الحروب أنواع عديدة، وهي، على اختلافِها، ليست دائما شــرّا مطلقاً؛ إذ إن بعضها، أو بـالأحـرى القليل منها، ينجم عنها خير لم يكن مستهدفا في الحسابات لصالح طـرف أو أطـــراف. الحرب الأوكرانية - الروسية أفضل مثال؛ فهي منذ وحتى الآن 2022 اشتعالها فجأة في فبراير (شباط) في عام تمكَّنت من الاستحواذ على اهتمام وسائل الإعــام الدولية، كما استحوذت على أجـنـدة الساسة خاصة فـي دول أوروبــا الغربية، وتداعياتها طالت دولا عديدة، حتى في قارة أفريقيا، وكادت تتسبب في مجاعة، بعد تعذَّر وصول شحنات القمح الأوكراني إلى دول عدة. نشرات أخبار وسائل الإعلام الدولية تبدأ يوميا بنقل ما استجد في ساحات تلك الحرب من معارك. وتتوالى التقارير عـن اجتماعات يعقدها قـــادة ورؤســــاء حـكـومـات دول الغرب بشكل أسبوعي، ناقلة ما يجري بينهم من مشاورات واتفاقات تدور حول منع روسيا من تحقيق نصر عسكري في أوكرانيا، وتهدد أمنهم. قادت وسائل الإعلام الغربية حملة شرسة غير مسبوقة تندد بروسيا أولا وبالصين ثانياً، وتحيلهما في ذهن المواطن الأوروبــي إلى وحشين هائلين يسعيان إلى ابتلاعه في حالة هزيمة أوكرانيا عسكرياً، ما لم يتم دعم أوكرانيا في جبهات القتال وعلى مناضد المباحثات. وتحوّل الرئيس الأوكراني إلى ما يشبه سندبادا جديداً، يطوف عواصم العالم من أجل تجميع الدعم السياسي والمالي والعسكري. ســـــنـــــوات، كــــانــــت كـــــل حــــســــابــــات دول الـــغـــرب 4 طــــــــوال السياسية قائمة على صد الشّرور القادمة من الشرق - روسيا والــصــن - والـعـمـل عـلـى تـحـصـن الـــحـــدود، ورفــــع مـيـزانـيـات الـدفـاع، والـدعـوة إلـى إعــادة التجنيد الإجـبـاري. وظــل العالم يصحو ويـنـام على آخــر مـا وصــل إلـيـه قـــادة دول الـغـرب في لقاءاتهم من تدابير وقائية دفاعية تحول بين روسيا والزحف غربا باتجاههم عسكرياً، ووضع القيود الجمركية أمام زحف البضائع الصينية نحو أسواقهم. الـنـقـلـة الـحـرجـة فــي الـلـعـبـة بــانــت مـنـذ وصــــول الـرئـيـس دونـــالـــد تــرمــب إلــــى الــبــيــت الأبـــيـــض فـــي ولايــــة ثــانــيــة. كــانــت العلامات والإشارات والدلائل، يوما تلو آخر، تزداد وضوحاً، وتـسـتـوجـب الـــتَّـــوقـــف عـنـدهـا وإعـــــادة الـنـظـر فـــي الـحـسـابـات الــقــديــمــة، لــكــن غـــالـــة قــاتــمــة كــانــت تـحـجـب عــيــون قــــادة دول الاتحاد الأوروبـــي، وتحول بينهم وبين رؤيـة حقائق الواقع الجديد، الذي صار يتوطّد يوما بيوم في أميركا على مستوى السياسات الاستراتيجية، وعلى مستوى الأحــداث اليومية، والتصريحات الرسمية من الرئيس ترمب ومن وزراء حكومته وكبار مستشاريه. والــــذكــــرى الــرابــعــة لاشــتــعــال تـلـك الـــحـــرب تـقـتـرب خـال الأيـام المقبلة، وتبي لأولئك القادة الأوروبيين أن حساباتِهم السياسية كانت تفتقر إلـى بُعد النظر، وأن خطوط دفاعهم الـتـي شـيَّــدوهـا تحسّبا لـغـزو قـــادم مــن الــشــرق لــم تـكـن سـوى نسخة عصرية مـن «خـط ماجينو» فـي فرنسا الــذي تجاوزه التاريخ. كانت أعينُهم شاخصة نحو الشرق، بينما جاءتهم الهزة الحقيقية من الغرب، وتحديدا من الحليف التاريخي: واشنطن، أي من مواقع نيران كانت تُصنّف صديقة. تمثلت هـذه الضربة فـي التَّحول الـجـذري فـي الأولـويـات الأمــيــركــيــة؛ حـيـث وجــــدت أوروبــــــا نـفـسَــهـا فــجــأة فـــي مـواجـهـة سياسة «أميركا أولاً» بنسخة أكثر حدّة، أدَّت إلى سحب الغطاء العسكري تدريجياً، وتوجيه الـدعـم الاقـتـصـادي نحو الداخل الأمـيـركـي، تــاركــة الــقــارة الـعـجـوز وحـيـدة فـي مـواجـهـة تبعات حرب استنزفت خزائنها وطاقتها. ليس هذا فحسب، بل تسعى للاستيلاء بالمال أو بقوة السلاح على أراض تابعة للدنمارك (غرينلاند) الدولة الحليفة، والعضو في حلف «الناتو». كانت هذه الضربة بمثابة «علاج بالصدمة» للمنظومة الأوروبية. فلأول مرة منذ عقود، أدركت دول الغرب الأوروبي أن الاعتماد المطلق على واشنطن والـوثـوق بها ثقة عمياء، كانا على حساب تأهيل وتعزيز دفاعاتها وأمنها. الـــصـــراع الـــدولـــي لــم يـعـد بــن دول تُــصـنـف ديـمـقـراطـيـة وأخــــرى تـصـنّــف ديــكــتــاتــوريــة، بــل أضــحــى بــوضــوح صـراعـا شــرســا عـلـى المـــــوارد والــســيــطــرة الــجــغــرافــيــة. فــنــزويــا كـانـت مـنـصـة الانـــطـــاق ونـقـطـة الــتــحــوّل، حـيـث تــم كـشـف المـحـتـوى الأمـــيـــركـــي. وحــســابــات واشــنــطــن الـقـديـمـة تـغـيـرت ومـكـانـهـا حلت أخرى جديدة. وتبي لقادة أوروبـا الغربية ودول حلف «الـــنـــاتـــو» وبـقـيـة دول الــعــالــم أن شــعــار «أمــيــركــا أولاً» ليس مجرد شعار سياسي مرفوع لدرء رماد في عيون، بل سياسة استراتيجية صُمّمت لتنفذ على أرض الـواقـع. وأن ما حدث ويحدث من ضجيج حول جزيرة غرينلاند الدنماركية، ليس ســـوى بــدايــة حقبة أمـيـركـيـة تـاريـخـيـة مختلفة عـمـا سبقها، وليس من ضمنها التصدي لروسيا، أو الدفاع عن قارة عجوز أرهقتها الأزمات الاقتصادية والسياسية. لا يمكن فصل مبادرة العراق باستعداده استقبال عدد مـن أخـطـر عناصر تنظيم «داعــــش»، المحتجزين فـي شمال شـــرق ســـوريـــا، عـــن الــتــحــولات الأعـــمـــق الــتــي يـشـهـدهـا مـلـف مكافحة الإرهاب في المنطقة. فهذه الخطوة لا تأتي بوصفها إجـــــراء تقنيا أو حـــا ظـرفـيـا، بــل مـــبـــادرة سـيـاسـيـة وأمـنـيـة محسوبة، تعكس رغبة بغداد في التعامل المباشر مع أحد أكـثـر ملفات مـا بعد الــصــراع تعقيداً، بــدل إبـقـائـه عالقا في مساحات رمادية خارج السيطرة. لسنوات، شكّلت مراكز الاحتجاز والمخيمات في شمال شـــرق ســـوريـــا نـقـطـة اخـــتـــال واضـــحـــة فـــي المــعــادلــة الأمـنـيـة الإقليمية. فهي فضاءات غير مستقرة، محكومة بترتيبات مؤقتة، وتضم عناصر متطرفة مـن جنسيات متعددة، في بيئة هشّة قابلة للانفجار في أي لحظة. هـذا الـواقـع، الذي جـرى التعامل معه طويلا كحل اضـطـراري، بـات يُنظر إليه دولـيـا بوصفه مصدر خطر مستمر، لا يمكن احـتـواؤه إلى ما لا نهاية. في هذا السياق، يبرز التحرك العراقي بوصفه محاولة استباقية لمنع سيناريو أمني أكثر خطورة، في ظل التغيرات التي شهدتها الساحة السورية على مستوى القوى الممسكة بالأرض، وما رافقَها من مخاوف جدية تتعلَّق بإمكانية تفلّت هـؤلاء المعتقلين أو إعــادة تدويرهم ضمن بيئات فوضوية. فــالــعــراق، الـــذي خـــاض واحــــدة مــن أكـثـر المــعــارك تكلفة ضد تنظيم «داعـــش»، يجد نفسه اليوم أمـام مرحلة مختلفة من التهديد، لم تعد داخلية فحسب، بل عابرة للحدود، وقابلة لإعادة إنتاج التنظيم بصيغ أشد تعقيدا وخطورة. مـــن هــنــا، لا يــقــوم مـنـطـق المـــبـــادرة الــعــراقــيــة عـلـى نقل عبء أمني من ساحة إلى أخرى، بل على منع تشكّل فراغات مفتوحة تسمح بـعـودة التنظيم تحت مسميات أو هياكل جـــديـــدة. إنَّــهــا مــحــاولــة لإدخــــال هـــذا المــلــف ضـمـن حـسـابـات الدولة، بدل تركه رهينة ترتيبات مؤقتة أثبتت محدوديتها. ومن المهم الإشارة إلى أن عناصر تنظيم «داعش» هؤلاء ظلّوا، لفترة طويلة، محتجزين في ترتيبات أُريد لها أن تكون قابلة للاحتواء، إلى أن أعادت التطورات الأخيرة - ولا سيما التوترات المتصاعدة بين دمشق والإدارة الذاتية في شمال شـرق سوريا - إثــارة قلق واشنطن وطـرح سـؤال الاستدامة الأمـنـيـة بـإلـحـاح أكــبــر. فالتغيّر فــي مــوازيــن الـسـيـطـرة على الأرض، إلى جانب هشاشة الانضباط المؤسسي داخل بعض التشكيلات العسكرية الحكومية الـسـوريـة، أثـــارا مـخـاوف متزايدة حيال القدرة الفعلية على إدارة هذا الملف الحساس، أو ضمان عـدم تحوّله إلـى ورقــة مساومة سياسية، أو إلى منفذ محتمل لإطــاق ســراح عناصر شـديـدة الـخـطـورة، في بيئة أمنية وسياسية بالغة التقلب. الـتـرحـيـب الأمـيـركـي بـالـخـطـوة جـــاء منسجما مــع هـذا الفهم. فقد وصفت وزارة الخارجية الأميركية القرار العراقي بـأنـه خـطـوة «جـريـئـة وضـــروريـــة» ضـمـن جـهـود مـنـع عــودة نشاط التنظيم، في إشارة واضحة إلى أن معالجة هذا الملف لــم تـعـد مـسـألـة عـراقـيـة داخـلـيـة، بــل جـــزء مــن مـقـاربـة أوســع للأمن الإقليمي. اللافت في هذا الموقف أنه لم يُقدَّم بصيغة الإملاء أو الضغط، بل بلغة تقدير لدور بادرت به بغداد من موقعها السيادي. كـمـا عــبّــر مــســؤولــون أمــيــركــيــون، مـــن بـيـنـهـم المـبـعـوث الــخــاص إلـــى ســوريــا تـــوم بـــــرَّاك، عــن تـقـديـر عـمـيـق مــن قِبل الـرئـيـس الأمـيـركـي دونــالــد تـرمـب ووزيــــر الـخـارجـيـة مـاركـو روبـــيـــو لـلـحـكـومـة الـــعـــراقـــيـــة، ولمـــوقـــف الـــعـــراق واســـتـــعـــداده للمساهمة في حماية المجتمع الدولي من التهديد المستمر الذي يشكله معتقلو تنظيم «داعش». وأشاروا إلى أن الدور العراقي بات عنصرا أساسيا في تعزيز الاستقرار، ليس في سوريا فحسب، بل على مستوى المنطقة ككل. وفي السياق ذاته، شددت واشنطن على ضرورة أن تتحمّل الدول الأخرى مسؤولياتها تجاه مواطنيها المحتجزين، في رسالة تعكس تحوّلا في المزاج الدولي إزاء هذا الملف. هذا التفاعل الدولي لا يغيّر من طبيعة القرار العراقي، لكنه يسلّط الضوء على بعده السياسي. فالخطوة تجمع بـــن بُــعــد تـنـفـيـذي واضــــح وبُـــعـــد ســـيـــادي مــحــســوب. وبـــدل التعامل مع ملف المعتقلين بوصفه عبئا قابلا للتأجيل، جرى إدخاله ضمن معادلات الدولة، بما يحمله ذلك من تعقيدات، لـكـن أيـضـا مــن قـــدرة عـلـى الـضـبـط والـسـيـطـرة. وهـــو انتقال واضـح من منطق إدارة الخطر عن بُعد إلى منطق تقليصه ضمن أطر وطنية محددة. فــي الــوقــت نـفـسـه، يــحــرص الـــعـــراق عـلـى أن يـبـقـى هـذا المـسـار ضمن تـــوازن دقـيـق: تـعـاون دولـــي مـن دون وصـايـة، ومساهمة في الأمن الإقليمي من دون تحمّل أعباء الآخرين. الــتــأكــيــد الأمـــيـــركـــي المـــتـــكـــرر عــلــى إعــــــادة الــــــدول لمـواطـنـيـهـا المحتجزين يندرج ضمن هذا الإطار، ويمنح المبادرة العراقية بعدا سياسيا إضافياً، يتجاوز بعدها الأمني المباشر. الأهـــم أن هـــذه الـخـطـوة تعكس فهما مـتـقـدّمـا لطبيعة المــواجــهــة مــع الـتـنـظـيـمـات المـتـطـرفـة فــي مرحلتها الـراهـنـة. فالقضية لــم تـعـد تُــخـتـزل فــي الـسـيـطـرة الـعـسـكـريـة، بــل في قـدرة الــدول على إدارة إرث العنف ضمن منظومات العدالة والمـؤسـسـات، ومنع تحوّله إلـى تهديد مستقبلي. وهــذا ما يضع المــبــادرة الـعـراقـيـة فـي سياقها الأوســــع: اخـتـبـار قـدرة الدولة، لا استعراض قوتها. فـي المحصلة، يـؤكـد الــعــراق مـسـارا بـــدأه منذ سـنـوات، يقوم على الانتقال من موقع المتأثر بتداعيات الصراع إلى طرف يساهم في صياغة ملامح ما بعده. وفي مشهد إقليمي ما زال يعاني من نتائج الملفات غير المحسومة، تبدو هذه المقاربة أقل استثناءً، وأكثر تعبيرا عن إدراك هادئ لتعقيدات المرحلة المقبلة. تقليديّا كانت الحجّة الأبـرز التي يرفعها بعض اللبنانيّين، في مواجهة مَـــــــن يــــقــــولــــون بــــالمــــقــــاومــــة خــــوفــــا مــن «مـطـامـع إسـرائـيـل»، أن الدبلوماسيّة والصداقات تحمي لبنان من «المطامع» تلك ومـن تحدّيات قـد تماثلها. فإبّان مثلاً، 1958 الحرب الأهليّة المصغّرة في مُــنـع الـسـاح المــهــرّب مـن «الجمهوريّة الـعـربـيّــة المــتّــحــدة» لتقويض الـسـيـادة الـلـبـنـانـيّــة مـــن تـحـقـيـق أغـــراضـــه. ذاك أن صـــداقـــة الـــغـــرب يـــومـــذاك، مـمـثّــلـة بــ«مـبـدأ أيزنهاور»، وفّرت الحماية التي جسّدها نزول قوّات المارينز على شواطئ بيروت. وعـمـومـا، أصـابـت حجّة الـصـداقـات. وهــي لئن اخـتُــبـرت غير مــرّة بنجاح، فقد ارتبطت حالات فشلها بوجود مقاومة مسلّحة تشن عمليّات من لبنان، ما رأيناه في ظل المقاومة الفلسطينيّة ثم «حزب الله». والحجّة المذكورة كانت، في حدّها الأدنى، تفوق بأشواط صواب حجّة المقاومة. ذاك أن مصير الأخـيـرة كـان دائـمـا هزيمة ضخمة ومُـــرّة يفيض بعضها على البلد بأسره. وما لا يقل خطورة أن كل مقاومة وكل تسلّح كانا يفجّران العلاقات الأهليّة بين الجماعات الدينيّة والطائفيّة، بحيث يغدو وجود لبنان نفسه على المحك بدلا من أوهام تحرير أرض ما من لبنان. وفي السياق هذا طوّر بيار الجميّل، مؤسّس «حزب الكتائب اللبنانيّة»، نظريّة بدت لكثيرين من نقّاده وخصومه هرطوقيّة، هي «قـوّة لبنان في ضعفه». بيد أن النظريّة تلك كانت مطابقة لواقع الحال المؤسَّس على ضمانات دوليّة وصداقات. بيد أنّنا اليوم نواجه وضعا دوليّا وإقليميّا مختلفا ينبغي التوقّف مليّا أمامه وإمعان التفكير فيه، دون الاكتفاء بالترديد الكسول لنظرية التعويل على الصداقات والدبلوماسيّة. وهذا، بطبيعة الحال، لا ينطوي على أي إعادة اعتبار لنظريّة المقاومة الخرقاء والبائسة، إلا أنّه يحض على إغناء نظريّة الصداقات والدبلوماسيّة، أو على الأقل عدم الاكتفاء بالنوم على حريرها المفترض. فــراهــنــا، وفـيـمـا يــتــعــرّض الــقــانــون الـــدولـــي والمـــؤسّـــســـات الأمــمــيّــة للتجاهل والتهميش، تتراجع ثقة الـــدول الصغرى والضعيفة بالدبلوماسيّة. وإذ يغدو حلف مثل «الناتو» عرضة لاحتمال التفكّك، وتنتاب مخاوف الضم والإلحاق دولا مثل الدنمارك وكندا، فضلا عن أوكرانيا وتايوان، تتراجع الضمانات الممكنة لغير الأقوياء في مواجهة الأقوياء. وفي عالم يراد فيه للقوّة والمصالح العارية أن تتحكّم بكل اعتبار آخر، يغدو من واجب الضعفاء أن يفكّروا بطرق جديدة وخلاّقة. فالآن مـا مـن شـيء بالمطلق بـا ثمن، والثمن غالبا فــادح ومباشر، مـا يناقض سياسة الدعم والمساعدات لبلدان ضعيفة ومنكوبة، أقلّه في مدّة انتقاليّة تنهض فيها من كبوتها. وفيما يفكّر لبنانيّون كثيرون بإنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، وهـو أمـر لا مهرب منه عـاجـا أو آجـــاً، لا بـد مـن التحوّط حيال احتمالات لـم يعد مـن الحكمة تجاهلها. فما الذي يضمن مثلاً، أخذا في الاعتبار التعاطي الأميركي مع الدنمارك، أن تكتشف إسرائيل شيئا ما تعتبره «ضرورة لأمنها» في لبنان، أكان ذلك أرضا أو موقعا أو ثروة طبيعيّة؟ ومع إسرائيل في ظل نتنياهو وأحــزاب الاستيطان الدينيّ، يصعب استبعاد مـواقـف مثل هــذه، خصوصا أن بناء الـحـزام الاستراتيجي العريض والـخـالـي، في أكتوبر 7 أغلب الظنّ، من شـروط الحياة، صـار بوصلة السياسة الإسرائيليّة بعد (تشرين الأول). والحال أن بلدانا ضعيفة عدّة سبق أن عانت نتائج احتكام الأقوياء إلى القوّة والمصلحة دون أي اعتبار للقانون والمعاهدات. أمّا المثل الأكثر حضورا فهو بلجيكا التي كانت حياديّة حين نشبت الحرب العالميّة الثانية، لكن القوّات الألمانيّة لم تحترم 18 . يــومــذاك، وبـعـد قـتـال لـم يستغرق أكـثـر مـن 1940 حـيـادهـا فغزتها فـي أواســـط يوماً، حوصرت القوّات البلجيكيّة في جيب صغير شمال البلاد الغربيّ، ما أدّى إلى .1944 استسلام مهّد لاحتلال ألماني دام حتّى قبل ذلك، في الحرب العالميّة الأولى، سبق لبلجيكا المحايدة إيّاها أن اختبرت الحقيقة المُــــرّة: الـحـيـاد لا ينفع مـا لـم يكن هـنـاك قـانـون دولـــي وقـــوى تحترمه، إمّــا غـزا الألمـــان البلد المحايد الــذي كـان حياده 1914 عـن قناعة وإمــا عـن اضـطـرار. ففي مضمونا من بضعة بلدان أوروبيّة تتصدّرها بريطانيا، وكانت ألمانيا إيّاها في عداد الضامنين! لكن حين ذُكّر المستشار الألماني حينذاك، تييوبالت هولڤِغ، بالوثيقة التي وقّعتها دولته رد بعبارة شهيرة، واصفا الوثيقة بـ«قصاصة ورق». وما من شك في أن اقتراحات الحل لمِحَن مثل هذه بالغة الصعوبة. فنحن في »، نريد أن نبحث عن نظّارات أضعناها لكنّنا لن نجدها ما دامت 22 حالة «كاتش نظّاراتنا ضائعة. أمّا العزاء الوحيد، من غير أن يكون له بالضرورة مردود عملي نافع ومباشر، فإن ضعفاء العالم الذين يشبهوننا كثيرون جدّاً، في عدادهم أوروبا التي تدفع ثمن نقص القوّة وتعاند إغراء التسليم بقانون الغاب. غير أن شيئا واحدا يمكن أن نطالب أنفسنا به، قبل انقشاع غيمة القوّة الحمقاء الراهنة التي تثقل على صدر كوكبنا، هو الكف عن التهليل للقوّة والأقوياء، ومساءلة اليقين الفائض بأنّه «راجع يتعمّر لبنان». فهذا البلد ليس قويّا في ظل ديانة القوّة، وهو لن يكون قويّاً، ولا ينبغي أن يكون. OPINION الرأي 12 Issue 17225 - العدد Sunday - 2026/1/25 الأحد العراق... مقاربة استباقية لمنع عودة «داعش» كيف أفاقت أوروبا على واقع جديد؟ لا مقاومة تنفع ولا صداقات؟ وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة فرهاد علاء الدين جمعة بوكليب
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky