issue17224

الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel غرينلاند أكبر جزيرة على سطح الأرض، يعيش ألــف نسمة. كــان ترابها ثلجا سميكاً، 60 فيها نحو وزمــنــهــا يـخـتـلـف عـمـا يـعـرفـه الــبــشــر. نــهــارهــا يمتد أحــيــانــا لـشـهـريـن كــامــلــن. هـــي جــــزء أبـــيـــض صـامـت مــن مملكة الـــدنـــمـــارك. لـهـا ربـــع اسـتـقـال عــن المملكة الـــدنـــمـــاركـــيـــة الــغــنــيــة، الـــتـــي تـــرفـــل فـــي الــديــمــقــراطــيــة والـــرفـــاهـــيـــة. ســــال لــعــاب الـهـيـمـنـة الأمــيــركــيــة عليها مـنـذ أكـثـر مــن قـــرن؛ فـهـي جـغـرافـيـا أقـــرب إلـــى أميركا الشمالية. للجغرافيا أســرارهــا الـتـي تـغـري وتخيف وتشعل نيران الـحـروب. قالت العرب قديماً، «معظم النار من مستصغر الشرر». أعلن الرئيس الأميركي دونـالـد ترمب صراحة، أنَّه يريد ضم جزيرة غرينلاند إلى الولايات المتحدة، طـــوعـــا أو كـــرهـــا. ارتـــعـــدت أوروبــــــا مـــن ذلــــك الإعـــــان، وتحول ذلـك رعباً، بعدما قفز الجيش الأميركي إلى فنزويلا، وحمل رئيسها نيكولاس مــادورو وزوجته مـقـيَّــدَيـن إلـــى نــيــويــورك. المــاضــي غـيـر الـبـعـيـد، جمع أميركا وأوروبـــا فـي حربين عالميتين، تصدتا فيهما لأنـظـمـة مــعــاديــة. الـــحـــرب الـعـالمـيـة الأولـــــى أشعلتها رصـــاصـــات أطـلـقـهـا شـــاب صـربـي مـتـطـرف عـلـى ولـي عهد النمسا والمجر. الحرب العالمية الثانية أشعلها نـتـوء جغرافي صغير يـدعـى غدانسك الـــذي يقع بين بولندا وألمانيا؛ فقد غزته قوات هتلر بدعوى أنه جزء من ألمانيا، حيث يتحدث أغلب سكانه اللغة الألمانية. شـــــاب صـــربـــي مـــتـــطـــرف أشـــعـــل حـــربـــا عـــالمـــيـــة أولـــــى، ونـــتـــوء جــغــرافــي صـغـيـر أشــعــل حــربــا عـالمـيـة ثـانـيـة. جزيرة غرينلاند الكبيرة، هل تكون النتوء الأبيض الـكـبـيـر، الـصـاعـق الــــذي يـفـجّــر الـــصـــراع بــن الحلفاء الكبار؟ الرئيس الأميركي يبرر شهوته لضم الجزيرة بهاجس أمني، هو أطماع كل من الصين وروسيا، في الفضاء المتجمد الذي بدأ يذوب؛ ما يشكل خطرا أمنيا حقيقياً، على الولايات المتحدة، في رأي دونالد ترمب. تمرين اختبار تعيشه الآن كـل مـن دول أوروبـــا والـولايـات المتحدة. عدد من الـدول الأوروبـيـة أرسلت مـفـارز عسكرية إلــى الـدنـمـارك لـاشـتـراك فـي مـنـاورة عـسـكـريـة مـــع الــجــيــش الـــدنـــمـــاركـــي، بــعــدمــا عــــاد وفــد دنماركي سياسي من الولايات المتحدة، وأعلن فشله فــي الــوصــول إلـــى تـفـاهـم سـيـاسـي مــع نـائـب الرئيس ووزير الخارجية الأميركيين. الأيـــــام حُــبـلــى وكـــذلـــك رؤوس الــــقــــادة، والـتـكـهـن بـالمـوالـيـد الــقــادمــن ضـــرب مــن لعبة الـــنـــرد. لـقـد لــوَّح رئيس الــوزراء البريطاني الأسبق نيفيل تشمبرلين، بورقة اتفاق السلام مع أدولف هتلر على سلم طائرته بـعـد عــودتــه مــن مـؤتـمـر مـيـونـيـخ لـلـسـام مــع أدولـــف ، ولم تمض شهور حتى غزت القوات 1939 هتلر عام الـنـازيـة الألمـانـيـة بـولـنـدا، واشتعلت الـحـرب العالمية الثانية. فائض القوة العسكرية يفعل فعله في العقول قبل أن تتحرك الآليات في البر والبحر والسماء. القوة العسكرية الـضـاربـة هـي النتوء الصاعق فـي رؤوس الأقوياء، أما الضعفاء فلا خنادق لهم، سوى الشكوى لمن لا يسمع آهاتهم. الرئيس ترمب، قدم ما يراه جزرة ســـام، وهــو خـيـار شـــراء جـزيـرة غرينلاند بـديـا عن اسـتـعـمـال الــقــوة الـعـسـكـريـة لامــتــاكــهــا... ألـيـس ذلـك مـــبـــادرة ســــام يـسـتـحـق عـلـيـهـا جـــائـــزة نـــوبـــل؟ بـلـى؛ فبعض النوائب أهون من بعض. ترمب أشعل في وجه دول أوروبا الضوء الأصفر. فـي المائة 10 عـقـوبـات جمركية مـتـدحـرجـة، تـبـدأ مـن على ما تستورده أميركا منها بداية من شهر فبراير فــي المــائــة. 25 (شـــبـــاط) المـقـبـل، لـتـصـل بـعـد ذلـــك إلـــى الـعـقـوبـات الاقـتـصـاديـة ســـاح سـيـؤلـم أوروبـــــا، التي تـعـانـي أزمــــات مـالـيـة مـربـكـة. الـعـقـوبـات الاقـتـصـاديـة سلاح حاربت به أميركا عشرات الـدول، وهي الجولة الأولى في المعارك التي تسبق إطلاق النار. الخلاف الأميركي – الأوروبـي ليس وليد اليوم، رغم التحالف المبكر بين ضفتي الأطلسي بعد الحرب الـعـالمـيـة الـثـانـيـة. الـرئـيـس الـفـرنـسـي الأســبــق الـراحـل الـجـنـرال شـــارل ديــغــول، تحسس مـبـكـرا مــن الهيمنة الأمـــيـــركـــيـــة وانـــســـحـــب مــــن قــــيــــادة الـــحـــلـــف الأطــلــســي العسكرية المتكاملة. نُقلت قيادة الحزب من باريس ، وكـان له رؤيته الخاصة في 1966 إلـى بروكسل عـام بنية التحالفات الدولية بعد نهاية الـحـرب العالمية الثانية. كــان يــرى أن روسـيـا هـي الأقـــرب إلــى أوروبـــا مـــن أمـــيـــركـــا، لــكــن الــعــائــق آنـــــذاك كــــان الآيــديــولــوجــيــا الــشــيــوعــيــة، الــتــي قــــام عـلـيـهـا الاتـــحـــاد الـسـوفـيـاتـي. الموروث الديغولي لم يغب عن فرنسا، رغم ما شهدته البلاد من تحولات سياسية. عادت فرنسا إلى قيادة فـــي عـهـد الـرئـيـس 2009 حـلـف شــمــال الأطــلــســي عـــام نــيــكــولاي ســــاركــــوزي، لــكــن الـتـحـسـس الــفــرنــســي من الهيمنة الأميركية على القرار الأوروبـي ظل حاضراً. الـرئـيـس مــاكــرون تـولـى قــيــادة المــوقــف الأوروبـــــي في مواجهة السياسة الأميركية، التي نهجها ترمب من الـــحـــرب الــروســيــة عـلـى أوكـــرانـــيـــا إلـــى قـضـيـة جـزيـرة غـريـنـانـد. حـــرَّك مــاكــرون المـجـمـوعـة الأوروبـــيـــة للرد على قـرار ترمب برفع الرسوم الجمركية، على الدول الأوروبية المعارضة للاستيلاء الأميركي على الجزيرة بالمال أو بالسلاح. الـتـحـالـف الأمـيـركـي - الأوروبـــــي يـنـدفـع بسرعة نحو التفكك، بل قد يدخل إلى حلبة الصدام السياسي والمالي، ويتحرك نحو حافة الصدام العنيف. كبُر شرر دونـالـد تـرمـب، والعالم كله يحبس أنفاسه، ويتابع الأصوات الهادرة، التي ترتفع على ضفتي الأطلسي، وتنذر بقادم بدأ عدَّه التنازلي. سقوف الرئيس ترمب السياسية متحركة دائـمـا. فـا نستبعد أن يعلن عن مشروع جديد، نحو الجزيرة البيضاء التي أغوته، ألم يقل في البداية إنه يريد أن يحول قطاع غزة ريفييرا على البحر الأبيض المتوسط، ثم انتهى إلـى تشكيل حكومة فلسطينية لإدارتها؟ غرينلاند... نتوء الصراع الأميركي ــ الأوروبي لا جـــدال الـيـوم أن الــدولــة الـكـبـرى فـي الـعـالـم من حيث القدرة على استخدام القوتين الخشنة والناعمة معاً، هي الـولايـات المتحدة الأميركية، فهي الوحيدة الــقــادرة على تحريك الأسـاطـيـل، وفـــرض العقوبات، وإعادة رسم مسارات التجارة، والتأثير في السياسة الـدولـيـة، وفـي الـوقـت ذاتــه تصدير النموذج الثقافي والعلمي والتكنولوجي. غير أن السؤال لم يعد يدور حـول حجم هـذه القوة، بل حـول طريقة استخدامها، ومــــا إذا كـــانـــت هــــذه الــطــريــقــة تُــــعــــزّز عـــنـــاصـــرهـــا، أم تستهلكها تدريجياً. الإدارة الأمـيـركـيـة الـحـالـيـة تـرفـع شـعـار «عـــودة أميركا قوية»، وهو شعار ظن في البداية أنه انعزالي، وتـبـن أنـــه تـوجـه نـحـو اسـتـعـادة الهيبة عـبـر إظـهـار القوة الصلبة. وقد تجلَّى ذلك في سياسات صادمة، من اختطاف الرئيس الفنزويلي في سابقة غير مألوفة في العلاقات الدولية، إلى رفع الرسوم الجمركية على الـــــــواردات، دون تمييز بــن خـصـم أو حـلـيـف، مـــرورا بـــتـــوتـــرات غــيــر مـسـبـوقـة مـــع الـــجـــوار الــجــغــرافــي في الشمال مع كندا، وفي الجنوب مع المكسيك، وتهديد كوبا، والمطالبة بغرينلاند بـذرائـع سياسية وأمنية مختلفة، مما أخل بالتوازنات. لفهم نتيجة هـــذه الـسـيـاسـات وتكلفتها، لا بد مــن الـــعـــودة إلـــى الـتـذكـيـر بـمـصـادر الــقــوة الأسـاسـيـة لــلــولايــات المـتـحـدة الـتـي تـراكـمـت عـبـر عـقـود طويلة. وأهمها ثلاثة مصادر، فالولايات المتحدة لم تُصبح قــــوة عـظـمـى فــقــط بـفـضـل الـــســـاح أو الاقـــتـــصـــاد، بل بفضل منظومة متكاملة مــن الـتـحـالـفـات والانـفـتـاح والمؤسسات والمعرفة. وقد نبه مارتن وايت في كتابه «سياسة القوة» بأن القوة التي لا تُدار بحكمة تتحول تدريجيا إلى عبء على صاحبها. أول هـــذه المـــصـــادر هـــو شـبـكـة الـتـحـالـفـات الـتـي بـنـتـهـا واشـــنـــطـــن بــعــد الـــحـــرب الــعــالمــيــة الــثــانــيــة مع الـــــــدول الأوروبــــــيــــــة وحـــلـــفـــائـــهـــا فــــي آســــيــــا، وتــركــيــب نـظـام دولـــي منحها شرعية الـقـيـادة العالمية. الـيـوم، يـتـعـرض هـــذا الـنـظـام لــاهــتــزاز بـسـبـب لـغـة التهديد والضغط والـرسـوم الجمركية التي لم تستثن أحـداً، واستخدامها بعشوائية مفرطة، ما يـؤدي إلـى تآكل الثقة وتحول الحلفاء إلى أطراف حذرة من سياسات الإدارة. ثاني هذه المصادر يتمثل في الهجرة، فالولايات المتحدة كانت تاريخيا مشروعا مفتوحاً، استقطب الـعـقـول والـطـاقــات مــن مختلف أنــحــاء الـعـالـم، ســواء الـقـوة البدنية أو العقلية، والتضييق على الهجرة ومــنــع الـــطـــاب الأجـــانـــب مـــن الالـــتـــحـــاق بـالمـؤسـسـات الـتـعـلـيـمـيـة يــقــلــص تــدريــجــيــا مـــن الـــقـــوة الأمــيــركــيــة الناعمة، بل يُعيد توزيعها على المستوى العالمي في سباق على المعرفة لا يُكسب بالقوة الخشنة. ثالث هذه المصادر هو الجامعات ومراكز البحث، الـــتـــي شـكـلـت مــخــتــبــرات لإنـــتـــاج الـــقـــوة المـسـتـقـبـلـيـة. فـاسـتـهـدافـهـا أو تـسـيـيـسـهـا وحــرمــانــهــا مـــن المــــوارد يضعف القدرة على التجدد العلمي، في عالم باتت فيه المعرفة السلاح الأهم. لقد تم حرمان بعض الجامعات من المعونة الفيدرالية، كما حدث مع جامعة هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تحت ذريعة «مظاهرات الطلاب» أو لأساتذة ذوي ميول «يسارية»، مــمــا أدى إلــــى تـــراجـــع الــبــحــث الــعــلــمــي فـــي مــجــالات متعددة وحرمان الدولة الأميركية من التفوق العلمي بعد حين، والذي أوصلها إلى ما هي عليه اليوم. وتكشف المقارنة التاريخية أن الإمبراطوريات لا تتراجع عند ضعفها العسكري، بل عند إسرافها في استخدام تفوقها. فالإفراط في الضغط على الحلفاء وعلى المهاجرين وعلى المؤسسات العلمية، وتوسيع الجبهات في الداخل، ضد المهاجرين والملونين يُحوّل الهيمنة من عنصر استقرار إلى عامل اضطراب. فــي الـــداخـــل الأمــيــركــي، يـتـقـاطـع هـــذا المــســار مع انقسام سياسي واجتماعي واقتصادي حـاد، يجعل الــقــوة الـخـارجـيـة الـتـي عُــرفــت بـهـا الـــولايـــات المتحدة أداة تعويض عن خلل داخـلـي، يقيد هامش المناورة الاستراتيجية. فالإدارة كما يبدو من عدد من المظاهر، تولي السياسة الخارجية جل جهدها، تعويضا عن مواجهة المشكلات الداخلية التي تحاول مواجهتها بقرارات سياسية، أكثر منها موضوعية وعلمية، كما يحدث في نـزاع مع سلطة مالية مستقلة، هي البنك الفيدرالي، والــذي أحــدث قشعريرة في النظام المالي العالمي. مـا نـــراه الـيـوم هـو مـفـارقـة واضــحــة: قــوة خشنة حــاضــرة، فـي مقابل اسـتـنـزاف بـطـيء للقوة الناعمة والمؤسساتية. فاقتصاديا تـواجـه الــولايــات المتحدة معضلة الدين العام، والتضخم الـذي تجاوز حـدودا غير مسبوقة، وعلى الرغم من أن الدولار ما زال عملة الـعـالـم الأولــــى، فــإن الاعـتـمـاد المـفـرط على هــذه الميزة أوجـد نوعا من «الاطمئنان الخاطئ»، فالدولة تمول عـجـزهـا بـطـبـاعـة الــنــقــود، وتُــســيــس أدوات الـتـجـارة عبر العقوبات والــحــروب الجمركية، فتغامر بتآكل الثقة بنظام كـانـت للمفارقة هـي مهندسته، فالقوة الاقــتــصــاديــة لـيـسـت أرقـــامـــا بــل ثـقـة أيــضــا واسـتـقـرار وقابلية للاستدامة. ويأتي «صعود الشعبوية» ليضيف طبقة أخرى من التعقيد، قد يُحقق مكاسب سياسية لدى شريحة من الجمهور ولكنها قصيرة الأجل. الـتـاريـخ لا يسجل سـقـوط الــقــوى العظمى عند ذروتها، بل عند لحظة سوء إدارتها لمصادر قوتها، والــولايــات المتحدة تقف الـيـوم أمــام اختبار حقيقي: إمـــــا صـــيـــانـــة مــــصــــادر قـــوتـــهـــا، وإمــــــا الاســــتــــمــــرار فـي استهلاكها. الـسـؤال ليس هـل تضعف أميركا؟ بـل هـل تملك أمــيــركــا، بـكـل قــدراتــهــا الــبــشــريــة، الـشـجـاعـة الـفـكـريـة والسياسية لمراجعة ذاتها؟ هل تستطيع الانتقال من منطق الهيمنة إلى منطق القيادة. الإجابة عن السؤال سوف تتبي في نتائج الانتخابات النصفية، الثلاثاء نوفمبر (تشرين الثاني) العام الحالي. 3 آخر الكلام: القوة بلا اتزان لا تحمي النفوذ، بل تعجل بتآكله. هل تُضعف أميركا نفسها؟ OPINION الرأي 15 Issue 17224 - العدد Saturday - 2026/1/24 السبت عبد الرحمن شلقم محمد الرميحي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky