issue17225

فــي ذروة الــتــوتــر الــــذي سـبـبـه الـرئـيـس الأميركي دونـالـد تـرمـب، شــدّد رئيس وزراء الـــجـــزيـــرة الــقــطــبــيــة الـــشـــمـــالـــيـــة، غــريــنــانــد، المتمتعة بحكم ذاتي تحت سيادة الدنمارك، ينس فريدريك نيلسن، على أنه إن كان لا بد من الاختيار بين الـولايـات المتحدة والمملكة الاسكندنافية فإن حكومته ستختار الأخيرة. تـــرفـــع الأحـــــــزاب الـــكـــبـــرى فـــي غـريـنـانـد شـــعـــار «الاســــتــــقــــال»، لــكــنــهــا تــخــتــلــف عـلـى خريطة الطريق المؤدية إليه، غير أن الضغط الأمــيــركــي جعلها تـشـكّــل ائـتـافـا فــي مــارس (آذار) المــاضــي، باستثناء حــزب «نـالـيـراك»، الـــذي يبقى خـــارج هــذا الائـتــاف وهــو يدعو إلـى استقلال سريع، عن كوبنهاغن؛ بسبب مــاضــيــهــا الاســـتـــعـــمـــاري وســـيـــطـــرتـــهـــا عـلـى الـــجـــزيـــرة، الـــتـــي تُـــشـــكِّـــل مـــع كـــيـــانـــات أخـــرى المملكة الاسكندنافية. يـــقـــول أولــــريــــك بـــــرام غـــــاد، الـــبـــاحـــث في «المـــعـــهـــد الـــدنـــمـــاركـــي لـــلـــدراســـات الـــدولـــيـــة»، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «مـا زال لدى الـــغـــريـــنـــانـــديـــن كــثــيــر مــــن الـــــجـــــروح حــيــال الدنمارك التي يلومونها على عـدم مراجعة ماضيها الاستعماري» لأرضـهـم. ويضيف: «لكن ضغوط وأطماح ترمب جعلت الغالبية العظمى مـن الـقـوى السياسية، الـتـي تُشكِّل حكومة غرينلاند، تضع جانبا عملها على الاســتــقــال، الـــذي كـــان دائــمــا مـشـروعـا بعيد الأمد». وقـــد خـلـطـت عــــودة تــرمــب إلـــى البيت الأبيض الأوراق للأوروبيين الذين يسعون إلـــــى وضـــــع خـــطـــوط حــــمــــراء فــــي عـاقـتـهـم مـع الحليف الأمـيـركـي الـــذي بــات يهدّدهم بـــرســـوم جـمـركـيـة وبــالمــســاس بـسـيـادتـهـم. وتـراجـع الرئيس الأمـيـركـي، هـذ الأسـبـوع، عـــن تـــهـــديـــده بـــالاســـتـــيـــاء عــلــى غـريـنـانـد بالقوّة، غير أن الأوروبيين ما زالوا حذرين إزاء أي خطوة قد تصدر عنه. وقـال ترمب إن أوروبا «لا تسير في الاتجاه الصحيح». وجـــــــاء فــــي اســـتـــراتـــيـــجـــيـــة الأمـــــــن الـــقـــومـــي الأمــيــركــيــة الـــجـــديـــدة الـــتـــي نـشـرتـهـا إدارة ترمب في ديسمبر (كانون الأول) أن الهجرة تهدد أوروبـا بإزالة حضارتها، مع الدعوة إلـــى تـعـزيـز المــقــاومــة فـــي أوســـــاط الأحــــزاب اليمينية المتطرّفة. وأظــــهــــر اســــتــــطــــاع، نُــــشــــرت نـتـائـجـه الجمعة، أن نصف الأوروبــيــن المستطلعة مــــن بــــلــــدان الاتـــــحـــــاد يــــرون 7 آراؤهـــــــــم فــــي الرئيس الأميركي «عـدوّا لأوروبــا». هذا ما في 8 في المائة منهم، بينما عدّه 51 أدلى به المـائـة «صـديـقـا» لـلـقـارة، بحسب استطلاع الآراء، الذي شمل أكثر من ألف شخص في كـل من فرنسا وبلجيكا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والدنمارك وبولندا. فـــــي المـــــائـــــة مـــنـــهـــم إنــــهــــم لا 39 وقــــــــال يــرون فـي ترمب «لا هــذا ولا ذاك»، بحسب يناير 19 و 13 الاستطلاع الــذي أُجــري بين (كـــانـــون الــثــانــي) فــي أعــقــاب تـهـديـد ترمب بـالاسـتـيـاء بـالـقـوّة على غـريـنـانـد. وكـان الدنماركيون أكثر المشاركين في الاستطلاع الـــــذيـــــن رأوا فـــــي تــــرمــــب «عـــــــــــدوّاً» بـنـسـبـة فـي المـائـة من 44 ّ فـي المــائــة. وعـــد 58 بلغت أن 7 المستطلعين فـي الـبـلـدان الأوروبـــيـــة الــــ ترمب «يتصرّف بوصفه ديكتاتوراً»، بينما فـــي المـــائـــة مـنـهـم أن لـــديـــه «مـــيـــولا 44 رأى في المائة منهم فقط رأوا 10 استبدادية». و أنه «يحترم المبادئ الديمقراطية». ويكرِّر ترمب إعلان رغبته الاستحواذ عــلــى هــــذه الـــجـــزيـــرة الـــواقـــعـــة فـــي الـــدائـــرة الـقـطـبـيـة الــشــمــالــيــة. فـــي الـــرابـــع عــشــر من يـنـايـر، الـتـقـت وزيــــرة خـارجـيـة غـريـنـانـد، فيفيان موتزفيلدت، برفقة وزيـر خارجية الـــدنـــمـــارك لارس لــــوك راســـمـــوســـن، نـائـب الـرئـيـس الأمـيـركـي جـي دي فـانـس، ووزيــر الخارجية ماركو روبيو. وفي التاسع عشر مــن الـشـهـر نـفـسـه، كـانـت فــي بـروكـسـل إلـى جانب وزير الدفاع الدنماركي ترولس لوند بولسن في لقاء مع مارك روته، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو). الـــجـــمـــعـــة، وصــــلــــت رئـــيـــســـة الـــــــــوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن إلى غرينلاند لـــإعـــراب عــن الـتـضـامـن مــع سـكـانـهـا، بعد أسبوع من التوتر والتقلبات تخلَّى خلاله الرئيس الأميركي عن تهديداته بالسيطرة عـــلـــى الـــجـــزيـــرة وقــــبِــــل بـــالـــتـــفـــاوض. وكــــان فــي اسـتـقـبـال فـريـدريـكـسـن فــي مــطــار نـوك عاصمة الجزيرة، رئيس وزراء غرينلاند، ينس فـريـدريـك نيلسن. وجـــاب المـسـؤولان معا شوارع العاصمة. وقالت فريدريكسن: «أنا هنا لأعرب عن أكبر قدر من الدعم من الدنماركيين إلى الغرينلانديين. هي مرحلة تقتضي مـنّــا الـتـقـارب جـــدّا جـــدّاً. فالوضع خطر». والهدف من هذه الزيارة أيضا هو «تحضير رد دبلوماسي» على الأميركيين. وأمام الموقف الأوروبي الموحّد، تراجع تـــرمـــب عــــن تـــهـــديـــداتـــه، وأعــــلــــن عــــن اتـــفـــاق مبدئي نوقش مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مـارك روتـه، لم تُكشف تفاصيله. لكن الـدنـمـارك شـــدَّدت على أن الــقــرار بهذا الشأن يعود لها ولغرينلاند. ومنذ شهر، يتحدَّث الفريقان بصوت واحد في كل لقاء دبلوماسي. ولــــم تــتــســرَّب ســــوى مــعــلــومــات قليلة عـــن الـــلـــقـــاء، الـــــذي أكــــد تــرمــب أن الـــولايـــات المتحدة حصلت على «كل ما كانت تريده» و«إلـــــى الأبــــــد». مـــن جـهـة أخـــــرى، عــــد وزيـــر الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن أنــــه تــــم الاتـــفـــاق بـبـسـاطـة عــلــى إطـــــار عمل لاســـتـــئـــنـــاف المـــــحـــــادثـــــات بـــــن الـــجـــانـــبـــن. وقــال لـوك راسـمـوسـن: «مـا ناقشه الرئيس (الأمـيـركـي) بعد اجتماعه مـع الأمــن العام لحلف شمال الأطلسي هو إطار عمل لاتفاق مستقبلي. وبـدلا من هـذه الأفكار المتطرفة حول ضرورة امتلاك غرينلاند... يرغب الآن في التفاوض على حل». ووعـدت الدنمارك بتعزيز وجودها العسكري في غرينلاند. ويـــــرى الــبــاحــث أولـــريـــك بـــــرام غــــاد أن الـــدعـــم الأوروبـــــــي بـــوجـــه طــمــوحــات تـرمـب سهّل قـرار التريّث في موضوع الاستقلال، إذ إن العلاقة مع الدنمارك، في ظل انضمام الـــــــدول الأوروبـــــيـــــة لـــلـــمـــســـانـــدة، تـــبـــدو أقــــل ضغطا ً. غير أن هذه الجبهة الموحدة تُخفي آثار الماضي الاستعماري الــذي يربط غرينلاند، 57 الـجـزيـرة الـشـاسـعـة الـبـالـغ عـــدد سكانها ألفاً، بالدنمارك. تعرف المملكة الدنماركية، وفق دستور ، على أنها دولة واحدة ذات سيادة، 1953 عام كـــيـــانـــات مـــمـــيـــزة تــاريــخــيــا 3 وتـــتـــكـــون مــــن وقانونياً، هي: الدنمارك نفسها، وغرينلاند، وجـزر فــارو. فقد صـارت غرينلاند في بداية القرن الثامن عشر مستعمرة دنماركية، وفي إقليما دنماركيا وجـــزءا لا يتجزّأ 1953 عـام مـــن مـمـلـكـة الــــدنــــمــــارك، وتـــلـــى ذلــــك عــهــد من نالت 1979 سياسة الدمج القسريّ. في عـام .2009 غرينلاند حكما ذاتيا تَعزَّز في عام تـــــقـــــول أســــتــــريــــد أنـــــــدرســـــــن، الـــبـــاحـــثـــة المــتــخــصــصــة فــــي الــــعــــاقــــات الـــدنـــمـــاركـــيـــة - الغرينلاندية: «إنه تاريخ طويل، مر بمراحل عدّة. كل علاقة استعمارية هي علاقة هيمنة وفيها ظلم». هـــــــذا المــــــاضــــــي الاســـــتـــــعـــــمـــــاري مـــحـــمّـــل ، حـاولـت الدنمارك 1951 بـالأثـقـال. ففي عــام إنشاء نخبة تتحدث بالدنماركية، فانتزعت طفلا من عائلاتهم، ومنعتهم من التحدث 22 الذين ما 6 ، حصل الـ 2021 بلغتهم. وفي عام زالوا على قيد الحياة على تعويضات. فــــي الـــســـتـــيـــنـــات مــــن الــــقــــرن الــعــشــريــن، عـــــقـــــود، عـــمـــلـــت الــــدنــــمــــارك 3 وعـــــلـــــى مـــــــدى عـلـى تقليص عـــدد الــــــولادات فــي غـريـنـانـد، فخضعت آلاف الـنـسـاء والمــراهــقــن للتعقيم القسريّ. وفي الآونة الأخيرة قدمت السلطات الـــدنـــمـــاركـــيـــة اعــــتــــذارهــــا عــــن ذلــــــك، وأصـــبـــح بــإمــكــان الـضـحـايـا طـلـب تــعــويــضــات. ومـمـا يحمله الـغـريـنـانـديـون أيـضـا عـلـى المـاضـي الاسـتـعـمـاري أن الـسـلـطـات الـدنـمـاركـيـة كـان يــعــود لـهـا تقييم الـــقـــدرة النفسية لـأمـهـات الـغـريـنـانـديـات عـلـى حـضـانـة أطـفـالـهـنّ، أو انتزاعهم منهنّ. لكن كل هذه المسائل لم تعد الآن تشكّل الأولـــويّـــة، وفــق أنــدرســن. وتقول «الخصم المشترك الحالي هو ترمب، وعلينا أن نواجه الأمر جنبا إلى جنب». 11 أخبار NEWS Issue 17225 - العدد Sunday - 2026/1/25 الأحد أظهر استطلاع أن نصف من بلدان 7 الأوروبيين في الاتحاد يرون الرئيس الأميركي «عدوّا لأوروبا» ASHARQ AL-AWSAT رئيس وزراء الجزيرة: إن كان لا بد من الاختيار بين الولايات المتحدة والدنمارك فإننا سنختار الأخيرة أطماح الرئيس الأميركي توحّد سكان غرينلاند رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن خلال زيارة لغرينلاند يوم الجمعة (أ.ف.ب) لندن: «الشرق الأوسط» «أميركا أولاً» بزي عسكري وإعادة تعريف الخصوم والحلفاء البنتاغون يصدر «استراتيجية الدفاع الوطني» الإصدار الجديد من «استراتيجية الدفاع الـوطـنـي» للبنتاغون لا يـبـدو مـجـرد تحديث سنوات، بقدر 4 تقني لوثيقة دورية تصدر كل مــا يعكس انـتـقـالا سياسيا واعــيــا فــي ترتيب الأولويات ومفردات التهديد والالتزام. فالوثيقة تضع «الــدفــاع عـن الــوطــن» في الـــصـــدارة، وتـمـنـح الـنـصـف الــغــربــي مــن الـكـرة الأرضـــــيـــــة، بـــوصـــفـــه مـــجـــال الـــنـــفـــوذ الــحــيــوي الأمــيــركــي، أولـــويـــة صـريـحـة، مــع الإشـــــارة إلـى مـــواقـــع مــثــل غــريــنــانــد وقـــنـــاة بـنـمـا و«خـلـيـج أمـيـركـا» ضـمـن تـصـور «أرض - حــيّــز» ينبغي عدم تركه لخصوم واشنطن أو منافسيها. وفي الوقت نفسه، لا تلغي الاستراتيجية الصين من الحسابات، لكنها تعيد صياغة مقاربتها لها: ردع «عبر القوة لا عبر المواجهة»، وهدف معلن هـو «الاسـتـقـرار الاسـتـراتـيـجـي»، وفـتـح قنوات أوسـع للتواصل العسكري - العسكري لتقليل احتمالات الاحتكاك والتصعيد. التحول الأبرز ليس في هوية الخصم بقدر ما هو في منطق إدارة المنافسة. الاستراتيجية تقول صراحة إن الهدف في المحيطين الهندي والـــهـــادئ لـيـس «إذلال الـصـن أو خـنـقـهـا» ولا «صـــــراعـــــا وجـــــوديـــــا» أو «تـــغـــيـــيـــر نـــــظـــــام»؛ بـل الـوصـول إلــى «ســـام مقبول» بـشـروط مواتية لــأمــيــركــيــن يــمــكــن لــبــكــن قــبــولــهــا والــعــيــش تحتها. هذه اللغة التي عدّتها تعليقات صحف أميركية عــدة، بأنها نبرة تصالحية، تتزامن مــــع مــســعــى الـــبـــيـــت الأبــــيــــض لــخــفــض الــتــوتــر قــبــل قـــمـــة مــتــوقــعــة بــــن دونــــالــــد تـــرمـــب وشــي جينبينغ، وتـجـنـب ذكـــر تـــايـــوان بــالاســم رغـم الــحــديــث عـــن «بـــنـــاء دفــــاع إنـــكـــاري قــــوي» على طول سلسلة الجزر الأولـى، التي تشمل عمليا تـايـوان والـيـابـان والفلبين. الـرسـالـة المـزدوجـة هنا واضــحــة: الـيـد مــمــدودة لخفض المخاطر، لكن اليد الأخرى تمسك بعقيدة ردع أشد إنكارا للهجوم عبر تموضع وقدرات تمنع الخصم من تحقيق مكاسب سريعة. غير أن الاستراتيجية تُــحـدث فـي الوقت ذاتــــه هـــزة فـــي فـلـسـفـة الــتــحــالــفــات؛ فـهـي تـقـرر أن تـركـيـز الــقــوات الأمـيـركـيـة عـلـى «الـــدفـــاع عن الـوطـن» ومنطقة المحيطين الهندي والـهـادئ، يعني أن «الحلفاء والشركاء في أماكن أخرى» عليهم تحمل المسؤولية الأساسية عن دفاعهم، مع دعم أميركي حاسم لكنه أكثر محدودية. وفـــي أوروبــــــا، يـتـخـذ هـــذا المـنـطـق طابعا صـــارمـــا: الــوثــيــقــة تـقـلـل مـــن احــتــمــال «هـيـمـنـة روســيــة» عـلـى الـــقـــارة، وتـصـف مـوسـكـو بأنها ليست فــي مـوقـع يسمح لـهـا بــذلــك، وتــؤكــد أن «أوروبا الناتو» تفوق روسيا اقتصادا وسكاناً، وأن الـحـلـفـاء الأوروبـــيـــن، مــع تـعـهـدات إنـفـاق دفــاعــي مـرتـفـعـة، مـؤهـلـون لتحمل المـسـؤولـيـة الأساسية عن الدفاع التقليدي الأوروبــي، بما في ذلك قيادة دعم أوكرانيا. هنا تحديدا تكمن الحساسية السياسية: افتراض قدرة أوروبـا على سد الفجوة سريعا قد يصبح بحد ذاتـه عاملا محفزا للمخاطرة؛ فـــخـــصـــوم واشـــنـــطـــن قــــد يـــخـــتـــبـــرون «مــنــاطــق الـــــرمـــــاد» بــــن الانـــــخـــــراط الأمـــيـــركـــي والـــقـــيـــادة الأوروبـــيـــة، فيما قـد يشعر حلفاء أمـيـركـا بأن الضمانة الأميركية تتحول من الـتـزام تلقائي إلـــى «خــدمــة مــشــروطــة» بــالإنــفــاق والـجـاهـزيـة والانضباط السياسي. هذا لا يعني بالضرورة تفكك «الناتو»، لكنه يغير نبرة الردع: من ردع قائم على الحضور الأميركي الكثيف، إلى ردع قائم على إعادة توزيع الأعباء والقدرات. وفـــي شـــرق آســـيـــا، تُــتــرجــم الــفــكــرة ذاتـهـا على نحو أكثر حدة في شبه الجزيرة الكورية؛ فالوثيقة تـرى أن كوريا الجنوبية قــادرة على تـحـمـل المــســؤولــيــة الأســاســيــة فـــي ردع كــوريــا الشمالية مع دعم أميركي أكثر محدودية، وهو مــا فــسّــر بــأنــه تمهيد لــــدور أمـيـركـي أقــــل، وقـد يفتح الباب لتعديل في حجم القوات أو طبيعة التموضع. مــثــل هــــذا الـــتـــحـــول قـــد يـــدفـــع ســـيـــول إلــى تعزيز الاستقلالية العملياتية والتسليحية، لـــكـــنـــه يـــحـــمـــل أيــــضــــا مـــخـــاطـــرة ســـيـــاســـيـــة: أي التباس في سقف الالتزام الأميركي قد يُقرأ في بيونغ يانغ بوصفه نافذة اختبار، أو يُوظَّف داخليا في كوريا الجنوبية بين تـيـارات تريد مزيدا من الاعتماد على الذات، وأخرى تخشى «تسييل» المظلة الأميركية. أمــــــــا فــــــي الــــــشــــــرق الأوســــــــــــــط، فــســتــبــقــي الاســـتـــراتـــيـــجـــيـــة قـــــــدرة أمـــيـــركـــيـــة عـــلـــى «عــمــل حـــاســـم ومـــــركّـــــز» عـــنـــد الـــحـــاجـــة، لــكــنــهــا تـنـقـل الـعـبء الرئيسي إلــى الحلفاء الإقليميين، مع تشديد على دعــم إسـرائـيـل وتعميق التعاون مـع شـركـاء الخليج ودفـــع تكامل إقليمي على خطى «اتفاقات أبـراهـام». وفي المقابل، تتبنى الوثيقة سردية انتصارية تجاه إيران، متحدثة عـن «تدمير» برنامجها الـنـووي ضمن عملية محددة، وهو خطاب يعزز الردع النفسي، لكنه قد يرفع أيضا سقف التوقعات ويزيد احتمال سوء الحسابات إذا تصرفت طهران وفق قناعة أن واشنطن تريد تقليص الانخراط الطويل مع الإبقاء على ضربات خاطفة. الـشـق الـغـربـي مـن الاستراتيجية يكمل الـــــصـــــورة الـــســـيـــاســـيـــة: ربـــــط الأمــــــن الــقــومــي مـــبـــاشـــرة بـــمـــلـــفـــات داخـــلـــيـــة كـــالـــهـــجـــرة غـيـر الـنـظـامـيـة وتــهــريــب المــــخــــدرات و«الـــنـــاركـــو - إرهــــاب»، وتـقـديـم «عـــدم الـتـنـازل» عـن النفوذ في النصف الغربي كأولوية تماثل الأولويات التقليدية في آسيا وأوروبا. هذا يعيد إحياء عـقـيـدة «المـــجـــال الــحــيــوي» بـصـيـاغـة حديثة، وقـد يفتح شهية واشنطن لاستخدام أدوات أكثر خشونة في جـوارهـا، اقتصاديا وأمنيا وربما عسكرياً، ما يربك علاقات أميركا حتى مع شركاء قريبين إذا شعروا بأن السيادة تُقرأ أمـيـركـيـا بوصفها «قـابـلـة للتكييف» عندما يتعلق الأمر بالممرات والموارد والحدود. تـبـقـى مـعـضـلـة الـتـنـفـيـذ: اسـتـراتـيـجـيـة تـــريـــد ردع الـــصـــن عـــبـــر بـــنـــاء قـــــــدرات إنـــكـــار مــــتــــقــــدمــــة، وتــــعــــزيــــز دفــــــاعــــــات الـــــوطـــــن ضــد تهديدات صاروخية - سيبرانية - فضائية، وفي الوقت نفسه تخفيف الأعباء الخارجية عبر تحميل الحلفاء. هــذا يفسر لمـــاذا عــاد النقاش حــول قفزة إنفاق دفاعي ضخمة إلى الواجهة، مع دعوة 1.5 تــرمــب إلـــى مـيـزانـيـة عـسـكـريـة تـصـل إلـــى ، وهــو اتـجـاه لقي 2027 تريليون دولار لـعـام تــرحــيــبــا مـــن أوســــــاط جــمــهــوريــة عـــبـــرت عنه صحيفة «وول ستريت جـــورنـــال»، باعتباره أرخص من حرب كبرى مع الصين. لكن المفارقة أن زيادة الإنفاق وحدها لا تحل مشكلة الثقة: الـــحـــلـــفـــاء ســيــقــيــســون الـــســـيـــاســـة لا بــــالأرقــــام فــقــط؛ بـــل بـــدرجـــة ثــبــات الالــــتــــزام، والـخـصـوم سيقيسونها بمدى استعداد واشنطن لتحمل تكلفة التصعيد عند أول اختبار. ومع ذلك يمكن القول إن الاستراتيجية الـــجـــديـــدة لا تـنـقـل أمــيــركــا مـــن «عـــالمـــيـــة» إلــى «انعزالية»؛ بل تعيد تعريف العالمية بوصفها انتقائية ومشروطة: أولوية للوطن والنصف الـــغـــربـــي، وردع لـلـصـن بـــقـــدر مـــن «الـتـهـدئـة المُــــــــــــــدارة»، وتـــخـــفـــيـــف لــــأعــــبــــاء فـــــي أوروبـــــــا والــــشــــرق الأوســـــــط وكــــوريــــا الــجــنــوبــيــة عـبـر هندسة جديدة للتحالفات. نجاح هذا النهج سيعتمد على أمرين: قدرة الحلفاء على ملء الــفــراغ بـسـرعـة ومـوثـوقـيـة، وقــــدرة واشنطن على جعل «الدعم المحدود» يبدو كافيا للردع لا إشارة تراجع. حاملة الطائرات الأميركية «نيميتز يو إس إس أبراهام لينكولن» (أرشيفية - أ.ف.ب) واشنطن: إيلي يوسف

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky