لـــقـــد قـــيـــل إن الاجـــتـــمـــاع الـــســـنـــوي لـلـمـنـتـدى الاقـتـصـادي العالمي فـي دافـــوس بسويسرا، الـذي يـجـسـد الـنـخـبـة الـعـالمـيـة الـحـاكـمـة، قــد مــــات. لكن التقارير التي تتحدث عـن زوالـــه مبالغ فيها إلى حد كبير، أو على الأقل سابقة لأوانها. تـــمـــامـــا مـــثـــل بــقــيــة الـــنـــظـــام الـــــدولـــــي، يــدخــل «دافـــــــوس» لـحـظـة انـتـقـالـيـة ســتــحــدد مـــا إذا كــان بإمكانه التكيف والحفاظ على أهميته. وسيكون الاجـــتـــمـــاع الـــســـنـــوي لـــهـــذا الــــعــــام، الـــــذي بــــدأ يــوم الاثـــنـــن، مـــؤشـــرا عــلــى مــــدى مـــا اســـتـــفـــاده كـــل من «دافـــــوس» والــنــظــام الـعـالمـي للعمل مــع الــولايــات المـــتـــحـــدة الـــتـــي غـــيّـــرت بــصــفــة جـــذريـــة مـــن وجـهـة نظرها حول ما يعنيه التعاون. لــقــد تـــطـــور «دافــــــــوس» بــشــكــل مــلــحــوظ منذ تأسيسه كـ«منتدى الإدارة الأوروبـــي»، الـذي كان حينها ملتقى هــادئــا نسبيا يـركـز عـلـى مـشـروع التكامل الأوروبي. أما التحول الحالي، الذي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى حد كبير، فهو أكثر سرعة ووضوحا من أي فترة سابقة. فقد ولّى زمن التأكيد المستمر لسنوات على أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وتنفيذ اتفاقيات باريس للمناخ، وكيفية اعتماد الحكومات على المنظمات المحلية لتنفيذ برامجها التنموية. ومـن المرجح أيضا أن تتراجع «رأسمالية أصـحـاب المصلحة» وأهـداف الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات إلى المرتبة الثانية. لقد مات «دافــوس القديم»، وما زال «دافـوس الــجــديــد» فــي طـــور الـتـشـكـل؛ حـيـث يـسـعـى ترمب بـقـوة لـصـيـاغـة مستقبله. ومـــن المـتـوقـع أن يقود تـرمـب هــذا الـعـام أكـبـر وفــد أميركي على الإطــاق يـــضـــم وزراء ومـــســـتـــشـــاريـــن رفـــيـــعـــي المـــســـتـــوى لحضور الاجتماع السنوي. لطالما تجنب رؤساء أميركيون آخـــرون الـذهـاب إلـى «دافــــوس»، جزئيا على الأقل للنأي بأنفسهم عن المشهد الذي يوحي بـمـداهـنـة النخبة الـعـالمـيـة بـــدلا مــن الـتـركـيـز على القضايا المعيشية التي تهم المـواطـن الـعـادي في الـــداخـــل. وهــــذه هـــي الـــزيـــارة الـثـالـثـة لـتـرمـب إلـى «دافـوس»، وهو ثاني رئيس يمارس مهامه يقوم بـهـذه الـرحـلـة إلــى سـويـسـرا؛ حيث كــان الأول هو . وبينما حضر 2000 الرئيس بيل كلينتون عــام كلينتون في وقت كانت فيه الحماسة للعولمة في ذروتها، يحضر ترمب وهي في أدنى مستوياتها على الإطـــاق — وهــو وضــع أسهم هـو نفسه في خلقه والاحتفاء به. أشـــــار تـــرمـــب إلــــى أنــــه يــعــتــزم اســتــغــال هــذه الــفــرصــة لـلـتـحـدث عـــن قـضـايـا الإســـكـــان والـــقـــدرة عــلــى تــحــمــل الــتــكــالــيــف. وقــــد يــســتــخــدم المــنــتــدى لتقديم مطالب جديدة للدول للتعاون مع الولايات المتحدة في مجالي التجارة والهجرة. لكن هدف الــرئــيــس هـــذا الــعــام يــتــجــاوز مــجــرد الـسـيـاسـات؛ الأمـر يتعلق بفرض الإيقاع العام. فهو لا يسافر إلـى سويسرا في «جولة استماع»، وإنما يسافر تـــمـــلـــؤه الــــتــــوقــــعــــات بــــــأن يـــنـــصـــت الـــجـــمـــيـــع إلـــيـــه وينصاعوا لنهجه. لــــــذا، ســـيـــكـــون اجـــتـــمـــاع هـــــذا الــــعــــام اخـــتـــبـــارا لــقــدرة بقية دول الـعـالـم عـلـى التكيف مــع «عـولمـة بخصائص ترمبية». فعلى مدى العقود الخمسة المـاضـيـة، كـانـت الـفـرضـيـة الأسـاسـيـة لــــ«دافـــوس» هي أن التعاون المتبادل المنفعة - بين الدول وعبر مختلف الـقـطـاعـات - كـــان أمــــرا حـاسـمـا لمـواجـهـة التحديات العالمية مثل الأوبئة وتغير المناخ. ورغم أن التعاون لا يزال مدرجا بقوة على جدول أعمال «دافوس»، فإنه اكتسب صبغة مختلفة؛ فبدلا من السعي للتعاون مع بقية العالم، سيطالب ترمب بهذا التعاون فرضاً. إن «دافـــــوس» يـوجـد ضـمـن الـسـيـاق الأوســـع للنظام الــدولــي، لكنه لا يــحــدده؛ وهـــذا مـا يجعل الـــتـــكـــيـــف ضـــــــــرورة وجــــــوديــــــة لـــلـــمـــنـــتـــدى. يـمـكـن لــــ«دافـــوس» أن يلعب دورا مـفـيـدا فــي استكشاف كيف ينبغي لنظام التجارة القائم على القواعد أن يـتـطـور فــي عـالـم يلعب فـيـه أكـبـر اقـتـصـاديـن؛ الـــــولايـــــات المـــتـــحـــدة والــــصــــن، وفـــقـــا لــقــواعــدهــمــا الـخـاصـة. كـمـا يمكنه أن يعمل كمنصة لمعالجة قـــضـــايـــا تـــبـــنـــي الـــــذكـــــاء الاصــــطــــنــــاعــــي، وإصـــــاح المساعدات التنموية، والتوفيق بين المواقف تجاه الـهـجـرة الـعـالمـيـة. سيبقى «دافــــوس» ويــزدهــر إذا أثـبـت أنــه يتمتع بمرونة كافية لصياغة وقـيـادة النقاشات الأكثر حيوية. لماذا ينبغي لنا أن نقدّر «دافـوس»؟ أيا كانت أجندته الرسمية، تكمن قيمة «دافـوس» في كونه مكانا يشعر فيه قــادة العالم مـن القطاعين العام والــخــاص ومـؤسـسـات المجتمع المــدنــي بـضـرورة الـــوجـــود، والـلـقـاء مــع بعضهم، وبــنــاء الـشـراكـات ، وقّعت اليونان 1988 وإبــرام الصفقات. ففي عـام وتــركــيــا «إعـــــان دافــــــوس» هـــنـــاك. لــــذا، لا ينبغي الاســتــهــانــة بـــــدور «دافـــــــوس» بــوصــفــه مـــركـــز ثقل لـــصـــنـــاع الـــــقـــــرار، حـــتـــى مــــع تــــطــــور المـــوضـــوعـــات النظرية للمناقشة. والآن، ومـــع تــوافــد تـرمـب والــعــديــد مــن كبار معاونيه على «دافــــوس»، أظــن أن حـضـور الـقـادة الحكوميين ورجال الأعمال وقادة المجتمع المدني الآخرين سيزداد؛ حيث سيتوق هـؤلاء لعقد لقاء ثانية مع الرئيس ترمب. 30 جانبي ولو لمدة تاريخياً، كــان بإمكان المــرء استشعار «روح دافوس» بمجرد السير في شارع المدينة الرئيسي المكسو بالجليد. في بعض السنوات، كانت تهيمن عـلـيـه دولـــــة أو أخـــــرى تـسـعـى لــتــســويــق نـفـسـهـا: مـــثـــل روســــيــــا أو الـــصـــن أو الـــهـــنـــد. كـــمـــا تـقـاسـم المــنــتــدى الأضــــــواء مـــع الـــهـــواجـــس الـتـكـنـولـوجـيـة الــــرائــــدة فـــي تــلــك الــلــحــظــة؛ مـــن الــعــمــات المـشـفـرة إلى «الميتافيرس»، ومؤخراً، شركات أو مبادرات الـذكـاء الاصطناعي. وهــذا الـعـام، سيشغل «بيت الــولايــات المـتـحـدة» الفاخر - المـدعـوم مـن كبريات الشركات الأميركية - مبنى كنيسة، وللمرة الأولى ستعترف به وزارة الخارجية رسميا مقرا رئيسيا للولايات المتحدة في هذا الحدث. بغرسه علمه في «دافوس»، يشير ترمب إلى أنه ليس انعزالياً، وإنما مستعد للتفاعل مع بقية بلدان العالم وإعادة تشكيل النظام الدولي، قطعة تلو أخــرى. و«دافـــوس» ليس بمنأى عن نظراته؛ فـفـي الـــواقـــع، وســـــواء حـــاز جـــائـــزة نــوبــل للسلام من عدمه، يمكن لترمب أن يزعم أنـه قد نـال لقبا يحظى بتقدير مــواز تقريباً. إن ترمب هو «رجل دافوس» الحقيقي، لكن «دافوس» قد لا يعود أبدا كما كان. * خدمة «نيويورك تايمز» Issue 17222 - العدد Thursday - 2026/1/22 الخميس نقرأ في القرآن الكريم أن إخوة يوسف، عليه السلام، لمّــا ذهبوا إلـى لقائه في مصر دعاهم أبوهم إلـى دخول المحروسة من أبواب متعددة لا من باب واحد. ونقرأ أنه لم يكشف لهم عن السبب، وأنه فقط أمرهم بأن يلتزموا بما يقول. والـقـرآن الكريم يصف السبب الــذي لم يكشف عنه الأب بــأنــه «حــاجـــة فـــي نـفـس يـعـقـوب قــضــاهــا»، أي إنـه أحــس بـشـيء فـي داخـلـه يـدعـوه إلــى توجيه الأبــنــاء لأن يدخلوا مـن أكـثـر مـن بـــاب، وألا يـكـون دخولهم مـن باب واحد. والمفسرون يجتمعون على أن السبب كان خشية من الحسد، وأن دخولهم متفرقين كـان يكفي لأن يُبعد عنهم العين الحاسدة. بـالـقـيـاس، مـع الــفــارق، يتبين لنا أن هـنـاك «حاجة في نفس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين»، وأنـه على أســاســهــا يــدعــو الــرئــيــس الأمــيــركــي دونـــالـــد تــرمــب إلـى دخول جزيرة غرينلاند، وألا ينتظر، أو يتأخر، أو يتلكأ في هذا السبيل! إن القيصر الروسي لا يكتفي من مكانه في الكرملين بالسكوت عن رغبة ترمب في ضم الجزيرة، ولا بالطبع يُــصـدر بيانا يعلن فيه رفـضـه، أو حتى عــدم حماسته لـهـذا الـتـوجـه لــدى الـرئـيـس الأمـيـركـي تـجـاه جـزيـرة هي الأكبر مساحة بعد أستراليا. لا يلوذ القيصر بالصمت كما يفعل في مواقف كثيرة تكون الولايات المتحدة طرفا فيها، ولا يفكر في أن يُبدي اعتراضا على رغبة جامحة لـــدى ســاكــن الـبـيـت الأبــيــض تـصـطـدم بـمـبـادئ الـقـانـون الدولي الحاكمة في الموضوع. إن الجزيرة ليست أرضا بلا صاحب، ولكنها تتمتع بحكم ذاتـي يجعلها تابعة لمملكة الدنمارك، وبالتالي، فالاستيلاء عليها هو احتلال لأرض أجنبية دون وجه حق، ولكن هذا كله لا يقف في طريق الرئيس الأميركي، ولا يستوقف القيصر الروسي. وقد بلغ الأمر مع الروس إلى حد أن وكالة «رويترز» نقلت عن ديميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، أن الرئيس ترمب سوف يدخل التاريخ إذا دخل غرينلاند وحـصـل عليها. ولــم يشأ المـتـحـدث الــروســي أن يتوقف عند هذا الحد، فـزاد القضية إيضاحاً، وقـال إن التاريخ الذي سيدخله ترمب لو حصل على الجزيرة، هو تاريخ العالم كله، لا تاريخ الولايات المتحدة الأميركية وحدها! روســـيـــا بــهــذه الــطــريــقــة تــغــري الــرئــيــس الأمــيــركــي بالمُضي فـي طـريـق الاسـتـيـاء على الـجـزيـرة إلــى آخــره، وتحرِّضه على ذلك علناً، ولا تجد أي حرج سياسي أو غير سياسي، وهـي تـحـرِّض أو تُــغـري، ولا بـد لذلك من سبب بالتأكيد، وهــذا السبب هـو مـا يـــوازي «الحاجة» التي كتمها يعقوب، عليه السلام، وأخفاها عن أبنائه، ولم يعلنها أمامهم على الملأ. ولا يمكن فهم «الحاجة» التي هي في نفس القيصر الـــروســـي، إلا بــاســتــعــادة مـــا صــرحــت بـــه رئـيـسـة وزراء الـــدنـــمـــارك، مــتــه فــريــدريــكــســن، عــنــدمــا حــــذرت الـرئـيـس ترمب من عواقب الإقـدام على غزو الجزيرة، أو محاولة الحصول عليها بالقوة. كانت قد قالت إن الإقـــدام على ضـم غرينلاند بالقوة معناه نهاية كـل شـــيء. وعندما أحسَّت بأن ما تقوله في حاجة إلى شرح أضافت تشرح وتـقـول إن عـبـارة «نـهـايـة كـل شـــيء» فـي حديثها تعني نهاية حلف شمال الأطلسي! فالحلف يضم الدنمارك مع بقية الـدول الأوروبية، ومـعـهـا جـمـيـعـا يـضـم الـــولايـــات المــتــحــدة، الــتــي تجلس على رأســـه بحكم اعـتـبـارات كثيرة فـي مقدمتها قوتها العسكرية. ونـهـايـة الحلف معناها ألا تـكـون الـولايـات المـــتـــحـــدة مــلــتــزمــة بـــالـــدفـــاع عـــن أي دولـــــة فــيــه تـتـعـرض لاعتداء، ومعناه الأكثر صراحة أن تجد أوروبــا نفسها عارية من غطاء الحلف، وأنها تقف وحيدة في مواجهة الروس، وأن طلاقا قد وقع بينها وبين الأميركيين. وقد كان الأوروبيون ينظرون إلى الحرب الروسية - الأوكـــرانـــيـــة مـنـذ بــدايــتــهــا، لـيـس عـلـى أنــهــا حـــرب بين طرفيها الروسي والأوكراني، ولكن على أنها حرب بين روسيا من ناحية وأوروبا كلها من ناحية ثانية. كانوا ولا يــزالــون يـنـظـرون إلـيـهـا عـلـى هـــذا الأســــاس، وكـانـوا يجدون فيما يرونه بهذا الشأن سندا أميركيا قويا أيام جــو بــايــدن، فلما جـــاء تـرمـب سـحـب هـــذا الـسـنـد فـجـأة، ولــم يعد الأوروبـــيـــون يجدونه إذا بحثوا عنه إلا بشق الأنــفــس، وصــــاروا يـواجـهـون الـــروس بـصـدورهـم بينما ظهورهم إلى الحائط! فــإذا حـدث ومضى ترمب في طريقه نحو الجزيرة إلـــى غـايـتـه، فـسـوف يتحقق فــي الـغـالـب مــا حـــذرت منه رئـيـسـة وزراء الـــدنـــمـــارك، وســــوف تــكــون الـنـتـيـجـة مما يـسـعـد بـــه بــوتــن ويـــفـــرح، فـالـحـلـف سـيـكـون قـــد انـفـرط عقده، وأي مواجهة روسية - أوروبية ستكون أسهل على الروس من الآن بكثير! هنا تتبين لنا «الحاجة» التي هي في نفس الرئيس الروسي ونراها عاريةً. وهنا نفهم السبب الذي يجعله يدعو ترمب ليس إلى غزو غرينلاند، ولا إلى المسارعة بـالـحـصـول عـلـيـهـا، ولــكــن إلـــى دخــــول تــاريــخ الــعــالــم، لا تاريخ الولايات المتحدة وحدها! تتأمل الــدعــوة الـروسـيـة التحريضية لترمب على غزو غرينلاند، ثم على دخـول التاريخ، فلا تملك إلا أن تهتف: أيها التاريخ... كَم من الجرائم تُرتَكب باسمك! يــخــطــئ مـــن يــظــن أن إشـــعـــال أو تـأجـيـج الـحـروب فـي بيوت الجيران يمكن أن يتم بلا تكلفة. فالنار، حين تُؤجَّج، لا تعترف بالحدود، ولا تميّز بـن مـن أشعلها ومـن جـاورهـا. وما يجري في السودان اليوم يقدّم مثالا صارخا على خـطـورة الـتـدخـات الـخـارجـيـة، وترجمة عملية للتحذيرات التي انطلقت منذ بدايات الحرب بأنها لن تقف عند حدوده. تـــشـــاد تـــدفـــع الـــيـــوم ثــمــن انـــخـــراطـــهـــا في تـأجـيـج الــحــرب فــي الـــســـودان بـعـد أن تحولت مـنـذ فــتــرة مـبـكـرة إلـــى بـــوابـــة رئـيـسـيـة لعبور السلاح والمرتزقة عبر حدودها، وهو ما وثقته تـقـاريـر دولــيــة مــتــعــددة. ولأنــهــا دولـــة تعاني أصــــا مــن هـشـاشـة داخـلـيـة وتــحــديــات أمنية واقتصادية عميقة، فقد بدت كمن اختار اللعب بالنار وبيته من هشيم. حدودها الطويلة مع الـــســـودان، والتركيبة الاجتماعية المتداخلة، وانـــتـــشـــار الـــســـاح فـــي المــنــطــقــة، كـلـهـا عــوامــل تجعل من تأجيج الحرب في السودان مغامرة خطرة. لــذلــك لــم تـكـن الــهــزة الــتــي أحــدثــهــا مقتل سـبـعـة عــســكــريــن تـــشـــاديـــن فـــي اشـــتـــبـــاك مع عـــنـــاصـــر مــــن «قـــــــوات الــــدعــــم الـــســـريـــع» عــبــرت الــــحــــدود، أمـــــرا مــفــاجــئــا. فـــي الـــبـــدايـــة حــاولــت مــواقــع تــشــاديــة إلــقــاء الـتـهـمـة عـلـى الحكومة الـــســـودانـــيـــة، غــيــر أن الـحـقـيـقـة كـــانـــت أوضـــح مــــن أن تُـــخـــفـــى أو يُـــلـــتـــف عــلــيــهــا، إذ وثــقــهــا، كعادتهم، مقاتلو «الدعم السريع» أنفسهم في مقاطع فيديو انتشرت فـي وسـائـل التواصل الاجـتـمـاعـي. ظـهـروا وهــم يتباهون بتوغلهم داخـــل الـعـمـق الــتــشــادي، وبـالمـعـركـة الـتـي قُتل فيها الـجـنـود الـتـشـاديـون وقـائـدهـم، مـردديـن شعارات من قبيل: تشاد محررة... خلصنا من السودان، والآن تشاد. وحـسـمـت الـحـكـومـة الــتــشــاديــة الأمــــر في بيان رسمي حملت فيه «قوات الدعم السريع» المسؤولية، مؤكدة أن عناصرها عبرت الحدود بشكل غـيـر قـانـونـي «ونــفــذت عملية مسلحة على الأراضي التشادية استهدفت قوات الدفاع والأمــــن ومــدنــيــن، وأســـفـــرت عــن مـقـتـل سبعة جــنــود تـــشـــاديـــن، ووقـــــوع عــــدد مـــن الـجـرحـى وتدمير ممتلكات». هــذه لـم تكن الـحـادثـة الأولــــى، ولــن تكون الأخــــــيــــــرة. فـــفـــي الـــشـــهـــر المــــاضــــي قُــــتــــل أيــضــا جنديان تشاديان إثـر هجوم بطائرة مسيرة اســـتـــهـــدف حــامــيــة فـــي بـــلـــدة حــــدوديــــة. ورغـــم مـــــحـــــاولات «الـــــدعـــــم الــــســــريــــع» الـــتـــنـــصـــل مـن المـسـؤولـيـة وإلـصـاقـهـا بـالـجـيـش الــســودانــي، أصـــدرت قـيـادة أركـــان الجيش التشادي بيانا حملت فيه «الدعم السريع» المسؤولية، محذرة من تبعات ذلك. لقد لعبت تشاد دورا في تأجيج الحرب في السودان وكانت -وفق العديد من الشواهد والـــتـــقـــاريـــر الــــدولــــيــــة- نــقــطــة عـــبـــور رئـيـسـيـة للسلاح والمرتزقة إلى «قـوات الدعم السريع»، وإن ظلت تنفي رسميا دعمها لأي طرف. غير أن تقارير متواترة تحدثت عن رحلات طيران محملة بالعتاد حطت فـي مــطــارات تشادية، ومــتــجــهــة إلــــى «الــــدعــــم الـــســـريـــع»، فـــضـــا عن توثيق مشاركة تشاديين في القتال إلى جانب «الدعم السريع». المـوقـف الـتـشـادي لـم يكن هكذا فـي بداية الحرب، لكنه انتقل من الحياد إلى دعم «قوات الـــدعـــم الــســريــع» نـتـيـجـة حــســابــات تـعـتـقـد أن الخطر الأكبر على النظام قد يأتي من الزغاوة الـــنــافــذيـــن فـــي تـــشـــاد والــــذيــــن تـــوجـــد عــاقــات وأواصـــــــر قـبـلـيـة مــمــتــدة بـيـنـهـم وبــــن زغــــاوة الـسـودان. كانت تلك الحسابات تقوم على أن سـيـطـرة «قــــوات الــدعــم الــســريــع» عـلـى دارفـــور ســوف تساعد حكومة أنجامينا فـي منع أي تـمـرد لـلـزغـاوة داخـــل تــشــاد. يـضـاف إلـــى ذلـك الـعـامـل المــالــي المـتـمـثـل فــي الــدعــم الـــذي تلقته حـكـومـة تــشــاد، مــا جعلها أداة فــي مـغـامـرات تستهدف السيطرة على السودان، أو تفكيكه. المشكلة لتشاد أنها كانت كمن يشعل عود ثقاب قرب برميل بنزين. فأوضاعها الداخلية هشة، وتوازناتها القبلية حساسة. والانحياز إلى «قوات الدعم السريع» التي ارتكبت مجازر مروعة في دارفور، كان كفيلا بإثارة انقسامات داخــلــيــة، وتــهــديــد تـمـاسـك الـجـيـش الـتـشـادي ذاتـــــه، فـــي ظـــل الـــتـــداخـــل الـقـبـلـي عــلــى جـانـبـي الحدود. الـــــــيـــــــوم بــــــــــــدأت تــــــشــــــاد تــــجــــنــــي نــــتــــائــــج حساباتها الخاطئة في الـسـودان. فالتوترات الداخلية تتزايد، وتتحدث تقارير عن تململ في الجيش، مع تحذيرات متزايدة من احتمال انفجار داخلي يهدد حكومة ديبي، لا سيما مع انتهاك «قوات الدعم السريع» للحدود ومقتل جنود تشاديين. ومع تقدم الجيش السوداني فـي المــيــدان، وتضييق الخناق تدريجيا على «قـــوات الـدعـم الـسـريـع»، فـإن توغل عناصرها داخـــــــل الأراضــــــــــي الــــتــــشــــاديــــة يـــبـــقـــى مــرشــحــا لـــلـــتـــكـــرار، ومـــعـــه انـــتـــقـــال الاضــــطــــرابــــات عـبـر الحدود. من يصب الزيت على نار في بيت جاره، فلن يـأمـن ولــن يهنأ، لأنـهـا ســوف تمتد إليه، لا سيما إذا كـان بيته مـن قـش. ومـا حـدث في تشاد قد نرى مثله في دول أخرى تورطت في تأجيج حرب السودان وانخرطت في المخطط ضده. اســـــتـــــقـــــرار الـــــــســـــــودان ركــــــيــــــزة أســـاســـيـــة لاستقرار جـواره، وتأجيج الحرب فيه وإطالة أمدها لم يكن سينتج إلا مزيدا من اللاجئين، وانــــتــــشــــار الــــــســــــاح، وتـــفـــكـــك الـــــــــدول الـــهـــشّـــة المحيطة، وعدم الاستقرار في الإقليم. وعندها لـــن يـــكـــون الــــســــؤال لــلــمــتــورطــن: هـــل ستصل النار؟ بل متى، وبأي ثمن؟ من يصب الزيت على نار في بيت جاره فلن يأمن ولن يهنأ لأنها سوف تمتد إليه سيسعد بوتين ويفرح في حال مضى ترمب بضم غرينلاند... وسيكون الحلف الأطلسي قد انفرط عقده سليمان جودة عثمان ميرغني مايكل ب. ج. *فرومان OPINION الرأي 14 تشاد وثمن تأجيج حرب السودان «حاجة» في نفس القيصر ترمب هو «رجل دافوس» الأول بامتياز سيكون اجتماع هذا العام اختبارا لقدرة بقية دول العالم على التكيف مع «عولمة بخصائص ترمبية»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky