الثقافة CULTURE 18 Issue 17221 - العدد Wednesday - 2026/1/21 الأربعاء تتميز بمفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي تـــــــضـــــــم بـــــــــاديـــــــــة الأردن ســـلـــســـلـــة مـــــن الــــقــــصــــور الأمـــــــويـــــــة، أكــــبــــرهــــا قــصــر «المَشتى» في لـواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الـضـوء على هــذا المـوقـع في الـــربـــع الأخـــيـــر مـــن الـــقـــرن الـــتـــاســـع عـشـر، ونـجـحـت بـعـثـة ألمــانــيــة فـــي نـقــل واجـهـتـه الجنوبية الضخمة إلــى بـرلـن فـي مطلع الـقـرن العشرين بعدما أهــداهــا السلطان عــبــد الــحــمــيــد إلــــى حـلـيـفـه مــلــك بــروســيــا غليوم الـثـانـي، فدخلت «متحف القيصر ، ثــم نُــقـلـت إلـى 1903 فـريـديـريـك» فــي عـــام . ويُعد 1932 «متحف الفن الإسلامي» في هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتل واجـــهـــة «المَـــشـــتـــى» الـحـيـز الأكـــبـــر فـــي هـذا الـصـرح الأوروبــــي، وتحضر إلـى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة مـن التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصـل جـزءا من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نــحــتــي أمــــــوي خــــــاص، اتّـــضـــحـــت هــوّيــتــه الفنيّة بشكل جـلـي مـن خــال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تم استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي. تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على مــنــصّــات مستطيلة بـيـضـاء فــي ركـــن من أركـــان الـقـاعـة المخصّصة لـواجـهـة القصر الــضــخــمــة فـــي «مــتــحــف الـــفـــن الإســـامـــي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المـــزيـــنـــة بــــزخــــارف مـــحـــفـــورة فــــي الــحــجــر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هـذا الركن قطعة حافظت وحـدهـا على الـجـزء الأكـبـر مـن تكوينها، وتتمثّل بكتلة مـن حجر كلسي منحوت ومــــصــــقــــول، تـــجـــسّـــد أســـــــدا رابــــضــــا عـلـى سنتيمتراً، 72 قاعدة بيضاء، يبلغ طوله سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد 122 وعرضه جـاثـيـا بـثـبـات عـلـى قـائـمـتـيـه الخلفيتين المـطـويـتـن فـــوق قــاعــدة مستطيلة رقيقة مـــجـــرّدة مــن أي زخـــرفـــة، بـاسـطـا قائمتيه الأماميتيّ، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر مـــن رأســــه وطـــرفـــي قـائـمـتـيـه الأمــامــيــتــن. سقطت عناصر ملامح الـوجـه، وبــات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط بـه لبدة كثيفة تتكوّن مـن خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتد وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقدا يلتف حول كتلة الذقن البيضاوية. الــجــســم طـــويـــل وأمــــلــــس، وأعـــضـــاؤه مـــــــحـــــــدّدة بـــشـــكـــل جـــــلـــــي يــــحــــاكــــي المــــثــــال الـــواقـــعـــي، كــمــا يـشـهـد الـتـجـسـيـم الـدقـيـق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى فــــي نــــتــــوء المـــخـــالـــب الـــنـــاتـــئـــة الــــتــــي تــحــد طـرفـيـهـا. تـجـدر الإشـــــارة هـنـا إلـــى وجــود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَــــشــــتــــى»، تــحــضــر فــيــهــا هـــــذه المــخــالــب بـشـكـل مــمــاثــل. ولا نـــــدري إن كـــانـــت هــذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلــى تمثال مماثل شـكّــل تأليفا ثنائيا مــعــه، وفــقــا لـتـقـلـيـد فـنـي ســـاد فـــي أقـالـيـم الإمــبــراطــوريــة الـسـاسـانـيـة. انـقـضـت هـذه الإمـبـراطـوريـة مـع الفتح الإســامــي لبلاد فـــارس، إلا أن نتاجها الـثَّــقـافـي ظــل حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أســــد «المَـــشـــتـــى» شـــاهـــدا مـــن شـــواهـــد هــذا التلاقح. تـــقـــابـــل هــــــذا الـــلـــيـــث قـــطـــع مــنــحــوتــة مــهــشّــمــة، يــشــكّــل كـــل مـنـهـا جـــــزءا بسيطا من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصـلـي. تُمثّل إحـــدى هذه الـــقـــطـــع رأســــــا بـــقـــي مــــن مـــامـــحـــه مـحـجـرا الـــعـــيـــنـــن الــــواســــعــــن، والـــــطـــــرف الأســـفـــل لــــأنــــف، وشـــفـــتـــا الـــثـــغـــر المــطــبــقــتــان عـلـى ابــتــســامــة خــفــيّــة. الــوجــنــتــان عـريـضـتـان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تـبـلـغ مـسـاحـتـهـا الـعـلـيـا ضــعــف مـسـاحـة الـــــوجـــــه. فـــــي المــــقــــابــــل، تـــكـــشـــف قــطــعــتــان مـــنـــحـــوتـــتـــن عـــــن صــــــدر أنـــــثـــــوي مـمـتـلـئ ومـــكـــتـــنـــز. كـــمـــا تــكــشــف قــطــعــة ثـــالـــثـــة عـن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم سنتيمتراً، 70 المــتــوسّــط، ويـبـلـغ طـولـهـا سنتيمتراً، مما يوحي بأنها 50 وعرضها تــعــود لـتـمـثـال يـحـاكـي فـــي حـجـمـه المـثـال الـطـبـيـعـي. حـافـظـت هـــذه الكتلة الثلاثية الأبــعــاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هــــذه الــتــفــاصــيــل رداء رقــيــقــا يـــنـــزاح عن الــــردفــــن، بــقــي طـــرفـــه حـــاضـــرا عــنــد أعـلـى الـفـخـذ الــيــســرى. تـظـهـر عـلـى هـــذه الفخذ بــقــايــا كــتــابــة مـنـقـوشـة بــالــخــط الــكــوفــي، تتجه من الأعلى إلـى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فك نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال. يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مــشــابــهــة، كــشــفــت عــنــهــا أعـــمـــال الـتـرمـيـم والــتــنــظــيــف الـــتـــي أجـــرتـــهـــا دائـــــــرة الآثـــــار في قصر «المشتى». 1962 العامة خلال عام صيغت هــذه القطعة كـذلـك وفـقـا للقياس سنتيمتراً، 75 الطبيعي، ويـبـلـغ طـولـهـا سنتيمتراً، وتمثّل الحوض 52 وعرضها وأعــلــى الــســاقــن. يظهر هـنـا الـــــرداء الــذي يـنـسـدل عـلـى الـفـخـذ الـيـمـنـى، كـاشـفـا عن الـفـخـذ الـيـسـرى، وتـظـهـر ثـنـايـاه المــحــدّدة وفـقـا لـلـطـراز الـيـونـانـي الـكـاسـيـكـي. فقد هــذا التمثال ذراعــيــه، غير أن مـا بقي من طرفيهما الأسـفـل يشير إلـى يدين تحمل كــــل مـنـهـمـا أداة مــــا، بــــات مـــن المـسـتـحـيـل تحديد هوّيتها. تشهد هــذه المـنـحـوتـات لمـثـال أنـثـوي أمــــوي، ظــهــرت خـصـائـصـه تشكيليا عند دراســــة جـــداريـــات مـوقـع أمـــوي مــن مـواقـع الــبــاديــة الأردنــــيــــة يُـــعـــرف بـقـصـيـر عــمــرة، كـــشـــف عـــنـــه الـــعـــالـــم الــتــشــيــكــي ألـــويـــيـــس مـوزيـل فـي مـؤلـف ضخم نُــشـر فـي جزأين . وتـأكّــدت هـذه الخصائص في 1907 عـام مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أمـوي يقع في قــريــة خــربــة المـفـجـر، شــمــال أريـــحـــا، خـال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لـــدائـــرة الآثـــــار الـبـريـطـانـيـة فـــي منتصف الثلاثينات. يـــتـــمـــيّـــز هــــــذا المــــثــــال بـــجـــســـد مـكـتـنـز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هـــذا الـــطـــراز فـــي قـــوالـــب مـخـتـلـفـة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شـــعـــر وحـــلـــل زيـــنـــيـــة مــــتــــعــــدّدة الأشــــكــــال، شـــكّـــلـــت مـــــفـــــردات لـــقـــامـــوس فـــنـــي يـــــوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء. محمود الزيباوي منحوتات من قصر «المَشتى» محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين تقابلها منحوتة سادسة 5 محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان إلى جانب النسيج العائلي والوجداني تتسع لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار صـــــدر حـــديـــثـــا عــــن مـــؤسّـــســـة «أبـــجـــد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بـابـل الـعـراقـيـة كــتــاب جــديــد حـمـل عـنـوان «رسـائـل إلـى سلفادور دالــي ومجايليه»، وهـــــــو مـــــن تــــألــــيــــف الــــشــــاعــــر والمــــســــرحــــي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عـــن الإســبــانــيــة المــتــرجــم والــشــاعــر حسين نهابة. يـــقـــول المــتــرجــم إن هــــذا الــكــتــاب «هــو عــــــبــــــارة عــــــن مــــجــــمــــوعــــة مــــــن المــــــراســــــات الشخصية التي كتبها لوركا إلـى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفا أن هـــذه الــرســائــل تـكـشـف جــوانــب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة. ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «عـــلـــى الـــعـــاقـــات الــعــائــلــيــة والـــصـــراعـــات الـشـخـصـيـة، إذ يكتب لــوركــا لــوالــديــه عن رحــــاتــــه إلـــــى الأديـــــــــرة، مـــثـــل ديـــــر سـانـتـو دومـــيـــنـــغـــو دي ســــيــــلــــوس، واســـتـــمـــتـــاعـــه بــالــهــدوء والــفــن المــعــمــاري، كـمـا يـعـبّــر في رســـائـــلـــه عـــن رغــبــتــه فـــي الاســـتـــقـــال، ولا سيما فـي مخاطبته لــوالــده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالبا بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلا من العودة إلـى غرناطة، معتبرا أن الفن هو معركته الحقيقية. وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يـشـيـر الــكــتــاب إلــــى الــعــاقــة الــقــويــة الـتـي جـمـعـتـه بــالــفــنــان الـــســـوريـــالـــي ســلــفــادور دالـــي، وانـتـظـاره لــزيــارة دالـــي إلــى منزله، وتــخــطــيــطــه لإقــــامــــة حــفــلــة غـــجـــريـــة عـلـى شرفه، فضلا عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنـــخـــيـــل بـــــاريـــــوس، وأدولـــــفـــــو ســــالاثــــار، يــــنــــاقــــش فـــيـــهـــا مــــشــــاريــــعــــه المـــوســـيـــقـــيـــة، وقصائده، وتطلعاته الفنية. وتـــبـــن الـــرســـائـــل تـــأمّـــات لـــوركـــا في فـلـسـفـة الــشــعــر، حــيــث يـصــف نـفـسـه بـأنـه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخـلـه زنبقة مستحيلة الـــري، ويعبّر عن حــزنــه الـــدائـــم الــــذي يـشـكّــل جــوهــر شـعـره، مـعـتـبـرا أن الــشــعــر هـــو «مـمـلـكـة الــكــآبــة». فــضــا عــن تــأمّــاتــه فــي الــفــن والـــواقـــع، إذ نـــاقـــش لـــوركـــا رســـومـــاتـــه الــفــنــيــة، مــؤكــدا ضـــرورة ربــط التجريد بـالـواقـع، وواصـفـا عـــمـــلـــيـــة الـــــرســـــم بـــأنـــهـــا تـــمـــنـــحـــه شـــعـــورا بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عـن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الـدمـى». وتطرّق لــــوركــــا أيــــضــــا إلــــــى تـــجـــاربـــه فــــي الـــســـفـــر، حيث تـنـاول رحلته الشهيرة إلــى أميركا الشمالية، واصفا حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتـأثـره بالأشخاص الـذيـن الـتـقـاهـم، مثل الطفل المـجـري الـذي ألهمه إحدى قصائده. تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سـيـرة ذاتــيــة، تـبـدأ مـن الـحـب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بـــــدأت: عــنــد الـــحـــب بــوصــفــه أعـــمـــق مـــا يـبـقـى. ليست سـيـرة فـــرد مـنـعـزل، بــل سـيـرة تتشكّل داخـــــــل شـــبـــكـــة مــــن الــــعــــاقــــات الأولـــــــــى، حـيـث الـعـاطـفـة لا تنفصل عــن الــنَّــسَــب، والــرغــبــة لا تــنــفــصــل عــــن الــــخــــوف، والـــــذاكـــــرة لا تـنـفـصـل عـن الـجـسـد. منذ الصفحات الأولــــى، لا يقدّم نــبــيــل ســلــيــمــان نــفــســه بــوصــفــه شـــاهـــدا على مـاض مكتمل، بل بوصفه كائنا لا يـزال يرى، ويختبر، كــأن الـسـيـرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد. يــتــجــلــى الأســـــلـــــوب الـــــســـــردي هـــنـــا كـــأن الــــــروائــــــي مـــمـــســـك بــــكــــرة زجــــاجــــيــــة يــشــوبــهــا الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صورا حادة ولا مشاهد مغلقة، بـل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديــــرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لـم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلا ولا نهارا كامليْ. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخا وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يـزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد. مــــن هـــنـــا تــــبــــدأ الـــســـيـــرة بـــالـــحـــب، لـيـس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكا أول، نـظـرة مـن نـافـذة، جـسـدا يكتشف جـسـدا آخـر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عـــاريـــة مـــن الـــبـــاغـــة. وهــــذه الــبــســاطــة هـــي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلــى قصص حـب مراهقته، علناً، أمــام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر مـنـهـا، بــل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نـادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها. الـــــنـــــســـــاء فــــــي هــــــــذا الـــــكـــــتـــــاب يـــحـــضـــرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سـعـاد، شفيقة، زلـفـى، ثـم غـنـوة، لسن صـورا مـتـطـابـقـة، ولا نـسـخـا مـــتـــكـــررة، بـــل تــحــولات لجرح واحــد، ينتقل من الواقع إلـى التخييل، ثم يعود إلـى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عــن الـبـنـيـة العميقة لـلـمـشـروع الـــروائـــي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلا هشّا لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تــعــويــض، وكــيــف كــانــت الـشـخـصـيـات تحمل آثارا حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها. غـــيـــر أن «أوشــــــــــام» لا تـــقـــف عـــنـــد الــحــب الـــــفـــــردي، بــــل تــتــســع لــتــصــبــح ســـيـــرة عــائــلــة. الأب الـدركـي، التنقل الـدائـم، المخافر، البيوت المـؤقـتـة، الأم الـتـي تتحمل الـفـقـدان والانـتـقـال والـصـمـت، الـجـد الـــذي يـنـهـر، الأطــفــال النيام فــــي الــــــغــــــرف... كــــل ذلـــــك يُـــكـــتـــب بــلـــغـــة نــثــريــة مشبعة بـالـشـعـر، غـيـر تجميلية، بــل لإبقائه فـي حالته المعلّقة. اسـتـخـدام الفعل المـضـارع في السرد ليس خيارا شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يـــقـــول الـــكـــاتـــب: كـــــان الـــضـــبـــاب، بــــل يــقــول: يُظلم الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخـل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضيا مكتملاً، بل حادثا يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الـغـرف، والأجساد النائمة، والأصــوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى. هـــذا الأســـلـــوب يـبـلـغ ذروتــــه فــي المـقـاطـع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الـكـتـب. فـي الـعـاقـة مـع الأم، لا يـعـود الكتاب موضوعا ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأة يصعُب النطق عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد. يـــبـــدأ الـــكـــاتـــب مـــن «كـــــان يـــا مـــا كــــــان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتبا عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بـريـخـت، ومــن بـودلـيـر إلــى إيـزابـيـل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعا هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعا للرثاء والحنين، بل كيان حي داخل الــلــغــة، ولـــذلـــك يــرفــض الــكــاتــب صـيـغـة المـــوت المكتمل. يستحضر كـامـو وعـبـارتـه الشهيرة عــــن مـــــوت الأم، لا لـــيـــكـــرر بـــــــرود شـخـصـيـتـه الــرئــيــســيــة «مـــيـــرســـو»، بـــل لـيـقـلـبـه: أنــــا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت». بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الـحـب. حـب المـــرأة الأولـــى، حـب الأم، حب الـعـائـلـة، حــب الــكــتــب، حــب الــحــيــاة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصا يتركه مـفـتـوحـا، مـغـبـشـا، قـيـد الـتـشـكّــل. الـضـبـاب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن. إلـــــــى جـــــانـــــب هـــــــذا الـــنـــســـيـــج الـــعـــائـــلـــي والـــوجـــدانـــي، تـتـسـع «أوشــــــام» لـتـضـم ذاكـــرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطا بوجوه صنعت زمنا كاملا من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الـــصـــوت والــضــحــكــة والـــحـــضـــور الــجــســدي، وعــلــى تـفـاصـيـل عـــابـــرة اكـتـسـبـت مـــع الـزمـن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمر في الجملة مــن دون أن يُــحـبـس فــي تــعــريــف. والأســمــاء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشـــــــام» تــدخــل الــنــص بـالـطـريـقـة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حـوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلــــــى ذاكـــــــــرة جــــيــــل، حـــيـــث تــــأخــــذ الـــصـــداقـــة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة. وفـــي اســتــعــادة نـبـيـل سـلـيـمـان لعلاقته بـحـجـو، تـنـفـتـح الـــذاكـــرة عـلـى طـبـقـة سمعية شـــــديـــــدة الــــحــــضــــور، حـــيـــث تــــتــــقــــدّم الأغــــانــــي بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الــــذي كـــان يجمعهما يــمــر كــاســتــذكــار عـابـر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ بابا على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كـــانـــا يــتــقــاســمــانــهــا، يــــرددانــــهــــا، ويـتـركـانـهـا تملأ الـفـراغ بـن الـكـام والـكـام. الـصـوت هنا هـو خلفية أســاس ســـردي، وهــو أيضا طريق لـلـدخـول إلــى حساسية الـكـاتـب، إلــى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جـسـر؛ لا بــن شخصين فـقـط، بــل بــن الـسـرد والنبرة، بين الـذاكـرة والنص، كـأن الموسيقى كــــانــــت أحــــــد الــــوســــائــــط الــــتــــي عـــــبَـــــرت مـنـهـا الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقا في الــروايــات، حيث تتسلل الأغنية إلـى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكـــرة مـوازيـة لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة. هـــذا الـفـصـل مـــن «أوشــــــام» يـــقـــدّم الـغـنـاء بـــوصـــفـــه ســــيــــرة ســـمـــعـــيـــة مــــــوازيــــــة لــلــســيــرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى لـــيـــســـت عـــنـــصـــرا مــــرافــــقــــا فـــــي تـــجـــربـــة نـبـيـل ســـلـــيـــمـــان، بــــل إحــــــدى آلــــيــــات تـــشـــكّـــل الــــذاكــــرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحي إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الـفـنـادق فــي الــقــاهــرة، إلـــى مقهى الــــزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقسا يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قـبـل أن تستقر داخـــل الـــروايـــات نفسها مـــادة بنيوية. مــا يفعله سـلـيـمـان فــي هـــذا الـفـصـل أنـه يـثـبّــت مــصــدر الـــصـــوت فـــي المـــكـــان والـلـحـظـة، ثــم يـتـركـه يـهـاجـر إلـــى الــســرد، فـيـغـدو الغناء إيقاعا داخليا للجملة، وأحيانا منطقا كاملا لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع الــتــقــاســيــم والارتـــــجـــــال، ثـــم تـنـكـمـش لتلتقط ملاحظة حساسة عـن تغيّر المـــزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمنا آخـــر، فيتحوّل الـغـنـاء إلــى جـهـاز رصــد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضا عـــن مـنـطـق الـــســـالـــة: صــــوت الأب يُـــــــورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدما من الـخـارج، بل معيشا من الـداخـل. صحيح أن كثافة الأسـمـاء والأغـانـي تخلق فائضا سمعيا قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر مــا يــقــرأ. قيمة هـــذا الـفـصـل أنـــه يفتح مـدخـا مختلفا لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي مـن زاويـــة الإيـقـاع، والـتـراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضا بوصفه لحما لغويا وآلـــة توقيت ســرديــة، ويضيف إلــى «أوشـــام» وشـمـا إضـافـيـا: وشـــم الــصــوت، وشـــم الـنـبـرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة. * كاتب سوري. بغداد: «الشرق الأوسط» *فارس الذهبي أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علنا أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky