issue17224

13 حــصــاد الأســبـوع ANALYSIS Issue 17224 - العدد Saturday - 2026/1/24 السبت واشنطن تفرض أولوياتها الاستراتيجية في أميركا اللاتينية كــثــيــرة هـــي أوجـــــه الــشــبــه بـــن الـعـمـلـيـة العسكرية الأمـيـركـيـة الـتـي أطـاحـت الرئيس الـفـنـزويـلـي نــيــكــولاس مــــــادورو، وتــلــك الـتـي أسقطت مانويل نورييغا، «ديكتاتور» بنما الـــســـابـــق، عــنــد مـــغـــارب الـــقـــرن المـــاضـــي بعد اتهامه بتجارة المخدرات والبقاء في السلطة بصورة غير شرعية. فـــــي حــــيــــنــــه، أمـــــــر الــــرئــــيــــس الأمــــيــــركــــي ألف 30 (يومذاك) جورج بوش (الأب) بإرسال طـائـرة للقبض على نورييغا، 300 جندي و فــي أكـبـر عملية حـربـيـة أمـيـركـيـة مـنـذ حـرب فيتنام. وبعد أحد عشر يوما من القتال في أحياء العاصمة بنما سيتي، تمكّنت القوات الأمــيــركــيــة مـــن تــوقــيــف نــوريــيــغــا الــــذي كــان وصل إلى السلطة بدعم من واشنطن، وذلك في مثل اليوم نفسه الذي اقتحمت فيه «قوات دلتا» الخاصة مخدع مادورو في كاراكاس. «عصر أميركي جديد» كل الدلائل تشير إلى أن عملية القبض عـــلـــى مـــــــــــادورو، بـــعـــد أشــــهــــر مــــن الـــضـــغـــوط الــــســــيــــاســــيــــة والــــعــــســــكــــريــــة، لـــيـــســـت ســــوى بـــدايـــة لـــ«عــصــر أمــيــركــي جـــديـــد» يــقــوم على اسـتـنـهـاض «شــرعــة مـــونـــرو» الــتــي أطلقتها واشنطن أواخـر القرن التاسع عشر، وقامت عــــلــــى مـــســـلـــســـل طــــويــــل مـــــن الـــــتـــــدخـــــات فــي أميركا اللاتينية ضـد الحكومات اليسارية والليبرالية. وحقاً، تعيد «النسخة الترمبية» لهذه الشرعة، التي عرضتها واشنطن في وثيقة «استراتيجية الأمن القومي» الجديدة مطالع الشهر الماضي، تركيز الاهتمام الاستراتيجي الأمـــــيـــــركـــــي بـــشـــكـــل أســـــاســـــي عــــلــــى أمـــيـــركـــا الـاتـيـنـيـة، بـعـدمـا كــانــت الأولـــويـــة لأوروبــــا والــــشــــرق الأوســــــط وآســــيــــا. وهــــي تــضــع في طليعة أهدافها المُعلنة وقف تدفقات الهجرة، وقـطـع سُــبـل تهريب المــخــدرات إلــى الـولايـات المتحدة، وكبح التمدّد الصيني في «الحديقة الخلفية» لواشنطن. الرئيس ترمب كان قد لخّص، بأسلوبه المألوف، هذا التحوّل الاستراتيجي في مؤتمر صحافي عقب «عملية كاراكاس»، عندما قال: «أعتقد أننا كنا نسينا (شرعة مونرو) رغم أهميتها. لكننا لــن ننساها بـعـد الــيــوم؛ إذ تـجـاوزنـاهـا بكثير، وبـاتـت تـعـرف بـ(شرعة دونـــــــــرو) - إشــــــــارة إلـــــى الــــدمــــج بــــن اســـمَـــي الـرئـيـسـن دونـــالـــد تــرمــب وجـيـمـس مــونــرو، الذي تحمل الشرعة الأصلية اسمه». ومن ثم تابع ترمب: «باستراتيجيتنا الجديدة للأمن القومي لـن تـكـون سيطرة الــولايــات المتحدة عـــلـــى الـــنـــصـــف الـــغـــربـــي مــــن الــــكــــرة الأرضـــيـــة موضع تشكيك من أحد أبدا بعد اليوم... ففي ظل إدارة ترمب نثبّت سلطة الولايات المتحدة بالقوة في منطقتنا التي تغيّرت كثيرا عمّا كانت عليه منذ فترة غير بعيدة. إن المستقبل مرهون بقدرتنا على حماية التجارة والموارد الحيوية بالنسبة للأمن القومي». فنزويلا... الهدف الأول خــال هــذه السنة الأولـــى الـتـي انقضت من ولايته الثانية، ركّــز ترمب اهتمامه على فنزويلا بحجة أن النظام الحاكم فيها يجمع كـــل الـعـنـاصـر الــتــي تــهــم الـــولايـــات المـتـحـدة: مـــــوارد طـبـيـعـيـة وافـــــرة مـــن بـــتـــرول ومــعــادن استراتيجية، ومنظمات «إجـرامـيـة» تنشط عـــلـــى الـــصـــعـــيـــد الــــــدولــــــي، وهـــــجـــــرة كــثــيــفــة، وحــــكــــومــــة تـــنـــتـــهـــج ســــيــــاســــة يــــســــاريــــة هــي النقيض لسياسة واشنطن؛ إذ تقيم علاقات وثيقة مـع الـصـن وروسـيـا وإيــــران، ورئيس لا تعترف بشرعيته عــدة دول فـي طليعتها الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي. «استراتيجية الأمن القومي» الأميركية الجديدة حدّدت أهدافها الإقليمية بوضوح، كالتالي: «نريد ضمان بقاء النصف الغربي من الكرة الأرضية تحت حكم سديد ومستقر لمنع الهجرة الكثيفة نحو الولايات المتحدة، وأن تــتــعــاون حــكــومــات المـنـطـقـة مـعـنـا ضد المنظمات الإرهـابـيـة التي تتاجر بالمخدّرات وغــيــرهــا مـــن المــنــظــمــات الإجـــرامـــيـــة الــعــابــرة لــــلــــحــــدود، وأن تــــكــــون المـــنـــطـــقـــة خـــالـــيـــة مـن التدخلات الأجنبية المعادية التي تستهدف الاستحواذ على أصول ومـوارد حيوية، وأن تـــدعـــم ســـاســـل الـــتـــوريـــد الأســـاســـيـــة، فـضـا عـــن ضـــمـــان وصـــولـــنـــا المــســتــمــر إلــــى المـــواقـــع الاستراتيجية الحيوية». هـذه الأهـــداف ليست جـديـدة، ولا تمثل مفاجأة بالنسبة لمن يتابعون خطاب ترمب وتصريحات العديد مـن أعـضـاء إدارتـــه منذ عـــودتـــه إلــــى الــبــيــت الأبــــيــــض. وهــــي أهــــداف اســــتــــدعــــت انـــــتـــــقـــــادات؛ لمــــا تــحــمــلــه مــــن فـكـر إمبريالي متشدد ومتجدد، ومقارنات مع تلك الشرعة التي وضع أسسها الرئيس الأميركي لفرض 1823 الـخـامـس جيمس مــونــرو عـــام هيمنة واشنطن على المنطقة. وهـي بالفعل أعــــادت إلـــى الأذهـــــان أبـشـع صـــور الـتـدخـات الأمـيـركـيـة فــي بــلــدان أمـيـركـا الـاتـيـنـيـة؛ من دعــــم لــأنــظــمــة الــديــكــتــاتــوريــة والانـــقـــابـــات عـلـى الـحـكـومـات المنتخبة ديـمـقـراطـيـا، إلـى التدخلات العسكرية المباشرة. دور ماركو روبيو «مـــهـــنـــدس» هـــــذه الـــســـيـــاســـة هــــو وزيــــر الــخــارجــيــة مـــاركـــو روبـــيـــو، المـــولـــود لأبــويــن هـــاجـــرا مـــن كــوبــا هــربــا مـــن نــظــام كــاســتــرو، والذي يعتبر «صقر» الإدارة الجديدة برؤيته للحكومات اليسارية فـي أميركا اللاتينية، وكيفية التعامل معها، والـطـرق المـؤديـة إلى إسقاطها. ومـــع أن روبـــيـــو كـــان المــنــافــس الـرئـيـس لـتـرمـب فــي المـــراحـــل الأولــــى مــن الانـتـخـابـات التمهيدية فـي الـحـزب الـجـمـهـوري لاختيار المـــرشـــح الـــرئـــاســـي، ودارت بـيـنـهـمـا مــعــارك قـاسـيـة؛ فـــإن دعـمـه الــاحــق لـتـرمـب وحـشـده أصـوات الناخبين الأميركيين اللاتينيين في ولايـــتـــه فـــلـــوريـــدا وجــــوارهــــا، كــانــا حـاسـمـن لفوز ترمب. وبالفعل، فإن ترمب منذ تسليم روبــــيــــو حــقــيــبــة «الــــخــــارجــــيــــة» يـــغـــدق عـلـيـه المــديــح... لمـا يعتبره إنــجــازات كبرى تساعد على بسط نفوذ واشنطن وتحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة. قلق الأنظمة اليسارية مـــن جــهــة ثـــانـــيـــة، مــنــذ تـنـفـيـذ الـعـمـلـيـة الـعـسـكـريـة الأمـيـركـيـة فــي فــنــزويــا واقـتـيـاد مــــــادورو إلــــى نـــيـــويـــورك لـلـمـحـاكـمـة، تعيش الأنـظـمـة الـيـسـاريـة الأمـيـركـيـة اللاتينية في قــلــق وتــــرقــــب، وبــــالأخــــص بــعــد الـتـلـمـيـحـات التي صدرت عن البيت الأبيض، وتحذيراته المباشرة لكولومبيا وكوبا ونيكاراغوا، بل أيضا للمكسيك. والمـــاحـــظ أن الأخــــيــــرة، رغــــم تسليمها واشنطن عددا من كبار زعماء المنظمات التي تتاجر بـالمـخـدّرات، عــادت لتغدو مـجـددا في مـرمـى تـهـديـدات تـرمـب، وبـالأخـص على أثر «الـتـحـفّــظـات» الـتـي أبـدتـهـا حـيـال العمليات الـــعـــســـكـــريـــة الــــتــــي نـــفـــذتـــهـــا قـــــــوات الــبــحــريــة الأميركية فـي الـكـاريـبـي. ويُــذكـر أن الرئيس الـــكـــولـــومـــبـــي غـــوســـتـــافـــو بـــتـــرو وصـــــف هـــذه العمليات – التي أسفرت حتى الآن عن مقتل أشخاص – بأنها «اغتيالات». 110 دور مَن الآن؟ بـــنـــاء عــلــى مـــا ســـبـــق، تـــــدور المـــراهـــنـــات حاليا بين المراقبين حول هوية النظام الذي سـتـخـتـاره إدارة تـرمـب لـلـجـولـة الـثـانـيـة من تــدخــاتــهــا فـــي المــنــطــقــة. ومــعــلــوم أن بعض هذه التدخلات كان إيجابيا لليمين الأميركي الـاتـيـنـي؛ إذ دعـــم تــرمــب رئــيــس الأرجـنـتـن خافيير ميلي خــال الانـتـخـابـات، ثـم منحه مـــلـــيـــار دولار ضـد 20 قـــرضـــا مـــالـــيـــا بــقــيــمــة مــشــورة خــبــراء وزارة الــخــزانــة. وأيــضــا دعـم نــــصــــري عــــصــــفــــورة، المــــرشــــح الـــيـــمـــيـــنـــي فـي هــــــنــــــدوراس، بـــالـــعـــفـــو عــــن حــلــيــفــه الـــرئـــيـــس السابق خوان أورلاندو هيرنانديز الذي كان سنة سجنا فـي الـولايـات 45 يمضي عقوبة المتحدة بتهمة الاتجار بالمخدرات. المكسيك وكوبا احـــــتـــــمـــــالات الـــــتـــــدخـــــل الــــعــــســــكــــري فــي المكسيك، بحجة ضـرب عصابات المـخـدرات، تبدو ضعيفة لصعوبة مثل هذه العمليات في بلد كبير متاخم للولايات المتحدة، وتربطه بها علاقات اقتصادية مهمة، بجانب تاريخ حربي طويل ما زالت آثـاره تحفر عميقة في المعتقد الاجتماعي المكسيكي. لكن «عنصر المـفـاجـأة» هـو الـركـيـزة الأسـاسـيـة التي يقوم عليها أسلوب الرئيس الأميركي. بــالــعــكــس، كـــثـــيـــرون يـــراهـــنـــون عــلــى أن كوبا المرشحة التي هـي أوفــر حظا للضربة الأميركية الثانية، لا سيما بعد تصريحات ترمب التي قال فيها إنه يرى وزير خارجيته روبـيـو «الـرئـيـس المقبل للدولة – الـجـزيـرة»، ودعا حكامها إلى التنبّه. غير أن تاريخ التدخلات الأميركية في كـوبـا غـيـر مـشـجّــع، وذلـــك مــن عملية الإنـــزال الفاشلة في «خليج الخنازير» - التي وضعت العالم على شفا حرب نووية - إلى المحاولات الـــعـــديـــدة لاغـــتـــيـــال فــيــديــل كـــاســـتـــرو، والــتــي اعترفت وكالة الاستخبارات المركزية بثمان منها فقط. أمــا المـواجـهـة الكلامية المفتوحة بين ترمب والرئيس الكولومبي بترو، فيبدو أن حـدتـهـا تــراجــعــت فـــي الــفــتــرة الأخـــيـــرة، في حين تسعى بلدان المنطقة بكل الطرق المتاحة إلـى تـفـادي الأزمـــة مـع سيّد البيت الأبـــيـــض، الــــذي أوضــــح لـلـقـاصـي والــدانــي أنــــه يـــريـــد إحـــكـــام ســيــطــرة واشــنــطــن على محيطها الإقليمي. في أي حال، القراءة الصحيحة لسياسة تـــرمـــب تـــجـــاه أمـــيـــركـــا الــاتــيــنــيــة تــكــمــن فـي أنـــه حــــوّل الـــروابـــط الاقــتــصــاديــة الـتـاريـخـيـة بـــــن واشــــنــــطــــن وبـــــلـــــدان المـــنـــطـــقـــة إلــــــى أداة للضغط الاستراتيجي الـذي يرهن العلاقات الــــتــــجــــاريــــة والاســــــتــــــثــــــمــــــارات والــــعــــقــــوبــــات والــهــجــرة بــالاصــطــفــاف الــســيــاســي. كـــل هـذا صار مشروطا بامتثال عواصم هذه البلدان لأولويات واشنطن وحدها. قطع بحرية أميركية تفرض سيطرتها على البحر الكاريبي (غيتي) جـــدّد الـرئـيـس الأمــيــركــي دونـــالـــد تـرمـب مـنـذ الــيــوم الأول بعد عودته إلى البيت الأبيض، مطالع العام الماضي، «اهتمام» الـــولايـــات المـتـحـدة بـجـوارهـا الأمـيـركـي الـاتـيـنـي بشكل غير مسبوق منذ عقود. وتجلّى هذا «الاهتمام» في اعتماده على أســـلـــوب «تــرهــيــبــي» واضــــح فـــي الـتـعـامـل مـــع مـنـطـقـة واسـعـة وحيوية بالنسبة للمصالح الأميركية الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. وفي المقابل، بدت هذه المنطقة عاجزة عن الرد الموحّد أو المنسّق على الخطوات المتسارعة التي بدأت بحملة واسعة لطرد المهاجرين غير الشرعيين، لتنتقل إلى مواجهات صدامية مع القيادات الإقليمية غير المنحازة لسياسة واشنطن الجديدة. بعد ذلك، شهد العالم حشدا كبيرا للقوات العسكرية في بحر الكاريبي، وهجمات متلاحقة ضد ما كان يصفها «البنتاغون» بـ«السفن التابعة لتجار المـــخـــدرات». وخلصت الأمـــور فـي الثالث مـن يناير (كـانـون الـثـانـي) الحالي بعملية عسكرية خاطفة انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مــادورو، واقتياده إلى نيويورك حيث يمثل حاليا للمحاكمة بتهم الاتـــجـــار بــالمــخــدّرات والإرهـــــاب والــتــآمــر عـلـى الــولايــات المتحدة. بعد «عملية كاراكاس» ضد نيكولاس مادورو مدريد: شوقي الريّس «عقيدة مونرو»... وفق معايير «الحقبة الترمبية» يـــطـــلـــق مـــصـــطـــلـــح «شـــــرعـــــة مـــــونـــــرو» عـــلـــى الـــســـيـــاســـة > الخارجية الأميركية التي تعارض تدخل الـدول الأوروبية في شـؤون بلدان النصف الغربي من الكرة الأرضية، أي الولايات المتحدة، والدول التي في جوارها. وهي ترى في أي تدخل في الشأن السياسي للقارة من قبل قوى القارات الأخرى تعدّيا على الولايات المتحدة نفسها. ولقد لعبت هذه العقيدة دورا أساسيا في الاستراتيجية الأميركية على امتداد القرن الماضي. جيمس مـونـرو، خامس الــرؤســاء الأميركيين، طــرح هذه «الشرعة» في خطاب ألقاه أمام الكونغرس في ديسمبر (كانون . إلا أنــهــا لـــم تـحـمـل اســمــه المـــتـــداول الـــيـــوم حتى 1823 ) الأول منتصف القرن التاسع عشر. يومذاك كانت جميع المستعمرات الإسبانية في أميركا قد نالت استقلالها، أو أوشكت على نيله. وفي ذلك الخطاب أكّد مونرو أن «على العالم الجديد (أميركا) والعالم القديم (أوروبا) أن يبقيا دائــرتــن للنفوذ منفصلتين بــوضــوح إحـداهـمـا عن الأخــــرى. وبـالـتـالـي تعتبر الــولايــات المـتـحـدة أن أي جـهـود قد تبذلها الدول الأوروبية الكبرى للتدخل في شؤون دول المنطقة ستكون تهديدا للأمن الأميركي. وفي المقابل، تعترف واشنطن بالمستعمرات الأوروبية القائمة آنذاك، وتتعهد بألا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأوروبية. للتذكير، فـي تلك الفترة لـم تكن الــولايــات المتحدة تملك قـوة بحرية قــادرة، ولا جيشا برّيا في مستوى جيوش الـدول الأوروبية. أما تلك الدول فقرّرت تجاهل «الشرعة»، باستثناء الإمبراطورية البريطانية التي طبّقتها نسبياً، واستخدمتها لفرض سياستها التي كانت تعرف بـ«السلم البريطاني»، كما خرجت عنها غير مرة لا سيما إبان الحملة الفرنسية الثانية في المكسيك. ولكن مع بدايات القرن العشرين تمكنت واشنطن من تطبيق «الشرعة» بنجاح، فأصبحت من الركائز الأساسية للسياسة الخارجية الأميركية، ومن أقدم أركانها. النظام الدولي المتعدد الأطراف اللافت أنه منذ أواخر القرن التاسع عشر، لجأ الباحثون والمـفـكـرون السياسيون للاستناد إلــى هــذه «الـشـرعـة» بهدف التأكيد على أهمية النظام الدولي متعدد الأطراف، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. طرح الرئيس الأميركي فرانكلن روزفلت 1933 وفي العام «شرعة مـونـرو» لتكون القاعدة القانونية لتأسيس «منظمة البلدان الأميركية» التي يقع مقرها اليوم في واشنطن. تــقــوم هـــذه «الـــشـــرعـــة» عـلـى مــعــارضــة الـــولايـــات المـتـحـدة للسياسة الاستعمارية التي كانت تمارسها الدول الأوروبية، وتستمد رؤيـتـهـا مـن السياسة الانـعـزالـيـة الـتـي كــان وضعها الرئيس الأول، جورج واشنطن، بُعيد استقلال الولايات المتحدة عن التاج البريطاني. وهي تعتبر «أن للأوروبيين مجموعة من المصالح الأساسية التي لا علاقة لها بمصالحنا»، كما جاء في خطاب واشنطن الأخير أمـام الكونغرس في سبتمبر (أيلول) . بعدها أضـاف الرئيس الثالث توماس جيفرسون 1796 عـام إلى تلك «الشرعة» أن القارة الأميركية «مكتفية بذاتها، ويمكن اعتبارها الامتداد الطبيعي للولايات المتحدة». غاية التصدي لـ«الحلف المقدّس» هذا، ويعود تمسّك الولايات المتحدة بهذه العقيدة -خاصة فـــي الـنـصـف الــثــانــي مـــن الـــقـــرن الــتــاســع عـشـر ومــطــالــع الـقـرن العشرين- إلى خشيتها آنذاك من أن القوى الأوروبية الظافرة، ، وتأسيس «الحلف 1814 التي انبثقت عن «مؤتمر فيينا» عام المــقــدّس» بـن روسـيـا والنمسا وبـروسـيـا «لـلـدفـاع عـن النظام المـلـكـي»، يمكن أن تـسـاورهــا فـكـرة اسـتـعـادة إمـبـراطـوريـاتـهـا الاستعمارية في القارة الأميركية. وحقاً، عزّز تلك الخشية يومذاك أن «الحلف المقدس» قام بمحاولات عسكرية لاستعادة سيطرة سلالة بوربون على إسبانيا ومستعمراتها الأمـيـركـيـة الـتـي كـانـت تناضل من أجل استقلالها. وإذا كان انحياز التاج البريطاني إلى تبنّي «شرعة مونرو» قد ساهم في إحباط محاولات الأوروبيين استعمار الــقــارة الأمـيـركـيـة مــجــدداً، فــإن الــولايــات المتحدة، التي لم تكن قد وصلت يومها إلـى مرتبة القوة الإقليمية، استندت إليها لمواصلة تمددها الجغرافي نحو الغرب على حساب المكسيك، وجعلت منها منطلقا لسياستها التوسعية في القارة. ASHARQ AL-AWSAT «استراتيجية الأمن القومي» الأميركية الجديدة حدّدت أهدافها الإقليمية بوضوح جيمس مونرو (غيتي) إحدى الطائرات الحربية تجسّد مقاربة واشنطن الجديدة (أ.ب)

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky