاد بهما على ما يعانيه الفكر العربي المعاصر من مشكلة مع النهوض والتجديد. القول الأول هو: «والعقلية المتحدة العامة التي انـتـهـى إلـيـهـا الــعــرب فــي نهضتهم الأولــــى هــي التي نعمل لها لنكون فـي نهضتهم الكبرى الآتـيـة، وهي التي على مثل عليا في الحياة، فوهبت العرب الروح بـدل المـــادة، والنظام بـدل الفوضى، والمـسـاواة التامة بــن جميع الـعـنـاصـر والـطـبـقـات، حـتـى إنـــه سادتهم حــيــاة اجـتـمـاعـيـة عـمـرانـيـة إنـشـائـيـة راقـــيـــة تـحـددت فيها أعمال كل طبقة من طبقات الأمة. وتمكنت منها الـعـقـيـدة فـأخـلـصـوا لــهــا، وغـمـرهـم الإيـــمـــان بمثالية الحياة فكان شعورهم بالواجب والتضحية للمبدأ ونشاطهم العلمي الـــذي لـم يـتـرك ناحية مـن نواحي الإنسانية إلا وتناولها». القول الثاني هو: «الحضارة الغربية الماثلة للزوال بسبب مــا يـسـود الــغــرب مــن التبلبل الـفـكـري، وتشمله الفوضى الاجتماعية». قبل أن أورد تعليق أنيس فريحة على هذين القولين لأحمد كمال، أود إبداء ملحوظات عليهما. الملحوظة الأولى: النهضوي القومي العربي أحمد كمال يتحدث عن أنهم يعملون على صنع نهضة عربية أخـــرى تعيد مـجـد النهضة الـعـربـيـة الأولــــى، والنهضة العربية الأولى يقصد بها الحضارة العربية الإسلامية التي كانت من ضمن كبرى الحضارات في تاريخ العالم. إنـه يتحدث عن صنع نهضة عربية أخـرى وعصر النهضة العربية - كما حُددت بدايته عند أبرز مؤرخيه فيما بعد – كان قد بدأ أثر الحملة العسكرية الفرنسية !)1801-1798( على مصر الملحوظة الثانية: العبارات التي قالها أحمد كمال حـــول كــمــال الــحــضــارة الـعـربـيـة الإســامــيــة ومثاليتها وقصور الحضارة الغربية ونقصها مشابهة لما سيقوله الإسـامـيـون عـن الثقافة الإسـامـيـة فـي إطـــار مقارنتها بالثقافة الغربية بعد سنوات لاحقة. المــلــحــوظــة الـــثـــالـــثـــة: كــلــمــة «الـــعـــقـــيـــدة» فـــي جـمـلـة: «وتمكنت العقيدة منهم فأخلصوا لها» كلمة - إلى حد ما - مبهمة، فأي عقيدة يعني، هل هي عقيدة قومية أم عقيدة دينية؟ لاصــطــبــاغ نـهـضـة الـــعـــرب الأولـــــى بـصـبـغـة ديـنـيـة إسلامية، فإنه - بعلمانية مجاملة لرفاقه النهضويين من المسيحيين العرب - تحاشى تحديد نوع هذه العقيدة. المـلـحـوظـة الــرابــعــة: هــل تـوحـي عــبــارة أحـمـد كمال «الحضارة الغربية الماثلة لـلـزوال» باطلاعه على كتاب تـــشـــاؤمـــي فـلـسـفـي تـــاريـــخـــي هـــو كـــتـــاب «أفــــــول الـــغـــرب» لأوسفالد شبنجلر؟ إن تـعـلـيـل أحــمــد كــمــال لـــــزوال الــحــضــارة الـغـربـيـة بالتبلبل الفكري والفوضى الاجتماعية لا يوحي بذلك. يــقــول أنــيــس فـريـحـة تعليقا عـلـى هــذيــن الـقـولـن: «يـتـوقـد هـــذا الــشــاب حـمـاسـة. ولا شــك عـنـدي بخلوص نــيــتــه، ولـكـنـنـي أسـتـشـهـد بـــأقـــوالـــه لأنــــه صــــدف أن كــان الـكـتـاب بــن يـــدي، وشــعــرت أن فـكـرة الــشــاب التاريخية خاطئة بمعنى أن الأخطاء والنقائص لا تُذكر. ولكن ألا نتعلم من ذكر الأخطاء وتبيان النقائص. هكذا علّمنا الشباب الـتـاريـخ، وهــذه نظرتهم إلى الــغــرب - الــغــرب المــاثــل لـــلـــزوال! ومـــا دمــنــا، أو قــل مــا دام ســواد الـعـرب، يعتقدون أن النظام العربي خلق أفضل مجتمع مثالي، وأن مدنية الغرب مدنية مادية سائرة إلـــى الانــــقــــراض، وتــقــف عـنـد هـــذا الـــحـــد، لـــن نـتـقـدم ولـن نـتـحـرر. وســـواء أردنـــا أم أبينا نحن فـي ركـــاب الـغـرب - بيتنا، مدرستنا، نادينا، متجرنا، مصنعنا، مزرعتنا، وأهــم مـن كـل ذلــك كله ميولنا. ومــا دمنا فـي أثــر الغرب يحسن بنا أن نفهم الـغـرب فهما صحيحاً. ولكي نفهم الغرب علينا أن نتحرر من طغيان الماضي!». أنيس فريحة يقول: «هكذا علّمنا الشباب التاريخ، وهذه نظرتهم إلى الغرب - الغرب الماثل للزوال!». أحمد كمال درس الطب في الجامعة الأميركية ببيروت وقبيل أصدر كتابه «أسس 1938 تخرجه في هذا الجامعة عام النهوض القومي العربي». فهل تعلّم الجامعة الأميركية ببيروت أن الحضارة الغربية في طريقها إلى الزوال، أم أنه تعلّم هذه النظرة إلى الغرب من جمعية طلابية في هذه الجامعة، هي جمعية «العروة الوثقى» ذات التوجه القومي العربي في الجامعة الأميركية؟! الجامعة الأميركية مـن المـؤكـد أنـهـا لا تعلّم شيئا من هذا. فهل في جمعية «العروة الوثقى» من الأساتذة مــن ردد الــقــول فــي أنـشـطـتـهـا الـثـقـافـيـة بـــأن الــغــرب إلـى زوال، كقول إنشائي أو عن اطـاع على فلسفة التشاؤم الأوروبية؟ لا أدري مـا تـكـون الإجــابــة لكن مـن الــواضــح لـي أن أنيس لم يكن على علم بهذه الفلسفة، فلو كان على علم بها لأشار إلى الأصل الأوروبي للقول بـ«أن مدنية الغرب سائرة إلى الانقراض» ولما نسبه إلى العرب المعاصرين، وتـعـامـل مـعـه بـوصـفـه مـقـولـة عـربـيـة صميمة، قـــال بها العرب المعاصرون أمام تحديات الثقافة الغربية. فـي الاتــجــاه الـقـومـي الـعـربـي هـنـاك مـن نظرته إلى المــاضــي الـعـربـي قـبـل الإســــام وفـــي أثــنــاء ظـهـور دعـوتـه وبعدها نظرة رومانسية غير علمية، فيعتقد أن الأخلاق العربية خلقت أفـضـل مجتمع مثالي لكن الـقـول بـــ«أن مدنية الغرب مدنية مادية سائرة إلى الانقراض» هو - تحديدا - قـول سائد عند الاتـجـاه الإسـامـي فـي العالم العربي وفـي العالم الإسـامـي. ورواد القول به في هذا الاتجاه عمّوا على مصدره الأوروبي! فهل يخلط أنيس فريحة بعمد بين هذين الاتجاهين أو يخلط بينهما من غير عمد؟! إن عـــصـــر الـــنـــهـــضـــة الـــعـــربـــيـــة الـــــــذي كـــــان مــــن بـن اتجاهاته الاتـجـاه القومي العربي في بـاد الـشـام، كان يستهدي - مع فخره بتراثه القومي العربي - بعصرين معا فـي تـاريـخ الفكر الأوروبـــــي، هما عصر الإحــيــاء أو الـنـهـضـة وعــصــر الــتــنــويــر، فـكـيـف يـسـتـهـدي بـهـمـا، مع اعـتـقـاده الحتمي بــأن الـحـضـارة الغربية آيلة إلــى زوال قريب؟! ســــرد أنــيــس فــريــحــة فـــي ســيــرتــه الـــذاتـــيـــة «قــبــل أن أنسى» قصة اعتقد أن القارئ لن يصدقها، فأقسم اليمين أن كل حرف منها صحيح! القصة - كما حدثنا - حدثت حين دعاه مدير معهد الدراسات الشرقية بجامعة کالیفورنیا، غرين بوم (هكذا كتب اسمه والمقصود هو المستشرق الشهير جوستاف فون غرونباوم الذي أسس مركز دراسات الشرق الأدنى ) لإلقاء 1972 ، وظــل مـديـرا لـه إلــى وفـاتـه عــام 1957 عــام محاضرات عن الحضارة السامية لعام دراسي واحد في هذا المعهد أو المركز. مــلــخــص الــقــصــة أن طــالــبــة لـــديـــه اســمــهــا هــاريــت باركلي أعلمته ذات يوم بأن صديقة لها تحب أن تتعرف به، لأن أباها كان قد علّم في الجامعة الأميركية في دائرة الفيزياء. اجتمع بهما في شقته. فسأل صديقة تلميذته - واسمها باربرا - أين أبوها الآن؟ فأخبرته بأنها تظن أنه في المكسيك، ولا تعرف ماذا يعمل الآن. أمها معلمة وتظن أنها تعلّم في جنوب كاليفورنيا. أبوها طلّق أمها. ولها أخ متشرد في نفس مدينتها لوس أنجليس لكنها تـراه قليلاً. ربتها عمتها. وعندما بلغت الرابعة عشرة هربت، لأنها كانت قاسية صارمة. وأصبحت بوهيمية متنقلة مـن عمل إلــى عـمـل: فـي المـطـعـم، فـي المكتبة، في المــخــزن، وحيثما تجد عـمـا يــدر عليها نفقات النهار. وقد عززت سلوكها الطريق البوهيمي في الحياة، بقول السيد المسيح: لا تهتموا بالغد! ســأل تلميذته هـاريـت عـن عائلتها. فأخبرته بأن أباها الآن في طوكيو. كـان ضابطا في البحرية، وبعد الحرب آثر البقاء في اليابان، وتزوج يابانية. وقد طلّق أمها، وهي تعمل في بنك تظنه في سان فرانسيسكو. قل أن تراها. ولها أخ لا تعلم الكثير عنه، مع أنه يعمل في لـوس أنجليس، سألها: إن كانت رأت أباها بعد زواجـه الــثــانــي. فـأخـبـرتـه بــأنــه بـعـث لـهـا بـــدراهـــم لـتـوافـيـه إلـى شيكاغو. وذهـبـت إلــى شيكاغو، وتـعـرفـت إلــى الـزوجـة اليابانية، وبعدها لم تره مرة ثانية. علق أنيس فريحة على هذه القصة بحسرة، فقال: «قـلـت فـي نفسي: لقد بــدأ الـسـوس ينخر فـي الحضارة الأميركية! زوال الحضارة يبدأ بتفكك العائلة فالمجتمع. وأظـــن أن الحالة العائلية والاجتماعية الآن أســـوأ مما كانت عليه في عهد باربرا وهاريت». يعيب سيرة أنيس فريحة الـذاتـيـة الأولـــى «إسمع ،1956 يـــا رضــــــا!» الــــصــــادرة فـــي طـبـعـتـهـا الأولــــــى عــــام وسيرته الـذاتـيـة الثانية «قبل أن أنـسـى» التي لخصنا منها قصته مــع الـفـتـاتـن، أنـــه روی وقــائــع سـيـرتـه من دون ذكــر أعـوامـهـا. ومــن هــذه الـوقـائـع عــام تدريسه في جامعة كاليفورنيا - لوس أنجليس. ومع غياب التحديد الـسـنـوي لـوقـائـع سيرته فإنني - على الأقـــل - بإمكاني تحديد العقد الزمني استنادا إلى أمرين، هما: - هو أنه انتبه إلى أن باربرا كانت حافية القدمين، ورأى أنها عادة متفشية في ولاية كاليفورنيا! وللتدقيق هذه عادة هبيّة شاعت مع انتشار حركة الهيبز في أميركا. ولاية كاليفورنيا كانت مصدر حركة الـهـيـبـز، خـصـوصـا فــي ســـان فرانسسيكو وفـــي جامعة كاليفورنيا - بيركلي. هذه الحركة نشأت في الستينات الميلادية ولم تنشأ في عقد قبله. واستمرت هذه الحركة في الانتشار في عقد السبعينات الميلادية. ،1979 - صدرت سيرته الذاتية (قبل أن أنسى) عام وقد ختم قصته مع الفتاتين بجملة: «... أسوأ مما كانت عليه فـي عهد بـاربـرا وهــاريــت» مما يعني أنــه فـي هذه الـجـمـلـة يـشـيـر إلـــى عـقـد مـنـصـرم سـبـق عـقـد الستينات الميلادية. التناقض الـصـارخ الــذي وقـع أنيس فريحة به هو أنه في عبرته التي استخلصها من وضع باربرا وهاريت العائلي المفكك، وهـي أن الحضارة الغربية في طريقها إلــى الــــزوال، هـو مـا عــاب على أحـمـد كـمـال قـولـه فـي عام ! وللحديث بقية. 1938 فهد سليمان الشقيران علي العميم عادل درويش OPINION الرأي 14 تناقض صارخ لأنيس فريحة نسف نقدَه لأحمد كمال عن التحوّل الرقمي والحيوية الدنيوية ماذا لو بقيت الترمبية بعد ولاية ترمب؟

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky