خـــال كلمته أمــــام مـنـتـدى دافـــــوس، الأربـــعـــاء المــاضــي، وضع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، العالم، أمام حقيقة مؤكدة، وهي أن النظام العالمي القديم الـذي كانت الولايات المتحدة ساهمت في إرسائه، والقائم على القواعد الواضحة قــد انـتـهـى، وأن هـنـاك واقــعــا مـغـايـرا مـرتـكـزا عـلـى مـعـادلات عمادها الأوزان النسبية لا الحقائق الأخلاقية ولا الأدبية، وأن الأقـــوى يعفي نفسه عندما يناسبه ذلـــك، فيما قواعد الــتــجــارة غـيـر مـتـكـافـئـة، والــقــانــون الـــدولـــي يُــطـبـق بـدرجـات متفاوتة من الصرامة بحسب هوية المتهم أو الضحية. كـلـمـات كــارنــي لا يمكن فصلها عــن رؤيـــة سـيـد البيت الأبــــيــــض الـــخـــاصـــة بـــضـــم كـــنـــدا وجــعــلــهــا الــــولايــــة الــثــالــثــة والخمسين مـن الــولايــات المـتـحـدة، فيما رســـوم تظهر علما أميركيا يرتفع داخـــل الأراضـــي الكندية، وخريطة أميركية تتّسع لتشمل رقعة الجغرافيا الكندية. الأهــم، هو أن الجيش الكندي طــوّر نموذجا للرد على غــــزو أمـــيـــركـــي مـحـتـمـل لـــكـــنـــدا، هـــو نـــمـــوذج يــتــمــحــور حــول تـكـتـيـكـات عــلــى غـــــرار الـــتـــمـــرد، مــثــل تــلــك الـــتـــي اسـتـخـدمـهـا المقاتلون في أفغانستان الذين قاوموا القوات السوفياتية، ثم الغزو الأميركي لاحقاً. الشاهد أن ما يهمنا بأبلغ صورة في كلمة كارني حديثه عن كندا بوصفها قوة متوسطة، ولعلها من مصادفات القدر أن سلفه البعيد، رئيس الــوزراء الكندي، لويس سان لوران )، كـــان أول مــن أطـلـق عـلـى كـنـدا وصـــف «قــوة 1957 - 1948( متوسطة». طـــرح كـــارنـــي ســـــؤالا فـــي واقــــع الأمــــر لـــم يـعـد يـهـم كـنـدا فحسب، بـل ينسحب على عــدد كبير مـن الـقـوى المتوسطة حـــول الــعــالــم: «هـــل يـنـبـغـي عـلـيـنـا أن نـتـكـيـف مـــع الـانـظـام العالمي القائم حالياً، عبر بناء جـــدران عالية، أم بإمكاننا القيام بشيء أكثر وضوحاً؟». يــحــتــاج الأمـــــر قــبــل مــحــاجــجــة حـــديـــث كـــارنـــي وضــع تــعــريــف مــحــدد لــلــقــوى المــتــوســطــة. مـــن دون اخــتــصــار أو تـــطـــويـــل، هــــي وضـــــع بــــن الــــقــــوى الــعــظــمــى الـــفـــاعـــلـــة عـلـى المــســتــوى الــــدولــــي، مــثــل الــــولايــــات المـــتـــحـــدة، وبــــن الــــدول النامية أو الآخذة في النمو. غالبا ما تمتلك هذه المجموعة من الدول قدرات معينة مثل الاقتصادات القوية والتكنولوجيات المتقدمة والنفوذ الـسـيـاسـي، مـمـا يـسـمـح بـــأن يــكــون لـهـا صـــوت فــي الــشــؤون العالمية، وينظر إليها على أنها جسور بين القوى الأكبر، لا سيما حال ميلها إلى تفعيل الأدوات المختلفة التي تمكنها في النزاعات وتعزيز التعاون بشأن القضايا الدولية. الـــســـؤال الـــواجـــب بـنـا طــرحــه: هــل يـمـر الــنــظــام الـعـالمـي الـقـديـم فـي الـوقـت الــراهــن بلحظات تـحـول درامـاتـيـكـيـة، من عالم غير واضــح المـامـح الـدولـيـة إلــى نظام تلعب فيه هذه الـــقـــوى المــتــوســطــة دورا واضـــحـــا ومــمــيــزا فـــي إعـــــادة ضبط مساراته، ورسم مساقاته؟ كـــارنـــي فـــي خــطــابــه الأخـــيـــر فـــي المـــنـــتـــدى الاقـــتـــصـــادي العالمي في سويسرا بدا وكأنه صاحب رؤية تحث تلك القوى المتوسطة على العمل مـعـا، والمـعـادلـة الـتـي يقدمها مثيرة ومخيفة في الوقت ذاته: «إذا لم نكن على طاولة المفاوضات، فسنكون على قائمة الطعام». المفارقة الأممية الراهنة هي أن القوى العظمى بإمكانها أن تمضي قـدمـا بـمـفـردهـا، انـطـاقـا مــن حـجـم الــســوق الــذي تملكه، والمـقـدرات العسكرية التي تحوذها، والنفوذ الـازم لـــفـــرض شـــروطـــهـــا، مـــا يــعــنــي أن المــتــنــمــريــن، كــمــا وصـفـهـم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، باتوا يخلقون عالما من الإمبريالية الجديدة أو الاستعمار الجديد، ويمارسون نوعا من «العدوانية غير المجدية». بـالـنـظـر إلـــى الــقــوى الــدولــيــة المـتـوسـطـة، يـمـكـن الـجـزم بأنها تحتل مكانة خاصة في الواقع الكوني المعاصر، على فوضويته والتباسه، ومرد ذلك دبلوماسيتها الاستباقية، واقـتـصـاداتـهـا الـقـويـة ونــفــوذهــا المــعــتــدل، مــا يعني أنـهـا لا تشارك في الحكمة العالمية فحسب، بل إنها تسعى لبلورتها بمنسوب أو آخـــر، عبر اسـتـقـال استراتيجياتها، وتعزيز الـتـعـاون مـتـعـدد الأطـــــراف، بـهـدف نـشـر الاســتــقــرار الـكـونـي، وحل النزاعات المعقدة. ولأن الـشـعـوب تـمـشـي بـالـفـعـل عـلـى بـطـونـهـا، لـــذا فـإن المــعــيــار الاقـــتـــصـــادي يــبــدو فـــي ســيــاق الــحــديــث عـــن فاعلية القوى المتوسطة ركيزة غاية في الأهمية، والكثير منها قوى ناهضة وقــــادرة على مشاغبة ومـسـاءلـة أيـقـونـات بريتون وودز والفوقية الأميركية. من جهة أخرى، يطفو التعاون الأمني بين تلك المنظومة المتوسطة الجديدة، فوق سطح الأحداث بوعي كبير، بخاصة من خـال رؤيتها المتساوقة لمكافحة الإرهــاب العالمي، الذي يتسرب بسرعة، لا سيما عبر الشبكات السيبرانية بصورة غير مسبوقة في مفاصل قارات العالم بأسرها. هل سيقود عالم القوى المتوسطة إلى ظهور تكتل عدم انحياز إيجابي، في عالم لم تعد فيه الـدول الكبرى مرساة للاستقرار، بل خطر يجب التحوط منه؟ بــالــنــظــر إلــــى مـــا جــــرى فـــي فـــنـــزويـــا، ومــــا يـــحـــدث من حـول غرينلاند، أو يُحاك لكندا، وقريبا دييغو غارثيا في موريشيوس، ربما يكون الوقت قد حان لظهور «حلف القوى المتوسطة الجديد». تضعنا الــتــحــولات الأخـــيـــرة فــي المـشـهـد الـيـمـنـي أمـــام لحظة كاشفة لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد تباين عابر في التكتيكات بين المنخرطين في الملف اليمني، خصوصا من الأطراف التي ليس لديها نقاط تماس مباشرة حدودية، بـــل يــجــب أن تـــقـــرأ بــشــفــافــيــة بـــعـــدّهـــا صـــدامـــا بــنــيــويــا بين تصورين متعارضين للجغرافيا السياسية. فمن جهة، برز منطق يراهن على الاستحواذ على السواحل والمواني بِعَد ذلك مدخلا للنفوذ والقوة دون مراعاة لأي سياقات أخرى وبشكل يقترب من حدود الانتهازية منه للشراكة مستلهما أدبـــيـــات «الـــقـــوة الـبـحـريـة» كـمـا صـاغـهـا الأدمـــيـــرال والمـــؤرخ الأميركي ألفريد ماهان، ومن جهة أخرى، تبلورت رؤية أكثر التصاقا بحقائق الأرض والتاريخ والهوية تستند ببساطة إلى «الأرض» العمق الجغرافي البريطاني، هالفورد ماكندر، وتـتـعـامـل مــع الـيـمـن بــعــدّه عـمـقـا مـهـمـا لـلـجـزيـرة الـعـربـيـة، لا يـمـكـن الـتـفـكـيـر فـــي أطـــرافـــه الـبـحـريـة مـــع إهـــمـــال مـركـزيـه الاجتماعي والسياسي، فضلا عن تاريخه وهويته وثقافته الــتــي تشكلت عـلـى مـــدى الـعـقـود المــاضــيــة، والــتــي كـــان لها أثـر على تركيبته السكانية والجهوية وعلاقته العضوية بجيرانه، وفي مقدمتهم السعودية. منطق الـدولـة استثمار طويل الأجــل يفكر بالعواقب، ويراعي حتمية الجغرافيا وذاكرة التاريخ لملف اليمن، البلد الذي انجرف للفوضى في أغلب فترات تاريخه الحديث، عدا استثناءات قليلة، ولذلك؛ النتيجة بين المنطقين محسومة: مـن يـراهـن عـلـى المــوانــي وحـدهـا يـخـسـر، ومــن يستثمر في الأرض والهوية والتنمية ينتصر مهما طال الوقت. تاريخيا أغرت السواحل اليمنية، الممتدة على البحرين الأحمر والعربي، قوى إقليمية رأت فيها فرصة لبناء نفوذ بحري سريع عبر السيطرة على الممرات والنقاط الضيقة. غـيـر أن هـــذه المــقــاربــة اصـطـدمـت سـريـعـا بــواقــع يمني عصي على الاخـتـزال: مجتمع مركّب، قبائل راسخة، ذاكـرة سياسية عميقة، وتــاريــخ طـويـل مــن تـجـذر الـهـويـة وفـكـرة يـمـن لا يـمـكـن أن يختطف تمثيله أقـلـيـة، مـهـمـا استثمرت في الشعارات والمغالطات وحاولت استغلال الفراغ وفرص الوصاية من الخارج. بالنسبة للرياض، المقاربة واضحة وفي الهواء الطلق ومــعــلــنــة لـلـمـجـتـمـع الــــدولــــي، فــالــيــمــن لـــه امــــتــــداد جـغـرافـي وتــاريــخــي مـبـاشـر لأمـــن شـبـه الــجــزيــرة الـعـربـيـة، فـالـحـدود كيلو ليست مجرد 1200 الواسعة بين البلدين على امتداد خـــطـــوط عــلــى الـــخـــريـــطـــة، بـــل تـــمـــاس مـــع فـــضـــاء اجـتـمـاعـي وثقافي واحـد، يجعل أي ارتباك في الداخل اليمني تهديدا مـبـاشـرا لـأمـن الـوطـنـي الـسـعـودي. هنا يـبـرز منطق «قلب الأرض» بصيغته الإقليمية: مـن يـقـارب ملف اليمن يجب أن يحرص على مصلحة الـنـاس، أولا باستحضار الكيان الجامع بغض النظر عن الصيغة - الشكل السياسي الذي يجب أن يكون توافقيا - ومن يملك إدارة هذا التنوع اليمني عبر طـاولـة الـحـوار والتمثيل الـعـادل معهم، يملك مفاتيح الاسـتـقـرار الحقيقي مهما طـال الـوقـت. أمـا الـسـواحـل، فهي نتيجة لهذا الاستقرار وليست بديلا عنه. لـقـد أظـــهـــرت الــســنــوات المــاضــيــة أن الـــرهـــان عـلـى قـوى محلية مـسـلّــحـة، أو مـشـاريـع انفصالية تُــــدار مــن الــخــارج، قـد يحقق مكاسب تكتيكية سـريـعـة، لكنَّه يعمّق التشظي ويؤسس لفوضى مستدامة. هذا ما أدركته الرياض مبكراً، فمالت تدريجيا إلى إعادة تعريف تدخلها على أساس دعم الــدولــة الوطنية، لا الكيانات الهجينة. وفــي هــذا السياق، يمكن فهم التحول السعودي الأخير نحو الإمساك المباشر بالملف اليمني، وفرض منطق «الدولة مقابل الوكلاء»، بعدّه استعادة للقراءة الجغرافية الصحيحة، لا مجرد تعديل في أدوات السياسة. فاليمن، في هذه الرؤية، لا يُدار عبر الجزر والمـوانـي، بل عبر الشرعية التي تستطيع مخاطبة الداخل وتمثيله لدى مؤسسات المجتمع الدولي. المقاربة السعودية السعودية، بحكم موقعها قوة فاعلة مركزية ذات مشروع تنموي لا يسعى إلـى الهيمنة، وإنما تكريس فضيلة الاستقرار في الإقليم، لا تفكر في التعامل مـع اليمن بوصفه ملف مـــوان أو نـقـاط نـفـوذ مـعـزولـة، هذا التفكير الضيق الـبـراغـمـاتـي فـضـا عـن كـونـه غير واقـعـي، فإنه سيخلق المزيد من الفوضى، لذا قـرَّرت وفق سياستها الواقعية التعامل مع اليمن كفضاء سيادي متكامل، يتطلَّب إعادة بناء الدولة وتقوية مؤسساتها، ومنح فرصة للحوار بين مكوناتها والوقوف بينهم على مسافة واحـدة، حرصا على منع تفكيكها إلى كانتونات. الـــيـــوم بــعــد أن آلــــت الأمــــــور إلــــى مـــا آلــــت إلـــيـــه، أدركــــت السعودية وتعاملت بحزم مع «فـخ السواحل» في المقاربة اليمنية التي تشبه فخ تقوية مكون طائفي على ما عداه، إذ يعد وهما آيديولوجيا لا يقل عنه وهم المواني الجيوسياسي بالاستثمار في الكيانات الطارئة تحت لافتات قضية عادلة. رغــم جـراحـه العميقة، يمتلك اليمن مـقـومـات نهوض حقيقية متى مـا أُعـيـد الاعـتـبـار لمنطق الــدولــة، وتـحـرر من منطق الـوصـايـات والمـشـاريـع الجزئية، وهـنـا يمكن تثمين الرؤية السعودية المنحازة للاستقرار ووحـدة الكيان، التي لا تنظر إلى هذا البلد بوصفه عبئا أو ساحة نفوذ أو فرصة للاستغلال، بل بوصفه شريكا قادرا على استعادة عافيته، حين يُمنح أهله دون تمييز بينهم فرصة لتقرير مستقبلهم، بعيدا عن فوضى السلاح أو خطيئة الانقسام. لـــم يــعــد بــإمــكــان أي دولـــــة أن تغمض عيونها، أو تغلق آذانها عما يقع من أحداث فــي جـــوارهـــا؛ فـسـيـاسـة الـسـتـار الـحـديـدي، الـــتـــي اتـــبـــعـــهـــا ســـتـــالـــن فــــي عـــــزل الاتـــحـــاد السوفياتي ودولـــه الحليفة عـن العالم في ثلاثينات الـقـرن المــاضــي، انتهت منذ زمن بعيد، ومـحـاولات الفصل التي جـرت بعده بإقامة جــدران فاصلة مع الآخـريـن، ومنها جدار الفصل الإسرائيلي مع الفلسطينيين، فشلت فـي تحقيق العزلة والانــعــزال. وهـذا بـعـض مــا يـجـرنـا لــلــوقــوف عـنـد حساسية دول الجوار السوري إزاء ما حصل ويحصل فــي شــمــال ســوريــا وشـمـالـهـا الــشــرقــي، في ضـــــوء الاشـــتـــبـــاكـــات بــــن قــــــوات الــحــكــومــة الـــســـوريـــة و«قــــــوات ســـوريـــا الـديـمـقـراطـيـة» (قـسـد)، والـتـي تسعى أطـــراف مختلفة إلى وقــفــهــا والـــتـــوصـــل إلــــى حـــلـــول سـلـمـيـة في الخلافات القائمة. ويمتد خط دول الجوار الـــــســـــوري لـــيـــشـــمـــل بــــلــــدانــــا مـــحـــيـــطـــة وهـــي تركيا والـــعـــراق، بما فيه إقليم كـردسـتـان، والأردن وإسـرائـيـل ولبنان، ويشمل الخط نـسـقـا ثـانـيـا فـيـه بـــلـــدان أبــعــد بـيـنـهـا إيـــران وبـلـدان الخليج العربية ومـصـر. وتختلف حـــســـاســـيـــات تـــلـــك الـــــــــدول حــــــول مـــجـــريـــات الـــصـــراع الـــراهـــن، والــتــي تـقـف فــي سياقها تــركــيــا والأردن وبــــلــــدان الــخــلــيــج الـعـربـيـة موقف الأقرب إلى ما تتبناه حكومة دمشق بضرورة انتهاء حـالات الانقسام السوري، واستعادة سلطة الـدولـة، وانتشار قواتها عـلـى كــامــل أراضــــي الـــدولـــة، فــي حــن يبدو الموقفان الإيـرانـي والإسرائيلي في الطرف الآخر الذي يتخفى في عداء حكومة دمشق خلف واجهة حماية الأقليات ومشاركتها، ودعـــم إقـامـة كيانات تشتت سـوريـا، يمكن أن تـسـاعـد فـــي تقسيمها لاحـــقـــا. لـكـنـه في كـــل الــــحــــالات، فــــإن الـتـعـبـيـر عـــن حـسـاسـيـة الأطـــراف، لا يتجاوز الإعـانـات السياسية، ما عـدا الحالتين التركية والإسرائيلية؛ إذ يمكن لكل واحـدة منهما الدخول على خط الـصـراعـات الـسـوريـة وأطـرافـهـا، لكن وسط ظــــروف مـــحـــددة، ومــــن مــوقــعــن مختلفين. ولا يـــحـــتـــاج إلــــــى تـــأكـــيـــد أن حـــســـاســـيـــات الــــدول فــي الـــصـــراع الـــســـوري لا تـتـأثـر فقط بـالمـصـالـح المــبــاشــرة وغــيــر المــبــاشــرة لــدول الـجـوار والأبـعـد منها، وبعضها لا يتأخر عـــن إعـــــان أطـــمـــاعـــه، ويــــمــــارس سـلـوكـيـات معلنة على نحو تمدد إسرائيل في جنوب سوريا في الشهور الماضية، كما تتأثر دول الـــجـــوار بــمــواقــف طـــرفَـــي الــــصــــراع، فـتـكـون قـريـبـة مـــن هـــذا الـــطـــرف أو أبــعــد عــنــه. لكن أغـلـبـيـة الـــبـــلـــدان تـظـهـر قــربــهــا مـــن مــواقــف وســـيـــاســـات الـــحـــكـــومـــة الــــســــوريــــة، بـــعـــد أن اكتوت لسنوات طويلة من سياسات نظام الأسد في إشاعته القتل والدمار، وتحويل ســـوريـــا إلــــى ســـاحـــة إرهــــــاب يــتــكــرس فيها بـــقـــوة إرهــــــاب الــــدولــــة وجـــمـــاعـــات الـتـطـرف فـي وقــت واحـــد، وإغــــراق سـوريـا فـي إنتاج وتجارة المخدرات الدولية. وتمتد مساندة أكثر الدول الإقليمية لحكومة دمشق نتيجة حصولها على تأييد واســع في المستويين الإقـلـيـمـي والــــدولــــي، مــتــرافــق مــع دعـــم غير مسبوق لإعادة ترتيب أوضاعها السياسية والاقــتــصــاديــة والأمـــنـــيـــة، وهـــي فـــي مقدمة ضرورات إعادة بناء سوريا، وتطبيع حياة سكانها، واستعادة علاقاتها ودورهـــا في الخريطة الإقليمية والدولية كقوة سلام من جـهـة، وقـــوة مـشـاركـة فـي مـحـاربـة الإرهـــاب والتطرف. وقد بذلت الحكومة جهودا كبيرة مما ساعد في استعادة علاقاتها الخارجية، ورفع العقوبات الدولية عنها، لكن مع تركة ثـقـيـلـة مـــن تــحــديــات داخــلــيــة عـمـيـقـة صــار بعضها عـلـى طــريــق الــحــل، ومـنـهـا تحدي اســـتـــعـــادة وحــــدة الـــكـــيـــان، وفــــرض سـيـطـرة الدولة على كامل أراضيها. وتمثل «الإدارة الذاتية» وجناحها العسكري قوات «قسد» الطرف الثاني في الصراع، وقد استطاعت في سنوات العقد الماضي بناء قوة عسكرية منظمة، صارت نواة «قسد»، واستخدمتها فـــي فــــرض وجــــودهــــا وحـــمـــايـــة نـفـسـهـا في شـمـال شـرقـي ســوريــا، وفــي الانـضـمـام إلى الــتــحــالــف الـــدولـــي لــلــحــرب عــلــى «داعـــــش»، وإلحاق هزيمة كبيرة به في معارك الباغوز ، واستطاعت «الإدارة الذاتية» نتيجة 2019 عــــوامــــل مــــتــــعــــددة فــــــرض ســـيـــطـــرتـــهـــا عـلـى الـطـيـف الـــكـــردي رغـــم الاخـــتـــافـــات الـقـائـمـة والمستمرة منذ نحو عقدين بين التكوينات الكردية، وأبرزها المجلس الوطني الكردي، وتــــجــــمــــعــــات المـــســـتـــقـــلـــن مــــــن الـــنـــاشـــطـــن الـــســـيـــاســـيـــن والمــــدنــــيــــن، وبــــذلــــت جـــهـــودا مــمــاثــلــة فـــي تــعــزيــز الـــعـــاقـــات مـــع الــتــنــوع السكاني مـن الـعـرب والآشــوريــن السريان وغيرهم في مناطق سيطرتها، لكن النتائج كـانـت مــحــدودة، والـسـبـب الـرئـيـس فـي ذلك تباعدات آيديولوجية وسياسية. إن حــســاســيــات دول الــــجــــوار إزاء ما يحصل في سوريا تنعكس بصورة مختلفة على طرفَي الصراع، فتجعل حكومة دمشق أكثر توازنا في سياساتها وسلوكها حيال كــثــيــر مــــن المـــلـــفـــات، ومـــنـــهـــا المـــلـــف الـــكـــردي الــــذي تـضـمـن ســيــاق الـتـعـامـل مـعـه إصـــدار ، وفيه خـطـوات تدعم 13 المـرسـوم الرئاسي مطالب الـكـرد باعتبارهم جـــزءا أصـيـا من الــشــعــب الــــســــوري، ووصـــــف مـــا يـــجـــري من صـــراع بـأنـه صـــراع عـسـكـري بــن الحكومة و«قسد» باعتبارها جماعة مسلحة، وليس صراعا مع الكرد، وكله يترافق مع ضجيج إعلامي وتعبوي واسع في مستوى شعبي. وبخلاف ما ظهر في سياسة الحكومة في تـعـامـلـهـا مـــع بـعـض المــلــفــات، فـــإن تشوشا وارتـــــبـــــاكـــــا مــــيــــزا ســــيــــاســــات وســـلـــوكـــيـــات «الإدارة الـذاتـيـة» وقـــوات «قـسـد»، وهـو أمر طبيعي، بسبب الاختلافات المتعددة الأوجه والمستويات بين الطرفين، لكن الوضع من جـانـب آخـــر يعكس فـشـا فــي إدارة ملفات مهمة، منها العلاقة مع التنوعات السكانية والسياسية في المنطقة، والعلاقة المرتبكة مـع المجلس الـوطـنـي الــكــردي. وقــد سجلت الـفـتـرة الأخــيــرة تغييرات فـي عـاقـة شمال شـرقـي الــفــرات مــع حليفه الأمــيــركــي، الــذي بدا أقرب إلى مواقف حكومة دمشق ويعول عـلـيـهـا، وســـط مـــؤشـــرات غـيـر إيـجـابـيـة في العلاقات مع إقليم كردستان العراق، الذي دعـــا زعـيـمـه مـسـعـود بـــارزانـــي إلـــى مـغـادرة ) ســوريــا، PKK( » عــنــاصــر حــــزب «الـــعـــمـــال وتــرك الـكـرد السوريين يعالجون شؤونهم وفق إرادتهم. OPINION الرأي 14 Issue 17224 - العدد Saturday - 2026/1/24 السبت المقاربة السعودية لليمن تكريس لفضيلة الاستقرار النظام العالمي و«حلف القوى المتوسطة» سوريا واستعادة سلطة الدولة وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com فايز سارة يوسف الديني إميل أمين
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky