issue17222

Issue 17222 - العدد Thursday - 2026/1/22 الخميس كتب BOOKS 17 نزار شقرون يفتح روايته على فضاءات مكانية متعددة «أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر الـــعـــربـــيـــة، لـــلـــروائـــي والأكــــاديــــمــــي الـتـونـسـي نـــزار شــقــرون، بتحديد الـفـضـاءيـن الـزمـانـي والمـــكـــانـــي الــلــذيــن تـنـطـلـق مـنـهـمـا الأحـــــداث، إذ يــنــص فـــي عـــنـــوان الــفــصــل الأول عــلــى أن ،2030 الأحداث تدور في المدينة البيضاء عام فــزمــن الـــروايـــة يــتــجــاوز الـــزمـــن الـــواقـــعـــي، ما يجعلها أقـــرب إلـــى نــبــوءة أو اســتــشــراف لما يـمـكـن أن يــحــدث مـسـتـقـبـا فـــي هـــذه المـديـنـة التونسية، والأقـرب أنها «سيدي بوسعيد»، المشهورة باسم المدينة البيضاء، لكن السارد لـــم يـسـمـهـا بـشـكـل واضـــــح، فـتـبـدو اسـتـعـارة لكثير من المـدن الساحلية التي تشبهها في الوطن العربي كله. تــنــطــلــق الـــــروايـــــة - الـــــصـــــادرة عــــن دار مسكلياني، وصـــدرت طبعتها المـصـريـة عن صـفـحـة - مــن مقابر 350 دار صـفـصـافـة فــي المدينة، التي تبدو مركز ثقل سردي، بكل ما يكتنف المـقـابـر مـن حـمـولات تتعلق بـالمـوت، والمــاضــي، والـتـاريـخ الـــذي انـقـضـى، والبشر الذين رحلوا، والمذاهب والأفكار التي اندثرت. فـي المـقـابـر، ووســط صخب استثنائي، تتجمع قوة حكومية لاستخراج جثة مدفونة منذ ما يقارب عقدين من الزمان، لتشريحها ومــعــرفــة ســبــب المـــــوت الـحـقـيـقـي، إنـــهـــا جثة البطل والسارد، مختار الفاطمي، الذي نرى الحكاية كلها مـن وجهة نـظـره، حكايته في الماضي القريب، وحكايته مع الماضي البعيد، ، وما 2030 وحكاية الـراهـن الـسـردي في عـام اكتنف المدينة من تحولات. مع انفتاح المقبرة واستخراج الصندوق، يـنـفـتـح الــعــالــم الــــروائــــي، ويـنـفـتـح مـعـه بـاب الــــغــــرابــــة، فـــقـــد اســـتـــخـــرجـــوا الـــجـــســـد، الــــذي كــان محنطا وملفوفا فـي كـتـان على طريقة المـــومـــيـــاوات الــفــرعــونــيــة، لــكــن الــــــروح كـانـت حية، والذاكرة لم تزل نشطة، وكانت تتنصت طــــــــــــــوال هــــــــــــذه الــــــســــــنــــــوات لمـــــا يــــحــــدث خــــــــارج الـــقـــبـــر، وبـــمـــجـــرد انــفــتــاحــه حلقت بعيداً، لتطوف فـوق سماء المــــديــــنــــة، لـــنـــرى حــاضــرهــا بعيني هذه الذاكرة الهائمة وروحـــــــهـــــــا المــــــعــــــذبــــــة، عــن مــــخــــتــــار الــــفــــاطــــمــــي، الـــــذي كــــــان بـــاحـــثـــا فـــــي الـــتـــاريـــخ الإسلامي، وتحديدا تاريخ الــدولــة الفاطمية، ويسعى عـــبـــر دراســــــــة المـــخـــطـــوطـــات لاكــــتــــشــــاف أســـــــــرار انــــدثــــار أجـــــــــــــــــــــــــداده الـــــفـــــاطـــــمـــــيـــــن وآثــارهــم، وكـــان هــذا شغفه ومشروع حياته، فقد كان منشغلا بالماضي، والمسكوت عنه فيه، لعله يعثر على أسباب وهـن الحاضر، على خـاف والـــده، الــذي كان يـحـثـه عــلــى الــنــظــر لـلـمـسـتـقـبـل، ولا يحبس نفسه فــي مـقـابـر الــتــاريــخ وأقـبـيـتـه المعتمة، التي لن تغير من الواقع شيئاً. رغـــم تـحـديـد الـــزمـــان والمـــكـــان فــي مطلع الــــروايــــة، فــــإن هــــذه الــــذاكــــرة الــهــائــمــة، وهــي البطل الــــراوي، تحلق بـالـقـارئ بـن زمـانـن، ،2030 الأول هــو زمـــن الـــراهـــن الـــســـردي، فـــي الـــذي انـدلـعـت فيه حــرب عنيفة، بـن الـقـوات الـنـظـامـيـة لـزعـيـم لــم يـسـمـه الـــســـارد، وأعــــداء الوطن والخونة، هكذا في المطلق، بعد تفشي إنــفــلــونــزا الــخــنــازيــر بـشـكـل وبـــائـــي خـطـيـر، وهجوم الخنازير على المدينة بشكل كاسح. والزمن الثاني هو زمن ما قبل رحيل مختار، فـي بـدايـة العقد الثاني مـن الـقـرن العشرين، وثــــورات الـربـيـع الــعــربــي، ومـــا هيمن عليها مـن تـحـولات عنيفة، عبر اسـتـرجـاع الـذاكـرة لأحداث تلك الفترة. فالسرد يراوح بين هذين الــزمــنــن، زمـــن الــحــرب الـــراهـــن الــــذي تعاينه الـــروح وتصفه سـرديـا، وزمــن الــثــورات الـذي تستعيده عبر ذكرياتها عن تلك الفترة وما حدث لها حتى لحظة الرحيل الغامض. تنفتح الـــروايـــة عـلـى فـــضـــاءات مكانية مـــتـــعـــددة، ولا تـــتـــوقـــف عـــنـــد حــــــدود المــديــنــة البيضاء، إذ يـطـوف الـــراوي الباحث الشاب مختار الفاطمي، عبر تقنية الاسترجاع، في شوارع العاصمة المصرية القاهرة، وتحديدا مـنـطـقـة وســــط الــبــلــد الــشــهــيــرة، الـــتـــي تمثل مقصدا لكل الباحثين والمثقفين، فقد سافر إلى مصر في بعثة علمية لمدة عام. وتصادف هذا مع اعتلاء جماعة الإخــوان سدة الحكم، ومحاولتهم السيطرة على مقاليد الأمـــور، فـــي مــقــابــل ثـــــورة الــشــعــب عــلــيــهــم. فـــي هــذه الأجواء الملتهبة سياسيا واجتماعياً، يعاين البطل جوهر فكرة الإقصاء والإزاحة، ورفض الـــتـــعـــدد، وفــــرض هـيـمـنـة الـــتـــيـــارات الـديـنـيـة المـــتـــشـــددة، الــتــي لا تـخـتـلـف فـــي مـصـر عنها في تونس، بما يمنح الـروايـة أبـعـادا تتصل بالنقد الاجـتـمـاعـي والـسـيـاسـي، وتـتـواشـج هــذه الـوقـائـع مـع بحثه فـي أسـبـاب محو كل أثـــر لـلـدولـة الـفـاطـمـيـة، بـمـا يجعل للإقصاء في الحاضر بعدا تاريخيا قديما ومتأصلا في الوعي العربي، وينبئ عن تاريخ طويل مــن الإقـــصـــاء والمــحــو والإزاحــــــة يـعـيـد إنـتـاج نـفـسـه، عـبـر اخــتــاف الأزمــنــة والأمـكـنـة على مــدار الـوطـن الـعـربـي، زمنيا مـن المـاضـي إلى الحاضر، ومكانيا من مصر إلى تونس. نـــــصـــــف أحـــــــــــــداث الـــــــــروايـــــــــة يـــــــــــدور فـــي فـضـاء عـالـم المثقفين فـي مـصـر، بـن القاهرة والإسكندرية، في عام حكم الإخوان. ونصفها الآخـــــر تــقــريــبــا يـــــدور فـــي المـــديـــنـــة الــبــيــضــاء، إذ تـتـحـول إلـــى ديستوبيا حقيقية، مفعمة بــرائــحــة المــــوت ودمــــاء الـبـشـر الــذيــن تقتلهم كـتـائـب الـزعـيـم بـــدم بــــارد، بـمـجـرد الاشـتـبـاه في إصابتهم بعدوى إنفلونزا الخنازير، كما تتحول الــشــوارع والمـيـاديـن وحـتـى محطات القطار والأنفاق والمستشفيات، إلى ساحات حـرب حقيقية، بين قــوات الزعيم والخنازير الـــتـــي تــتــغــول، أو يـــقـــال إنـــهـــا تــغــولــت، حتى تــحــولــت إلــــى عــــدو افـــتـــراضـــي مــجــهــول، يتم بـاسـمـهـا تـجـيـيـش أهـــل المــديــنــة لمـحـاربـتـهـا، بينما رائحة الروث والعفن والجثث الآدمية تملأ كل ركـن وشــارع وزقـــاق، بما يشير إلى حمولات رمزية هائلة عن عفن الواقع وأزماته ، الزمن الـذي اختاره الـراوي ليكون 2030 في فضاء للأحداث، ويمنحها غرائبيتها. هذه الغرائبية تحضر منذ أولى صفحات الــروايــة، عبر الـــرواي نفسه، الــــــذي يـــبـــدو كــطــيــف هـــائـــم، وذاكــــــــرة عـــائـــمـــة تــنــظــر لكل شــــــــيء مــــــن عــــــــــلٍ، بــــــــــدءا مــن نظره لجثته نفسها، مـرورا برؤيته واسترجاعه لماضيه والشخصيات الـتـي قابلها فــي الــقــاهــرة والإسـكـنـدريـة، حــتــى لـحـظـة قـتـلـه عــلــى يد جــــمــــاعــــة الإخــــــــــــــوان، الــــذيــــن قتلوه على هويته الفاطمية، ووصـــــــولا إلــــى تـحـديـقـه في خـــــــراب المــــديــــنــــة الـــبـــيـــضـــاء، تـــــحـــــت دعـــــــــــــــاوى مــــحــــاربــــة الخنازير ومــن يدعمهم من الخونة. فالرواي هنا مجرد ذاكرة، روح فارقت الجسد، لتروي لنا ما حدث وما يحدث، وربما ما يمكن أن يحدث، كاشفة عن تواطؤ إخوان تـونـس مــع إخــــوان مصر فــي التنكيل بــه حيا وميتاً، ففي مصر قتلوه على هويته، وشحنوه فـــي صـــنـــدوق إلــــى وطـــنـــه، وهـــنـــاك فـــي تـونـس تستر الإخــــوان الـحـاكـمـون وقتها أيـضـا على حقيقة قتله، وأعلنوا أنه مات نتيجة صاعقة أصابته في الإسكندرية، وتكتموا على السبب الجنائي، ومنعوا حتى أسرته من رؤية الجثة، فدفنوه بالصندوق الذي أرسل به. وإذا كـــانـــت الــــروايــــة تــــــراوح بـــن زمـنـن ومــــكــــانــــن، فـــإنـــهـــا أيـــضـــا تــــــــراوح بــــن فـضـح خطابين استبداديين، أحدهما (الإخوان) وسر خـــراب المـاضـي والـحـاضـر، يقتل باسم الدين كل من يختلف معه، ويتعاطى مع المختلفين بوصفهم مارقين، والآخر يقتل - باسم الوطن والحفاظ عليه - كل من يعترض على خطابه، ويعدّهم خونة متحالفين مع الخنازير. هذه، إذن، روايــة مفعمة بالطرافة، عن روح تحدق في عالمنا وتاريخنا، في واقعنا ومستقبلنا، بـرشـاقـة ســرديــة بـالـغـة، وعـبـر حيلة سـرديـة غرائبية، لكنها رغــم هــذا المـدخـل الفانتازي، تـــبـــدو مــســكــونــة بـــالـــواقـــع، والآيـــديـــولـــوجـــيـــا، ومحاولة الإمساك - فكريا - بجوهر التخلف ومسبباته، فهي لا تبحث فقط عــن الأســـرار وراء مقتل البطل وفك لغز الجثة، لكنها تبحث عما هو أعمق، عن سر إعادة إنتاج الاستبداد في واقعنا، وسر خراب الماضي والحاضر رغم مرور السنين واختلاف المدن. عمر شهريار أحوال المهاجرين المصريين في أميركا صــــــدر عـــــن دار الــــعــــن لـــلـــنـــشـــر فـي الـــقـــاهـــرة روايــــــة «فـــســـتـــان أحـــمـــر بـكـولـة دائـــــريَّـــــة»، لـــلـــروائـــي والـــشـــاعـــر المــصــري ســـمـــيـــر درويـــــــــش، الــــتــــي يـــتـــنـــاول فـيـهـا أحـوال المهاجرين المصريين في أميركا، في نيو جيرسي ونيويورك بالتحديد، من خلال عائلتين، إحداهما هاجرت في منتصف القرن العشرين، والأخــرى في بــدايــة الـثـمـانـيـنـات بـعـد أحــــداث الفتنة الطائفية في منطقة «الزاوية الحمراء» بالعاصمة المصرية، فتضيء بذلك فترة مهمة في التاريخ المصري الحديث. يـــتـــعـــرَّض «مـــايـــكـــل بـــــشـــــارة»، بـعـد ثـــاثـــة وأربــــعــــن عـــامـــا مـــن هــجــرتــه إلــى أمـــيـــركـــا، لــــحــــادث ســـيـــر فــــي نـــيـــويـــورك، يـــؤدي إلـــى إصـابـتـه بـفـقـدان ذاكــــرة كلِّي يـنـسـيـه كـــل مــاضــيــه، ولا يـجـعـلـه قــــادرا على تكوين ذاكرة جديدة، مع إشعاعات نــــــادرة تـسـمـح لـــه بــالــنــفــاذ إلــــى مـرحـلـة دراســـــتـــــه الـــجـــامـــعـــيـــة فــــي نـــهـــايـــة حـكـم الـسـادات حتى اغتياله على يد أعضاء الجماعات المتطرفة الذين أخرجهم من السجن وسـمـح لهم بالتمدد. هــذه هي الثيمة الأساسية التي تتمحور حولها أحداث الرواية. تسير الأحــــداث فــي خـطـن زمنيين مـــتـــوازيـــن، يفصلهما ثــاثــة وأربـــعـــون عـــامـــا، الــخــط الأول فـــي الـــزمـــن الـــراهـــن، ويـرصـد مسيرة العائلتين وأحوالهما وعــاقــاتــهــمــا، خـــاصَّـــة شـــبـــاب الـجـيـلـن الثاني والثالث، أما الخط الآخر فيرصد مرحلة الدراسة الجامعية للبطل «مايكل بـــشـــارة»، حــن كـــان يـــدرس الفلسفة في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، مصوِّرا الـحـركـات السياسية الـتـي كـانـت تعمل في الجامعات وقتها، وصراعاتها. ورغــــــــم أن الــــبــــطــــل الــــرئــــيــــســــي هــو نـــفـــســـه فـــــي المــــســــتــــويــــن، بــــكــــل أفــــكــــاره وطــــمــــوحــــاتــــه وأحـــــامـــــه وإحــــبــــاطــــاتــــه، فـــإن وضـعـهـمـا مــتــجــاوريــن يـكـشـف عن الاختلاف الشاسع بين زمنين، ومكانين: الإســـكـــنـــدريـــة ونـــيـــويـــورك، لـــكـــل منهما خــصــوصــيــتــه ومـــامـــحـــه المـــمـــيـــزة الـتـي تنعكس على تصرفات الشخصيات. الــــلــــغــــة رصــــيــــنــــة تــــنــــاســــب دراســـــــة الشخصية الرئيسية وثقافتها، تميل ناحية الشعر أحيانا من حيث التكثيف، وتستدعي الكثير من الأغنيات والأفلام الـسـيـنـمـائـيـة لــتــضــيء بــعــض المـــواقـــف، وتعكس الطريقة التي يفكر بها بعض الأشـــــخـــــاص، والمــــــــآزق الــحــيــاتــيــة الــتــي يجدون أنفسهم غارقين في تفاصيلها الكثيرة المؤلمة. المــؤلــف سمير درويــــش مــن شـعـراء الثمانينات فـي مـصـر، أصـــدر عـــددا من الــــدواويــــن، مـنـهـا «قـطـوفـهـا وسـيـوفـي» عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، 1991 و«ديـــــك الـــجـــن» عـــن دار مــيــريــت للنشر . كما أصدر ثلاث روايات من قبل: 2021 ، و«طائر 2004 » «خمس سنوات رملية ، و«لـيـس بعيدا عـن رأس 2006 » خفيف ، التي 2024 » الــرجــل - عــزيــزة ويـــونـــس وصـلـت إلـــى الـقـائـمـة الـقـصـيـرة لجائزة . كـمـا أصــدر 2025 كــتــارا لــلــروايــة دورة 2014 » كتابين فكريين: «دولـــة الملتحين ، إضـافـة 2023 » و«أفـــــول الـعـقـل الــعــربــي لـــكـــتـــابـــن فــــي الـــنـــقـــد الأدبــــــــــي، وأصــــــدر الكتاب الأول من سيرته الذاتية بعنوان «الـــعـــشـــر الـــعـــجـــاف - مــــن الـــهـــزيـــمـــة إلـــى النصر» عن دار الآن ناشرون وموزعون .2018 بالأردن القاهرة: «الشرق الأوسط» صفحة يغطي القارات الخمس 1300 سِفر تاريخي في الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع» «الـــــرأســـــمـــــالـــــيـــــة: تــــــاريــــــخ عـــــالمـــــي - »*... سِـــفْـــر مــوســوعــي ضــخــم في 2025 صفحة، يطمح إلى إعادة 1300 أكثر من تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم، قدمّه سفين بيكرت، المــــــــؤرخ الأمــــيــــركــــي (مــــــن أصــــــل ألمــــانــــي) وأســتــاذ الـتـاريـخ فـي جـامـعـة هــارفــارد، مـــســـتـــنـــدا إلـــــــى بــــحــــث أرشــــيــــفــــي هـــائـــل يغطي القارات الخمس، ليطرح سردية تـاريـخـيـة تــتــجــاوز المــركــزيــة الأوروبـــيـــة التقليدية، وتـرسـم خريطة لنظام وُلـد عالميا منذ لحظاته الأولى، وتغذى على تحالف وثيق بين «السوق» و«المدفع». يــســتــهــل بـــيـــكـــرت ســـرديـــتـــه بـــجـــرأة ومـيـنـاء 1150 مــلــحــوظــة، لـيـخـتـار عــــام عــــــــدن (فــــــــي الـــــيـــــمـــــن) نــــقــــطــــة لانــــطــــاق الرأسمالية، بدلا من مصانع مانشستر أو أمستردام كما في الرواية التقليدية، ويـــرى فــي شـبـكـات الـتـجـار الـتـي ربطت بــــن الــــقــــاهــــرة، وعــــــــدن، وتــشــانــغــتــشــو الصينية، وتجار البندقية، جزرا لرأس المــال مارست منطق الربح والاستثمار عـبـر المــســافــات الـطـويـلـة قـبـل قــــرون من صــعــود الـــغـــرب. ويـــؤســـس هـــذا لفكرته المـــركـــزيـــة: الــرأســمــالــيــة نــظــام عــالمــي في جوهره، نشأ من تضافر جهود تجارية عابرة للقارات، وتطوَّر عبر آليات ربطت بين المنتِج في أقاصي آسيا والمستهلِك في أوروبا. يـنـقّــب الــنــص فـــي طـبـقـات الـتـاريـخ مـحـاولا توضيح الكيفيّة التي تحولت بها هذه الجزر المعزولة نظاما مهيمناً. فــمــع الـــربـــط الــعــظــيــم الـــــذي تــحــقــق بين ،16 والــ 15 الشرق والغرب في القرنين الــ دمــج التجار الأوروبـــيـــون قـــارات العالم الـجـديـد فـي شبكاتهم، مستفيدين من الـــقـــوة الـعـسـكـريـة لـــدولـــهـــم. هـــنـــا، يـبـرز دور «رأســــمــــالــــيــــة الـــــحـــــرب» بــوصــفــهــا قاطرة للنمو. فالتوسع التجاري تطلب أســاطــيــل مـسـلـحـة، وحــمــايــة حـكـومـيـة، وقـــــدرة عـلـى انـــتـــزاع الأراضـــــي والمـــــوارد بالقوة. وثـــمّـــة مــســاحــة واســـعـــة مـــؤلمـــة فـي الــكــتــاب لــرصــد الـتـكـلـفـة الـبـشـريـة لـهـذا الــــــصــــــعــــــود، مــــســــتــــخــــدمــــا إحــــــصــــــاءات ووثائق تاريخية دقيقة، فيقف مطولا - عــــلــــى ســـبـــيـــل المـــــثـــــال - عــــنــــد مـــديـــنـــة بوتوسي (فـي بوليفيا الحالية) خلال في 60 ، الــتــي كــانــت تـنـتـج 17 الـــقـــرن الــــــ المـــــائـــــة مـــــن فــــضــــة الـــــعـــــالـــــم، ويـــصـــفـــهـــا السكان المحليون بـ«الجبل الذي يلتهم الـرجـال»، حيث لقي ربـع من نزلوا إلى المــنــاجــم حـتـفـهـم جــــراء الـعـمـل الـقـسـري والـتـسـمـم بـالـزئـبـق، بـيـنـمـا استمتعت نــــخــــب المــــديــــنــــة بـــالـــبـــضـــائـــع الــــفــــاخــــرة المستوردة من البندقية والصين. تتجلى وحشية النظام في اعتماد الـرأسـمـالـيـة المـبـكـرة - والــاحــقــة - على الـــعـــمـــل الــــقــــســــري؛ إذ تــشــيــر الــبــيــانــات الـتـي يـــوردهـــا الـكـتـاب إلـــى نـقـل التجار مــــلــــيــــون أفــــريــــقــــي 4.38 الأوروبـــــــــيـــــــــن مــســتــعــبــد إلـــــى الأمـــيـــركـــيـــتـــن قـــبـــل عـــام ، وهــــــو رقــــــم يـــمـــثـــل ضـــعـــف عـــدد 1760 المهاجرين الأوروبيين في الفترة ذاتها، ويـجـادل بــأن العبودية لـم تكن نقيضا للرأسمالية أو مرحلة سابقة عليها، بل كانت قلبها النابض الــذي ضخ الدماء فــي شــرايــن الــثــورة الـصـنـاعـيـة، مـوفـرة المواد الخام (القطن والسكر) والأسواق والتمويل الـازم للتصنيع. وحتى بعد إلغاء العبودية رسمياً، استمرت أشكال القهر عبر أنظمة العمل بالتعاقد التي نقلت ملايين العمال الآسيويين للعمل فـــي ظـــــروف شـبـيـهـة بـــالـــرق فـــي مــــزارع المطاط والشاي. يـــنـــاهـــض «الـــــرأســـــمـــــالـــــيّـــــة: تـــاريـــخ عالميّ» بقوة فكرة «السوق الحرة» التي تنظم نفسها بنفسها، مؤكدا أن الدولة الـــقـــويـــة كـــانـــت الـــشـــرط المــســبــق لـنـجـاح الـــرأســـمـــالـــيـــة؛ فـــمـــن تـــمـــويـــل الـــحـــمـــات الاســتــعــمــاريــة، إلــــى ســـن قـــوانـــن تـجـرم الــتــشــرد وتـجـبـر الــفــاحــن عـلـى العمل فـــي المـــصـــانـــع، وصــــــولا إلــــى الــتــدخــات الــعــســكــريــة لـفـتـح الأســـــــواق فـــي الـصـن والهند، لعبت الدولة دور «قابلة توليد» للثروة. ويــســتــمــر هـــــذا الـــــــدور فــــي الـعـصـر الـــحـــديـــث، حــيــث يـــــروي المـــؤلـــف حـكـايـة صعود النيوليبرالية في تشيلي تحت حـكـم بـيـنـوشـيـه، واصــفــا إيــــاه بـ«لينين الـنـيـولـيـبـرالـيـة». ويــوضــح كـيـف تطلب فــرض آلـيـات الـسـوق الـحـرة فـي تشيلي تـــــدخـــــا عـــســـكـــريـــا وقــــمــــعــــا لـــلـــنـــقـــابـــات العمالية بدعم من المؤسسات الدولية؛ مـــمـــا يـــعـــيـــد إنـــــتـــــاج نـــمـــط «رأســـمـــالـــيـــة الـحـرب» في قالب حديث. وفـي السياق ذاتـه، يرى في صعود الصين الصناعي وتطور مناطق مثل شينزين استمرارا لــــهــــذا الـــتـــحـــالـــف بـــــن «الــــــدولــــــة ورأس المــــــــــــال»، حــــيــــث تـــــوفـــــر الــــــدولــــــة الـــبـــنـــيـــة التحتية والعمالة المهاجرة من الأرياف (وغالبيتها من النساء) لخدمة سلاسل الإمداد العالمية. ورغــــــــــــم الإجـــــــــمـــــــــاع عـــــلـــــى الـــقـــيـــمـــة التوثيقية للنصّ، فإن أطروحاته أثارت انـقـسـامـا حــــادا بــن المـخـتـصـن لناحية كـفـاءة تفسيره طبيعة الـرأسـمـالـيـة؛ إذ عــــد الــبــعــض تــعــريــفــه إيـــاهـــا بـوصـفـهـا تـــراكـــمـــا مــســتــمــرا لــــــرأس المــــــال اخــــتــــزالا لتعقيدات النظام الرأسمالي والـدوافـع الـفـرديـة الـبـشـريـة، وإغــفــالا لـــدور ريــادة الأعـــمـــال والابــتــكــار بـوصـفـهـمـا عاملين ذَوَي حيثية. فشخصيات، مثل إيلون مــاســك (تـــيـــســـا)، وســــام والـــتـــون (وول مــــــــــارت)، وجــــيــــف بــــيــــزوس (أمـــــــــــازون)، لـــم يـحـركـهـم مـــجـــرد «الـــتـــراكـــم الأعـــمـــى» لــأمــوال، بـل رغـبـة فـي بـنـاء مؤسسات، أو تغيير أنــمــاط الاســتــهــاك، أو حتى استكشاف الفضاء. الثروة هنا، جاءت نــتــيــجــة الـــفـــاعـــلـــيـــة فــــي تــلــبــيــة حـــاجـــات الـــســـوق وتـــقـــديـــم الابــــتــــكــــارات، ولـيـسـت مجرد عملية استخلاص للقيمة. الجانب الآخر من الانتقادات عد أنه يصور الرأسمالية على أنها «وحش» أو «ذكــاء اصطناعي مــارق» هدفه الوحيد التوسع دون نهاية؛ مما يغيّب الوجه الآخر لها: الارتفاع الهائل في مستويات المعيشة، وزيادة متوسط العمر المتوقع، والــتــطــور الـتـقـنـي الــــذي أتــــاح للبشرية رفاهية غير مسبوقة، فيبدو في بعض فصوله «تاريخا دون أبطال»، يركز على الهياكل والأنظمة وآليات القهر، ويقلل من شـأن الوكالة البشرية والـقـدرة على الإصـــــاح مـــن داخـــــل الـــنـــظـــام، مــثــل دور الـــحـــركـــات الـعـمـالـيـة ودولـــــة الـــرفـــاه في .20 ترويض الرأسمالية خلال القرن الـ ومع ذلك، يظل «الرأسمالية: تاريخ عـالمـي» عـمـا فكريا ذا ثقل استثنائي، ينجح في زعزعة المسلّمات بشأن نشأة الـنـظـام الاقـتـصـادي الـعـالمـي وطبيعته، ويقدم سردا يضج بالحياة والتفاصيل؛ يــربــط بـــن عــمــال المــنــاجــم فـــي بوليفيا وعـــمـــال الـنـسـيـج في 17 خـــال الـــقـــرن الــــــ كمبوديا اليوم، موضحا وحـدة المنطق الـذي يحكم هذا التاريخ الطويل. ولعل قيمته الكبرى تكمن في شمولية نظرته، وفي تذكيره الدائم بأن الأسواق لا تعمل في فراغ، بل تتشكل عبر موازين القوى السياسية والعسكرية. وســـــــواء أتــفــقــنــا مــــع رؤيــــــة بـيـكـرت للرأسمالية على أنها آلة تراكم وحشية، أم انحزنا إلى رؤية النقاد الذين يبرزون جانبها الإبداعي والتنموي، فإن الكتاب يـــفـــرض نـفـسـه مــرجــعــا أســـاســـا لا غنى عنه لفهم الـقـوى التي شكلت، ولا تـزال تشكل، عالمنا المـعـاصـر. إنــه كما دعـوة مفتوحة للتفكير في تكلفة الرخاء، وفي الـــجـــذور الــدمــويــة لـاقـتـصـاد المًـــعَـــوْلَـــم، وفـــي مستقبل نـظـام أثـبـت قـــدرة هائلة على التكيف والبقاء رغـم كل التنبؤات بنهايته. * Capitalism: A Global History by Sven Beckert Allen Lane / Penguin Press 2025 ندى حطيط سفين بيكرت 1150 يختار المؤلف عام وميناء عدن نقطة انطلاق الرأسمالية... بدلا من مصانع مانشستر أو أمستردام كما في السردية التقليدية , ,

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky