نــعــيــش أحــــداثــــا كـــانـــت حـــتـــى الأمــــــس خـــيـــالـــيـــة. الـــقـــوى الاســـتـــعـــمـــاريـــة الـــغـــربـــيـــة الـــتـــي حــكــمــت الــــعــــالــــم، بــالــتــكــافــل والـتـضـامـن، ووزّعــــت ثـــرواتـــه، تنقسم عـلـى نفسها، ويـهـدد بعضها البعض. الـرئـيـس الأمـيـركـي دونــالــد تـرمـب يصف علنا حليفته الأقرب بريطانيا بـ«الغباء»، لأنها تخلت عن جزر تشاغوس، رغـــم أن الأمــــر تــم بـمـوافـقـتـه. يـسـخـر مــن الــرئــيــس الفرنسي في المائة، ثم ينشر 200 إيمانويل ماكرون ويهدده بضرائب على منصته «تـــروث ســوشــال» رسـالـة منه نصية يفترض أنها سرية، في ازدراء مهين. يصف ترمب القادة الأوروبيين بـ«الضعفاء»، وبأنهم يذهبون بحضارتهم إلى «الاندثار»، وعـــلـــيـــهـــم أن يـــذعـــنـــوا لــتــســلــيــمــه جــــزيــــرة غـــريـــنـــانـــد، وإلا سيخضعون لرسوم جمركية غير مسبوقة. فهم أضعف من أن يحموا «صخرة متجمدة»، أو ينهوا حربا في أوكرانيا. يـتـصـدع حـلـف شـمـال الأطـلـسـي، أقـــوى تـحـالـف عالمي سنة. تنهار منظومة دولـيـة، وزعــت المغانم، 100 دام قـرابـة وتقاسمت المصالح، وطغت وتجبرت، وبــدأت بسبب الشح الكبير والجشع المتزايدين، «تتناتش» الحصص من جديد في ما بينها. أوروبا تنسلخ عن أميركا بمرارة علقمية. كندا تتجرع سم الاتفاقات التجارية الجديدة مع الصين بعد جفاء طويل، ويقود رئيس وزرائها مارك كارني، حركة تمرد في مواجهة الاستبداد الأميركي، معتبرا أن «المـاضـي قد ذهـب إلـى غير رجعة»، ويدعو الأوروبـيـن، أو ما يسميه الـدول المتوسطة، إلى وقفة موحدة. الأوروبـــيـــون مقتنعون الآن أن الــرضــوخ الـــذي اتبعوه طوال السنة الأولى من حكم ترمب سيزيد من جرأة الرئيس الأميركي ويفاقم عنجهيته. مــن غـريـنـانـد، الـجـزيـرة القطبية، تنطلق الـــشـــرارة، لا لأنـهـا مـوقـع استراتيجي، أو منجم للمعادن الــنــادرة تريد أن تـسـتـثـمـرهـا أوروبـــــا وتــنــازعــهــا أمــيــركــا، بـــل لأنــهــا تفتح ملف المستعمرات المتقاسمة على مصراعيه. قالها ترمب: سنة بــقــارب. ونحن 300 «الـدنـمـارك وصـلـت إلــى هـنـاك قبل نصل بقواربنا». ضمنا لا يرى ترمب في الجزيرة سوى أرض متنازع عليها بــن مـسـتـعـمـريـن. الـسـكـان الأصــلــيــون «الإنـــويـــت» يــشــكــلــون غــالــبــيــة ســاحــقــة مـــن الـــســـكـــان، الـــبـــالـــغ عــددهــم ألـفـا، يـأنـفـون مـن التكالب على ثـرواتـهـم، ويفضلون 65 الدنمارك رغم أنها فعلت بهم ما لا يصدق. فــــي ســتــيــنــات وســبــعــيــنــات الــــقــــرن المــــاضــــي، قــامــت الدنمارك بتعقيم آلاف النساء والفتيات الصغيرات من ســنــة. قـضـيـة عـرفـت 12 الإنــــويــــت، بـعـضـهـن لـــم تــتــجــاوز فـــي مـــا بـعـد بـــ«الــلــولــب الـــرحـــمـــي». اسـتـغـفـلـت الإنـــويـــات، ومـورسـت عليهن عمليات التعقيم هــذه مـن دون إذنهن أو معرفتهن. بعضهن حقن بإبر هرمونية، أو أخضعن للإجهاض. ورغـم الاعتذار الرسمي الـذي جاء قبل أشهر فقط، فإن تهمة «الإبادة الجماعية» تحوم حول الدنمارك. هذا غيض من فيض ما ذاقه السكان، قبل أن يحظوا بحكم .2009 ذاتي، أصبح ناجزا عام الجزيرة ليست جزءا من الاتحاد كما تدّعي أوروبا، لأن حكومة غرينلاند خرجت من الاتـحـاد الأوروبـــي عام بعد استفتاء شعبي، وإن بقيت تحت سلطة مملكة 1985 الدنمارك. واختار الإنويت صيدهم وبيئتهم، على قوانين الاتــحــاد الـتـي كـانـت تـفـرض عليهم جـــوراً، ولخوفهم من استغلال مواردهم الطبيعية. هذا لا يعطي أميركا حق الاستيلاء عليهم، أو يبرر قرصنة أراضٍ، وتجاهل حق الشعوب في تقرير مصيرها. الـدنـمـارك أتـاحـت لأميركا استثمارات فـي الجزيرة، والقواعد العسكرية كذلك، أما الإصرار على فتح صراعات فأمر فيه قصر نظر لأسباب عدة. أميركا بحاجة لثروة سهلة وسريعة. صخور المعادن النادرة هناك لا تزال مغطاة بالجليد، وهي موضع طمع أوروبي أيضاً. وثمة مشروع كبير لاستخراجها. لكن كل الـنـتـائـج سـتـتـأخـر، لأن الاســتــخــراج عـلـى صعوبته أمــر، والتكرير شأن آخر، تحتكره الصين إلى اليوم، لما تمتلك مـــن مـــهـــارات، حـيـث تـلـجـأ إلـيـهـا أمــيــركــا لـلـحـصـول على حاجتها. أما الإنويت فعلى قلتهم لن يستسلموا للهجمة. حتى من دون صك ملكية، متاح لأميركا أن تفعل ما تريد في غرينلاند، بما في ذلـك مراقبة الملاحة البحرية ومنع كـل الأعـــداء مـن إقـامـة مشاريع، إلا أن أميركا تريد السطوة والهيمنة، ما دامت غرينلاند مجرد مستعمرة. كـنـدا بـهـذا المـعـنـى، قـد تـكـون فـي نظر تـرمـب المطمع المقبل. هذا ما يخشاه رئيس وزرائها كارني. وبدأت كندا بـوضـع خطة افـتـراضـيـة، تـرسـم سبل الــدفــاع عـن نفسها على طريقة العصابات المسلحة، في حال تعرضت للغزو الأميركي. فكندا، يصح القول إنها مستعمرة أيضاً، وعلى المدى البعيد أميركا الشمالية كلها. هكذا يأكل المستعمر القوي حليفه القديم، ويستولي على ما استطاع. ومــن الصعب فصل كـل هــذه المطامع الاستعمارية، عما يحدث في غزة والاستيلاء على الثروة البترولية على شواطئها، والاستثمار فيها كممر ومنفذ تـجـاري على البحر، والتخلص من السكان الغزيين بالقتل الجماعي، لا الـتـعـقـيـم هـــذه المــــرة. وربــــط هـــذا بـمـخـطـطـات إسـرائـيـل للاستيلاء على أرض الصومال. المستعمرون هـم أنفسهم الـذيـن عرفناهم فـي القرن الـــتـــاســـع عـــشـــر، يــتــصــارعــون عــلــى الأراضـــــــي والــــثــــروات. يــعــودون بأقنعة جــديــدة، وحـجـج تمويهية. الأصـــل هو في النوايا والمرامي، التي بقيت ثابتة، لكن موازين القوى تتغير، ونوعية الثروات تتبدل، ويعيد التاريخ نفسه. إنما الغرب هذه المرة يصارع من أجل البقاء، وانتزاع ثروات، تمدد في عمره. ولعل أسوأ ما ترتكبه أميركا أنها كـــالـــصـــاروخ الــــذي يـفـتـرض أنـــه كـلـمـا تـخـفـف مـــن أعـبـائـه (حلفائه) ينطلق أسرع، لكنه بدلا من ذلك، يقص جناحيه اللذين كان بهما يحلّق. لم يعد توصيف «الـدولـة المـارقـة» صالحا إذا حُصر في صورتِه التقليدية التي صاغتها الأدبـيـات الأميركية بعد الحرب الباردة، فذلك المفهوم وُلد في سياق سياسي مــحــدَّد، وارتـــبـــط آنــــذاك بــــدول وُصــفــت بـأنَّــهـا خــارجــة عن الــنّــظــام الـــدَّولـــي أو مُـــهـــدِّدة لــه عــبــر الـــسّـــاح أو المـواجـهـة المباشرة. الـسَّــرديـة الأميركية ركَّـــزت على أربـــع سـمـات رئيسة لـتـوصـيـف الــــدّول المـــارقـــة، وهـــي أولاً: امـــتـــاكُ، أو السَّعي للحصول على أسلحة دمــار شامل بوصفها أداة ضغط واستراتيجية للتهديد. ثانياً: دعــم شبكات إرهـابـيـة أو مسلحة تعمل على زعــزعــة الاســتــقــرار الإقليمي وإطـالـة أمد النّزاعات الداخلية في الدول المستهدفة. ثالثاً: انتهاك القوانين الدولية والـقـرارات الأممية دون تحرك فعال من المجتمع الــدولــي لِــردعِــهــا. رابــعــا: الــعــداء الـظـاهـر للنّظام الدولي ورفض التعاون مع المؤسسات متعددة الأطراف، ممَّا يجعلُها دولة غير موثوقة. الــــواقــــع الـــحـــالـــي يـثـبـت أن هــــذه الـــسّـــمـــات لا تـصـف الصورة بأكملها، فالدَّولة المارقة اليوم قد تتبنَّى واجهة دبــلــومــاســيــة شـــرعـــيـــةً، بـيـنـمَــا تـــمـــارس ســـيـــاســـات خـفـيـة لـتـفـكـيـك الــــدَّولــــة المــســتــهــدفــة مـــن الــــداخــــل، عـــبـــر تـوظـيـف الانقسامات الاجتماعية والسياسية وتعميق الهُويَّات الفرعية، وحقيقة أن التَّجربة العملية أظـهـرت أن أخطر الـــدول المـارقـة ليست دائـمـا تلك التي تشهر سلاحَها، بل تلك التي تتسلَّل إلى داخل الدول الأخرى، وتعيد تشكيل مؤسساتها، وتستنزف الــدولــة مـن الــداخــل حتى فقدان الــقــدرة على الحكم الفعلي، فـالـدولـة المــارقــة فـي معناها المعاصر ليست بالضرورة ضعيفة أو منعزلة، ولا يشترط أن تـكـون فـي حـالـة عـــداء معلن مـع المجتمع الــدولــي، فقد تكون فاعلا نشطا في المنظمات الدولية، تتبنَّى خطاب الاسـتـقـرار، وتعلن الـتـزامَــهـا الـقـانـون الــدولــي، لكنَّها في الممارسة العملية تنتهج سياسة التدخل التخريبي في شـــؤون الـــــدول الأخـــــرى، مــدفــوعــة بـــأهـــداف جيوسياسية وطموحات عابرة للحدود. هذا التَّحول يعكس تغيرا جذريا في طبيعة الصراع الدولي، فبعد أن كانت الحروب تُدار بين جيوش نظامية، أصبحت تُــدار بين شبكات وأذرع متعددة، حيث يصبح دعـــم فـصـيـل ضــد فـصـيـل، واســتــدامــة الـــنـــزاع، واسـتـنـزاف مـــؤســـســـات الــــدولــــة الـــداخـــلـــيـــة، أدوات أكـــثـــر فــاعــلــيــة من الاحتلال العسكري التقليدي. التَّدخل التخريبي ليس تدخلا مسؤولا لحل أزمة أو تحقيق وساطة، بل هو تدخل يحمل استراتيجية لإدامة الـفـوضـى، لــذا فـــإن الــــدّول المــارقــة تستثمر المـــال والـسـاح والـــخـــطـــاب الــســيــاســي لــتــغــذيــة الانـــقـــســـامـــات، وتــضــخــم الخلافات الداخلية، وتعيد إنتاج الصراع جيلا بعد جيل، مــا يــحــوّل الـــــدول الـقـابـلـة لـلـحـيـاة إلـــى ســاحــات مفتوحة لـلـصـراع بـالـوكـالـة، كما شهدنا فـي بعض دول المنطقة، حيث أدَّى التَّدخل الخارجي إلى تفكيك مؤسسات الدولة وإضعاف قدرتها على إدارة شؤونها، دون أن يظهر ذلك على السَّطح بصورتِه التقليدية للصراع العسكري. في هذا السّياق، تصبح الدولة المارقة أكثر خطورة، فهي لا تهدّد دولة واحدة فقط، بل تسعى لخلق الفوضى، وقد ذكرت في مقال سابق نُشر هنا وحَمل عنوان «وصفات للتخريب» أن انتقال الفوضى عبر الحدود يخلق أقاليم هشَّة لا يمكن ضبطها، وهذا النموذج أخطر من أي عدوان عسكري تقليدي؛ لأنَّه لا يكتفي بتدمير الأرض، بل يدمّر فكرة الدولة نفسها، ويستنزف المجتمع بأكمله. لذلك، فـإن إعـادة تعريف الدولة المارقة اليوم أصبح ضرورة لتحليل النزاعات المعاصرة، وفهم القوى الخفية وراء انهيار الدول؛ لأن الدولة المارقة اليوم تتدخَّل للتفكيك والـتـدمـيـر وإشــعــال الـــصـــراع؛ لأنَّــهــا تـــرى فــي فـشـل الـــدول فرصة لتحقيق نفوذ سريع ولـو على أنـقـاض الاستقرار الإقليمي، وبـالـتـالـي، يصبح الــســؤال الحقيقي ليس مَن يطلق النَّار ويقود الدَّبابة، بل من يسعى لخلق الفوضى وتغذيتِها، ومن يستخدم أدوات القوة الناعمة والتدخل الـتـخـريـبـي لإعـــــادة تشكيل الـــــدّول عـلـى مـقـاس مصالحه الضيقة؟ بــهــذَا الـفـهـم، تصبح الـــدولـــة المــارقــة أكــثــر مــن مجرد تهديد للأمن الدولي، فهي نموذج للتدمير الاستراتيجي المستمر، الـــذي يـهـدّد الــدولــة نفسَها ويفكك المجتمعات، ويـــؤكـــد أن الــتــهــديــد الأكـــبـــر لا يــأتــي مـــن الـــســـاح، بـــل من السياسة التي تُــدار من الغرف المغلقة، والتي تجعل من تـغـذيـة الـــصّـــراع وإطــالــتِــه أداة نــفــوذ واســتــنــزاف، وتضع الاستقرار الإقليمي على حافة الانهيار. يـــبـــدو أن جــــدل الــعــاقــة بـــن الـعـقـل والـــنـــص، قـــد ذهـــب فـــي مـــســـارات تشتت الـفـكـرة وتــعــوق رؤيــــة الـــهـــدف. وأبــرزهــا هــو المــســار الــــذي يــصــور الــجــدل كـدعـوة لــلــتــخــلــي عــــن الــــنــــص، بــــل هـــجـــر الـــديـــن كلياً، واعتماد العلم المحض في توجيه الحياة. شهدت أوروبا دعوة كهذه في أوائل عصر النهضة، وانتهت باقتناع غالبية الأوروبيين، بأن العلم الحديث قادر على حــل مـشـكـات الـعـالـم، ولـــذا لــم تـعـد ثمة حــاجــة لـلـديـن أو وظـيـفـة منتجة خــارج دور العبادة. أمـا في العالم العربي، فالأمر على عكس المثال الأوروبي. فالدعوات لإعادة الاعتبار للعقل والعلم، لا سيما دورهما في التشريع، يستهدف معظمها إحياء الـــــروح الأصــيــلــة لــلــديــن، ويـــشـــارك فيها إصـاحـيـون يـسـعـون لنهضة المجتمع، ويـــرون أن قـــراءة جـديـدة للدين، تحترم الـعـلـم والــعــقــل، أقــــرب إلـــى روحــــه وأكـثـر تعبيرا عن جوهره، من المنهج المتوارث فــــي مــــــــدارس الـــعـــلـــوم الـــشـــرعـــيـــة، وهـــي أقـرب استجابة لحاجات البشر في هذا الزمان. مــن ضـعـف الــــرأي أن أتـخـيـل أنـــا أو غيري، بأن كل نقاش حول مكانة العقل ودوره فـي الـتـشـريـع، يستهدف إقصاء الــديــن أو الـنـص أو الاسـتـغـنـاء عنهما. الواقع أن للدين دورا في حياة البشر وأن للعلم دورا آخر. وهما – من هذا المنظور – يـشـغـان مـجـالـن مـخـتـلـفـن. لكنهما بمقتضى هــذه الوظيفة، يـتـداخـان في بعض الأدوار والنطاقات، بـل أستطيع الــــقــــول إنـــهـــمـــا يـــعـــمـــان بـــالـــتـــنـــاوب فـي الــنــطــاق نـفـسـه أحـــيـــانـــا. ومــــن ذلــــك على سبيل المثال أن العلم يتدخل في تفسير تـعـالـيـم الـــديـــن وقــيــمــه، ومـــن خـــال هـذا التفسير يشخص موضوعاته ويحدد تــطــبــيــقــاتــه. كــمــا أن الـــديـــن يــتــدخــل في تحديد أخـاقـيـات البحث العلمي، وقد يحجب تطبيقاته التي تـعـارض بشكل مـبـاشـر، مــا يـريـد إقـامـتـه أو صـونـه من مصالح للإنسان والطبيعة. إن الجدل الـقـائـم حاليا حــول الـجـوانـب الأخلاقية في أبحاث الهندسة الجينية، مثال على هذا. يمكن للدين أن يلعب دورا واسعا وفعالاً، في توجيه الأخلاقيات والأعراف الــنــاظــمــة لــحــيــاة الـــبـــشـــر، إذا اسـتـوعـب التنوع الواسع جدا لهذه الحياة. الجدل القائم اليوم حول دور الدين، ناتج – كما أعتقد – من الفجوة الواسعة بين «زمن» الـتـعـالـيـم الـديـنـيـة وزمـــن الـعـلـم. تنتمي الشريحة الأعظم من تلك التعاليم، إلى أزمـنـة بعيدة فـي عمق الـتـاريـخ. ويأبى القائمون على التعليم والتشريع، النظر فــي عــامــل الــزمــن بـوصـفـه مـتـغـيـرا يؤثر جوهريا في موضوع الحكم ومفهومه، رغـــم أنــهــم يــفــاخــرون بـقـبـولـهـم لـدخـالـة الزمان والمكان في تعيين الأحكام. نعلم أن هذه أمنية وليست التزاماً، لأنهم في نهاية المطاف سيرجعون إلى قول فقيه قـديـم أو روايـــة قـديـمـة، قيلت فـي سياق مـخـتـلـف، لـتـخـدم ظــرفــا قــائــمــا، يختلف - بــــالــــضــــرورة - عــــن ظـــــرف الــــيــــوم الــــذي سيتغير غدا أو بعد غد. واقع الأمر أن هناك من يرفض الدين من حيث المبدأ. كما أن هناك من يرفض العلم مـن حيث المـبـدأ. رغـم أنـك لـن تجد من يقول صراحة إنه يرفض الدين لأنه يدعو للخوف من الخالق، أو للتورع عن ظلم الناس أو تدمير البيئة الطبيعية. كما لن تجد من يقول صراحة إنه يرفض الــعــلــم، لأنــــه يـفـتـح لـلـبـشـر طــريــق الـقـوة والثروة والصحة والتقدم. فــــي اعـــتـــقـــادي أن الـــرافـــضـــن لــــدور العلم/العقل في التشريع، يخشون من دوره الأوسع في الحياة الدينية. بـــيـــان ذلـــــك أن هــــــؤلاء عـــــــدّوا الـعـلـم عامل تفكيك للقيم المستقرة، لأنه يفتح الأذهـان ويثير الأسئلة ويعزز الشكوك. وهــــم يـــــرون أن الـــديـــن مــنــهــج اســتــمــرار على إرث الآبــاء والأجـــداد، فهم يعرّفون أنفسهم بأهل «اتباع» لا أهل «ابتداع». والمـقـصـود كما هـو واضـــح التمييز بين الاســـتـــمـــراريـــة عــلــى المــــــوروث أو تـطـويـر مناهج جديدة، فكأن الدين خزانة الآباء أو متحف القدماء. أرى أنـــــــــه لا يــــمــــكــــن فـــــهـــــم الـــــديـــــن واسـتـثـمـار طاقته الإيـجـابـيـة العظيمة، مـن دون العلم الـــذي يفتح آفـــاق الحياة ويكشف أسرارها. الحياة من دون العلم جــامــدة تــوشــك أن تــمــوت. طــريــق العلم يبدأ بالشك والـسـؤال، وهـذا هو السبب في المعضلة التي نجادل فيها اليوم. OPINION الرأي 12 Issue 17222 - العدد Thursday - 2026/1/22 الخميس الدولة المارقة... إعادة تعريف صراع الأحبة أهل الاتباع ومشكلة الابتداع وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com توفيق السيف لا يمكن فهم الدين واستثمار طاقته الإيجابية العظيمة من دون العلم الذي يفتح آفاق الحياة ويكشف أسرارها زيد بن كمي سوسن الأبطح
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky